← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والله (١) نقل إلينا بأوزار كالجبال، وقد أذن لي أن أكله حتى يعود رميمًا، قال: فاضطربت الجنازة فوق النعش، وخرّ الحسن مغشيًا عليه (٢). باب ما جاء في ضغطة القبر على صاحبه وإن كان صالحًا النسائي (٣) عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء وشهده (٤) سبعون ألفًا من الملائكة لقد ضُمّ ضمة ثم فُرِّجَ (٥) عنه. قال أبو عبد الرحمن النسائي: يعني سعد بن معاذ. ومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ" (٦). وذكر هناد بن السري (٧): حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن [أبي] (٨) مُليكة قال: ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها.

стр. 317

قال: وحدثناه عبدة عن عبد الله (١) بن عمر (٢) عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط. قال (٣): ولقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لقد ضُم صاحبكم في القبر ضمة" (٤). وخرّج علي بن معبد (٥) في كتاب الطاعة والمعصية (٦) عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر وهي فزعة فقلنا: ما شأنك؟ قالت: جئت من عند بعض نساء النبي ﷺ فحدثتني أن رسول الله ﷺ قال: "إن كنت لأرى (٧) أن أحدًا أعفي (٨) من عذاب القبر لعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة". وخرّج أيضًا عن زاذان (٩) أبي عمر قال: لما دفن رسول الله ﷺ ابنته زينب جلس عند (١٠) القبر فتربد (١١) وجهه ثم سُري عنه فقال له أصحابه: رأينا وجهك يا رسول الله آنفًا ثم سُري عنك، فقال النبي ﷺ : ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت الله ففرج (١٢) عنها وأيم الله لقد ضمت ضمة سمعها ما بين الخافقين" (١٣).

стр. 318

وخرّج (١) أيضًا بسنده عن إبراهيم الغنوي عن رجل قال: كنت عند عائشة ﵂ فمرت جنازة صغير فبكت فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي بكيت شفقة عليه من ضمة القبر. قلت: وهذا الخبر وإن كان موقوفًا على عائشة ﵂ فمثله لا يقال من جهة الرأي، وقد روى عمر بن شبة (٢) في كتاب المدينة على ساكنها السلام في ذكر وفاة فاطمة ابنة أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: بينما هو (٣) ﷺ في أصحابه أتاه آت فقال: إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت، قال (٤): قوموا بنا إلى أمي، فقال: فقمنا كأن على رؤوسنا الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه وقال: إذا كفنتموها فأشعروه إياها تحت أكفانها، فلما خرجوا بها جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل ومرة يتقدم ومرة يتأخر حتى انتهينا بها إلى القبر، فتمعك في اللحد ثم خرج وقال: أدخلوها بسم الله وعلى اسم الله، فلما دفنوها قام قائمًا (٥) وقال: جزاك الله من أم وربيبة خيرًا. وسألناه عن نزعه (٦) قميصه (٧)، وتمعكه في اللحد، فقال: أردت أن لا تمسها النار أبدًا إن شاء الله، وأن يوسع الله عليها قبرها (٨) (٩)، وقال: ما عفي أحد

стр. 319

من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد، قيل: يا رسول الله، ولا القاسم ابنك؟ قال: ولا إبراهيم وكان أصغرهما. ورواه (١) أبو نعيم الحافظ (٢) عن عاصم الأحول عن أنس بمعناه وليس فيه السؤال عن تمعكه إلى آخره. قال أنس: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب [﵄] (٣) دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس (٤) عند رأسها فقال: رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله (٥) والدار الآخرة، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله (٦) ﷺ قميصه وألبسها إياه وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب ﵃ وغلامًا أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ وأخرج (٧) ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي (٨) إنك أرحم

стр. 320

الراحمين، وكبَّر عليها أربعًا، وأدخلوها اللحد: هو والعباس (١) وأبو بكر الصديق ﵃ ". باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله وهم من شر الناس له روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ قال: العبد الميت إذا وضع في قبره وأقعد، قال: يقول أهله: واسيداه واشريفاه واأميراه، قال: يقول الملك: اسمع ما يقولون، أأنت (٢) كنت سيدًا؟ أأنت كنت أميرًا؟ أأنت كنت شريفًا، قال: يقول الميت: يا ليتهم (٣) يسكتون، قال: فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه (٤). فصل (٥) قال علماؤنا (٦) رحمة الله عليهم: قال بعض العلماء، أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي (٧) إذا كان البكاء من (٨) سنة الميت واختياره كما قال الشاعر (٩): إذا مت فانعني بما أنا أهله … وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد

стр. 321

وكذلك إذا وصى به عذب (١). وقد روي ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ما ببكاء الحي عليه وإن لم يكن من سنته ولا من اختياره، ولا مما أوصى به (٢)، واستدلوا عليه (٣) بحديث أنس ﵁ المذكور، وبما روي من حديث قيلة بنت مخرمة وذكرت عند رسول الله ﷺ ولدًا لها مات ثم بكت، فقال رسول الله ﷺ : أيلغب أحيدكم (٤) أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به منه استرجع، ثم قال: اللهم أثبتني فيما أمضيت وأعني على ما أبقيت، فوالذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستغفر له صويحبه. يا عباد الله لا تعذبوا موتاكم"، ذكره ابن أبي خيثمة (٥) وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهما (٦). وهو حديث معروف، إسناده لا بأس به (٧)، وسياقه يدل على أن بكاء هذه لم يكن (٨) اختيار ابنها؛ لأن ابنها من أصحاب (٩) رسول الله ﷺ ، ولا كان هذا البكاء (١٠) المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت ومما يوصي (١١) به (١٢). وذكر أبو عمر (١٣) في كتاب (١٤) الاستذكار (١٥) من حديث أبي موسى

стр. 322

الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الميت (١) يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه وا كاسباه (٢) جُبذ الميت و (٣) قيل (٤): أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها (٥) " (٦). وذكر البخاري (٧) من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: أغمي على عبد الله بن رواحة ﵁ فجعلت أخته عَمْرة (٨) تبكي عليه (٩): واجبلاه، وا كذا وا كذا تُعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت لي (١٠) شيئًا إلا قيل لي أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه. وهذا أيضًا لم يكن من سنة عبد الله بن رواحة ولا من اختياره ولا مما وصى (١١) به، منصبه (١٢) في الدين أجل وأرفع من أن كان يأمر بهذا أو يوصي به. وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ (١٣) من حديث منصور بن زادان عن الحسن عن عمران بن حصين (١٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليعذب الميت بصياح أهله عليه"، فقال له (١٥) رجل يموت (١٦) بخراسان ويناح عليه هاهنا، فقال عمران: صدق رسول الله ﷺ وكذبت (١٧).

стр. 323

قال المؤلف: وهذا بظاهره أن بنفس الصياح يقول (١) يقع التعذيب (٢)، وليس كذلك (٣). وإنما (٤) هو محمول على ما ذكرنا، والله أعلم. وقال الحسن: إن من شر الناس للميت أهله يبكون عليه ولا يقضون دَينه (٥). باب ما يُنجي من ضغطة القبر وفتنته ذكر (٦) أبو نعيم (٧) من حديث أبي العلاء يزيد (٨) بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: قال (٩) رسول الله (١٠) ﷺ : "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ من مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة (١١) بأكفها حتى تجيزه من (١٢) الصراط إلى الجنة، قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد تفرد به نصر بن حماد البجلي (١٣).

стр. 324

باب ما يقال عند وضع (١) الميت في قبره وفي اللحد في (٢) القبر و (٣) اللحد هو أن يحفر للميت في جانب القبر إن كانت الأرض صلبة، وهو أفضل من الشق؛ فإنه الذي اختاره الله لنبيه ﷺ . روي (٤) ابن ماجه (٥) عن ابن عباس ﵄ قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله بعثوا إلى أبي عبيدة وكان يضرح كضريح (٦) أهل (٧) مكة، وبعثوا إلى أبي (٨) طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة وكان يلحد، فبعثوا إليهما رسولين، قالوا: اللهم خر (٩) لرسولك، فوجدوا أبا طلحة فجيء به، ولم يوجد أبو عبيدة (١٠) فلحدوا (١١) لرسول الله ﷺ . وروى أبو داود (١٢) عن عباس ﵄ (١٣) قال: قال رسول الله: "اللحد لنا والشق لغيرنا"، أخرجه (١٤) ابن ماجه (١٥) والترمذي (١٦) وقال: حديث حسن. وأنشدوا:

стр. 325

ضعوا خدي على لحدي ضعوه … ومن عفر التراب فوسِّدوه وشقوا عنه (١) أكفانًا رقاقًا … وفي الرمس البعيد فغيِّبوه فلو أبصرتموه إذا انقضت … صبيحة ثالث أنكرتموه (٢) وقد سألت نواظر مقلتيه … على وجناته وانفض فوه وناداه البلا هذا فلان … هلموا فانظروا هل تعرفوه حبيبكم وجاركم المفدى … تقادم عهده فنسيتموه وقال آخر: وألحدوا محبوبهم وانثنوا … وهمهم تحصيل ما خلّفا وغادروه مُسلّمًا مُفردًا … في رمسه رهنًا بما أسلفا ولم يزود من جميع الذي … باع به أخراه إلا لما (٣) وخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم (٤) في نوادر الأصول (٥) عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر ﵄ في جنازة فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله، فلما أخذ في تسوية اللحد قال: اللهم (٦) أجرها (٧) من الشيطان ومن عذاب القبر، فلما سوَّى الكثب (٨) عليها قام جانب القبر (٩)، ثم قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيها (١٠)، وصعد روحها، ولقها (١١) منك (١٢) رضوانًا، فقلت: لابن عمر أشيئًا سمعته من رسول الله ﷺ أم شيئًا قلته من رأيك؟ قال: إني إذًا (١٣) لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله ﷺ . خرجه ابن ماجه (١٤) أيضًا في سننه.

стр. 326

وقال أبو عبد الله الترمذي (١) ﵀: حدثنا أبي ﵀ قال: حدثنا الفضل بن دكين عن سفيان عن الأعمش عن عمرو بن مرة قال: كانوا يستحبون (٢) إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم. وروي عن سفيان الثوري ﵁ (٣) أنه قال: إذا سئل الميت من ربك، تزايا له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه: إني أنا ربك (٤). قال أبو عبد الله (٥): فهذه فتنة عظيمة؛ ولذلك كان رسول الله ﷺ يدعو بالثبات فيقول: اللهم ثبت عند المسألة (٦) منطقه، وافتح أبواب السماء لروحه. فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله ﷺ أن يجيره من الشيطان، فهذا تحقيق لما روي عن سفيان، ذكره في الأصل التاسع والأربعين والمائتين (٧). باب الوقوف عند القبر قليلًا بعد الدفن والدعاء بالتثبيت له مسلم (٨) عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة (٩) الموت الحديث، وفيه: فإذا دفنتموني فشنوا علي (١٠) التراب شنًّا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر (١١) جزور وتقسم (١٢) لحمها؛ حتى استأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به (١٣) رسل ربي .

стр. 327

أخرجه ابن المبارك (١) بمعنى حديث مسلم من حديث ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه وقال فيه: وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب شنًا، فإن جنبي الأيمن ليس بأحق (٢) بالتراب (٣) من جنبي الأيسر، [ولا] (٤) تجعلن في قبري خشبة ولا حجرًا، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس (٥) بكم. أبو داود (٦) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه (٧) وقال: (٨) "استغفروا لأخيكم واسألوا له بالتثبيت فإنه الآن يُسأل". وخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٩) له عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دفن ميتًا وقف وسأل الله (١٠) التثبيت، وكان يقول: ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه. وخرج (١١) أبو نعيم (١٢) الحافظ في باب عطاء بن ميسرة الخراساني إلى عطاء (١٣) عنه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ووقف على قبر رجل

стр. 328

من أصحابه حين فرغ منه فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه، واقبله منك بقبول حسن، وثبت عند المسايلة (١) منطقه"، غريب من حديث عطاء. فصل قال الآجري (٢) (٣) في كتاب النصيحة (٤): يستحب الوقوف بعد الدفن قليلًا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات فيقال: اللهم هذا (٥) عبدك وأنت أعلم به منا ولا نعلم منه إلا خيرًا وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته بالقول الثابت (٦) في الحياة الدنيا، اللهم ارحمه، والحقه بنبيه محمد ﷺ ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره. وقال أبو عبد الله الترمذي (٧): فالوقوف على (٨) القبر وسؤال التثبيت في وقت دفنه مَدَدٌ للميت بعد الصلاة؛ لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون له، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد العسكر (٩)، وتلك ساعة شغل للميت؛

стр. 329

لأنه يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني القبر على ما يأتي (١). والجزور بفتح الجيم من الإبل، والجزرة من الضأن والمعز خاصة، قاله في الصحاح (٢). فصل قول عمرو بن العاص ﵁: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، توصية منه باجتناب هذين الأمرين؛ لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ (٣). قال العلماء (٤): ومن ذلك (٥) الضجيج بذكر الله سبحانه أو بغير (٦) ذلك حول الجنائز، والبناء على المقابر (٧) والاجتماع في الجبّانات والمساجد للقراءة وغيرها لأجل الموتى، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة (٨) الطعام، والمبيت (٩) عندهم، كل ذلك من أمر الجاهلية، ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت في اليوم السابع فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت (١٠) والترحم عليه. وهذا محدث (١١) لم يكن فيما تقدم، ولا هو فيما يحمده العلماء، قالوا (١٢): وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا أو شبهه من لطم الخدود ونشر الشعور، وشق الجيوب، واستماع النوح، وكذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت كما ذكرنا فيجتمع عليه النساء والرجال من فعل قوم لا خلاق لهم. وقال أحمد بن حنبل: هو من فعل أهل الجاهلية، وقيل له: أليس قد

стр. 330

قال رسول الله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا" (١)؟ فقال: لم يكونوا هم اتخذوا إنما اتُخذ لهم (٢). فهذا كله واجب على الرجل أن يمنع أهله منه، ولا يرخص لهم، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله ، وأعانهم على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. قال العلماء (٣): معناه أدِّبوهم وعلموهم. وروى ابن ماجه (٤) في سننه عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد (٥) الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وفي حديث شجاع بن مخلد (٦) قال: كانوا يرون إسناده صحيح (٧). وذكر الخرائطي عن هلال بن حباب قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية. وخرّج الآجري عن أبي موسى قال: ماتت أخت لعبد الله بن عمر ﵄ فقلت لامرأتي: اذهبي فعزيهم، وبيتي عندهم فقد كان بيننا وبين آل عمر الذي كان، فجاءت فقال: ألم آمرك أن تبيتي عندهم؟ فقالت: أردت أن أبيت فجاء ابن عمر فأخرجنا، وقال: اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب.

стр. 331

وعن أبي البحتري (١) قال: بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية. قال المؤلف: وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنة وتركها بدعة، فانقلب الحال وتغيرت الأحوال. قال ابن عباس: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيي البدع ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس يخالفهم فيما أرادوا، وبنهيهم عما اعتادوا، ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه، قال رسول الله ﷺ : "إنك لن تدع شيئًا إلا عوضك الله خيرًا منه" (٢). وقال ﷺ : "لا تزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله (٣) لا يضرهم جدال من جادلهم، ولا عداوة من عاداهم" (٤). فصل ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين (٥) عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". وفيهما (٦) أيضًا عن أبي بردة بن أبي موسى ﵁ قال: وجع

стр. 332

[أبو] (١) موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما (٢) برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة. وفي صحيح مسلم (٣) عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا (٤): أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأة تصيح برنة، قالا: ثم أفاق قال: ألم تعلمي وكان يحدثها أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق". ابن ماجه (٥) عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ : "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور"، إسناده صحيح. وقال حاتم الأصم (٦): إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه، وأظهر حزنه وعزيته فقد شركته (٧) في إثمه، وإنما هو صاحب منكر يحتاج إلى أن تنهاه. وقال أبو سعيد البلخي (٨): من أصيب بمصيبة فمزق ثوبًا، أو ضرب

стр. 333

صدرًا فكأنما أخذ رمحًا يريد أن يقاتل (١) به ربه . وأنشدوا (٢): عجبت لجازع باكٍ مصاب … بأهل أو حميم ذي اكتئاب شقيق الجيب داعي الويل جهلًا … كأن الموت كالشيء العجاب وسوّى الله فيه الخلق حتى … نبي الله منه لم يحاب له مَلَك ينادي كل يوم … لِدوا للموت وابنوا للخراب باب ما جاء في تلقين الميت (٣) بعد موته شهادة الإخلاص في لحده قال (٤) أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة (٥) له (٦): يروى (٧) عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول (٨): يا فلان بن فلانة (٩) فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل: يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعدًا (١٠) ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله (١١)، ولكنكم لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا فإن منكرًا ونكيرًا يتأخر كل واحد منهما (١٢) ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لُقِّن حجته، ويكون الله حجيجهما دونه، فقال رجل: يا رسول الله

стр. 334

فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء" (١). قلت: هكذا (٢) ذكره (٣) في كتاب العاقبة لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام، وعادته في كتبه نسبة ما يذكره (٤) من الحديث إلى الأئمة، وهذا والله أعلم نقله من إحياء علوم الدين (٥) للإمام أبي حامد، فنقله كما وجده (٦) ولم يزد عليه، وهو حديث غريب خرّجه الثقفي (٧) في الأربعين (٨) له. وأنبأناه (٩) الشيخ المسن الحاج الراوية أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح (١٠) بن أبي الحسن القرشي، عُرف بابن رواج بمسجده بثغر الإسكندرية حماها (١١) الله، والشيخ الفقيه الإمام المفتي (١٢) أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية ابن (١٣) خصيب على ظهر النيل بها قالا جميعًا:

стр. 335

حدثنا (١) الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني قال: حدثنا الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن أحمد بن محمود (٢) الثقفي بأصبهان، قال: ثنا أبو علي الحسين بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدان التاجر بنيسابور، قال (٣): حدثنا أبو العباس محمد (٤) بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو الدرداء هشام (٥) بن يعلى الأنصاري حدثنا عتبة بن السكن الفزاري حمصيٌ (٦) عن أبي زكريا، عن حماد بن زيد، عن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع فقال لي: يا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا. فقال: "إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل يا فلان بن فلانة فإنه سيسمع، فليقل يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدًا، فليقل يا فلان بن فلانة فإنه سيقول أرشدني يرحمك (٧) الله، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وإن الله باعثٌ من في القبور، فإن منكرًا ونكيرًا عند ذلك يأخذ كل (٨) منهما بيد صاحبه فيقول ما نصنعُ عند رجلٍ يُلقن حجته؟! فيكون الله حجيجهما دونه"، قال الثقفي (٩): حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي. وذكر (١٠) أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة (١١) له (١٢): قال شيبة بن أبي شيبة: أوصتني أمي عند موتها فقالت: يابني إذا دفنتني فقم عند قبري وقل: يا أم شيبة قولي لا إله إلا الله ثم انصرف، فلما كان من الليل رأيتها في

стр. 336

المنام فقالت لي: يا بني لقد كدت أن أهلك لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فلقد حفظت وصيتي يابني. قال المؤلف: وقال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (١) ينبغي (٢) أن يرشد الميت في قبره حيث وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك فيقال له قل: الله ربي والإسلام ديني ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به (٣) الأخبار على ما يأتي (٤) [إن شاء الله] (٥)، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك، فيقال: قل هو محمد رسول الله، وذلك عند هيل التراب، ولا يُعارَض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] لأن النبي ﷺ قد (٦) نادى أهل القليب وأسمعهم وقال: "ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابًا" (٧) وقد قال في الميت: "إنه ليسمع قرع نعالهم (٨) " (٩)، وإن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت، وسيأتي (١٠) استيفاء هذا المعنى في باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال إن شاء الله تعالى. باب (١١) في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة (١٢) أبو هدبة إبراهيم بن هدبة (١٣) قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال (١٤) رسول الله ﷺ : "إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك فهم مهتمون (١٥)

стр. 337

محزونون حتى إذا أسلموه في ذلك القبر ورجعوا راجعين، أخذ كفًا من تراب ورمي به وهو يقول: ارجعوا إلى دياركم (١) أنساكم الله موتاكم، أنساكم الله موتاكم، فينسون ميتهم، ويأخذون في شرائهم وبيعهم كأنهم لم يكونوا منه ولم يكن منهم" (٢). ويروى أن الله لما مسح ظهر آدم ﵇ فاستخرج ذريته قالت الملائكة: رب، لا تسعهم الأرض، قال الله تعالى: "إني جاعل موتًا"، قالت: رب لا يهنيهم العيش، قال: "إني جاعل أملًا" (٣). قال العلماء (٤): الأمل (٥) رحمة من الله تعالى تنتظم به أسباب المعاش، وتستحكم به أمور الناس ويتقوى به الصانع على صنعته، والعابد على عبادته، وإنما يذم من (٦) الأمل ما امتد وطال، حتى أنسى الآخرة (٧) وثبّط عن صالح الأعمال (٨). قال الحسن (٩): الغفلة والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم ولولاهما ما (١٠) مشى المسلمون في الطرق. يريد لو كانوا من التيقظ، وقصر الأمل، وخوف الموت بحيث لا ينظرون في معايشهم، وما يكون سببًا لحياتهم؛ لهلكوا، ونحوه.

стр. 338

قال مطرف بن عبد الله (١) قال (٢): لو علمت متى أجلي لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله من على عباده (٣) بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق (٤). باب (٥) في رحمة الله تعالى بعبده إذا دَخل (٦) في (٧) قبره قال عطاء الخراساني (٨): أرحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل قبره وتفرق الناس عنه وأهله (٩)، وروي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وقال أبو غالب (١٠): كنت أختلف إلى أبي أمامة بالشام فدخلت يومًا على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده (١١) عم له وهو يقول: يا عدو الله ألم آمرك؟ ألم أنهك؟ فقال الفتى: يا عمّاه لو أن الله (١٢) دفعني إلى والدتي كيف كانت تصنع (١٣) بي؟ قال: تدخلك الجنة، قال: الله أرحم بي من والدتي، وقبض الفتى، فدخلت القبر مع عمه، فلما أن سواه صاح وفزع، قلت له (١٤): ما لك؟ قال: فُسح له قبره، وملئ نورًا (١٥).

стр. 339

وكان أبو سليمان الداراني (١) يقول (٢): يا من لا يأنس بشيء أبقاه، ولا يستوحش من شيء أفناه، ويا أنيس كل غريب، ارحم في القبر غربتي، ويا ثاني كل وحيد، آنس في القبر وحدتي (٣). ولقد أحسن أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن معاود السلمي الكاتب أحد البلغاء بشرق الأندلس حيث يقول (٤): أيها الواقف اعتبارًا بقبري … استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا … من ذنوبي كلومها بأديم قلت لا تجزعوا عليّ فإني … حسن الظن بالرؤوف الرحيم ودعوني بما كسبت (٥) رهينًا … علق الرهن عند مولى كريم باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد (٦) وبيان قوله تعالى (٧): ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أبو نعيم (٨) عن أبي جعفر محمد (٩) بن علي عن جابر (١٠) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن ابن آدم لفي غفلة مما خلقه الله ، إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، وأثره، وأجله، واكتب شقيًا أو سعيدًا، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكًا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم

стр. 340

يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك الملكان، ثم جاءه ملك الموت ﵇ فقبض (١) روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده، ثم يرتفع ملك الموت، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات، وملك السيئات فأنشطا (٢) كتابًا معقودًا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق، والآخر (٣) شهيد، ثم (٤) قال الله : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢] قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾، قال: حالًا (٥) بعد حال، ثم قال النبي ﷺ : إن قدامكم أمر عظيم فاستعينوا بالله العظيم". قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر، وحديث جابر تفرد به عنه جابر بن يزيد الجعفي وعنه المفضل. قلت: جابر بن يزيد (٦) الجعفي متروك لا يحتج بحديثه في الأحكام (٧). ووجد بمدينة قرطبة على قبر الوزير الكبير أبي عامر بن شهيد (٨) مكتوب وهو مدفون بإزاء صاحبه الوزير أبي مروان الزجاجي وكأنه (٩) يخاطبه، ودفنا في بستان كانا كثيرًا ما (١٠) يجتمعان فيه (١١): يا صاحبي قم فقد أطلنا … أنحن طول المدى هجود فقال لي: لن تقوم منها … ما دام من فوقنا الصعيد

стр. 341

تذكر كم ليلة نعمنا … في ظلها والزمان عيد [وكم سرور همي علينا … سحابة ثرَّة تجود] (١) قد كان ما لم يكن (٢) يقضى … وشؤمه حاضر عتيد حصَّله كاتب حفيظ … وضمه صادق شهيد يا حسرتا إن تنكبتنا … رحمة مَنْ بطشه شديد يا رب عفوًا فأنت مولي … قصر في حقه العبيد باب في سؤال الملكين للعبد وفي (٣) التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار البخاري (٤): عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له (٥): انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك (٦) الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا". قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح (٧) في قبره (٨). وقال مسلم (٩): سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون، ثم رجع إلى حديث أنس قال: "وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول كما (١٠) يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة (١١) بين أذنيه (١٢) فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين".

стр. 342

قلت: ليس عند مسلم قول الملكان: ولا تليت (١). وقول الملكان: "ولا تليت"، قال النحويون: الأصل في هذه الكلمة الواو أي (ولا تلوت) إلا أنها قلبت ياء ليتبع بها (٢) دريت. وقد جاء من حديث البراء: "لا دريت (٣) ولا تلوت"، على ما رواه الإمام أحمد بن حنبل (٤)، أي: لم تدر، ولم تتل القرآن، فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك، ثم رجع إلى حديث أنس إلى آخره، وإنما هو عند البخاري فحديثه أكمل (٥). ابن ماجه (٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره (٧) غير فزع ولا [مشعوف] (٨) ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له (٩): هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي (١٠) لأحد أن يري الله، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله (١١) ثم يفرج له (١٢) قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين

стр. 343

كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله (١)، ويجلس الرجل السوء في قبره فزعًا [مشعوفًا] (٢) فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال [له] (٣): ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته، فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها، وما فيها، فيقال (٤) له: انظر إلى ما صرفه الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى (٥) النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا فيقال له (٦): هذا مقعدك على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله (٧) ". الترمذي (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقبر (٩) الميت، أو قال: أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان (١٠): ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول فيه: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينوّر له فيه (١١) ثم يقال له: نم، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال (١٢): سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم (١٣) أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي

стр. 344

عليه (١)، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك"، قال (٢): حديث: (٣) حسن غريب. أبو داود (٤) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : "دخل نخلًا لبني النجار فسمع صوتًا ففزع فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله ناس (٥) ماتوا في الجاهلية، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال، قالوا: ومم ذاك (٦) يا رسول الله؟ قال: إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه (٧) قال: كنت أعبد الله، فيقال له (٨): ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو (٩) عبد الله ورسوله، فما يُسأل عن شيء غيرها (١٠)، فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك [به] (١١) بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره (١٢) ويقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، [فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري (١٣)] (١٤) كنت أقول كما يقول الناس، فيضرب (١٥) بمطارق من حديد بين

стр. 345

أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق (١) غير (٢) الثقلين". وخرّج أبو داود (٣) أيضًا (٤) عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت (٥) به في (٦) الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا، قال: وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن (٧) نبيك؟ قال: ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان (٨) له (٩): ما هذا الرجل الذي بعث فيكم قال فيقول: هو رسول الله ﷺ (١٠)، فيقولون له وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت [به] (١١) وصدقت، قال: فينادي مناد السماء أن (١٢) صدق، عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من من الجنة، وافتحوا (١٣) له بابًا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها قال: ويفسح له فيه مد بصره، قال: وإن الكافر (١٤) فذكر موته قال: وتعاد روحه في

стр. 346

جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرسول الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فينادي منادٍ أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق (١) عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه"، زاد في حديث جرير (٢) قال: "ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزَبَة من حديد لو ضرب بها جبل (٣) لصار ترابًا، قال: فيضربه بها (٤) ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا ثم تعاد فيه الروح". [فصل] (٥) ذكر الإمام (٦) أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٧): وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره؟ قال: يا ابن مسعود ما سألني (٨) أحد إلا أنت، فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس (٩) خلال (١٠) المقابر، فيقول: يا عبد الله اكتب عملك فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس، فيقول: هيهات كفنك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك إصبعك، فيقطع له قطعة من كفته من ثم يجعل العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا، فيذكر حينئذٍ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه، ثم قال رسول الله ﷺ : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، أي

стр. 347

عمله، فإذا فرغ من ذلك دخل (١) عليه فتانا القبر وهما ملكان أسودان يخرقان الأرض بأنيابهما، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض، كلامهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، ونفسهما كالريح العاصف، بيد كل واحد منهما (٢) مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه (٣)، لو ضرب به (٤) أعظم جبل لجعله دكًا، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة فتدخل في منخر (٥) الميت فيحيى الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة، ولا يقدر على حراك (٦) غير أنه وينظر، قال: فيبتدآنه بعنف وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيث ما تحرك انفسح فيه (٧)، ووجد فرجة، فيقولان: له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن (٨) نبيك؟ وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال: من وكلكما علي؟ ومن أرسلكما إلي؟ وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار، فيقول (٩) أحدهما للآخر: صدق، كفي شرنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابًا إلى الجنة من تلقاء يمينه، ثم يفرشان له من حريرها، وريحانها (١٠)، ويدخل عليه من نسيمها، وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه يؤنسه، ويحدثه، ويملأ قبره نورًا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، ويسأل متى تقوم الساعة؟ (١١) فليس شيء أحب إليه من قيامها، ودونه (١٢) في المنزلة المؤمن

стр. 348

العامل الخير ليس معه حظ من العلم، ولا من أسرار الملكوت، يلج عليه عمله عقيب (١) رومان في أحسن صورة، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول له: أما تعرفني؟ فيقول: من أنت الذي منَّ الله علي بك في غربتي؟ فيقول: أنا عملك الصالح، لا تحزن ولا توجل، فعمّا قليل يلج عليك منكر ونكير (٢): [فيسألانك (٣) فلا تدهش، ثم يلقنه حجته، فبينما (٤) كذلك إذا دخلا عليه] (٥) فينتهرانه، ويقعدانه مستندًا (٦)، ويقولان: من ربك؟ نسق الأول، فيقول: الله ربي ومحمد نبيي (٧)، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وإبراهيم أبي، وملته ملتي، غير مستعجم (٨)، فيقولان له: صدقت، ويفعلان به كالأول إلا أنهما يفتحان له بابًا إلى النار، فينظر إلى حيَّاتها، وعقاربها، وسلاسلها، وأغلالها، وحميمها وجميع غمومها، وصديدها، وزقومها (٩) فيفزع، فيقولان له: لا عليك سوء، هذا موضعك قد أبدله الله بموضعك هذا من الجنة، نم سعيدًا، ثم يغلقون عنه باب النار، ولم يدر ما مرّ عليه من الشهور والأعوام والدهور، ومن الناس من يحجم في مسألته: فإن كانت عقيدته مختلفة (١٠) امتنع أن يقول: الله ربي، وأخذ غيرها من الألفاظ، فيضربانه ضربة (١١) يشتعل منها قبره نارًا ثم تطفأ عنه أيامًا، ثم تشتعل عليه أيضًا، هذا دأبه ما بقيت الدنيا، ومن الناس من يعتاص (١٢) عليه ويعسر أن يقول: الإسلام ديني لشك كان يتوهمه، أو فتنة تقع

стр. 349

به عند الموت، فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارًا كالأول، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: القرآن إمامي؛ لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به، ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه، يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره فيفعل به كما (١) يفعل بالأولين، ومن الناس من يستحيل عمله جروًا يعذب به في قبره، وعلى قدر جرمه، وفي الأخبار أن (٢) من الناس من يستحيل عمله خنوصًا وهو: ولد الخنزير، ومن الناس من يعتاص (٣) عليه أن يقول: نبيي محمد لأنه كان ناسيًا لسنته، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: الكعبة قبلتي؛ لقلة تحريه في صلاته (٤) أو فساد (٥) في وضوئه، أو التفات في صلاته، أو اختلال في ركوعه وسجوده، ويكفيك ما روي في فضائلها: أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة، ومن عليه ثوب حرام، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: إبراهيم أبي؛ لأنه كلامًا يومًا أوهمه أن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا فإذا هو شاك مرتاب فيفعل (٦) به ما فُعل (٧) بالآخرين. قال أبو حامد (٨): وكل هذه الأنواع كشفناها في كتابنا الإحياء (٩)، وأما الفاجر فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت، ولا عرفت، ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتجلجل (١٠) في الأرض السابعة، ثم تنفضه الأرض في قبره، ثم يضربانه سبع مرات، ثم تفترق أحوالهم: فمنهم من يستحيل عمله كلبًا ينهشه حتى تقوم الساعة وهم الخوارج، ومنهم من يستحيل خنزيرًا يعذب به في قبره (١١) وهم المرتابون وهم أنواع، وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا، فمن الناس من

стр. 350

يخاف من الجرو أكثر (١) من الأسد، وطبائع الخلق متفرقة (٢)، نسأل (٣) الله السلامة والغفران قبل الندامة (٤). فصل جاء في حديث البخاري ومسلم: سؤال الملكين، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما (٥) ونعتيهما. وجاء في حديث (٦) أبي داود: سؤال ملك واحد. وفي حديثه الآخر: سؤال ملكين. ولا تعارض في ذلك، والحمد لله، بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص (٧)، فرب شخص يأتيانه جميعًا (٨) في حال واحد عند انصراف الناس عنه؛ ليكون السؤال عليه (٩) أهول، والفتنة أشد في حقه (١٠) وأعظم وذلك بحسب ما اقترف من الآثام، واجترح من سيئ الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف

стр. 351

في (١) السؤال، وأقل في المراجعة والعتاب والجواب (٢) لما عمله من صالح الأعمال. وقد يحتمل حديث أبي داود وجهًا آخر: وهو أن الملكين يأتيانه (٣) جميعًا، ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره؛ لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد، ولو قاله هكذا صريحًا لكان الجواب عنه ما بيناه (٤) من أحوال الناس، والله أعلم، وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما، ولا يأتيه واحد منهما (٥) على ما يأتي (٦) بيانه إن شاء الله تعالى. واختلفت الأحاديث أيضًا في كيفية السؤال والجواب وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن (٧) بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقض. ووجه آخر: وهو (٨) أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال، فيكون الإنسان مسؤولًا عن الجميع كما في حديث البراء المذكور، والله أعلم. وقول المسؤول: هاه هاه، هي (٩): حكاية صوت المبهوت (١٠) من تعب أو جري أو حمل ثقيل.

стр. 352

باب ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم خرّجه أبو داود الطيالسي (١)، وعبد بن حميد (٢) في مسنديهما، وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية، وهناد بن السري في زهده (٣)، وأحمد بن حنبل [في مسنده] (٤)، وغيرهم، وهو حديث صحيح له طرق كثيرة تهمم بتخريج طرقه علي بن معبد. فأما أبو داود الطيالسي: فقال: حدثنا (٥) أبو عوانة عن الأعمش. وقال هناد وأحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو. وقال أبو داود (٦): وحدثنا عمرو بن ثابت سمعه من المنهال بن عمرو. عن زاذان عن البراء يعني: ابن عازب ﵁، وحديث أبي عوانة أتمهما، قال البراء ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل (٧) من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا (٨) يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، قال عمرو بن ثابت: وقع، ولم يقله (٩) أبو عوانة (١٠)، فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء ويخفض بصره، وينظر إلى الأرض، ثم قال: أعوذ بالله من عذاب القبر، قالها مرارًا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في (١١) إقبال (١٢) من الآخرة، وانقطاع من الدنيا (١٣) جاءه ملك فجلس عند

стр. 353

رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج نفسه فتسيل كما يسيل قطر (١) السقاء، قال عمرو في حديثه ولم يقله أبو عوانة (٢): وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل ملائكة من الجنة (٣)، بيض الوجوه كأن وجوههم وجوههم الشمس، معهم أكفان من أكفان الجنة (٤)، وحنوط من حنوطها، فيجلسون منه مد البصر، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١]، قال: فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء [والأرض] (٥) إلا قالوا: ما هذه الروح؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه حتى ينتهوا (٦) به أبواب السماء (٧) الدنيا، فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى بها (٨) إلى السماء السابعة، فيقال: اكتبوا كتابه في عليين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٩) مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١]، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فترد (١٠) إلى الأرض، وتعاد (١١) روحه في جسده، فيأتياه (١٢) ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك (١٣)؟ فيقول:

стр. 354

ربي الله، وديني الإسلام، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث إليكم (١)؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به، وصدقت، قال: وذلك (٢) قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: وينادي (٣) منادٍ من السماء أن قد صدق عبدي، فألبسوه من الجنة، وأفرشوه من الجنة (٤)، وأروه منزله منها، ويفسح (٥) له مد بصره (٦)، ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعد (٧) الله لك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، فيقول: بشرك الله بخير، من أنت؟ فوجهك [الوجه] (٨) الذي جاء بالخير، فيقول: هذا يومك الذي كنت توعد، أو (٩) الأمر الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله، فجزاك الله خيرًا، فيقول: يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي، قال: فإن كان فاجرًا وكان في قبل (١٠) من الآخرة، وانقطاع من الدنيا جاءه ملك فجلس عند رأسه فقال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضب، فتنزل ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها [في يده] (١١) طرفة عين، قال: فتفترق في جسده فتستخرجها تقطع منها العروق والعصب (١٢) كالسفود الكثير الشعب (١٣) في الصوف المبلول، فتؤخذ

стр. 355

من الملك فتخرج كأنتن ريح (١) جيفة وجدت، فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة (٢)؟ فيقولون (٣): هذا فلان بأسوأ أسمائه حتى ينتهوا (٤) به إلى سماء الدنيا (٥) فلا يفتح له، فيقولون: ردوه إلى الأرض، إني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمي به من السماء (٦) قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١]. قال: فتعاد إلى الأرض، وتعاد فيه روحه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان فما (٧) تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول: أبشر بعذاب الله وسخطه، فيقول: من أنت فوجهك الوجه (٨) الذي جاء (٩) بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله. قال عمرو في حديثه عن المنهال عن زاذان عن البراء ﵁ عن النبي ﷺ : فيقيض له أصم أبكم ومعه مرزبة لو ضرب بها جبل (١٠) صار ترابًا، أو قال: رميمًا، فيضربه ضربةً يسمعها الخلائق إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضربه
следующие страницы →