← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة، قالت (١): فقلت فأعقبني الله مَن هو خير [لي] (٢) منه رسول الله ﷺ ". وعنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه" (٣). فصل قال علماؤنا (٤): قوله (٥) ﵇: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا"، أمر ندب وتعليم بما يقال عند الميت والمريض (٦) وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك؛ ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير حالة موته ليذكِّروه، ويدعوا له ولمن يخلفه ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة (٧) فينتفع بذلك الميت، ومن يصاب به، ومن يخلفه.

стр. 177

باب منه وما يقال عند التغميض ابن ماجه (١) عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم موتاكم (٢) فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تؤمن على ما قال أهل البيت". وذكر الخرائطي أبو بكر محمد بن جعفر (٣) قال: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم الحسن (٤) قالت: كنت عند أم سلمة فجاءها إنسان فقال: فلان بالموت، فقالت لها: انطلقي فإذا حضر فقولي (٥): السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (٦). وخرّج (٧) من حديث سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا أغمضتَ الميت فقل بسم الله وعلى ملة رسول الله وسبِّح، ثم تلا سفيان: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]. قال أبو داود (٨): وتغميض الميت إنما هو بعد خروج الروح، سمعت محمد بن محمد المقرئ قال: سمعت أبا ميسرة وكان (٩) رجلًا عابدًا يقول: غمضت جعفر المعلم، وكان رجلًا عابدًا في حالة الموت فرأيته في منامي

стр. 178

يقول: أعظم ما كان عليَّ تغميضك [لي] (١) قبل أن أموت. باب ما جاء أن الشيطان يحضر الميت عند موته وجلساؤه في الدنيا وما يخاف من سوء الخاتمة روي عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "إن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فالذي عن (٣) يمينه علي صفه أبيه يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقًا، ولك محبًا، ولكن مت علي دين النصارى وهو خير الأديان، والذي علي شماله علي صفة أمه يقول له: يا بني كان بطني (٤) لك وعاء، وثدي لك سقاء، وفخذي (٥) لك وطاء، ولكن مت علي دين اليهود، وهو خير الأديان"، وذكره أبو الحسن (٦) القابسي (٧) في شرح رسالة ابن أبي زيد (٨) له، وذكر معناه أبو حامد في كتاب كشف علم (٩) الآخرة (١٠). وأن عند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن وذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلي هذا الإنسان خاصة واستعملهم عليه ووكلهم به، فيأتون المرء وهو في تلك الحال (١١) فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباء (١٢) الميتين البلغين له النصح في دار الدنيا كالأب،

стр. 179

والأم، والأخ، والأخت، والصديق والحميم (١) فيقولون له: أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت يهوديًا فهو الدين المقبول عند الله تعالى، فإن انصرم عنهم وأبي جاءه آخرون وقالوا له: مت نصرانيًا فإنه دين المسيح ونسخ به دين موسى، ويذكرون له عقائد كل ملة، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى (٢) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا زمانًا، فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتًا جاءته الرحمة، وقيل هو جبريل ﵇ فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيتبسم الميت لا محالة، وكثيرًا مَن يرى متبسمًا في هذا المقام فرحًا (٣) بالبشير الذي جاءه (٤) من الله، فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة الجليلة، فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك، وهو قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، ثم يقبض عند الطعنة (٥) على ما يأتي (٦). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي أحمد وبيدي الخرقة لأشد لحييه فكان يغرق ثم يفيق ويقول بيده، لا بعد، لا بعد فعل ذلك (٧) مرارًا فقلت له: يا أبه أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول لا بعد، لا بعد حتى أموت (٨)

стр. 180

قلت: سمعت (١) شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية (٢) يقول: حضرت أخا شيخنا أبي (٣) جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتُضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق ذكرنا ذلك له فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن يساري يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان، ويقول الآخر مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا لا، إليّ تقولان (٤) هذا؟! وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديًا مت نصرانيًا "فكان الجواب لهما لا لكم. قلت: (٥) [و] (٦) تصفحت كتاب الترمذي أبي عيسى وسمعت جميعه فلم أقف على هذا الحديث (٧) فيه، فإن كان في بعض النسخ فالله أعلم، وأما كتاب النسائي فسمعت بعضه وكان عندي كثير منه فلم أقف عليه (٨)، وهو نُسَخٌ فيحتمل أن يكون في بعضها، والله أعلم (٩).

стр. 181

وروى ابن المبارك (١) وسفيان (٢) عن ليث عن مجاهد قال: "ما من ميت (٣) إلا يعرض عليه أهل مجالسه (٤) الذين كان يجالس (٥)، إن كانوا أهل لهو فأهل اللهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر (٦) ". وقال الربيع (٧) بن سَبْرَة (٨) بن معبد الجهني وكان عابدًا بالبصرة: أدركت الناس بالشام وقيل لرجل: يا فلان قل لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني (٩). وقيل (١٠) لرجل بالأهواز: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: دَهُ يَازْدَهُ (١١) [دَوَازْدَه] (١٢)، تفسير [٥] (١٣): عشرة (١٤) أحد عشر، اثنا عشر، كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان فغلب عليه الحساب والميزان. ذكر هذا التفسير أبو محمد عبد الحق (١٥). قال الربيع: وقيل لرجل هاهنا بالبصرة: يا فلان قل لا إله إلا الله، فجعل يقول:

стр. 182

يا رُبَّ قائلة يومًا وقد لَعِبَتْ (١) … كيف الطريقُ إلى حمام مِنجَاب (٢) قال الفقيه أبو بكر أحمد (٣) بن سليمان بن الحسن النجاد (٤): هذا رجل استدلته امرأة إلى الحمام فدلها إلى منزله، فقاله عند الموت (٥). وذكر (٦) أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية في كتاب العاقبة (٧) له فقال: وهذا الكلام له قصة: وذلك أن رجلًا كان واقفًا بإزاء داره وكان بابه يشبه باب حمام، فمرت به (٨) جارية لها منظر وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال لها: هذا حمام منجاب، وأشار إلى داره فدخلت الدار (٩)، ودخل وراءها، فلما رأت نفسها معه في داره وليس بحمام (١٠)، وعلمت أنه خدعها، فأظهرت (١١) له البِشَر والفرح (١٢) باجتماعها معه (١٣) على تلك الخلوة وفي تلك الدار، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، وتقر به أعيننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين، وبكل ما (١٤) تشتهين، فخرج وتركها في الدار ولم يقفلها، وتركها محلولة على حالها ومضى وأخذ ما يصلح لهما ورجع ودخل (١٥) الدار، فوجدها قد خرجت وذهبت ولم يجد لها أثرًا، فهام

стр. 183

الرجل بها، وأكثر الذكر لها، والجزع عليها، وجعل يمشي في الطرق (١) والأزقة وهو يقول: يا رُبَّ قائلة يومًا إذا (٢) بلغت … أين الطريق (٣) إلى حمام منجاب (٤) وإذا بجارية (٥) تجاوبه من طاق وهي تقول: قرنان (٦) هلَّا جعلت لها (٧) إذ ظفرت بها … حرزًا على الدار أو (٨) قفلًا على الباب فزاد هيمانه، واشتد هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر. فنعوذ بالله من الفتن والمحن (٩). قلت: ومثل هذا في الناس كثير ممن غلب عليه الاشتغال بالدنيا والهم بها أو بسبب (١٠) من أسبابها، حتى قد (١١) حُكِي (١٢) لنا أن بعض السماسرة (١٣) جاء عند الموت فقيل (١٤) له: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: ثلاثة ونصف، أربعة ونصف، غلبت عليه السمسرة.

стр. 184

ولقد رأيت بعض الحُسّاب وهو في غاية المرض يعقد بأصابعه ويحسب. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا (١)، والجِنَان (٢) الفلاني (٣) اعملوا فيه كذا وكذا (٤). وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: عَقْلُكَ (٥) الحمارة. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: البقرة الصفراء. غلب عليه حبها والاشتغال بها، نسأل الله السلامة، والممات على الشهادة بمنه وكرمه. ولقد حكى ابن ظفر (٦) في كتاب (٧) النصائح (٨) له: كان يونس بن عبيد (٩) بزازًا، وكان لا يبيع في (١٠) طرفي النهار، ولا في يوم (١١) غيم، فأخذ يومًا ميزانه فرضَّه بين حجرين، فقيل له: ألا أعطيت الصانع فأصلح فساده، فقال: لو علمت فيه (١٢) فسادًا لما أبقيت من مالي قوت ليلة، قيل: فلم كسرته؟! قال: حضرت الساعة رجلًا احتضر فقلت له: قل لا إله إلا الله فامتغص (١٣)، فألححت عليه، فقال: ادع الله لي، فقال: هذا لسان الميزان

стр. 185

على لساني يمنعني من قولها، قلت: أفما (١) يمنعك إلا من قولها؟ فقال: نعم (٢)، قلت: وما كان عملك به؟ قال: ما أخذت ولا أعطيت به إلا حقًّا في علمي، غير أني كنت أقيم المُدة فلا أفتقده (٣) ولا أختبره، فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه (٤) أن يأتي بميزان (٥)، ويزن بيده وإلا لم يبايعه (٦). باب منه في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم مسلم (٧) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل الزمان (٨) الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله (٩) بعمل أهل النار (١٠)، وإن الرجل ليعمل الزمان (١١) الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل (١٢) أهل الجنة". وفي البخاري (١٣) عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ : "إن العبد (١٤) ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل (١٥) أهل الجنة وإنه (١٦) من أهل النار، وإنما (١٧) الأعمال بالخواتيم". قال أبو محمد عبد الحق: واعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا

стр. 186

تكون لمن استقام ظاهره وصلح (١) باطنه، ما سمع بهذا، ولا علم به والحمد لله، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل وإصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى (٢) ينزل به الموت قبل التوبة فيصطلمه (٣) الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو يكون (٤) ممن كان مستقيمًا ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سنته ويأخذ في غير طريقه؛ فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته، وشؤم عاقبته (٥)، كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة (٦)، وبلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض واتباع (٧) هواه (٨)، وبرصيصًا العابد الذي قال الله في حقه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦] (٩). ويروى: أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجدًا (١٠) للأذان والصلاة، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار النصراني ذمي، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب (١١) الدار فافتتن بها، وترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار، فقالت له: ما شأنك؟! ما تريد؟! فقال: أنت أريد (١٢)، [قالت: لماذا؟ قال]: (١٣) قد سبيتِ (١٤) لبي، وأخذت بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك إلى ريبة، قال لها: أتزوجك، قالت (١٥): أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل،

стр. 187

فتنصر ليتزوجها (١)، وأقام معهم في الدار، فلما كان (٢) في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو بدينه، ولا هو بها، ونعوذ (٣) بالله، ثم نعوذ بالله (٤). وروي (٥) أن رجلًا علق بشخص وأحبه (٦) فتمنع عنه واشتد نفاره، فاشتدّ كلف (٧) البائس إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتدّ سروره وانجلى عنه بعض ما كان يجده، فلما كان في بعض الطريق رجع (٨) وقال: والله لا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم، فأخبر (٩) بذلك البائس المسكين فسُقط في يديه ورجع إلى أشد ما كان به وبدت (١٠) علامات الموت وأمارته (١١)، قال الراوي (١٢): فسمعته يقول في تلك الحال (١٣) يقول (١٤):

стр. 188

سلام يا راحة العليل … وبرد ذل المدنف (١) النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق (٢) الجليل (٣) قال: فقلت له يا فلان اتق الله، فقال: قد كان (٤)، فقمت عنه (٥) فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة (٦) الموت قد قامت عليه (٧)، فنعوذ بالله من سوء العاقبة، وسوء (٨) الخاتمة. قال المؤلف: روى البخاري (٩) عن سالم عن عبد الله قال: "كان كثيرًا ما

стр. 189

كان (١) النبي ﷺ يحلف: لا ومقلب القلوب"، ومعناه: يصرفها أسرع من مر الريح على اختلافٍ في القبول والرد والإرادة والكراهة وغير ذلك من الأوصاف. وفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال مجاهد (٢) (٣): (٤) المعنى يحول بين المرء وقلبه (٥) حتى لا يدري ما يصنع (٦). بيانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أي: عقل، واختار الطبري (٧): أن يكون ذلك إخبارًا من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئًا إلا بمشيئة الله (٨). وقال عائشة [﵂] (٩) كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك، فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ قال (١٠): وما يؤمنني (١١) يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه" (١٢).

стр. 190

قال العلماء (١): وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة، والعاقبة مغيّبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قُرَبِك؛ فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه (٢) خلق ربك وفضله الدارّ عليك وخيره، فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاع غيره (٣)، وربما سلبه عنك فعاد (٤) قلبك من الخير أخلا من جوف البعير (٥)، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم (٦)، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، أو هبت (٧) عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي (٨) وقلبه بطاعة الله مشترق (٩) سليم، فيصبح وهو بمعصيته (١٠) مظلم سقيم، ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم (١١). وروى النسائي (١٢) عن عثمان ﵁ قال: "اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبّد، فَعَلَقَتْه (١٣) امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له (١٤): إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت (١٥) كلما دخل (١٦) بابًا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة وعندها (١٧) غلام،

стр. 191

وباطية (١) خمر، فقالت: والله إني (٢) ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع عليَّ أو تشرب من هذا (٣) الخمر كأسًا أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقني من هذا الخمر (٤) فسقته كأسًا (٥)، قال: زيدوني (٦) فلم يَرِمْ (٧) حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه (٨) والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ويوشك (٩) أن يخرج أحدهما صاحبه". ويروى أن رجلًا أسيرًا (١٠) مسلمًا وكان حافظًا للقرآن خُصَّ بخدمة راهبين فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته، فأسلما الراهبان (١١) وتنصر المسلم، وقيل له: ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه، قال: لا أرجع إليه أبدًا فقتل، وفي الخبر قصة والحكايات (١٢) في هذا الباب كثيرة، فنسأل الله السلامة والموت (١٣) على الشهادة. وأنشدوا (١٤): قد جرت الأقلام في ذا (١٥) الورى … بالختم من أمر العليم الحكيم فمن (١٦) سعيد وشقي ومن … مُثْرٍ من المال وعارٍ عديم

стр. 192

ومن عزيز رأسه في السُّها (١) … ومن ذليل وجهه في التخوم (٢) ومن صحيح شيّدت أركانه … وآخر واهي المباني سقيم كل على منهاجه سالك … ذلك تقدير العزيز العليم وقال الربيع (٣): سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول (٤): ماشئت كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إِنْ لم تشأ لم يكن خلقت العبادَ على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا (٥) لم تُعِن فمنهم شقي ومنهم سعيد … ومنهم قبيح ومنهم حسن (٦) باب ما جاء في رسل الموت قبل الوفاة ورد في الخبر: "أن بعض الأنبياء ﵈ قال لملك الموت: أما لك رسول تقدمه بين يديك؛ ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم والله لي (٧) رسل كثيرة من الإعلال، والأمراض، والشيب، والهموم (٨)، وتغير السمع، والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ذلك ولم يتب وإن قبضته ناديته: ألم أقدم إليك رسولًا بعد رسول ونذيرًا بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير (٩)، فما من يومٍ تطلع فيه شمس ولا

стр. 193

تغرب (١) إلا وملك الموت ينادي: يا أبناء الأربعين هذا وقت أخذ الزاد أذهانكم حاضرة، وأعضاؤكم قوية شداد، يا أبناء الخمسين قد دنا الأخذ (٢) والحصاد، يا أبناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، ذكره أبو الفرج الجوزي (٣) في كتاب روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق (٤). وفي البخاري (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلّغه ستين سنة". يقال: أعذر في الأمر: أي بالغ فيه، أي أعذر غاية الإعذار بعبده [الذي لا إعذار بعده] (٦)، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم ليتم حجته عليهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] قال (٧): ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] قيل: هو القرآن، وقيل هو: الرسل إليهم، وعن ابن عباس ﵄ وعكرمة (٨) وسفيان (٩) ووكيع (١٠) والحسين بن

стр. 194

الفضل (١) والفراء (٢) والطبري (٣): هو الشيب؛ فإنه يأتي في سن الاكتهال (٤) فهو علامة لمفارقة سن الصبا (٥) الذي هو سن اللهو واللعب. قال (٦): رأيت الشيب من نُذُرِ المنايا … لصاحبه وحسبك من نذير وقال آخر (٧): فقلت لها المشيب نذير عمري … ولست مسودًا وجه النذير وللقاضي منذر بن سعيد البلوطي (٨): كم تصابي وقد علاك المشيب … وتعامى عمدًا وأنت اللبيب (٩) كيف تلهو وقد أتاك نذير … وشهاب (١٠) الحِمَامِ منك قريب

стр. 195

يا مقيمًا قد حان منه رحيل … بعد ذاك الرحيل يوم عصيب إن للموت سكرة فارتقبها … لا يداويك إذا (١) أتتك طبيب كم تثوي (٢) حتى تصير رهينًا … ثم تأتيك دعوة فتجيب بأمور المعاد أنت عليم … فاعملن جاهدًا لها يا أَرِيْب (٣) وتذكر يومًا تحاسب فيه … إن تذكرته فسوف تنيب (٤) ليس في (٥) ساعة من الدهر إلا … للمنايا عليك فيها رقيب وله (٦) أيضًا ﵀ (٧): ثلاث وستون قد جزتها … فماذا تؤمل أو تنتظر وحل عليك نذير المشيب … فما ترعوي أو فما تنزجر (٨) تمر لياليك مرًا حثيثًا … وأنت على ما أرى (٩) مستمر فلو كنت تعقل ما ينقضي … من العمر لاعتضت خيرًا بشر فما لك ويحك (١٠) لا تستعد (١١) ل … دار المقام ودار المقر (١٢) أترغب عن فجأة المنون (١٣) … وتعلم أن ليس منها وزر فإما إلى جنةٍ أزلفت (١٤) … وإما إلى سقر تستعر

стр. 196

وقيل: النذير الحمى، ومنه قوله ﵇: "الحمى رائد الموت" (١). قال الأزهري (٢) معناه: أن الحمى رسول الموت، أي (٣) كأنها تشعر بقدومه وتنذر (٤) بمجيئه (٥). وقيل: موت الأهل والأقارب، والأصحاب والإخوان، وذلك (٦) إنذار بالرحيل في كل وقت وأوان وحين وزمان (٧). قال (٨): وأراك تحملهم ولست تردهم … وكأنني (٩) بك قد حُمِلت ولم (١٠) تُرَدّ وللفقيه أبي (١١) عبد الله محمد بن أبي زمنين (١٢) ﵀ (١٣): الموت في كل حين ينشر الكفنا … ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها … وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا … أين الذين هم كانوا لنا سكنا

стр. 197

سقاهم الموت كأسًا غير صافية … فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا (١) وروي أن ملك الموت دخل على داود [¬﵇¬] (٢) فقال: من أنت؟ قال (٣): من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرشا، قال: فإذًا أنت (٤) ملك الموت ولم أستعد بعد، قال: يا داود أين فلان جارك؟ أين فلان قرينك (٥)؟ قال: مات، قال: أما كان (٦) في هؤلاء عبرة لتستعد (٧). وقيل: كمال العقل (٨)، الذي تعرف به (٩) حقائق الأمور ويفصل به (١٠) بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته، ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير والنذير بمعنى الإنذار، والإنذار والإعذار قريب بعضه من بعض، وأكبر (١١) الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم، ثم الشيب، أو غيره كما بينا. وجعل الستين غاية الإعذار؛ لأن الستين قريب من معترك العباد وهو سن الإنابة، والخشوع، والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد إعذار، وإنذار بعد إنذار: الأول بالنبي ﷺ ، والثاني بالشيب وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، فذكر الله (١٢) أن (١٣) من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه، ويشكرهما (١٤). قال مالك ﵀: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يتطلبون (١٥) الدنيا،

стр. 198

ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا (١) أتت عليهم اعتزلوا الناس (٢). تنبيه: هذا الباب هو الأصل في إعذار الحكام إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى، وكان هذا لطفًا بالخلق؛ ولينفذ القيام عليهم بالحق. يُحْكى (٣) عن بعض العلماء كان (٤) يميل إلى الراحات كثيرًا، وكان يخلو في بستان له بأصحابه فلا يأذن لأحد سواهم، فبينا (٥) هو في البستان رأى شخصًا (٦) يتخلل الشجر، فغضب وقال: من أذن لهذا؟! وجاء الرجل فجلس أمامه، وقال: ما ترى في رجل ثبت عليه حق فزعم أن له مَدَافِعَ (٧) تدفعه عنه (٨)، فقال: يَتَلَوّمُ له (٩) الحاكم بقدر ما يرى، قال السائل: قد ضرب له الحاكم أجالًا فلم يأت بمنفعة له (١٠)، ولا أقلع عن اللَّدَدِ (١١) والمدافعة. قال: يقضي عليه، قال: فإن الحاكم رفق به، وأمهله أكثر من خمسين سنة. فأطرق الفقيه، وتحدّر عرق وجهه. وذهب السائل، ثم إن العالم أفاق من فكرته فسأل عن السائل، فقال البواب: ما دخل إليكم ولا خرج من عندكم أحد، فقال لأصحابه: انصرفوا، فما كان يرى (١٢) إلا في مجلس يُذكر فيه العلم.

стр. 199

فصلٌ وقد رأيت أن أصل بهذه (١) الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ، والتذكر (٢)، والتخويف، والتحذير. حُكِي (٣) عن بعض المترفين أنه رفض ما كان عليه (٤) بغتة على غير تدريج فسُئل عن السبب (٥) فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع (٦) منها (٧) إلا غرامًا بها، فقلَّبت شعرها يومًا فإذا فيه شعرتان بيضاوان، فأخبرتها فارتاعت، وقالت: أرني، فأريتها، فقالت: جاء الحق وزهق الباطل، اعلم أنه (٨) لو لم تُفترض عليّ طاعتك لما أويت إليك، فدع لي ليلي، أو نهاري؛ لأتزود فيه لآخرتي، فقلت: لا، ولا كرامة، فغضبت وقالت: أتحول بيني وبين ربي وقد آذنني بلقائه؟ اللهم بدل حبه لي بغضًا، قال: فبت وما شيء أحب إليّ من بعدها عني، وعرضتها للبيع، فأتاني من أعطاني بها (٩) ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت، فقلت: أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئًا من الدنيا، هل لك إلى ما هو خير من ثمني؟ قلت: ما هو؟ قالت: تعتقني لله ، فإنه أملك لك منك لي (١٠)، وأعود عليك منك عليّ (١١)، فقلت: قد فعلت، فقالت: أمضى الله صفقتك، وبلغك أضعاف عملك (١٢)، وتزهدت، فبغضت إليّ الدنيا ونعيمها (١٣).

стр. 200

وقال عبد الله بن أبي نوح (١): رأيت كهلًا بمسجد رسول الله ﷺ لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه بسعفة، فسألت عنه فقيل: إنه من ولد عثمان بن عفان ﵁، وأن له أولادًا وموالي ونعمة موفورة، وإنه اطلع في مرآته فصرخ وجن، ولزم المسجد كما ترى، وإذا أراد أهله أخذه ليداووه ويصونوه عاذ بالقبر المكرم (٢) فتركوه، فرقبته نهارًا فلم أر منه اختلالًا، ورقبته ليلًا فلما ذهب جنح من الليل خرج من المسجد، فتبعته حتى أتى البقيع (٣)، فقام يصلي (٤)، ويبكي حتى قرب طلوع الفجر فجلس يدعو، وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة (٥) أم ظبية، أو (٦) غيرها، فقامت عنده وتفاجت (٧) فالتقم ضرعها، فشرب (٨)، ثم

стр. 201

مسح ظهرها (١)، وقال: اذهبي بارك الله فيك، فولت تمرح (٢)، فانسللت، فسبقته إلى المسجد، فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي، وسمعته (٣) يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت (٤) إليّ ولم تأذن لي، فإن كنت قد رضيتني فأذن لي، وإن لم ترضني فوفقني لما يرضيك (٥)، قال: فلما حان (٦) رحيلي أتيته مودعًا فتجهمني (٧)، فقلت له: أنا (٨) أصاحبك منذ ليالٍ بالبقيع (٩) أصلي بصلاتك، وأؤمن على دعائك، قال: هل أطلعت على ذلك أحدًا؟ قلت: لا، قال: انصرف راشدًا، قلت: ما الرسول الذي أُرسل إليك؟ قال: اطلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي فعلمت إنها رسول الله إلي، فقلت: ادع الله لي (١٠)، فقال: ما أنا أهل لذلك، ولكن تعال

стр. 202

نتوسل إلى الله برسوله (١)، فقمت معه تجاه القبر (٢)، فقال: ما حاجتك؟ قلت: العفو، فدعا دعاءً خفيفًا (٣) فأمَّنت، ثم مال على جدار القبر فإذا هو ميت (٤)، فتنحيت عنه حتى فطن الناس له، وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه، فجهزوه (٥) وصليت عليه فيمن صلى ﵁ (٦). ويقال: إن ملكًا من ملوك اليونان استعمل على ملبسه أمةً أدبها بعض الحكماء، فألبسته يومًا ثيابه، وأرته المرآة فرأى في وجهه شعرة بيضاء، فاستدعى المقراض وقصها، فأخذتها الأمة وقبَّلتها ووضعتها على (٧) كفها وأصغت أذنها (٨) إليها، فقال لها الملك: إلى أي شيء تصغين؟! فقالت: إني سمعت هذه المبتلاة بفقد كرامة قرب الملك تقول قولًا عجبًا (٩)، قال: ما هو؟ قالت لا يجترئ لساني على النطق به، قال: قولي آمنة ما لزمت الحكمة، فقالت ما معناه أنها تقول: أيها الملك المسلط (١٠) إلى أمد قريب إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري (١١)، وكأنك بهن وقد (١٢) خرجن عليك فإما أن يعجلن الفتك بك، وإما أن ينقصن شهوتك (١٣) وقوتك وصحتك حتى تعد الموت (١٤) غنمًا، قال: اكتبي كلامك، فكتبته فتدبره، ثم نبذ ملكه. في حديثٍ هذا (١٥) المقصود منه.

стр. 203

وفي معناه قيل (١): وزائرة بالشيب (٢) لاحت بمفرقي … فبادرتها خوفًا من الحتف بالنتف فقالت على ضعفي استطلت (٣) ووحدتي … رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي وفي الإسرائيليات أن إبراهيم الخليل ﵇ لما رجع من تقريب ولده إلى ربه رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء (٤)، وكان ﵇ أول من شاب، فأنكرتها وأرته إياها، فجعل يتأملها، وأعجبته، وكرهتها سارة وطالبته (٥) بإزالتها فأبى، وأتاه ملك فقال: السلام عليك يا إبراهيم، وكان اسمه إبرم فزاد (٦) في اسمه هاء، والهاء في السريانية للتفخيم (٧) والتعظيم، ففرح بذلك وقال (٨): أشكر إلهي وإله كل شيء، فقال له الملك: إن الله قد صيرك معظمًا في أهل السماء وأهل الأرض، وقد وسمك بسمة الوقار في اسمك، وفي خلقلت: أما اسمك فإنك تُدعى في أهل السماء وأهل الأرض إبراهيم، وأما خلقلت: فقد أنزل (٩) وقارًا ونورًا على شعرك، فأخبر (١٠) سارة بما قال له الملك وقال: هذا الذي كرهتيه نور ووقار، قالت: فإني (١١) كارهة له، قال: لكني أحبه، اللهم زدني وقارًا (١٢)، فأصبح وقد ابيضت لحيته كلها (١٣). وفي الآثار النبوية: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة" (١٤).

стр. 204

وروي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليستحي أن يعذب ذا شيبة" (١). والأخبار في هذا (٢) كثيرة، وكذلك الشعر اكتفينا (٣) منه بما ذكرنا وبالله توفيقنا. وقال أعرابي في الشيب والخضاب (٤): يا بؤس من فقد الشباب وغُيرت (٥) … منه مفارق رأسه بخضاب يرجو غضارة (٦) وجهه بخضابه … ومصير كل عمارة لخراب إني وجدت أجل كل مصيبة … فقد الشباب وفرقة الأحباب بابٌ متَى تنقطِعُ مَعْرِفَةُ العَبْدِ من الناسِ [وفي التوبة وبيانها وفي التائب من هو] (٧) ابن ماجه (٨) عن أبي موسى الأشعري (٩) قال: سألت رسول الله ﷺ متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: "إذا عاين".

стр. 205

فصل قوله "إذا عاين": يريد إذا (١) عاين ملك الموت، أو (٢) الملائكة والله أعلم، وهو معنى قوله ﵇ في الحديث الآخر: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرْغِرْ خرّجه الترمذي (٣)، أي عند الغرغرة، وبلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان، ولا تنفع حينئذٍ توبة ولا إيمان، كما قال في محكم البيان: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح وذلك عند غرغرته بالروح (٤)، وإنما يغرغر (٥) إذا انقطع (٦) الوتين (٧)، فشخص من الصدر إلى الحلق (٨) فعندها المعاينة وعندها حضور الموت (٩) فاعلم ذلك (١٠). فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة، وهو (١١) معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]. قال ابن عباس والسدي: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾: قبل المرض والموت (١٢). وقال أبو مجلز (١٣)، والضحاك (١٤)، وعكرمة، وابن زيد (١٥) وغيرهم:

стр. 206

قبل المعاينة للملائكة والسَّوْق (١)، وأن يغلب المرء على نفسه. ولقد أحسن محمود الوراق (٢) حيث قال (٣): قدم لنفسك توبة مرجوة … قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلَق (٤) النفوس فإنها … ذخر وغنم (٥) للمنيب المحسن قال علماؤنا (٦) رحمة الله عليهم: وإنما صحت منه التوبة في هذا الوقت؛ لأن الرجاء باق [ويصح الندم] (٧) والعزم على ترك الفعل. وقيل: المعنى يتوبون على قرب (٨) عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل، وألحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد: الموت، وأما ما كان قبل الموت (٩) فهو قريب عن الضحاك (١٠) أيضًا. وعن الحسن لما أهبط إبليس قال: بعزتك (١١) لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده، قال الله تعالى: فبعزتي (١٢) لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه (١٣).

стр. 207

والتوبة فرض على المؤمنين باتفاق ثقات (١) المسلمين لقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] الآية. ولها شروط أربعة: ١ - الندم بالقلب. ٢ - وترك المعصية في الحال. ٣ - والعزم على أن لا يعود لمثلها (٢). ٤ - وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفًا منه لا من غيره (٣). فإذا اختلّ شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها الاعتراف بالذنب (٤)، وكثرة الاستغفار الذي يحل عقد (٥) الإصرار (٦) ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصيةٍ (٧) فاستغفاره ذاك (٨) يحتاج إلى استغفار، وصغيرته (٩) لاحقة بالكبائر (١٠). وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا (١١) يحتاج إلى استغفار (١٢).

стр. 208

قال الشيخ ﵀: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يُرى (١) فيه الإنسان مكبًّا على الظلم مُصرًا (٢) عليه لا يقلع والسُبْحَةُ (٣) في يده زاعمًا أنه يستغفر من ذنبه، وذلك استهزاء منه واستخفاف، وممن اتخذ آيات الله هزوًا، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. وروي عن علي ﵁ وقد رأى رجلًا قد فرغ من صلاته وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوبك إليك سريعًا، فقال له (٤): يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار (٥) توبة الكذابين (٦)، وتوبتك تحتاج إلى توبة، قال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم إلى أهلها، وإذابة النفس في الطاعة كما أذابها (٧) في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذاقها (٨) حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وقال أبو بكر الورّاق (٩): التوبة أن تكون نصوحًا، وهو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلفوا.

стр. 209

وقيل: التوبة النصوح هي (١) رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات، وقيل غير هذا. وبالجملة فالذنوب التي يتاب منها إما كفر، أو غيره: فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف كفره (٢)، وليس مجرد الإيمان نفس توبته (٣)، وغير الكفر إما حق لله وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في (٤) التوبة منه الترك، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها (٥) بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء: كالصلاة، والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة: كالحنث في الأيمان وغير ذلك. وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقها، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج (٦) ما عليه لإعساره فعفو الله مأمول، وفضله مبذول: فكم ضمن من التبعات، وبدل من السيئات بالحسنات، وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحات، ويستغفر (٧) لمن ظلمه من المؤمنين والمؤمنات. فهذا الكلام في حقيقة التوبة. وقد روي مرفوعًا في صفة التائب من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال وهو في جماعة من أصحابه: "أتدرون من التائب؟ قالوا: اللهم لا، قال:

стр. 210

إذا تاب العبد ولم يرض خصماؤه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجلسه فليس بتائب (١)، ومن تاب ولم يغير نفقته، وزينته فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير فراشه ولباسه ورداءه (٢) فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع خلقه فليس بتائب (٣)، ومن تاب ولم يوسع قلبه وكفه فليس بتائب، ثم قال [النبي] (٤) ﷺ : فإذا تاب على هذه الخصال فذاك (٥) تائب حقًّا" (٦). قال علماؤنا (٧) رحمة الله عليهم (٨): إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم (٩) من مال، أو (١٠) خانهم، أو غلبهم (١١)، أو اغتابهم، أو خرق أعراضهم، أو شتمهم، أو سبهم فيرضيهم بما استطاع ويتحللهم من ذلك، فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله (١٢) مال رده إلى الورثة، وإن لم يعرف الورثة تصدق به عنهم، ويستغفر لهم بعد الموت، ويدعو لهم (١٣) عِوض الذم والغيبة لا خلاف في هذا، وأما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال، وإن كانت ثياب كبر وخيلاء استبدلها بأطمار (١٤) متوسطة. وتغيير المجلس هو بأن يترك مجلس (١٥) (١٦) اللهو واللعب، والجُهّال، والأحْدَاث (١٧)

стр. 211

ويجالس العلماء (١)، ومجالس (٢) الذكر، والفقراء، والصالحين، ويتقرب إلى قلوبهم بالخدمة (٣)، وبما يستطيع ويصافيهم. وتغيير الطعام بأن يأكل الحلال، ويجانب ما كان من شبهة أو شهوة، ويغير أوقات، أكله ولا يقصد اللذيذ من الأطعمة. وتغيير النفقة بترك (٤) الحرام، وكسب الحلال، والزينة (٥) بترك الزين (٦) في الأثاث، والبناء، واللباس، والطعام، والشراب. وتغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما (٧) كان يشغله بالبطالة (٨)، والغفلة، والمعصية كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. وتغيير الخُلُقِ هو بأن ينقل خلقه من الشدة إلى اللينة، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشكاسة (٩) إلى السماحة. وتوسيع القلب يكون (١٠) بالإنفاق ثقة بالقسام على كل حال، والكف بالسخاء والإيثار بالعطاء هذا يُبدل ما كان فيه كشُرب الخمر بكسره، وبسقي (١١) اللبن والعسل، والزنا (١٢) بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزها ويكون مع ذلك نادمًا على ما سلف منه ومتحسرًا على ما ضيّع من عمره. وإذا (١٣) كملت التوبة على هذه الخصال التي (١٤) ذكرنا (١٥)، والشروط (١٦) التي

стр. 212

بينا (١) يقبلها (٢) الله بكرمه، وأنسى حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه، [قال الله تعالى] (٣): ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]. والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي قتل مائة نفس وسأل (٤) هل له من توبة (٥)، فقال له العالم: "من يحول بينك وبينها (٦) انطلق إلى أرض بني فلان فإن بها ناسًا صالحين يعبدون الله، فاعبد الله (٧) معهم ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء" الحديث (٨) خرّجه مسلم (٩) في الصحيح. وفي مسند (١٠) أبي داود الطيالسي (١١) حدثنا زهير بن معاوية عن عبد الكريم الجزري عن زيادة وليس بابن أبي مريم عن عبد الله بن مغفل قال: كنت مع أبي وأنا إلى جنبه عند عبد الله بن مسعود فقال له أبي: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ["الندم توبة"؟ قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ ] (١٢). وفي صحيح مسلم (١٣)، والبخاري (١٤) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله (١٥) عليه".

стр. 213

وروى أبو حاتم البستي (١) في المسند الصحيح (٢) له عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر ثم قال: "والذي نفسي بيده ثلاث مرات، ثم سكت، فأكب كل رجل منا يبكي حزينًا ليمين رسول الله ﷺ ثم قال: ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب في الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. قال المؤلف: فدل (٣) القرآن على أن في الذنوب كبائر وصغائر، خلافًا لمن قال كلها كبائر حسب ما (٤) بيناه في سورة النساء (٥)، وأن الصغائر كاللمسة والنظرة تُكفّر باجتناب الكبائر قطعًا بوعده الصدق، وقوله الحق، لا (٦) أنه يجب عليه ذلك، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض كما نص عليه الحديث، ومثله ما رواه مسلم (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتُنبت الكبائر"، على هذا جماعة أهل التأويل، وجماعة الفقهاء وهو الصحيح في الباب. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة منها والإقلاع عنها كما بينا، وقد اختلف في تعيينها ليس هذا موضع ذكرها،

стр. 214

وسيأتي (١) في القصاص وأبواب النار جملة منها إن شاء الله تعالى. باب لا تخرج روح عبد مؤمن أو كافر حتى يُبشر وأنه يصعد بها ابن المبارك (٢) قال أخبرنا حيوة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك يا (٣) ولي الله، الله يقرأ عليك (٤) السلام، ثم نزع (٥) بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]. وقال ابن مسعود ﵁: إذا جاء ملك الموت لقبض (٦) روح المؤمن قال: ربك يقريك السلام (٧). وعن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يُسلِّمَ عليه (٨). وقال مجاهد: إن المؤمن ليُبشر بصلاح (٩) ولده من بعده لتقرَّ عينه (١٠). ابن ماجه (١١) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله (١٢) ﷺ قال: "تحضر

стр. 215

الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري برَوْح وريْحَان، ورب راضٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء فيُفتح لها فيُقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي (١) حميدة وابشري بروح وريحان، ورب راضٍ غير غضبان (٢)، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى، فإذا كان الرجلُ السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وابشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمةً فإنه (٣) لا يُفتح لك (٤) أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر"، خرَّجه (٥) عن أبي أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة بن سوار (٦) عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح ثابت اتفق على رجاله (٧) البخاري ومسلم ما عدا ابن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده، وخرّجه (٨) عبد بن حميد (٩) أيضًا عن أبي ذئب، قال محمد بن عمرو: فحدثني (١٠) سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن
следующие страницы →