← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يتبع الميت إلى قبره، وبعد موته وما يبقى معه فيه (١). وقد قيل: إن ثواب القراءة للقارئ وثواب الاستماع للميت (٢)، وكذلك (٣) تلحقه الرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعًا، ويلحقه ثواب ما يُهدى إليه من قراءة القرآن وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكرنا؛ ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال، وما تقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن، قال النبي ﷺ (٤): "يقول الرب (٥) ﵎: من شغله قراءة (٦) القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، رواه الترمذي (٧) وقال فيه: حديث حسن غريب (٨). وقال ﵇: "إذا مات الإنسان انقطع عمله (٩) إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١٠). والقراءة في معنى الدعاء، وذلك صدقة من الولد ومن الصاحب والصديق والمؤمنين حسب ما ذكرنا والله أعلم (١١).

стр. 282

فإن قيل: فقد قال الله (١) تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدًا (٢) عملُ أحدٍ، قيل له: هذه الآية اختلف (٣) في تأويلها، فروي عن ابن عباس أنها منسوخة (٤) بقوله تعالى: [والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمانٍ ألحقنا بهِم ذرياتهم] [الطور: ٢١] (٥) فجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء من الآباء، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ (٦) لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وقال الربيع بن أنس (٧): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يعني الكافر، وأما المؤمن فله ما سعي وما سعي (٨) له غيره (٩) (١٠).

стр. 283

قلت: وكثير (١) من الأحاديث تدل على هذا القول (٢)، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٣)، وقال ﵇ للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٤)، وروي أن (٥) عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته، وأعتقت عنه، وقال سعد (٦) للنبي ﷺ : "إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" (٧)، وفي الموطأ (٨) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته (٩) أنها حدثته عن جدته أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها (١٠) أن تمشي (١١) عنها.

стр. 284

قلت: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ خاصًّا بالسيئة (١)، بدليل ما في صحيح مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال : إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات (٣) إلى سبعمائة ضعف، فإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة"، والقرآن دال على هذا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى (٤): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال في الآية الأخرى (٥): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وهذا كله تفضلًا (٦) من الله ، وطريق العدل ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء (٧) إلا أن الله متفضل (٨) عليه بما لم يجب له، كما أن زيادة الإضعاف في الحسنة (٩) فضل منه كتب له بالحسنة الواحدة عَشْرًا (١٠) إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليجزي بالحسنة (١١) الواحدة ألف ألف حسنة؟ فقال: سمعته يقول: "إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة" (١٢). فهذا تفضل، وقد تفضل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير

стр. 285

عمل (١)، وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور (٢) قال: سنة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يُقرأ (٣) معه سورة البقرة. ولقد أحسن بعض الفضلاء حيث يقول (٤) (٥): زر والديك وقف على قبريهما … فكأنني بك قد حملت إليهما وفي أبيات يقول فيها (٦): وقرأت من آي الكتاب بقدر ما … تستطيعه وبعثت ذاك إليهما وإنما طولنا النفس في هذا الباب؛ لأن الشيخ الإمام (٧) الفقيه القاضي (٨) عبد العزيز بن عبد السلام (٩) (١٠) كان يفتي بأنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يُقرأ، ويحتج بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، فلما توفي ﵀ رآه بعض أصحابه ممن (١١) يجالسه ويسأله عن ذلك فقال له: إنك كنت تقول: لا (١٢) يصل إلى الميت ثواب ما يُقرأ ويهدى إليه فكيف الأمر؟ فقال له: كنت (١٣) أقول ذلك في دار الدنيا والآن قد رجعت عنه (١٤) لما رأيت من

стр. 286

كرم الله في ذلك، وأنه يصل إليه ذلك. باب يدفن العبد في الأرض التي خُلق منها أبو عيسى الترمذي (١) عن مطر بن عُكَامِس (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة". قال أبو عيسى: وفي الباب (٣) عن أبي عزة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى الله لعبد (٤) أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة (٥) أو قال بها حاجة" (٦). قال: هذا حديث صحيح، وأبو عزة له صحبة، واسمه يسار بن عُبيد. وأنشدوا (٧): إذا ما حِمَام المرء كان ببلدة … دعته إليها حاجة فيطير وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ يطوف ببعض نواحي المدينة فإذا بقبر يُحفر فأقبل حتى وقف عليه، فقال: لمن هذا؟ قيل: لرجل من

стр. 287

الحبشة، فقال: لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه حتى دُفن في الأرض التي خُلق منها". وعن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : "أنه قال: إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما استودعتني"، خرَّجه ابن ماجه (١). فصل قال علماؤنا (٢) رحمة الله عليهم: فائدة هذا الباب تنبيه العبد على التيقظ للموت والاستعداد له بحسن الطاعة، والخروج عن المظلمة، وقضاء الدين، وإثبات الوصية بما له وعليه في الحضر فضلًا عن أوان الخروج عن وطنه (٣) إلى سفر؛ فلا يدري (٤) أين كُتبت منيته من بقاع الأرض، أنشد (٥) بعضهم (٦): مشينا في خطًا كُتبت علينا … ومن كُتبت عليه خُطًا مشاها وأرزاق لنا متفرقات … فمن لم تأته منا أتاها ومن كُتبت منيته بأرض … فليس يموت في أرض سواها وقد رُوي في الآثار القديمة (٧): أن سليمان ﵇ كان عنده رجل يقول (٨): يا نبي الله إن لي حاجة بأرض الهند فأسألك يا نبي الله (٩) أن تأمر

стр. 288

الريح أن تحملني إليها في هذه الساعة، فنظر سليمان إلى ملك الموت فرآه تبسم، فقال: مم تبتسم؟! قال: تعجبًا، (أمرت) (١) بقبض روح هذا الرجل في بقية هذه الساعة بالهند، وأنا أراه عندك، فروي أن الريح حملته تلك الساعة إلى الهند فقبض روحه (٢)، والله أعلم (٣). باب ما جاء أن كل عبد يُذرُّ (٤) عليه من تراب حفرته وفي الرزق والأجل (٥) وبيان قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أبو نعيم: (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا وقد ذُر عليه من تراب حفرته (٧) ". قال أبو عاصم النبيل (٨): ما نجد لأبي بكر وعمر ﵄ فضيلة مثل هذه؛ لأن طينتهما طينة رسول الله ﷺ ، أخرجه (٩) في باب ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ وقال: هذا حديث غريب من حديث ابن عون (١٠)، ولم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة. وروي مرة عن ابن مسعود ﵁: "أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة من الرحم فيضعها على كفه ثم يقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: مخلقة، قال: يا رب ما الرزق، ما الأثر، ما الأجل (١١)؟ فيقول: انظر في أمّ

стр. 289

الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله، ويأخذ من التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، أخرجه الترمذي الحكيم (١) في نوادر الأصول (٢) أيضًا (٣). وذكر (٤) عن علقمة (٥) عن عبد الله (٦) قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه فقال: أي رب مخلقة (٧) أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قال مخلقة قال: أي رب أذكر (٨) أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ وما الأجل (٩)، وما الأثر (١٠)، وما الرزق، وبأي أرض يموت؟ فيقول: اذهب إلى أم الكتاب فإنك ستجد هذه النطفة (١١)، فيقال للنطفة من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فتخلق فتعيش أجلها (١٢)، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها ماتت، فدفنت (١٣) في ذلك المكان" (١٤). فالأثر (١٥): التراب الذي يؤخذ فيعجن (١٦) به ماؤه. وقال محمد بن سيرين: لو حلفت حلفت صادقًا بارًا غير شاك ولا مستثن أن الله تعالى ما خلق نبيه محمدًا (١٧) ﷺ ولا أبا بكر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة (١٨).

стр. 290

قلت: وممن خلق من تلك الطينة (١) عيسى ابن مريم ﵇ على ما يأتي (٢) بيانه آخر الكتاب إن شاء الله، وهذا الباب يبين لك معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة: ٨]، ولا تعارض في شيء من ذلك على ما بيناه (٣) في كتاب جامع أحكام القرآن والمبين (٤) لما تضمن من السنة وآي الفرقان (٥)، وهذا الباب يجمع لك ذلك (٦) كله فتأمله (٧). باب (٨) ما يتبع الميت إلى قبره وبعد موته وما يبقى معه فيه مسلم (٩) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميت ثلاثة (١٠)، فيرجع اثنان (١١) ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله". وروي (١٢) أبو نعيم (١٣) من حديث قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سبع يجري أجرها (١٤) للعبد بعد موته وهو في قبره: من علَّم علمًا، أو أجرى (١٥) نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا،

стр. 291

أو ورّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته" (١)، هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرد به أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي عن العزرمي محمد بن عبد الله عن قتادة (٢)، وخرجه ابن ماجه (٣) من حديث [الزهري] (٤): حدثني أبو عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثه، أومسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه (٥)، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته (٦) تلحقه من (٧) بعد موته". وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنك لتصدق عن ميتك بصدقة فيجيء بها ما لك من الملائكة في أطباق من نور (٨) فيقوم على رأس القبر فينادي: يا صاحب القبر الغريب أهلك قد أهدوا إليك هذه الهدية فاقبلها، قال: فيدخلها إليه في قبره، ويفسح له في مداخله، وينوّر له فيه، قال (٩): فيقول: جزى الله أهلي عني خير الجزاء (١٠)، قال: فيقول لزيق ذلك القبر أنا لم أخلف لي ولدًا ولا أحدًا يذكرني بشيء، فهو مهموم، الآخر يفرح بالصدقة" (١١).

стр. 292

وقال بشار بن غالب (١): رأيت رابعة العدوية (٢)، يعني العابدة (٣) في المنام وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي: بشار (٤) هديتك تأتينا في أطباق من نور عليها (٥) مناديل الحرير، وهكذا يا بشار دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى استجيب لهم (٦) يقال: هذه هدية فلان إليك، وقد مضى (٧) لهذا المعنى (٨) ما فيه كفاية والحمد لله. وقال إسماعيل بن رافع (٩): ما من ذي رحم أوصل لذي رحمه من رجل أتبع ذا رحم بحج أو عتق أو صدقة (١٠). باب ما جاء في هول المطلع (١١) تقدم (١٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنوا الموت فإن هول المُطَّلَع شديد"، ولما طعن عمر بن الخطاب ﵁ قال له رجل: إني لأرجو أن لا يمس جلدك النار فنظر إليه ثم قال: إن من غررتموه (١٣) لمغرور، والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع (١٤).

стр. 293

وقال أبو الدرداء ﵁: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث، أضحكني مؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك بملء (١) فيه لا يدري أرضى (٢) الله أم (٣) أسخطه، وأبكاني فراق الأحبة محمد ﷺ [وحزبه] (٤)، وأحزنني (٥) هول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله ﵎ يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار، خرّجه ابن المبارك (٦) قال: أخبرنا غير واحد عن معاوية بن قرة قال: قال أبو الدرداء فذكره. قال (٧) وحدثنا (٨) محمد (٩) بلغ به أنس بن مالك قال: ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن: أول يوم يجيئك البشير من الله تعالى إما برضاه وإما بسخطه، ويوم تقف فيه (١٠) على ربك (١١) آخذًا كتابك إما بيمينك وإما بشمالك، وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور ولم تبت فيها [ليلة] (١٢) قط، وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة (١٣).

стр. 294

باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده وفي حكمه والاستعداد له ابن ماجه (١) عن هانئ [مولي] (٢) عثمان بن عفان (٣) قال: (٤) كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكي (٥) حتى يبل لحيته، فقيل له: تَذْكُر الجنة والنار [و] (٦) لا تبكي وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد [منه] (٧)، قال: وقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه": خرجه الترمذي (٨)، وزاد رزين قال: وسمعت عثمان ينشد على قبر (٩). فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا أخالك ناجيًا ابن ماجه (١٠) عن البراء قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس

стр. 295

على شفير القبر فبكى، وأبكى من حوله حتى بل الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدُّوا (١) ". فصل القبر واحد القبور في الكثرة، وأقبر في القلة، ويقال للمدفن مقبرة (٢). قال الشاعر (٣): لكل أناس مقبر بفنائهم … فهم ينقصون والقبور تزيد واختلف في أول من سنّ القبر فقيل: الغراب لما قتل قابيل هابيل (٤)، وقيل: بنو إسرائيل وليس بشيء، وقيل: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافًا به، والأول أصح والله أعلم (٥)، فبعث الله غرابًا يبحث في التراب (٦) على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض الله الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، وقيل: ندمه إنما كان على فقده لا على قتله، قال ابن عباس: ولو (٧) كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة (٨)، ويقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند (٩) رأسه إذا أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك، فبقي ذلك سُنةً لازمةً في بني آدم، وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾، أي جعل له قبرًا يوارى فيه إكرامًا له (١٠)، ولم

стр. 296

يجعله مما يُلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي، قاله (١) الفرَّاء (٢)، وقال أبو عبيدة (٣): أقبره: جعل له قبرًا، وأمر أن يقبر، قال أبو عبيدة: ولما قتل عمرُ بنُ هبيرة صالحَ بنَ عبد الرحمن قالت بنو تميم ودخلوا عليه: أقبرنا صالحًا، فقال: دونكموه (٤). وحكم القبر أن يكون مسنمًا (٥) مرفوعًا على وجه الأرض قليلًا غير مبني بالطين والحجارة والجص فإن ذلك منهي عنه. وروى مسلم (٦) عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يُبنى عليه"، وخرجه (٧) الترمذي (٨) أيضًا عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ "أن تُجصص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن توطأ"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قال علماؤنا (٩) ﵏ (١٠): كره (١١) مالك تجصيص القبور؛ لأن ذلك من المباهاة وزينة الدنيا (١٢) وتلك منازل الآخرة وليس بموضع الزينة، وإنما يزين الميت في قبره (١٣) عمله. وأنشدوا (١٤):

стр. 297

إذا وليت أمور قوم ليلة … فاعلم بأنك بعدها مسؤول وإذا حَملتَ إلى القبور جنازة … فاعلم بأنك بعدها محمول يا صاحب القبر المنقش سطحه … ولعله من تحته مغلول (١) وفي صحيح مسلم (٢) عن أبي الهياج الأسدي (٣) قال: قال لي (٤) علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته. وقال أبو داود في المراسيل (٥) عن عاصم عن [ابن أبي صالح] (٦): رأيت قبر النبي ﷺ شبرًا، أو نحوًا من شبر. يعني في الارتفاع. قال علماؤنا (٧): يسنم القبر ليعرف كي يحترم، ويمنع من الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله فإنها (٨) كانت تعلي عليها، وتبني فوقها تفخيمًا لها، وتعظيمًا، وأنشدوا (٩): أرى أهل القصور (١٠) إذا أميتوا … بنوا فوق المقابر (١١) بالصخور أبوا إلا مباهاة وفخرًا … على الفقراء حتى في القبور لعمرك لو كشفت الترب عنهم (١٢) … فما تدري (١٣) الغني من الفقير

стр. 298

ولا الجلد المباشر ثوب صوف … من الجلد المباشر للحرير إذا أكل الثرى هذا وهذا … فما فضل الغني على الفقير يا هذا أين الذي: جمعته من الأموال (١)، وأعددته للشدائد والأهوال، لقد أصبحت كفك عنه (٢) عند الموت خالية صفرًا، وبدلت من بعد غناك عزّك ذُلًّا وفقرًا (٣)، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سُلب من أهله وداره ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك بحمل (٤) الزاد إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور أن (٥) لا بد من الارتحال إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثم قيل (٦) ولا قال، بل يُعدّ عليك بين يدي الملك الديان ما بطشت اليدان، ومشت القدمان، ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلًا عن هذه الأحوال إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير أو تزعم أن الخطب يسير، أو تظن (٧) أن سينفعك حالك إذا آن ارتحالك، أو ينقذك (٨) مالُك حين توبقك أعمالك أو يغني عنك ندمك إذا زلت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهم، ولا بد لك أن ستعلم لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظاة تسمع، ولا بالوعيد تردع (٩)، دأبك أن تتقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائمًا في غفلةٍ (١٠) وفي خبطه يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان؟ أتزعم أن ستترك سدى وأن لا تحاسب غدًا، أم تحسب أن الموت يقبل الرِّشا أم يميز بين الأسد والرَّشا؟ كلا والله لا يدفع الموت عنك (١١) مال ولا بنون، ولا ينفع

стр. 299

أهل القبور سوى العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعي وحقق ما ادعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠]. فانتبه من هذه الرقدة، واجعل (١) العمل الصالح لك عِدة، ولا تتمنى منازل الأبرار (٢) وأنت مقيم على الأوزار، و (٣) عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب (٤) في الخلوات رب الأرض والسماوات، ولا يغرنك (٥) الأمل فتزهد عن (٦) العمل، أو ما سمعت الرسول حيث يقول لما جلس على القبور (٧): "إخواني (٨) لمثل هذا فأعدوا" (٩). أو ما سمعت الذي خلقك (١٠) فسوَّى (١١) يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وأنشدوا (١٢): تزود من معاشك للمعاد … وقم الله واعمل خير زاد ولا تجمع من الدنيا كثيرًا … فإن المال يُجمع للنفاد أترضى أن تكون رفيق قوم … لهم زاد وأنت بغير زاد وقال آخر (١٣): إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزوَّدا ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر (١٤):

стр. 300

الموت بحر طافح موجه … تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح (١) لا ينفع الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح وقال آخر (٢): أسلمني الأهل ببطن الثرى … وانصرفوا عني فيا وحشتا وغادروني معدمًا بائسًا (٣) … ما بيدي اليوم إلا البكا وكل ما (٤) كان كأن لم يكن … وكل ما حذرته قد أتى وذاكم (٥) المجموع والمقتنى … قد صار في كفي مثل الهبا ولم أجد لي (٦) مؤنسًا ها هنا … غير فجور موحش (٧) أوْثقى (٨) فلو تراني وترى حالتي … بكيت لي يا صاح (٩) مما ترى (١٠) وقال آخر (١١): ولدتك إذ ولدتك أمك باكيًا … والقوم حولك يضحكون سرورًا فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا وروي عن محمد القرشي (١٢) أنه قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر، وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدقوا مخافة يوم عسير.

стр. 301

وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلي (١) في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت، وبأي إخوانك (٢) اغتبطت، ثم يبكي حتى تبتل (٣) عمامته، ويقول: استبشرَ واللهِ بأعماله الصالحة، واغتبط والله بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبور (٤) صرخ كما يصرخ الثور (٥). وسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه (٦)، وما فيه من الموعظة إن شاء الله تعالى. باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن أبو داود الطيالسي (٧) قال: حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي قال: حدثني رجل من آل عمر عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قبري أو قال: من زارني كنت له شهيدًا أو شفيعًا، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة". و (٨) خرجه أبو الحسن علي بن عمر (٩) الدارقطني (١٠) عن حاطب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " [من] (١١) زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بُعث من الآمنين يوم القيامة".

стр. 302

وخرج البخاري (١) ومسلم (٢) عن أبي هريرة قال: "أُرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه (٣) صكه (٤) فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد [الله] (٥) عليه (٦) عينه، وقال: ارجع إليه فقل (٧) له يضع يده على متن ثور (٨) فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه، قال: ثم الموت (٩)، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر (١٠)، وقال (١١) ﷺ : لو كنت ثُمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر". وفي رواية قال: "جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له (١٢): أجب ربك، فلطم (١٣) موسى عين ملك الموت ففقأها" (١٤)، وذكر نحوه الترمذي (١٥) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها"، صححه أبو محمد عبد الحق (١٦). وفي الموطأ (١٧) أن عمر ﵁ كان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة في بلد نبيك (١٨).

стр. 303

وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ﵄ قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فدفنا بها؛ وذلك والله أعلم لفضل علموه هناك فإن فضل المدينة غير منكور، ولا مجهول، ولو لم يكن إلا مجاورة الصالحين، والفضلاء من الشهداء وغيرهم (١). وروي عن كعب الأحبار ﵁ أنه قال لبعض أهل مصر لما قال له هل لك من حاجة؟ فقال: نعم جراب من تراب سفح المُقَطم (٢)، يعني جبل مصر، قال: فقلت له يرحمك الله وما تريد منه؟ قال: أضعه في قبري، فقال له: تقول هذا وأنت في المدينة (٣) وقد قيل في البقيع ما قيل؟! قال: إنا نجد في الكتاب الأول أنه مقدس ما بين القُصَيْرِ (٤) إلى اليحموم (٥). فصل قال علماؤنا (٦) رحمة الله عليهم: البقاع لا تقدس (٧) أحدًا، ولا تطهر [هـ] (٨)، وإنما الذي يقدسه من وَضَرِ (٩) الذنوب ودنسها: التوبة النصوح مع

стр. 304

الأعمال الصالحة، أما أنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما وهو إذا (١) عمل العبد فيها عملًا صالحًا ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفر سيئاته، وترجح ميزانه، وتدخله الجنة، وكذلك تقدسه إذا مات على معنى النفع لصالح العمل لا أنها توجب التقديس ابتداء. وقد روى مالك (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أحب أن أدفن في البقيع (٣)، لأن أدفن في غيره أحب إلي، ثم بيَّن العلة فقال (٤): مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح (٥)، أو نجاور فاجرًا (٦). وهذا يستوي فيه سائر البقاع فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجتمع عليه، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه لا لفضل ولالدرجة (٧). فصل إن قال قائل: كيف جاز لموسى ﵇ أن يَقْدِمَ على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه؟! فالجواب من وجوه ستة: الأول: أنها كانت عينًا متخيلة لا حقيقة لها، وهذا القول باطل؛ لأنه يؤدي إلى ما يراه الأنبياء ﵇ من صورة (٨) الملائكة لا حقيقة لها، وهو (٩) مذهب السالمية (١٠).

стр. 305

الثاني: أنها (١) كانت (٢) معنوية وإنما (٣) فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة له. الثالث: أنه لم يعرفه، فظنه (٤) رجلًا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عنها فلطم عينه (٥) ففقأها (٦) وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصك، قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة (٧)، إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت (٨). الرابع: أن موسى ﵇ كان سريع الغضب، وسرعة غضبه كان سببًا لصكه ملك الموت، قاله (٩) ابن العربي في الأحكام (١٠)، وهذا فاسد؛ لأن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضى والغضب (١١).

стр. 306

الخامس: ما قاله ابن مهدي (١): أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء، فكان موسى ﵇ لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه. السادس: وهو الصحيح (٢) وذلك أن موسى ﵇ كان عنده ما أخبر نبينا ﵇ من [أن] (٣) الله لا يقبض روح نبي (٤) حتى يخير. خرجه البخاري (٥) وغيره (٦)، فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته، وقوة نفسه إلى أدبه فلطمه ففقئت عينه امتحانًا لملك الموت (٧) إذ لم يصرح له بالتخيير (٨)، ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أعلم وأحكم، وذكره ابن العربي في كتاب القبس (٩) بمعناه والحمد لله. وقد ذكر الترمذي (١٠) الحكيم (١١) حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ

стр. 307

قال: "كان ملك الموت ﵇ يأتي الناس عيانًا حتى أتى موسى ﵇ فلطمه وفقأ عينه" الحديث بمعناه، وفي آخره: "فكان يأتي الناس بعد ذلك في (١) خفية". باب يُختار للميت قوم صالحون يدفن (٢) معهم خرَّج أبو سعيد (٣) الماليني (٤) في كتاب المختلف والمؤتلف (٥)، وأبو بكر محمد بن جعفر (٦) الخرائطي في كتاب القبور من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ أنه (٧) قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين، فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء" (٨). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إذا مات لأحدكم الميت فحسنوا كفنه، وعجلوا إنجاز وصيته، وأعمقوا له في قبره، وجنبوه جار السوء، قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، قال: كذلك ينفع في الآخرة"، ذكره الزمخشري (٩) في كتاب ربيع

стр. 308

الأبرار (١)، وخرّجه (٢) أبو نعيم الحافظ (٣) بإسناده من حديث مالك بن أنس عن عمه نافع بن مالك عن أبيه (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين فإن الميت يتأذى بالجار السوء". فصل قال علماؤنا (٥): ويستحب لك رحمك الله أن تقصد بميتك قبور الصالحين، ومدافن أهل الخير، فتدفنه معهم، وتنزله بإزائهم، وتسكنه في جوارهم تبركًا بهم (٦)، وتوسلًا إلى الله بقربهم (٧)، وأن تتجنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذي بمجاورته، والتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث. وروي (٨) أن امرأة دفنت بقرطبة (٩) فأتت أهلها في النوم فجعلت تعتبهم وتشكوهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى (١٠) فرن الجير، فلما أصبحوا نظروا

стр. 309

فلم يروا في ذلك الموضع كله ولا بقربه فرن جير، فبحثوا وسألوا عمن كان مدفونًا بإزائها فوجدوه رجلًا سيافًا (١) كان لابن عامر (٢) وقبره إلى قبرها، فأخرجوها من جواره. ذكر هذا أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له (٣). وعن أعرابي أنه قال لولده: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرّني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقًا، قد روعني ما يعذب به من أنواع العذاب. وروى أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي (٤) في كتاب الديباج (٥) له، وحدثني (٦) أبو الوليد رباح بن الوليد الموصلي قال: وحدثت (٧) عن عبد الملك بن عبد العزيز عن طاووس بن ذكوان اليماني (٨) أنه أخبرهم أنه قدم حاجًا فمرّ بالأبطح عند المقابر مع رفقاء (٩) له، فقال: بينما أنا أصلي في جوف الليل وعلي برد لي أحرش (١٠) أخذته باليمن بسبعين دينارًا (١١) وقبر قريب مني محفور إذ رأيت شمعًا قد أقبل به مع (١٢) جنازة، فإذا قائل يقول

стр. 310

في قبر قريب من القبر المحفور: اللهم إني أعوذ بك من الجار (١) السوء، قال: فركعت ثم سجدت وسلمت، ثم خرجت حتى لقيت أصحاب الجنازة فسلمت (٢) وقلت: لا تقربونا، وتنحوا عنا عافاكم الله. قالوا: ما نستطيع ذلك وقد حفرنا قبرنا هذا (٣)، ولا نستطيع أن نذهب إلى غيره. فقلت: من أولى بالجنازة؟ قالوا: هذا ابنه، فقلت له: هل لك أن تتنحى عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك فألبسه وأعطيك بردي هذا فإني قد أخذته باليمن بسبعين دينارًا وهو هنا خير من سبعين فإن كان على أبيك دين قضيته عنه، وإن لم يكن انتفع بذلك الورثة وتكف عنا ما نكره، قال: فأنكر القوم قولي أن يكون على رجلٍ برد ملتف به ثمنه سبعون دينارًا، فاحتجت إلى أن أخبرهم من أنا، فقلت: تعرفون طاووس اليماني؟ قالوا: نعم، قلت: فأنا طاووس اليماني وما قلت لكم في البرد إلا حقًّا، فناولني الرجل رداءه وأخذ بردي وانصرف عنا، وأقبلت حتى وقفت على صاحب القبر فقلت: ما كان ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده ثم عدت إلى صلاتي. باب (٤) ما جاء في كلام القبر كل يوم وكلامه للعبد إذا وضع فيه الترمذي (٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مصلاه

стр. 311

فرأى ناسًا يكْشِرون (١) فقال: أما أنكم لو أكثر تم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى، يعني الموت، فأكثروا ذكر هادم اللذات الموت فإنه لم يأت على القبر يوم (٢) إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا أما إن كنتَ لأحب من يمشي على ظهري إذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك، قال (٣): فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة. وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك اليوم وصرت (٤) إلي فسترى صنيعي بك، قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي وتختلف أضلاعه، قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض، قال: ويُقيّض له تسعين (٥) تنينًا أو قال: تسعة وتسعين (٦) لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا (٧) حتى يفضي به إلى الحساب". قال: وقال (٨) رسول الله ﷺ : "إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (٩).

стр. 312

وخرَّج: هناد (١) بن السِّرِيِّ (٢) قال: حدثنا حسين الجعفي عن مالك بن مغول عن عبد الله بن عبيد بن عمير [عن أبيه] (٣) قال: يجعل (٤) الله للقبر لسانًا ينطق به فيقول: ابن آدم كيف نسيتني، أما علمت أني بيت الأكلة، وبيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة. قال (٥): وحدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن عبد الله بن عبيد بن عمير [عن أبيه] (٦) قال: إن القبر ليبكي (٧) يقول (٨) في بكائه: أنا بيت الوحشة، أنا بيت الوحدة (٩)، أنا بيت الدود. وذكر أبو عمر بن عبد البر: روي (١٠) يحيى بن جابر الطائي عن ابن عائذ (١١) الأزدي عن غضيف بن الحارث قال: أتيت بيت المقدس أنا

стр. 313

وعبد الله بن عبيد بن عمير قال: فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم ما غرَّك [بي] (١)؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم ما غرَّك بي؟ لقد كنت تمشي حولي فَدَّادًا، قال ابن عايد: قلت لغضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال: كبعض مشيتك يا ابن أخي، قال غضيف: فقال صاحبي وكان أكبر مني لعبد الله بن عمرو: فإن كان مؤمنًا فماذا له (٢)؟ قال: يوسع له في قبره، ويجعل منزله أخضر، ويعرج بروحه إلى السماء. ذكره في كتاب التمهيد (٣). وذكر أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة (٤) (٥): عن أبي الحجاج الثمالي (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك (٧) يا ابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الدود؟ ما غرك [بي] (٨) إذ كنت تمر بي فدادًا؟ قال: فإن كان مصلحًا أجاب عنه مجيب القبر فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر المعروف وينهى عن المنكر؟ قال: فيقول القبر: فإني أعود عليه خضرًا، ويعود جسده نورًا، وتصعد روحه (٩) إلى رب العالمين. ذكر هذا الحديث أبو أحمد الحاكم (١٠) في كتاب

стр. 314

الكنى (١)، وذكره أيضًا قاسم بن أصبغ (٢) قال: قيل لأبي الحجاج ما الفداد؟ قال: الذي يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، يعني الذي يمشي مشية المتبختر. وذكر ابن المبارك (٣): حدثنا (٤) داود بن نافذ (٥) قال: سمعت عبد الله بن [عبيد] (٦) بن عمير (٧) يقول: بلغني أن الميت يقعد في حفرته وهو (٨) يسمع وخط مشيعيه ولا يكلمه شيء أول من حفرته (٩) فتقول: ويحك يا ابن آدم أليس قد حذرتني (١٠) وحذرت ضيقي (١١) وظلماتي (١٢) ونتني وهولي، هذا [ما] (١٣) أعددت لك فما (١٤) أعددت لي؟. الوخط والوخد: سرعة السير في المشي.

стр. 315

وقال سفيان الثوري: من أكثر (١) ذكر القبر (٢) وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة (٣) من حفر النار (٤). وقال أحمد بن حرب (٥): تتعجب الأرض ممن يمهد مضجعه، ويسوي فراشه للنوم، وتقول: يا ابن آدم ألا تذكر طول رقادك (٦) في جوفي وما بيني وبينك شيء (٧). وقيل لبعض الزهاد: ما أبل العظات؟ قال: النظر إلى محلة (٨) الأموات (٩). ولقد أحسن أبو العتاهية (١٠) حيث يقول: وعظتك أجداث صمت … ونعتك أزمنة خفت وتكلمت عن أوجه تبلي (١١) … وعن صور سبت (١٢) وأرتك نفسك في القبور … وأنت حي لم تمت وروي عن الحسن البصري أنه قال: كنت خلف جنازة فاتبعتها حتى وصلوا (١٣) به إلى حفرته، فنادت امرأة فقالت: يا أهل القبور لو عرفتم من نقل إليكم لأعزرتموه، قال الحسن: فسمعت صوتًا من الحفرة وهو يقول: قد

стр. 316

والله (١) نقل إلينا بأوزار كالجبال، وقد أذن لي أن أكله حتى يعود رميمًا، قال: فاضطربت الجنازة فوق النعش، وخرّ الحسن مغشيًا عليه (٢). باب ما جاء في ضغطة القبر على صاحبه وإن كان صالحًا النسائي (٣) عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء وشهده (٤) سبعون ألفًا من الملائكة لقد ضُمّ ضمة ثم فُرِّجَ (٥) عنه. قال أبو عبد الرحمن النسائي: يعني سعد بن معاذ. ومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ" (٦). وذكر هناد بن السري (٧): حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن [أبي] (٨) مُليكة قال: ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها.

стр. 317

قال: وحدثناه عبدة عن عبد الله (١) بن عمر (٢) عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط. قال (٣): ولقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لقد ضُم صاحبكم في القبر ضمة" (٤). وخرّج علي بن معبد (٥) في كتاب الطاعة والمعصية (٦) عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر وهي فزعة فقلنا: ما شأنك؟ قالت: جئت من عند بعض نساء النبي ﷺ فحدثتني أن رسول الله ﷺ قال: "إن كنت لأرى (٧) أن أحدًا أعفي (٨) من عذاب القبر لعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة". وخرّج أيضًا عن زاذان (٩) أبي عمر قال: لما دفن رسول الله ﷺ ابنته زينب جلس عند (١٠) القبر فتربد (١١) وجهه ثم سُري عنه فقال له أصحابه: رأينا وجهك يا رسول الله آنفًا ثم سُري عنك، فقال النبي ﷺ : ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت الله ففرج (١٢) عنها وأيم الله لقد ضمت ضمة سمعها ما بين الخافقين" (١٣).

стр. 318

وخرّج (١) أيضًا بسنده عن إبراهيم الغنوي عن رجل قال: كنت عند عائشة ﵂ فمرت جنازة صغير فبكت فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي بكيت شفقة عليه من ضمة القبر. قلت: وهذا الخبر وإن كان موقوفًا على عائشة ﵂ فمثله لا يقال من جهة الرأي، وقد روى عمر بن شبة (٢) في كتاب المدينة على ساكنها السلام في ذكر وفاة فاطمة ابنة أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: بينما هو (٣) ﷺ في أصحابه أتاه آت فقال: إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت، قال (٤): قوموا بنا إلى أمي، فقال: فقمنا كأن على رؤوسنا الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه وقال: إذا كفنتموها فأشعروه إياها تحت أكفانها، فلما خرجوا بها جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل ومرة يتقدم ومرة يتأخر حتى انتهينا بها إلى القبر، فتمعك في اللحد ثم خرج وقال: أدخلوها بسم الله وعلى اسم الله، فلما دفنوها قام قائمًا (٥) وقال: جزاك الله من أم وربيبة خيرًا. وسألناه عن نزعه (٦) قميصه (٧)، وتمعكه في اللحد، فقال: أردت أن لا تمسها النار أبدًا إن شاء الله، وأن يوسع الله عليها قبرها (٨) (٩)، وقال: ما عفي أحد

стр. 319

من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد، قيل: يا رسول الله، ولا القاسم ابنك؟ قال: ولا إبراهيم وكان أصغرهما. ورواه (١) أبو نعيم الحافظ (٢) عن عاصم الأحول عن أنس بمعناه وليس فيه السؤال عن تمعكه إلى آخره. قال أنس: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب [﵄] (٣) دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس (٤) عند رأسها فقال: رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله (٥) والدار الآخرة، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله (٦) ﷺ قميصه وألبسها إياه وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب ﵃ وغلامًا أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ وأخرج (٧) ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي (٨) إنك أرحم

стр. 320

الراحمين، وكبَّر عليها أربعًا، وأدخلوها اللحد: هو والعباس (١) وأبو بكر الصديق ﵃ ". باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله وهم من شر الناس له روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ قال: العبد الميت إذا وضع في قبره وأقعد، قال: يقول أهله: واسيداه واشريفاه واأميراه، قال: يقول الملك: اسمع ما يقولون، أأنت (٢) كنت سيدًا؟ أأنت كنت أميرًا؟ أأنت كنت شريفًا، قال: يقول الميت: يا ليتهم (٣) يسكتون، قال: فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه (٤). فصل (٥) قال علماؤنا (٦) رحمة الله عليهم: قال بعض العلماء، أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي (٧) إذا كان البكاء من (٨) سنة الميت واختياره كما قال الشاعر (٩): إذا مت فانعني بما أنا أهله … وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
следующие страницы →