← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

القذاة من السقاء، والكافر (١) تسل روحه كالسفود من الصوف المبلول، هكذا حكى صاحب الشرع ﵇، والميت يظن أن بطنه ملئت شوكًا، وكأنما (٢) نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأنما (٣) السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، فإذا حضرت (٤) نفسه إلى القلب مات لسانه عن النطق، وما أحد ينطق، والنفس مجموعة في صدره لسرين (٥): أحدهما: أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة فيه، ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في الصدر بقي مدهوشًا، فتراه (٦) لا يقدر على الكلام، وكل مطعون يطعن (٧) يصوّت إلا مطعون الصدر فإنه غير ميتًا من غير تصويت. وأما السر الآخر: فلأن الذي فيه حركة الصوت المندفعة من الحرارة الغريزية فصار نفسه متغير الحالين حال الارتفاع، والبرودة (٨)؛ لأنه فقد الحرارة، فعند هذا (٩) الخبر (١٠) تختلف أحوال الموتى: فمنهم من يطعنه الملك حينئذٍ بحربة مسمومة قد سقيت سُمًّا من نار فتفر، وتفيض خارجة فيأخذها (١١) في يده وهي ترعد أشبه شيء بالزئبق على قدر الجرادة (١٢) شخصًا إنسانيًا، ثم يناولها الزبانية. ومن الموتى من تجذب نفسه رويدًا حتى تنحصر في الحنجرة، وليس

стр. 247

يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب، فحينئذٍ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة (١). قال المؤلف: ولم (٢) أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرًا إلا ما ذكره أبو نعيم (٣) الحافظ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمود قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: حدثنا [سلمة بن شبيب] (٤) قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: "إن لملك الموت ﵇ لحربة (٥) يبلغ بها (٦) ما بين المشرق والمغرب، فإذا انقضى أجل عبد (٧) من الدنيا ضرب رأسه بتلك الحربة، فقال (٨): الآن يُزار بك عسكر الأموات". وروي سليمان بن مهير (٩) الكلابي (١٠) قال: حضرت مالك بن أنس وأتاه رجل فسأله: أبا عبد الله البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق (١١) مليًا (١٢) ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ذكره الخطيب أبو بكر ﵀. باب ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر قال علماؤنا (١٣): رحمهم الله تعالى: وأما مشاهدة ملك الموت ﵇ وما

стр. 248

يدخل على القلب منه من الرَّوع والفزع فهو (١) أمر لا يعبر عنه؛ لعظم (٢) هوله، وفظاعة رؤيته، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الذي يتبدى له ويطلع عليه، وإنما (٣) أمثال تضرب وحكايات تروى. روي عن عكرمة أنه قال: رأيت في بعض صحف شيث أن آدم ﵇ قال: رب (٤) أرني ملك الموت حتى أنظر إليه؟ فأوحى الله تعالى إليه: أن له صفات لا تقدر على النظر إليها، وسأنزله عليك (٥) في الصورة التي يأتي فيها الأنبياء والمصطفين (٦)، فأنزل الله عليه جبريل وميكائيل، وأتاه ملك الموت في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح منها جناح جاوز السماوات، وجناح جاوز الأرضين، وجناح جاوز أقصى المشرق، وجناح جاوز أقصى المغرب، وإذا بين يديه الأرض بما اشتملت عليه من الجبال والسهول والغياض والجن والإنس والدواب وما أحاط بها من البحار وما علاها (٧) من الأجواء في ثغرة نحره كالخردلة في فلاة من الأرض، وإذا له عيون لا يفتحها إلا في مواضع فتحها، وأجنحة لا ينشرها إلا (٨) مواضع نشرها، وأجنحة للبشرى (٩) ينشرها للمصطفين، وأجنحة للكفار فيها سفافيد وكلاليب ومقاريض، فصعق آدم صعقة لبث فيها إلى مثل (١٠) الساعة من اليوم السابع، ثم أفاق، وكان في عروقه الزعفران. ذكر هذا الخبر ابن ظفر الواعظ المكي أبو هاشم محمد بن محمد في كتاب النصائح (١١). وروي عن ابن عباس ﵁ أن إبراهيم خليل الرحمن سأل ملك الموت أن يريه كيف يقبض روح المؤمن؟ فقال له: اصرِف وجهك عني، فصرف، ثم

стр. 249

نظر إليه فرآه في صورة شاب حسن الصورة (١)، حسن الثياب، طيب الرائحة، حسن البشر، فقال له: والله لو لم يلق المؤمن من السرور شيئًا سوى وجهك لكفاه (٢)، ثم قال له (٣): أرني كيف تقبض روح الكافر؟ فقال (٤): لا تطيق ذلك، قال: بل (٥) أرني، قال: اصرف وجهك عني، فصرف وجهه عنه، ثم نظر إليه فإذا صورة إنسان أسود رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء كأقبح ما أن يرى (٦) من الصور، تحت كل شعرة من جسده لهيب نار، فقال له: والله لو لم يلق الكافر (٧) سوى نظَره إلى شخصك (٨) لكفاه (٩). قلت: وسيأتي هذا المعنى (١٠) مرفوعًا إلى النبي ﷺ في الملائكة في حديث البراء وغيره إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس ﵄ أيضًا: كان إبراهيم (١١) ﵇ رجلًا غيورًا، وكان له بيت يتعبد فيه، فإذا خرج أغلقه، فرجع ذات يوم فإذا هو برجل في (١٢) جوف البيت، فقال: من أدخلك داري؟ فقال: أدخلنيها (١٣) ربها، فقال إبراهيم (١٤): أنا ربها، فقال: أدخلنيها من هو أملك لها (١٥) منك، قال: فمن أنت من الملائكة؟ قال: أنا ملك الموت، قال: هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن (١٦)؟ قال: نعم، ثم التفت إبراهيم فإذا (١٧) هو

стр. 250

بشاب، فذكر (١) من حسن وجهه، وحسن ثيابه، وطيب رائحته، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك لكان حسبه، ثم قبض روحه ﷺ (٢). فصل قال علماؤنا (٣) رحمة الله عليهم (٤): لا يُتعجب من كون ملك الموت يُرى على صورتين لشخصين، فما ذاك (٥) إلا مثل ما يصيب الإنسان بتغير الخلقة في الصحة، والمرض، والصغر، والكبر، والشباب، والهرم، وكصفاء اللون بملازمة الحمَّام، وشحوبة الوجه بتغير اللون بلفح الهواجر في السفر، غير أن قضية الملائكة ﵇ يجري ذلك منهم في اليوم الواحد (٦) والساعة الواحدة، وإن لم يجر هذا على الإنسان إلا في الأوقات المتباعدة، والسنين المتطاولة، وهذا بين فتأمله. باب ما جاء أن ملك الموت [¬﵇ هو القابض لأرواح الخلق] (٧) وأنه يقف على كل بيت في كل يوم خمس مرات وعلى كل ذي روح كل ساعة وأنه ينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وروي (٨) عن ابن (٩) عمر قال: إذا قبض ملك الموت روح المؤمن قام على

стр. 251

عتبة الباب، ولأهل البيت ضجة، فمنهن (١) الصاكَّة وجهها، ومنهن (٢) الناشرة شعرها، ومنهن (٣) الداعية بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: فيم هذا الجزع؟ فوالله ما أنقصت (٤) لأحد منكم عمرًا، ولا ذهبت لأحد منكم برزق، ولا ظلمت أحدًا (٥) منكم شيئًا، فإن كانت شكايتكم وسخطكم علي فإني والله مأمور، وإن كان ذلك على ميتكم فإنه في ذلك مقهور، وإن كان ذلك على ربكم فأنتم به كفرة، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، فلو أنهم يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم. خرجه أبو مطيع مكحول بن الفضل (٦) النسفي (٧) في كتاب اللؤلؤيات (٨) له. وروي معناه مرفوعًا في الخبر المشهور (٩) المروي في الأربعين (١٠) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله، وانقطع أجله ألقى عليه غمرات الموت فغشيته كرباته، وغمرته علزاته (١١)، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، والباكية شجوها (١٢)، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: ويلكم مم الفزع، وفيم (١٣) الجزع؟ ما أذهبت (١٤) لواحد منكم رزقًا، ولا قربت له (١٥) أجلًا، ولا أتيته

стр. 252

حتى أُمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت (١)، وإن لي فيكم عودة ثم عودة (٢)، حتى لا أبقي منكم أحدًا، قال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم (٣)، حتى إذا حمل الميت على النعش رفرف (٤) روحه فوق النعش وهو ينادي (٥): يا أهلي، ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله ثم خلَّفته لغيري، فالمهناة له، والتبعة علي، فاحذروا مثل ما حلّ بي. وروي جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس (٦) رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : "ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال ملك الموت ﵇: يا محمد طب نفسًا، وقر عينًا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما من أهل بيت مدر، ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى لأنا (٧) أعرف بصغيرهم، وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الأمر بقبضها" (٨). قال جعفر بن علي (٩): بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة،

стр. 253

ذكره الماوردي (١). قال المؤلف: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض (٢) كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله ، [و] (٣) بخلقه، واختراعه. قال ابن عطية (٤): وروي في الحديث أن البهائم (٥) يتوفى الله (٦) أرواحها دون ملك (٧) كأنه يعدم حياتها، قال: وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه (٨) شرف بتصرف (٩) ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، فخلق الله (١٠) ملك الموت (١١)، وخلق على يديه قبض الأرواح، وانسلالها من الأجسام، وإخراجها منه، وخلق جندًا يكونون معه يعملون عمله بأمره فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، والباري سبحانه خالق (١٢) الكل، الفاعل حقيقة لكل فعل، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال (١٣): ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]، وقال (١٤): ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾

стр. 254

[البقرة: ٢٥٨]. فملك (١) الموت يقبض الأرواح، والأعوان يعالجون، والله يزهق الروح، وهو (٢) الجمع بين الآي والحديث، لكنه لما كان ملك الموت يتولى (٣) ذلك بالوساطة (٤) والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف الخلق للملك (٥). وقال المؤلف: كما (٦) في حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم ليجمع (٧) خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون في ذلك (٨) علقة، مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل (٩) الملك فينفخ فيه الروح" الحديث، خرجه مسلم (١٠) وغيره (١١). وقوله: "يجمع خلقه في بطن أمه"، قد جاء مفسرًا عن ابن مسعود ﵁ رواه الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله (١٢): "إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرًا طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر (١٣)، ثم يمكث أربعين ليلة، ثم ينزل دمًا في الرحم فذلك جمعها" (١٤).

стр. 255

وفي صحيح مسلم (١) أيضًا عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون (٢) ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم يقول (٣): أي رب أذكر أم أنثى. ." وذكر الحديث، وما قبله يفسره ويبينه؛ لأن النطفة لا يبعث الملك إليها لتمام (٤) [ثنتين] (٥) وأربعين ليلة فتأمله، ونسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية (٦)، وإنما صدر عنه فعلٌ ما في

стр. 256

المضغة كان عنه (١) التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه، ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات مع ما دلت عليه قاطعات البراهين ألّا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين، وهكذا القول في قوله: "ثم يرسل (٢) الملك فينفخ فيه الروح"، أي أن النفخ فيه سبب يخلق الله فيها (٣) الروح والحياة، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره، فتأمل هذا الأصل وتمسك به فيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبائع (٤) وغيرهم، وأن الله هو القابض لأرواح جميع الخلق على الصحيح، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط، وقد سئل مالك بن أنس عن البراغيث (٥): أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليًا (٦) ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال ملك الموت يقبض أرواحها، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (٧). وفي الخبر: "أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا، فقال ملك الموت:

стр. 257

أنا أميت الأحياء، وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى، فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما وما سخرتما له من الصنع، وأنا المميت والمحيي لا مميت ولا محيي سواي". ذكره أبو حامد في الإحياء (١). وذكر أبو نعيم (٢) عن ثابت البناني قال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة تأتي على ذي روح إلا وملك الموت قائم عليها فإن أمر بقبضها قبضها (٣) وإلا ذهب. وهذا عام في كل ذي روح. وفي خبر الإسراء عن ابن عباس: "فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها، وبحرها. ." الحديث، وقد تقدم (٤). وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة (٥): فإذا (٦) ضحك العبد الذي بعث إليه قال: يقول: عجبًا، بعثت إليه لأقبض روحه وهو يضحك" (٧). باب ما جاء في سبب قبض ملك الموت أرواح الخلق روى الزهري (٨) ووهب بن منبه وغيرهما ما معناه: "أن الله أرسل جبرائيل ﵇ ليأتيه من تربة الأرض فأتاها ليأخذ منها (٩)، فاستعاذت بالله من

стр. 258

ذلك فأعاذها، فأرسل (١) ميكائيل فاستعاذت منه فأعاذها، فأرسل (٢) عزرائيل فاستعاذت منه فلم يعذها وأخذ منها، فقال (٣) الرب ﵎: أما استعادت بي منك؟ قال: نعم، قال: فهلَّا رحمتها كما رحمها صاحباك؟ فقال: يا رب طاعتك أوجب علي من رحمتي إياها، قال الله : اذهب فأنت ملك الموت سلطتك على قبض أرواحهم، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال (٤): يا رب إنك تخلق من هذا الخلق أنبياء، وأصفياء، ومرسلين، وأنك لم (٥) تخلق خلقًا أكره إليهم من الموت، فإذا عرفوني بغضوني (٦) وشتموني، قال الله : إني سأجعل للموت عللًا (٧) وأسبابًا ينسبون الموت إليها ولا يذكرونك معها، فخلق الله الأوجاع وسائر الحتوف" (٨). وقد روي عن ابن عباس هذا الخبر (٩) قال: "رُفعت تربة (١٠) آدم من ستة أرضين وأكثرها من السادسة ولم يكن فيها من الأرض السابعة شيء؛ لأن فيها نار جهنم، قال: فلما أتى (١١) ملك الموت بالتربة قال له ربه: أما استعاذت بي منك"، الحديث بلفظه ومعنا ذكره (١٢) القتبي (١٣) (١٤) وزاد: "فقالت الأرض: يا

стр. 259

رب خلقت السماوات فلم تنقص (١) منها شيئًا، وخلقتني فنقصتني؟ فقال لها الرب: وعزتي وجلالي لأعيدنّهم إليك برهم وفاجرهم، فقالت: وعزتك وجلالك (٢) لأنتقمن ممن عصاك. قال: ثم دعا بمياه (٣) الأرض مالحها (٤) وعذبها، ومرها وحلوها (٥)، وطيبها ومنتنها، فصفّى منه تربة آدم، فأقام يخمره أربعين صباحًا، وقال آخر (٦): أربعين سنة لم ينفخ فيه الروح، فكانت الملائكة تمر به فيبقون (٧) ينظرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: إن ربنا لم يخلق خلقًا أحسن من هذا، وأنه خُلق لأمر كائن، ويمر به إبليس اللعين فيضرب بيده عليه ويسمع (٨) له صلصلة، وهو الصلصال الفخار (٩)، فقال إبليس: إن فُضل هذا علي لم أطعه، وإن فُضلت عليه أهلكته (١٠)، هذا من طين وأنا من نار" (١١). وقد قيل: إن الذي أتى بتربة الأرض إبليس، وإن الله بعثه بعد ملكين فاستعاذت بالله منه فقال (١٢): إني أعوذ بالله منك، ثم أخذ منها وصعد إلى ربه فقال: ألم تستعذ بي منك؟ فقال: بلى يا رب، فقال (١٣): وعزتي (١٤) لأخلقنَّ مما جنت يداك خلقًا يسوؤك (١٥).

стр. 260

باب ما جاء أن الروح إذا قبض تبعه البصر ابن ماجه (١) عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، أخرجه (٢) مسلم أكمل من هذا، وقد تقدم (٣). وروى (٤) مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا الإنسان (٦) إذا مات شخص بصره؟ قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصرُه نَفْسَه" (٧). في غير الصحيح: عن النبي ﷺ : "إن الميت أول ما يشق بصره لرؤية المِعْرَاج" (٨)، وهو سلم بين السماء والأرض من زمردة خضراء أحسن ما رئي [قط] (٩)، فذلك حين يمد بصره إليه. فصل في قوله ﵇: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، وقوله: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" ما يستغني به عن قول كل قائل في الروح والنفس، وأنهما اسمان لمسمى واحد (١٠)،

стр. 261

وسيأتي (١)، لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. باب ما جاء في تزاور الأموات في قبورهم واستحسان الكفن لذلك مسلم (٢) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" (٣). وخرّج أبو نصر عبيد الله بن سعيد (٤) بن حاتم الوايلي السجستاني (٥) الحافظ في كتاب الإبانة (٦) له عن مذهب السلف الصالح في القرآن وإزالة شبه الزائغين بواضح البرهان: حدثنا (٧) هبة الله بن إبراهيم بن عمر قال: حدثنا علي بن الحسين بن بندار قال: حدثنا أبو عروبة قال: حدثنا محمد بن المصفى قال: حدثنا (٨) معاوية قال: حدثنا (٩) إبراهيم بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم (١٠) " (١١). وقال ابن المبارك: أحب أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها (١٢).

стр. 262

باب الإسراع بالجنازة وكلامها البخاري: (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال (٢): كان النبي ﷺ يقول: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني، قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها، فيسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق (٣). وقد تقدم (٤) من حديث أنس [أنها تقول] (٥): "يا أهلي، ويا ولدي" الحديث. البخاري (٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة فإن تك (٧) صالحة فخير تقدِّمونها عليه، وإن يك (٨) سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم"، أخرجه مسلم (٩) أيضًا. فصل صعق: مات (١٠)، والإسراع قيل معناه: الإسراع بحملها إلى قبرها في المشي، وقيل: تجهيزها بعد الموت (١١) لئلا تغير (١٢)، والأول أظهر (١٣)؛ لما رواه النسائي (١٤) قال: حدثنا (١٥) محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال:

стр. 263

حدثنا عيينة (١) بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون رويدًا [رويدًا] (٢) بارك الله فيكم، فكانوا يدبون (٣)، حتى إذا كنا ببعض الطريق (٤) لحقنا أبو بكرة (٥) ﵁ يمشي على بغلة، فلما رأى الذين (٦) يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط وقال (٧): خلوا فوالذي كرّم وجه أبي القاسم لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بها رملًا، فانبسط القوم"، صححه أبو محمد عبد الحق (٨). وروى أبو داود (٩) من حديث أبي ماجدة (١٠) عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة فقال: "دون الخبب، إن يك (١١) خيرًا تُعجل إليه، وإن يك (١٢) غير ذلك فبعدًا لأهل النار"، ذكره أبو عمر [ابن عبد البر] (١٣)، وقال: والذي عليه جماعة أهل العلم في ذلك: الإسراع فوق

стр. 264

السجية قليلًا، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء، ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة من يتبعها (١). وقال إبراهيم النخعي: بطئوا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى (٢). السجية: العادة. بابُ بَسْطِ الثوبِ على القبرِ عند الدفنِ أبو هدبة إبراهيم بن هدبة (٣) قال: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ : "تبع جنازة، فلما صلى عليها دعا بثوب فبسط على القبر وهو يقول: لا تطلعوا في القبر فإنها أمانة، فلعسى يحل العقد فترى حية سوداء مطوقة في عنقه فإنها أمانة ولعله يؤمر به فيسمع صوت السلسلة، فإنها أمانة (٤) ". وذكر عبد الرزاق (٥) عن ابن جريج (٦) عن الشعبي عن رجل أن سعد بن مالك قال: "أمر النبي ﷺ بثوب فستر على القبر حين (٧) دفن (٨) سعد بن معاذ فيه (٩) قال: وقال سعد: إن النبي ﷺ نزل في قبر سعد بن معاذ وستر على القبر بثوب فكنت فيمن أمسك الثوب" (١٠).

стр. 265

فصل اختلف العلماء في هذا الباب: فكان عبد الله بن يزيد (١)، وشريح (٢)، وأحمد بن حنبل يكرهون مد الثوب على الرجل، وكان أحمد وإسحاق (٣) يختاران أن يفعل ذلك بقبر المرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي (٤)، ولا يضر (٥) عندهم أن يفعلوا ذلك بقبر الرجل (٦). وقال أبو ثور (٧): لا بأس ذلك بقبر الرجل (٨) والمرأة (٩)، وكذلك قال الشافعي: وستر المرأة عنده آكد من ستر الرجل (١٠)،

стр. 266

وذكره (١) ابن المنذر (٢). قلتُ: ستر (٣) الرجل والمرأة للعلة التي جاءت في حديث أنس، واقتداء بفعله ﷺ في ستر سعد بن معاذ ﵁ (٤). ولقد أخبرني بعض أصحابنا أنه سمع صوت جر السلسلة في القبر (٥)، ولقد أخبرني أيضًا (٦) صاحبنا الفقيه الإمام العالم شيخ الطريقة (٧) أبو عبيد الله (٨) محمد بن أحمد القصري (٩) أنه توفي بعض الولاة (١٠) بقسطنطينية فحُفِرَ له، فلما فرغوا من الحفر وأرادوا أن يُدخلوا الميت في القبر إذا بحية سوداء داخل القبر فهابوا أن يدخلوه فيه (١١)، فحفروا له قبرًا آخر فلما أرادوا أن يدخلوه إذا بتلك الحية فيه، فحفروا له قبرًا آخر فإذا بتلك الحية فيه، فحفروا له قبرًا آخر فإذا بتلك الحية (١٢)، فلم يزالوا يحفرون (١٣) له نحوًا من ثلاثين قبرًا وإذا بتلك الحية تتعرض لهم في القبر الذي يريدون أن يدفنوه فيه، فلما أعياهم ذلك سألوا ما يصنعون؟ فقيل لهم: ادفنوه معها، نسأل الله السلامة والستر في الدنيا والآخرة (١٤).

стр. 267

باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن [وبعده] (١) وأنه يصل للميت (٢) ما يقرأ ويدعا ويستغفر له ويتصدق عليه ذكر أبو حامد في كتاب (٣) الإحياء (٤)، وأبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة (٥) له: قال محمد بن أحمد المرورذي (٦): سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم (٧). وقال علي بن مُوسي الحداد (٨) كنا (٩) مع أحمد بن حنبل في جنازة، ومحمد بن قدامة هو (١٠) الجوهري (١١) يقرأ، فلما دفنا الميت جاء رجل ضرير (١٢) يقرأ فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة على القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد (١٣): يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر بن إسماعيل؟ قال: ثقة، قال هل كتبت عنه شيئًا؟ قال: نعم، قال: أخبرني مبشر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (١٤) عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت

стр. 268

ابن عمر ﵁ يوصي بذلك، قال أحمد: فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ (١). قلتُ: وقد استدل بعض علمائنا (٢) على قراءة القرآن على القبر (٣) بحديث

стр. 269

العسيب الرطب الذي شقه النبي ﷺ باثنين ثم غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا وقال (١): لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، خرَّجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وسيأتي (٤). وفي مسند أبي داود الطيالسي (٥): "فوضع على أحدهما نصفًا وعلى الآخر نصفًا (٦) وقال: إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء". قال علماؤنا (٧) رحمة الله عليهم (٨): ويستفاد من هذا غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنهم (٩) بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن (١٠). وخرج (١١) السِّلَفِيُّ (١٢) وغيره (١٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مرّ على المقابر (١٤) وقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشر مرة ثم وهب أجره للأموات أُعطِي من الأجر بعدد الأموات" (١٥).

стр. 270

وروي من حديث أنس خادم رسول الله ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثوابها لأهل القبور أدخل الله تعالى في كل قبر من المشرق إلى المغرب أربعين نورًا ووسع الله عليهم مضاجعهم وأعطى الله للقارئ ثواب ستين نبيًا ورفع له بكل ميت درجة وكتب له بكل ميت عشر حسنات" (١). وقال الحسن (٢): من دخل المقابر فقال: اللهم رب (٣) الأجساد البالية، والعظام النخرة (٤) التي (٥) خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة فأدخل عليهم (٦) رَوْحًا منك وسلامًا مني إلا كُتب (٧) له بعددهم حسنات (٨). وأسند الثعلبي من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال (٩): "خير الناس وخير من مشى (١٠) على جديد الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم (١١) فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله له براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار" ذكره الثعلبي (١٢). قلت: أصل هذا الباب: الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل إلى الميت (١٣) ثوابها فكذلك تصل قراءة القرآن (١٤)، والدعاء، والاستغفار إذ كل

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 272

ذلك صدقة؛ فإن الصدقة لا تختص بالمال، قال ﷺ وقد سئل عن قصر الصلاة حالة الأمن قال: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١). وقال ﵊: "يصبح على كل سُلامي (٢) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة (٣)، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وتجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" خرّج الحديثين مسلم (٤)؛ ولهذا استحب العلماء زيارة القبور؛ لأن القراءة والدعاء (٥) تحفة الميت مِن زائرِه. روي عن النبي ﷺ (٦) أنه قال: "ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث

стр. 273

ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها (١)، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار". وقد (٢) حُكي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري ﵀ فقالت: إن ابنتي ماتت وقد أحببت أن أراها في المنام فعلمني صلاة أصليها لعلي أراها، فعلمها (٣) صلاة (٤) فرأت بنتها (٥) وعليها لباس القطران، والغل في عنقها، والقيد في رجلها (٦) فارتاعت لذلك وأخبرت الحسن فاغتم (٧) عليها فلم تمض (٨) مدة حتى رآها الحسن في المنام وهي في الجنة على سرير، وعلى رأسها تاج فقالت له (٩): يا شيخ أما تعرفني؟ فقال (١٠): لا، فقالت: أنا تلك المرأة التي علَّمت أمي الصلاة فرأتني في المنام، قال: فما سبب أمرك؟ قالت: مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبي ﷺ وكان في المقبرة خمسمائة وستون إنسانًا في العذاب، فنودي: ارفعوا العذاب عنهم ببركة (١١) صلاة هذا الرجل على النبي ﷺ . وقال بعضهم: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت (١٢): ما كان (١٣) حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار فلولا أن داعيًا دعا لي لرأيت (١٤) أنه سيضربني به، والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة (١٥) له.

стр. 274

وقد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (١) ﵁ في كتاب عيون الأخبار له (٢) حكاية فيها طول رأينا ذكرها؛ لاشتمالها على وعظ وتذكير (٣) وتخويف وتحذير، وتضرع وابتهال، ودعاء بالموت وانتقال. روي عن الحارث بن نبهان (٤) أنه قال: كنت أخرج إلى الجبانات (٥) فأترحم (٦) على أهل القبور وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتًا لا يتكلمون وجيرانًا لا يتزاورون، وقد صار لهم من بطن الأرض وطاء، ومن ظهرها غطاء، وأنادي يا أهل القبور: محيت من (٧) الدنيا آثاركم وما محيت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلى فتورمت أقدامكم، قال: ثم بكى بكاءً شديدًا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر (٨) فينام في ظلها، قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر إذا أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر وأنا انظر إليه والسلسلة في عنقه وقد ازرقت عيناه واسود وجهه وهو يقول: يا ويلي ماذا حلّ بي؟ لو رأوني (٩) أهل الدنيا (١٠) لما (١١) ركبوا معاصي الله أبدًا، طولبتُ والله باللذات فأوثقتني (١٢) وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافع لي؟ أو مخبر أهلي بي (١٣)؟ قال الحارث: فاستيقظت مرعوبًا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما رأيت، فمضيت إلى داري وبت ليلتي وأنا متفكر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعني أعود إلى

стр. 275

الموضع (١) لعلي أجد به (٢) أحدًا من زوار القبور فأعلمه بالذي رأيت، قال (٣): فمضيت (٤) إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس فلم أر أحدًا، فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: وا ويلتاه (٥) ماذا حل بي ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي حتى غضب علي رب الأرباب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي، قال الحارث: فاستيقظت وقد تولّه (٦) عقلي مما رأيت وسمعت، فمشيت إلى داري، وبت ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر لعلي أجد أحدًا من زوار القبور فأعلمه بما رأيت، ثم نمت فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه وهو يقول: ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف علي العذاب، وتقطعت عني الحيل والأسباب، وغضب علي رب الأرباب وغلّق في وجهي كل باب فالويل لي إن لم يرحمني ربي العزيز الوهاب، قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبًا، وهممت بالانصراف، فإذا بثلاث جوارٍ قد أقبلن فتباعدت لهن (٧) عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهنّ، فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر وقالت: السلام عليك يا أبتاه، كيف هدوءك في مضجعك؟ وكيف قرارك في موضعك، ذهبت عنا بودك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حزننا (٨) عليك، ثم بكت بكاء شديدًا، ثم تقدمت الابنتان فسلَّمن على القبر، ثم قالتا هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه ونقمته، يا أبتاه جرت بعدك أمورٌ لو عاينتها لأهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترتها. قال الحارث: فبكيت لما سمعت كلامهن، ثم قمت مسرعًا إليهن فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيها الجوارِ إن الأعمال ربما قُبلت وربما رُدت على صاحبها، فما كان عمل أبيكن المخلد في هذا القبر الذي عاينت من أمره ما

стр. 276

أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني؟ قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن (١) وجوههن (٢) وقلن: أيها العبد الصالح وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام وأنا (٣) أختلف إلى هذا القبر أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه، قال: فلما سمعن ذلك مني قلن لي: بشارة ما أضرها، ومصيبة ما أحزنها، نحن نقضي الأوطار، ونعمر الديار وأبونا يحترق بالنار، فوالله لا قرّ لنا قرار ولا ضمنا للذة العيش دار أو نتضرع إلى الجبار فلعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار، ثم مضين يتعثرن في أذيالهن. قال الحارث: فأتيت (٤) إلى داري وبت (٥) ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده فغلبني النوم فنمت (٦) فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حور وغلمان (٧). قال الحارث فسلمت عليه وقلت له: رحمك الله من أنت؟ فقال: أنا الرجل الذي عاينت من أمره ما أحزنك، واطلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرًا فما أيمن طلعتك علي، فقلت له: وكيف حالك؟ فقال لي (٨): لما اطلعت علي وأخبرت بناتي بالأمس بحالي، أعرين أبدانهن، وأسبلن شعورهن (٩) وتضرعن لمولاهن، ومرغن خدودهن في التراب وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبنّي (١٠) من العزيز الوهاب (١١)، فغفر لي الذنوب

стр. 277

والأوزار، واستنقذني (١) من النار، وأسكنني دار القرار بجوار محمد المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري (٢) وما كان من قصتي؛ ليزول عنهن روعهن، ويفارقن حزنهن، وتعلمهن أني قد صرت إلى جنات وحور ومسك وكافور وعندي غلمان وسرور، وقد عفا عني العزيز الغفور (٣) قال الحارث: فاستيقظت فرحًا مسرورًا بما رأيت وسمعت (٤)، ثم مضيت إلى داري وبت ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر (٥) فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن فقد رأيت أباكن في خير عظيم، وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى أجاب دعاكن ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن فاشكرنه على ما أولاكن. قال: فقالت الصغرى: اللهم يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ الأمل المطلوب (٦) قد علمت ما كان من مسكنتي (٧) ورغبتي واعتذاري في خلوتي وإشفاقي (٨) من زلتي، وتنصلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي (٩)، ومالك رقبتي، والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي (١٠) عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم عبرتي، ومقيل عثرتي ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت عما أمرتني، وركنت إلى (١١) ما عنه نهيتني فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني فبأي لسان أذكرك، وعلى أي نعمة (١٢) أشكرك، ضاق بكثرتها ذرعي، فيا أكرم الأكرمين، ومنتهى غاية

стр. 278

الطالبين، ومالك يوم الدين الذي يعلم ما يُخفى (١) في الضمير (٢) وتدبر في الصغير والكبير (٣)، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك، وشفعتني في عبدك فاقبضني إليك إنك (٤) على كل شيء قدير، ثم صرخت صرخة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها، قال: ثم قامت الثانية فنادت بأعلى صوتها: يا رب يا رب فرج كربتي (٥) وخلص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي (٦)، وأعانني في شدتي فإن (٧) كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي فألحقني بأختي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها، قال: ثم قامت (٨) الثالثة فنادت بأعلى صوتها: يا أيها الجبار الأعظم، والملك الأكرم، والعالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم، والملك القديم، والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته (٩)، والبعيد من أبعدته، والمحروم من أحرمته (١٠)، والرابح من أوهبته (١١)، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم، ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام وغمض عن مُنَاوَله الأوهام، باسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء، وعلى الجبال فدكدكت (١٢)، وعلى الرياح فسارت (١٣) وعلى السماوات فارتفعت، وعلى الأصوات

стр. 279

فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللهم إن أسألك إن كنت قضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي فألحقني بصواحبي (١)، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا رحمة الله عليها وعليهن (٢) وعلى جميع المسلمين (٣). وروي من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: و "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات" (٤). ويروى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة (٥). وقد روي إباحة [قراءة] (٦) القرآن عند القبر عن العلاء بن عبد الرحمن (٧). وذكر النسائي (٨) وغيره (٩) من حديث معقل بن يسار المدني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اقرؤوا سورة (١٠) يس عن موتاكم". وهذا يحتمل أن تكون

стр. 280

هذه القراءة عند الميت في حال موته، ويحتمل أن يكون عند قبره. قال أبو محمد عبد الحق (١): حدثني أبو الوليد إسماعيل بن أحمد عُرف بابن أفرند وكان هو وأبوه صالحين معروفين (٢)، مات أبي ﵀ فحدثني بعض إخوانه ممن يوثق بحديثه، قال لي: زرت قبر أبيك فقرأت عليه حزبًا من القرآن، ثم قلت: يا فلان هذا قد أهديته لك، فماذا لي؟ قال: فهبّت علي نفحة مسك غشيتني، وأقامت معي ساعة، ثم انصرفت وهي معي فما فارقتني إلا وقد مشيت نصف الطريق. قال أبو محمد (٣): ورأيت لبعض من يوثق بحديثه قال: ماتت لي امرأة فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن فأهديتها لها ودعوت الله ، واستغفرت لها وسألت، فلما كان في اليوم التالي حدثتني امرأة تعرفها وتعرفني قالت لي: رأيت البارحة فلانة في النوم يعني الميتة المذكورة، في مجلس حسن، في دار حسنة، وقد أخرجت [لى] (٤) أطباقًا من تحت سرير كان في البيت والأطباق مملوءة (٥) قوارير (٦)، فقالت لي: يا فلانة هذا (٧) أهداها لي صاحب بيتي، قال: وما كنت أعلمت بما أهديت من (٨) ذلك أحدًا. قلت: في هذا (٩) حديث مرفوع (١٠) من حديث أنس يأتي (١١) في باب ما

стр. 281

يتبع الميت إلى قبره، وبعد موته وما يبقى معه فيه (١). وقد قيل: إن ثواب القراءة للقارئ وثواب الاستماع للميت (٢)، وكذلك (٣) تلحقه الرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعًا، ويلحقه ثواب ما يُهدى إليه من قراءة القرآن وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكرنا؛ ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال، وما تقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن، قال النبي ﷺ (٤): "يقول الرب (٥) ﵎: من شغله قراءة (٦) القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، رواه الترمذي (٧) وقال فيه: حديث حسن غريب (٨). وقال ﵇: "إذا مات الإنسان انقطع عمله (٩) إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١٠). والقراءة في معنى الدعاء، وذلك صدقة من الولد ومن الصاحب والصديق والمؤمنين حسب ما ذكرنا والله أعلم (١١).

стр. 282

فإن قيل: فقد قال الله (١) تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدًا (٢) عملُ أحدٍ، قيل له: هذه الآية اختلف (٣) في تأويلها، فروي عن ابن عباس أنها منسوخة (٤) بقوله تعالى: [والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمانٍ ألحقنا بهِم ذرياتهم] [الطور: ٢١] (٥) فجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء من الآباء، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ (٦) لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وقال الربيع بن أنس (٧): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يعني الكافر، وأما المؤمن فله ما سعي وما سعي (٨) له غيره (٩) (١٠).

стр. 283

قلت: وكثير (١) من الأحاديث تدل على هذا القول (٢)، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٣)، وقال ﵇ للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٤)، وروي أن (٥) عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته، وأعتقت عنه، وقال سعد (٦) للنبي ﷺ : "إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" (٧)، وفي الموطأ (٨) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته (٩) أنها حدثته عن جدته أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها (١٠) أن تمشي (١١) عنها.

стр. 284

قلت: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ خاصًّا بالسيئة (١)، بدليل ما في صحيح مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال : إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات (٣) إلى سبعمائة ضعف، فإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة"، والقرآن دال على هذا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى (٤): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال في الآية الأخرى (٥): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وهذا كله تفضلًا (٦) من الله ، وطريق العدل ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء (٧) إلا أن الله متفضل (٨) عليه بما لم يجب له، كما أن زيادة الإضعاف في الحسنة (٩) فضل منه كتب له بالحسنة الواحدة عَشْرًا (١٠) إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليجزي بالحسنة (١١) الواحدة ألف ألف حسنة؟ فقال: سمعته يقول: "إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة" (١٢). فهذا تفضل، وقد تفضل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير

стр. 285

عمل (١)، وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور (٢) قال: سنة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يُقرأ (٣) معه سورة البقرة. ولقد أحسن بعض الفضلاء حيث يقول (٤) (٥): زر والديك وقف على قبريهما … فكأنني بك قد حملت إليهما وفي أبيات يقول فيها (٦): وقرأت من آي الكتاب بقدر ما … تستطيعه وبعثت ذاك إليهما وإنما طولنا النفس في هذا الباب؛ لأن الشيخ الإمام (٧) الفقيه القاضي (٨) عبد العزيز بن عبد السلام (٩) (١٠) كان يفتي بأنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يُقرأ، ويحتج بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، فلما توفي ﵀ رآه بعض أصحابه ممن (١١) يجالسه ويسأله عن ذلك فقال له: إنك كنت تقول: لا (١٢) يصل إلى الميت ثواب ما يُقرأ ويهدى إليه فكيف الأمر؟ فقال له: كنت (١٣) أقول ذلك في دار الدنيا والآن قد رجعت عنه (١٤) لما رأيت من
следующие страницы →