← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في (١) السؤال، وأقل في المراجعة والعتاب والجواب (٢) لما عمله من صالح الأعمال. وقد يحتمل حديث أبي داود وجهًا آخر: وهو أن الملكين يأتيانه (٣) جميعًا، ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره؛ لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد، ولو قاله هكذا صريحًا لكان الجواب عنه ما بيناه (٤) من أحوال الناس، والله أعلم، وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما، ولا يأتيه واحد منهما (٥) على ما يأتي (٦) بيانه إن شاء الله تعالى. واختلفت الأحاديث أيضًا في كيفية السؤال والجواب وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن (٧) بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقض. ووجه آخر: وهو (٨) أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال، فيكون الإنسان مسؤولًا عن الجميع كما في حديث البراء المذكور، والله أعلم. وقول المسؤول: هاه هاه، هي (٩): حكاية صوت المبهوت (١٠) من تعب أو جري أو حمل ثقيل.

стр. 352

باب ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم خرّجه أبو داود الطيالسي (١)، وعبد بن حميد (٢) في مسنديهما، وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية، وهناد بن السري في زهده (٣)، وأحمد بن حنبل [في مسنده] (٤)، وغيرهم، وهو حديث صحيح له طرق كثيرة تهمم بتخريج طرقه علي بن معبد. فأما أبو داود الطيالسي: فقال: حدثنا (٥) أبو عوانة عن الأعمش. وقال هناد وأحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو. وقال أبو داود (٦): وحدثنا عمرو بن ثابت سمعه من المنهال بن عمرو. عن زاذان عن البراء يعني: ابن عازب ﵁، وحديث أبي عوانة أتمهما، قال البراء ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل (٧) من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا (٨) يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، قال عمرو بن ثابت: وقع، ولم يقله (٩) أبو عوانة (١٠)، فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء ويخفض بصره، وينظر إلى الأرض، ثم قال: أعوذ بالله من عذاب القبر، قالها مرارًا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في (١١) إقبال (١٢) من الآخرة، وانقطاع من الدنيا (١٣) جاءه ملك فجلس عند

стр. 353

رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج نفسه فتسيل كما يسيل قطر (١) السقاء، قال عمرو في حديثه ولم يقله أبو عوانة (٢): وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل ملائكة من الجنة (٣)، بيض الوجوه كأن وجوههم وجوههم الشمس، معهم أكفان من أكفان الجنة (٤)، وحنوط من حنوطها، فيجلسون منه مد البصر، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١]، قال: فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء [والأرض] (٥) إلا قالوا: ما هذه الروح؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه حتى ينتهوا (٦) به أبواب السماء (٧) الدنيا، فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى بها (٨) إلى السماء السابعة، فيقال: اكتبوا كتابه في عليين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٩) مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١]، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فترد (١٠) إلى الأرض، وتعاد (١١) روحه في جسده، فيأتياه (١٢) ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك (١٣)؟ فيقول:

стр. 354

ربي الله، وديني الإسلام، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث إليكم (١)؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به، وصدقت، قال: وذلك (٢) قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: وينادي (٣) منادٍ من السماء أن قد صدق عبدي، فألبسوه من الجنة، وأفرشوه من الجنة (٤)، وأروه منزله منها، ويفسح (٥) له مد بصره (٦)، ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعد (٧) الله لك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، فيقول: بشرك الله بخير، من أنت؟ فوجهك [الوجه] (٨) الذي جاء بالخير، فيقول: هذا يومك الذي كنت توعد، أو (٩) الأمر الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله، فجزاك الله خيرًا، فيقول: يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي، قال: فإن كان فاجرًا وكان في قبل (١٠) من الآخرة، وانقطاع من الدنيا جاءه ملك فجلس عند رأسه فقال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضب، فتنزل ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها [في يده] (١١) طرفة عين، قال: فتفترق في جسده فتستخرجها تقطع منها العروق والعصب (١٢) كالسفود الكثير الشعب (١٣) في الصوف المبلول، فتؤخذ

стр. 355

من الملك فتخرج كأنتن ريح (١) جيفة وجدت، فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة (٢)؟ فيقولون (٣): هذا فلان بأسوأ أسمائه حتى ينتهوا (٤) به إلى سماء الدنيا (٥) فلا يفتح له، فيقولون: ردوه إلى الأرض، إني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمي به من السماء (٦) قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١]. قال: فتعاد إلى الأرض، وتعاد فيه روحه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان فما (٧) تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول: أبشر بعذاب الله وسخطه، فيقول: من أنت فوجهك الوجه (٨) الذي جاء (٩) بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله. قال عمرو في حديثه عن المنهال عن زاذان عن البراء ﵁ عن النبي ﷺ : فيقيض له أصم أبكم ومعه مرزبة لو ضرب بها جبل (١٠) صار ترابًا، أو قال: رميمًا، فيضربه ضربةً يسمعها الخلائق إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضربه

стр. 356

ضربة أخرى. لفظ أبي داود الطيالسي (١)، وخرجه علي بن معبد الجهني (٢) من عدة طرق بمعناه وزاد فيه: ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد، فيضربه بها ضربة فيدق (٣) من ذؤابته (٤) إلى خصره (٥) (٦)، ثم يعاد فيضربه بها ضربة فيدق بها (٧) من ذوابته إلى خصره (٨) ". وزاد في بعض طرقه عند قوله: "مرزبة من حديد، لو اجتمع عليها الثقلان لم يقلبوها (٩)، فيضرب بها ضربة فيصير ترابًا، ثم تعاد فيه الروح ويضرب (١٠) بها ضربة يسمعها من على الأرض غير الثقلين، ثم يقال: افرشوا له لوحين من نار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيفرش له لوحان (١١) من نار، ويفتح له باب (١٢) إلى النار، وزاد فيه عند قوله: وانقطاع من الدنيا، نزلت به (١٣) ملائكة غلاظ شداد معهم حنوط من نار، وسرابيل (١٤) من قطران (١٥) يحتوشونه (١٦) فتنتزع نفسه كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل يقطع معه عروقها، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك في السماء، و (١٧) كل ملك في الأرض".

стр. 357

وخرَّج أبو عبد الله الحسن (١) بن حرب (٢) صاحب ابن المبارك في رقائقه بسنده: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: إذا قتل العبد في سبيل الله كان أول قطرة تقطر من دمه إلى الأرض كفارة للخطايا (٣) (٤) ثم يرسل الله بريطة (٥) من الجنة فيقبض فيها روحه، وصورة من الجنة، فيركب فيها روحه (٦)، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاءت روح (٧) من الأرض، روح طيبة، ونسمة طيبة فلا يمر بباب إلا فتح لها، ولا ملك إلا صلى عليها، ودعا لها، ويشيعها حتى يؤتى بها الرحمن، فيقولون: يا ربنا هذا عبدك توفيته فيسجد قبل الملائكة، ثم تسجد الملائكة بعد، ثم يطهر ويغفر له، ثم يؤمر فيذهب به إلى الشهداء فيجدهم في قباب من حرير، في رياض (٨) خضر، عندهم حوت وثور، يظل (٩) الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من كل رائحة (١٠) في أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه، فيأكلون لحمه، يجدون في لحمه طعم كل رائحة، ويبيت الثور في أفناء الجنة، فإذا أصبح غدا (١١) عليه الحوت فوكزه

стр. 358

بذنبه، فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة، ثم يعودان وينظرون إلى منازلهم من (١) الجنة، ويدعون الله أن تقوم الساعة، فإذا توفي العبد المؤمن بعث الله إليه (٢) ملكين، وأرسل إليه (٣) بخرقة من الجنة فقالا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راضٍ، فتخرج كأطيب ريح من مسك ما وجدها أحد بأنفه قط، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض (٤) روح طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك إلا دعا لها وصلى عليها حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد الملائكة، ثم يقولون: هذا عبدك فلان قد توفيته، وكان يعبدك ولا يشرك بك شيئًا، فيقول: مروه فليسجد (٥) فتسجد النسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقول: اذهب بهذه فاجعلها (٦) مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنها يوم القيامة، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعين ذراعًا عرضه، وسبعين ذراعًا طوله، وينبذ (٧) له فيه الرياحين، ويستر بالحرير، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل الله (٨) في قبره نورًا مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل (٩) العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه، قال: فيقوم من نومه كأنه لم يشبع من نومته. وإذا توفي العبد الفاجر (١٠) أرسل الله إليه ملكين، وأرسل بقطعة من نجاد (١١) أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فقالا لها: اخرجي أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى حميم وعذاب، ورب عليك غضبان، اخرجي وساء ما قدمت لنفسك، فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: قد جاء من الأرض روح خبيثة، ونسمة خبيثة، فتغلق دونها أبواب السماء، ولا تصعد إلى السماء، ثم يؤمر فيضيق عليه

стр. 359

قبره، وترسل عليه حيات أمثال (١) أعناق البُخْت (٢) فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحمًا، وترسل عليه ملائكة صم عمي يضربون (٣) بفطاطيس (٤) من حديد، لا (٥) يسمعون صوته فيرحمونه، ولا يبصرونه فيرحمونه، ولا يخطئون حين يضربونه، ويعرض (٦) عليه مقعده من النار بكرة وعشيًا، يدعو بأن يدوم (٧) ذلك ولا يخلص إلى النار" (٨). وخرج أبو عبد الرحمن (٩) النسائي (١٠) بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (١١) ﷺ قال: إذا حُضِرَ المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون (١٢): أخرجي [راضية] (١٣) مرضية (١٤) عنك إلى روح وريحان، ورب راضٍ (١٥) غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا من أحدكم بغائبه يقدم

стр. 360

عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: ما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به (١) إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا حُضِرَ (٢) أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتىي يأتوا (٣) به باب السماء (٤)، فيقولون: ما أنتن هذه الريح حتى يأتوا (٥) به أرواح الكفار". وخرّج أبو داود الطيالسي (٦) قال: حدثنا حماد (٧) عن قتادة عن أبي الجوزاء (٨) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قبض الله العبد المؤمن جاءته ملائكة الرحمة فتسلم (٩)، أو تسل نفسه في حريرة بيضاء، فيقولون: ما وجدنا ريحًا أطيب من هذه، فيسألونه، فيقولون: ارفقوا به، فإنه خرج من غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فتخرج نفسه، فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتن من هذه، فيهبط به إلى أسفل الأرض"، والله أعلم (١٠). قلت: وهنا فصول ستة في الرد على الملحدة (١١): الأول (١٢): تأمل يا أخي وفقني الله وإياك (١٣) هذا الحديث، وما قبله من الأحاديث ترشدك [إلى] (١٤) أن الروح والنفس شيء واحد (١٥)، وأنه جسم لطيف

стр. 361

مشابك للأجسام (١) المحسوسة، يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو مما له أول، وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيب وخبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض، وقد قال بلال في حديث الوادي: "أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك" (٢)، وقال رسول الله ﷺ مقابلًا (٣) له (٤) في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: "يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا" (٥)، وقال رسول الله ﷺ : "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" (٦)، وقال: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" (٧)، وهذا غاية في البيان، ولا عطر بعد عروس (٨). وقد اختلف الناس في الروح اختلافًا كثيرًا، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه (٩) لك، وهو مذهب أهل السنة: أنه جسم (١٠)، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣]، يعني: النفس عند خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم، ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليه (١١)، كقول الشاعر (١٢):

стр. 362

أماوي ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت (١) يومًا وضاق بها الصدر فكل من يقول: إن الروح تموت وتفنى فهو ملحد (٢)، وكذلك من يقول بالتناسخ (٣): إنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر: حمار أو كلب أو غير ذلك، وإنما هي محفوظة بحفظ الله، إما منعمة وإما معذبة على ما يأتي (٤) بيانه إن شاء الله تعالى. الفصل الثاني الإيمان بعذاب القبر وفتنته (٥): واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه، ويجعله (٦) من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسئل عنه وما يجيب به ويفهم ما آتاه من ربه، وما أعد له في قبره من (٧) كرامة وهوان؛ وبهذا نطقت الأخبار عن المختار (٨) ﷺ وعلى آله وصحبه آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة، ولم يفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم ﵇ غير ما ذكرنا، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرًا. ولقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبر النبي ﷺ بفتنة الميت في قبره، وسؤال منكر ونكير له وهما: ملكان، يا رسول الله أيرجع إلي عقلي؟ قال: نعم، قال: إذًا أكفيكهما، والله لئن سألاني لأسألنهما، فأقول لهما: أنا ربي الله، فمن ربكما أنتما (٩)؟.

стр. 363

وخرّج الترمذي أبو عبد الله الحكيم في نوادر الأصول (١) من حديث عبد الله بن عمر (٢) ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر يومًا فتاتي القبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: نعم كهيئتكم اليوم، فقال عمر: وفي (٣) فيه الحجر" (٤). وقال سهل بن عمّار (٥): رأيت يزيد بن هارون (٦) بعد موته في المنام (٧)، فقلت (٨): ما فعل الله بك؟ فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: لمثلي (٩) يقال هذا وقد علَّمت الناس جوابكما ثمانين سنة؟ فذهبا، وقالا: أكتبتَ عن جرير بن عثمان (١٠)؟ قلت: نعم، فقالا: فإنه (١١) كان يبغض عثمان فأبغضه الله (١٢).

стр. 364

وفي حديث البراء ﵁: "فتعاد روحه في جسده" (١) وحسبك، وقد قيل: إن السؤال والعذاب وإنما يكون على (٢) الروح دون الجسد، وما ذكرنا لك أولًا أصح (٣)، والله أعلم. الفصل الثالث: أنكرت (٤) الملحدة، ومن تمذهب من الإسلاميين (٥) بمذهب الفلاسفة عذاب القبر، وأنه ليس له حقيقة، واحتجوا بأن قالوا: إنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عميًا صمًا، يضربون الناس بمطارق (٦) من حديد، ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين، ولا نيرانًا، ولا تنانين، وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب، ولم يتغير (٧)، وكيف يصح إقعاده؟ ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدناه بحاله، فكيف (٨) يجلس، ويضرب، ولا يتفرق ذلك عنه؟ وكيف يصح إقعاده؟ وما ذكرتموه من الفسحة له؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقًا، ونجد مساحته على حد (٩) ما حفرناها، لم يتغير علينا، فكيف يسعه، ويسع الملائكة السائلين له؟ وإنما ذلك كله إشارة (١٠) إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني، وأنها لا حقائق لها على موضع (١١) اللغة. فالجواب: إنا نؤمن بما ذكرناه، والله أن يفعل ما يشاء من عقاب ونعيم، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك، بل يغيبه عنا، فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله (١٢)، إذ هو قادر (١٣) على كل ممكن جائز، فإنا نحن لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه، ثم نضجعه، ونرد الزئبق مكانه، وكذلك يمكننا أن

стр. 365

نعمق القبر، ونوسعه حتى يقوم فيه قيامًا فضلًا عن القعود، وكذلك يمكننا أن نعمق (١) القبر مائتي ذراع فضلًا عن سبعين ذراعًا، والرب سبحانه أبسط منا قدرة، وأقوى منا قوة، وأسرع (٢) فعلًا، وأحصى منا حسابًا، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣)، ولا رب لمن يدعي الإسلام إلا من هذه صفته، فإذا كشفنا عن ذلك رد الله سبحانه الأمر على ما كان (٤)، نعم بل لو كان الميت بيننا موضوعًا فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن (٥) يسمع الحاضرون جوابه (٦)، ومثال ذلك: نائمان بيننا أحدهما ينعم، والآخر يعذب، ولا يشعر أحد بذلك (٧) ممن حولهما من المنتبهين، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه (٨).

стр. 366

وقد قال بعض علمائنا (١): إن دخول الملك القبر جائز أن يكون تأويله: اطلاعه عليها، وعلى أهلها، وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول، ولا قرب، ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولج في خلال المقابر فيتوصل إليه (٢) من غير نبش، ويجوز أن ينبشها ثم يعيدها الله تعالى إلى مثل حالها، على وجه لا يدركه أهل الدنيا، ويجوز أن يدخل الملك (٣) من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها. وبالجملة: فأحوال المقابر، وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا ما لا خلاف فيه، ولولا أخبر (٤) الصادق بذلك لم نعلم (٥) شيئًا مما هنالك. فإن قالوا: كل حديث يخالف مقتضى العقول (٦) يقطع بتخطئة ناقليه (٧)، ونحن نرى المصلوب على صليبه (٨) مدة طويلة وهو لا يسئل ولا يحيى، وكذلك نشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلًا ولا يتحرك، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير، وبطون

стр. 367

الحيتان، وحواصل الطير (١)، وأقاصي التخُوم (٢)، ومدارج الرياح، فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف (٣) تتألف أعضاؤه؟ وكيف نتصور مسائلة الملكين لمن هذا وصفه (٤)؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ (٥).

стр. 368

والجواب عن هذا من وجوه أربعة: أحدها: أن الذي جاء (١) بهذا هم الذين جاؤوا بالصلوات الخمس، وليس لنا طريق إلا ما نقلوه لنا ذلك. الثاني: ما ذكره القاضي لسان الأمة (٢) وهو: أن أن المدفونين في القبور يسألون، والذين بقوا على وجه الأرض فإن الله (٣) يحجب

стр. 369

المكلفين (١) عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء ﵇ لهم، ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل ﵇ على الأنبياء ﵇، وقد قال الله تعالى في وصف الشياطين: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. الثالث: قال بعض العلماء (٢): لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به كما أنَّا نحسب المغمى عليه ميتًا، وكذا (٣) صاحب السكتة وندفنه على حسبان الموت، ومن تفرقت (٤) أجزاؤه فلا يبعد أن يخلق الله الحياة في أجزائه. قلت: ويعيده كما كان كما فعل بالرجل الذي أمر إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرى (٥) حتى تنسفه الرياح، الحديث، وفيه فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال له: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك أو قال: مخافتك. خرَّجه البخاري (٦) ومسلم (٧)، وفي التنزيل: ﴿فَخُذْ (٨) أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية. الرابع: قال أبو المعالي (٩): المرضي عندنا أن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب، أو غيره فيحييها، ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل عقلًا (١٠).

стр. 370

قال بعض علمائنا (١): وليس هذا بأبعد من الذر الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الفصل الرابع: فإن قالوا ما حكم الصغار عندكم؟ قلنا: هم كالبالغين، وأن العقل يكمل (٢) لهم ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، هذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، وقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، وقد تقدم (٣). وذكر هنّاد بن السري (٤) قال: حدثنا أبو معاويَة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "إن كان ليصلى على المنفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول (٥): اللهم أجره من عذاب القبر". الفصل الخامس: فإن قالوا: ما (٦) تأويلكم في القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة؟ قلنا: ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز، وإن القبر يملأ على المؤمن خضرًا وهو العشب من النبات، وقد عينه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: هو الريحان، كما في حق الكافر يفرش له لوحان من نار، وقد تقدم (٧). وقد (٨) حمله بعض علمائنا: على المجاز، والمراد: خفة السؤال على المؤمن، وسهولته عليه، وأمنه فيه، وطيب عيشه، ووصفه بأنه جنة تشبيهًا

стр. 371

بالجنة والنعيم فيها بالرياض، يقال: فلان في الجنة، إذا كان في رغد من العيش وسلامة (١)، فالمؤمن يكون في قبره في روح ورائحة (٢)، وطيب عيش، وقد رفع الله عن عينيه الحجاب حتى يرى مدى بصره كما في الخبر. وأراد بحفرة النار: ضغطة القبر، وشدة المسايلة، والخوف، والأهوال التي تكون فيها على الكفرة، وبعض أهل الكبائر، والله أعلم، والأول أصح؛ لأن الله سبحانه (٣) ورسوله يقص الحق، ولا استحالة في شيء من ذلك. الفصل السادس: روى أبو عمر بن عبد البر (٤) في التمهيد (٥): عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أيها الناس: إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله ﷺ قد رجم، وأن أبا بكر ﵁ قد رجم وإنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون أقوام من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها (٦)، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا. قال علماؤنا (٧) رحمة لله عليهم: هؤلاء هم القدرية (٨)، والخوارج (٩)، ومن سلك سبيلهم (١٠)، وافترقوا في ذلك فرقًا، فصار أبو الهذيل (١١) وبِشْر إلى

стр. 372

أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، وأن (١) المساءلة (٢) إنما تقع في تلك الأوقات (٣). وأثبت البلخي (٤)، وكذلك الجبّائي (٥)، وابنه (٦) عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين (٧). وقال الأكثرون من المعتزلة (٨): لا يجوز تسمية ملائكة الله تعالى بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، وتقريع الملكين له هو النكير. وقال صالح قبة (٩)، والصالحي (١٠): عذاب القبر جائز، وأنه يجري على

стр. 373

الموتى من غير رد الأرواح إلى الأجساد، وأن الميت يجوز أن يألم، ويحس، ويعلم، وهذا مذهب جماعة من الكرَّامية (١). وقال بعض المعتزلة: إن الله يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام، وزعموا أن سبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران، والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد إليهم العقل وجدوا تلك الآلام. وأما الباقون من المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو (٢) (٣)، وبشر المريسي (٤)، ويحيى بن كامل (٥)، وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا، وقالوا: إن من مات فهو ميت في قبره إلى يوم البعث (٦). وهذه أقوال (٧) كلها فاسدة تردها الأخبار الثابتة، وفي التنزيل: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وسيأتي (٨) من الأخبار مزيد بيان، وبالله التوفيق والعصمة إن شاء الله تعالى.

стр. 374

باب ما جاء في صفة الملكين صلوات الله عليهما (١) وصفة سؤالهما قد تقدم (٢) من (٣) حديث الترمذي: "أنهما أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير" (٤). وروي معمر عن عمرو بن دينار وعن سعد (٥) بن إبراهيم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لعمر: كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير إذا مت، وانطلق بك قومك، فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرًا في ذراع وشبر ثم غسلوك، وكفنوك، وحنطوك، ثم احتملوك فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتَّانا القبر منكر ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، [ونفسهما كالريح العاصف] (٦)، ويجران شعورهما، معهما مِرْزَبَة (٧) (٨)، ولو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها (٩)، قال عمر: يا رسول الله إن فرقنا فحق لنا أن نفرق، أنبعث على ما نحن عليه؟ قال: نعم إن شاء الله، قال: إذًا أكفيكهما (١٠). وروى نقلة الأخبار (١١) عن ابن عباس ﵄ في خبر الإسراء أن النبي ﷺ

стр. 375

قال: "قلت: يا جبريل وما ذاك؟ قال: منكر ونكير يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في قبره وحيدًا، قلت: يا جبريل صفهما لي، قال: نعم [من] (١) غير أن أذكر (٢) طولهما ولا (٣) عرضهما، ذكر ذلك منهما أفظع من ذلك غير (٤) أن أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كالصياصي (٥) يخرج لهيب النار من أفواههما، ومناخرهما، ومسامعهما، يكسحان الأرض بأشعارهما، ويحفران الأرض بأظفارهما، مع كل واحد منهما عمود من حديد، لو اجتمع عليه من في الأرض ما حركوه، يأتيان الإنسان إذا وضع في قبره، وترك وحيدًا، يسلكان روحه (٦) في جسده بإذن الله تعالى، ثم يقعدانه في قبره فينتهرانه انتهارًا يتقعقع (٧) منه عظامه، وتزول أعضاؤه (٨) من مفاصله، فيخر مغشيًا عليه ثم يقعدانه، فيقولان له: إنك في البرزخ، فاعقل حالك، واعرف مكانك، وينتهرانه ثانية، ويقولان له: يا هذا ذهبت عنك الدنيا، وأفضيت إلى معادك، فأخبرنا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن كان مؤمنًا بالله (٩) لقنه (١٠) الله حجته، فيقول: الله ربي، ونبيي محمد، وديني الإسلام، فينتهرانه عند ذلك انتهارًا يرى أن (١١) أوصاله قد (١٢) تفرقت، وعروقه قد تقطعت، ويقولان له: يا هذا اثبت (١٣)، يا هذا انظر ما تقول؟ فيثبته الله عنده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويلقنه الإيمان (١٤)، ويدرأ عنه الفزع (١٥)، فلا يخافهما، فإذا فعل ذلك (١٦)، بعبده المؤمن استأنس إليهما،

стр. 376

وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول تهدداني كيما أشك في ربي، وتريداني أن أتخذ غيره وليًا أشهد أن لا إله إلا الله، وهو ربي وربكما ورب كل شيء، ونبيي، محمد وديني الإسلام، ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول: ربي الله فاطر السماوات والأرض إياه كنت أعبد، ولم أشرك ولم أشرك به شيئًا، ولم أتخذ غيره أحدًا، فتريدان (١) أن ترداني عن معرفة ربي (٢) وعبادتي إياه؟ ثم هو الله الذي لا إله إلا هو. قال: فإذا قال ذلك ثلاث (٣) مرات مجاوبة لهما تواضعا له حتى يستأنس إليهما أُنْسَ ما كان في الدنيا إلى أهل وده، ويضحكان إليه، ويقولان (٤) صدقت وبررت قرّ الله عينك وثبتك أبشر بالجنة وبكرامة الله، ثم يدفع عنه (٥) قبره هكذا وهكذا فيتسع عليه مد البصر، ويفتحان له بابًا إلى الجنة فيدخل عليه روح من (٦) الجنة وطيب ريحها (٧) ونضرتها في قبره ما (٨) يتعرف به كرامة الله تعالى، فإذا رأى ذلك استيقن بالفوز فحمد الله تعالى، ثم يفرشان له فراشًا من إستبرق (٩) الجنة، ويضعان له مصباحًا من نور عند رأسه، ومصباحًا من نور عند رجليه يزهران في قبره ثم تدخل عليه ريح أخرى فحين يشمها يغشاه النعاس فينام، فيقولان له: ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن، ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يُرى من (١٠) صورة وأطيب ريح فيكون عند رأسه، ويقولان: هذا عملك وكلامك الطيب قد مثّله الله لك في أحسن ما ترى من صورة وأطيب ريح ليؤنسك (١١) في قبرك فلا تكون وحيدًا، ويدرأ عنك هوام الأرض وكل دابة وكل أذى فلا يخذلك في قبرك ولا في (١٢) شيء من (١٣)

стр. 377

مواطن القيامة حتى تدخل الجنة برحمة الله (١)، فنم سعيدًا طوبى لك وحسن مآب، ثم يسلِّمان عليه، ويطيران عنه، وذكر الحديث وما يلقى الكافر من الهوان الشديد والعذاب (٢) الأليم، وحسبك ما تقدم. قلت: وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال؛ لأنه يرويه عمرو بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم (٣)، فهو حديث مرتب على أحوال مبينة، ومحتو على أمور مفسرة (٤). فصل قوله: "أتاك فتَّانا القبر منكر ونكير"، إنما سمِّيا فتانَي (٥) القبر لأن في سؤالهما، انتهارًا، وفي خلقهما صعوبة، ألا ترى أنهما سمِّيا منكرًا ونكر، فإنما سمِّيا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق الطير (٦)، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما (٧)، جعلهما الله مكرمة (٨) للمؤمن (٩) ليثبته،

стр. 378

وينصره (١)، وهتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب قاله أبو عبد الله الترمذي (٢). فصل إن قيل (٣): كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفو الأماكن، متباعدو القبور في الوقت الواحد، والجسم الواحد (٤) لا يكون في المكانين في الوقت الواحد؟ وكيف تنقلب الأعمال أشخاصًا وهي في نفسها أعراض؟! فالجواب عن الأول: ما جرى ذكره (٥) في هذا الخبر من عظم (٦) جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة مخاطبة واحدة، يخيل لكل واحد منهم أن المخاطب هو دون من سواه، ويكون الله تعالى يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما، ويسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا (٧) في قبر واحد، وقد تقدم (٨) أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلا الثقلين، والله سبحانه يسمع من يشاء وهو على كل شيء قدير (٩). والجواب عن الثاني: أن الله تعالى يخلق من ثواب الأعمال أشخاصًا حسنة وقبيحة، لا أن العرض نفسه ينقلب جوهرًا، إذا ليس من قِبلِ الجواهر، ومثل هذا ما صح في الحديث: "أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح

стр. 379

فيقف (١) على الصراط فيذبح" (٢)، ومحال أن الموت ينقلب (٣) كبشًا، لأن الموت، عرض وإنما المعنى: أن الله يخلق شخصًا يسميه الموت فيذبح بين الجنة والنار، وهكذا كلما ورد عليك في هذا الباب التأويل فيه ما ذكرت لك (٤) والله أعلم، وسيأتي (٥) له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. باب (٦) اختلاف الآثار في سعة القبر على المؤمنين بالنسبة إلى أعمالهم جاء في البخاري (٧) ومسلم (٨): "أنه يفسح (٩) له سبعون ذراعًا" (١٠).

стр. 380

وفي الترمذي (١): "سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا". وفي حديث البراء: "مد البصر". وخرج علي بن معبد عن معاذة (٢) قالت: "قلت لعائشة ﵂: ألا تخبرينا عن مقبورنا (٣) ما يلقى وما يصنع به؟ فقالت: إن كان مؤمنًا فسح له في قبره أربعون ذراعًا" (٤). قلت: وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر (٥)، والسؤال، وأما الكافر فلا يزال قبره عليه (٦) ضيقًا، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. سمعت بعض علمائنا (٧) يقول: إن حفارًا كان بقرافة مصر يحفر القبور، فحفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها غشيه النعاس فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه اكتب فرسخًا في فرسخ، ثم وقفا على الثاني فقال أحدهما: اكتب مِيلًا في مِيل، ثم وقفا على الثالث فقال: اكتب فترًا (٨) في فتر (٩)، ثم انتبه فجيء برجل غريب لا يؤبه به (١٠) فدفن في القبر الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في القبر الثاني، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير، فدفنت في القبر الضيق الذي سعته فترًا في فتر (١١). الفتر (١٢): ما بين الإبهام والسبابة نعوذ بالله من ضيق القبر وعذابه.

стр. 381

باب ما جاء في (١) عذاب القبر وأنه حق وفي اختلاف عذاب الكافرين في قبورهم وضيقها عليهم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] قال أبو سعيد الخدري (٢) وعبد الله بن مسعود (٣) ﵁ "ضنكًا": عذاب القبر. وقيل في قوله : ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] هو: عذاب القبر (٤)؛ لأن الله ذكره عقب (٥) قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ [الطور: ٤٥]، وهذا اليوم هو اليوم الآخر من أيام الدنيا، فدل أن العذاب الذي هم فيه هو عذاب القبر، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] لأنه غيب، وقال : ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]، فهو (٦) عذاب القبر في البرزخ وسيأتي (٧). وقال ابن عباس (٨) ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [التكاثر: ٣] ما ينزل عليكم (٩) من العذاب في القبر ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٤] في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالأول في القبر، والثاني: في الآخرة، فالتكرير للحالتين. وروي زِر بن حُبيش عن علي (١٠) قال (١١): كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ يعني: في القبور.

стр. 382

وقال أبو هريرة ﵁: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف أضلاعه، وهو المعيشة الضنك (١). وروى أبو هريرة الله ﵁ عن (٢) رسول الله ﷺ : أتدرون (٣) فيمن أنزلت هذه: الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في القبر، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعٌ (٤) وتسعون حية تنينًا، وتسعون حية تنينًا، أتدرون ما التنين؟ تسعٌ (٥) وتسعون حية، لكل (٦) حية تسعة أرؤس (٧)، ينفخون (٨) في جسمه، ويلسعونه (٩)، ويخدشونه (١٠) إلى يوم القيامة، ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى (١١). وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (١٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ له قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون (١٣) تنينًا تنهشه وتلدغه (١٤) حتى تقوم الساعة، الساعة، لو (١٥) أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء".

стр. 383

وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا: "ثم يؤمر به يعني الكافر فيضيق عليه، قبره وترسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحمًا وترسل عليه ملائكة صم عمي فيضربونه (١) بفطاطيس لا يسمعون صوته فيرحمونه ولا يبصرونه فيرحمونه ولا يخطئون حين يضربونه، يعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيًا يدعو بأن يدوم عليه ذلك ولا يخلص إلى النار (٢) " (٣). فصل لا تظن رحمك الله أن هذا يعارض الحديث (٤) المرفوع: "أنه يسلط على الكافر أعمى أصم"، فإن أحوال الكفار تختلف فمنهم من يتولى عقوبته واحد ومنهم من يتولى عقوبته جماعة. وكذلك لا تناقض (٥) هذا وبين أكل الحيات لحمه (٦)، فإنه يمكن أن يتردد ما (٧) بين هذين العذابين كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤]، فمرة يطعمون الزقوم، وأخرى يسقون الحميم، ومرة يعرضون على النار، وأخرى على الزمهرير، أجارنا الله من عذاب النار، ومن عذاب القبر بمنه وكرمه (٨)، وآخر يفرش له لوحان من نار، وآخر يقال له: نم نومة المنهوس (٩) كما خرجه علي بن معبد عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا قال: إذا وضع الميت في قبره أتاه آت من ربه فيقول له: من ربك؟ فإن كان من أهل التثبيت ثبت وقال: الله

стр. 384

[ربي] (١)، ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقول من نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ ، فيرى بشراه ويبشَّر، فيقول: دعوني (٢) أرجع إلى أهلي فأبشرهم، فيقال له: نم قرير العين إن لك إخوانًا لم يلحقوا. وإن كان من غير أهل الحق والتثبيت قيل له: من ربك؟ فيقول: هاه كالواله (٣)، ثم يضرب بمطارق يسمع صوته الخلق إلا الجن والإنس، ويقال له: نم كنومة المنهوس (٤) " (٥). قال أهل اللغة: المنهوس بالسين المهملة: الملسوع (٦)، نهسته (٧) الحية (٨)، قال الراجز (٩): وذات قرنين طحون الضرس تنهس لو تمكنت من نهس تدير عينًا كشهاب القبس والملسوع مرة ينتبه لشدة الألم عليه، ومرة ينام كالمغمى عليه. وقال النابغة (١٠): فبتُّ كأني ساورتني (١١) ضئيلة (١٢) … من الرقش (١٣) في أنيابها السم ناقع

стр. 385

يسهد من ليل التمام سليمها … كحلي النساء في يديه قعاقع (١) يبادرها (٢) الراقون من سوء سمها … تطلقه طورًا وطورًا تراجع (٣) باب منه في عذاب الكافر في قبره ذكر الوائلي الحافظ في كتاب الإبانة (٤): من حديث مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال بينا أنا أسير بجنبات (٥) بدر إذ خرج رجل من الأرض في عنقه سلسلة يمسك طرفها أسود، فقال: يا عبد الله اسقني، فقال ابن عمر: ولا (٦) أدري، أعرف اسمي، أو كما يقول الرجل (٧): يا عبد الله (٨)، فقال لي الأسود: لا تسقه فإنه كافر، ثم اجتذبه فدخل الأرض، قال ابن عمر ﵄: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "أَوَقَدْ رأيته؟ ذاك (٩) عدو الله أبو جهل بن هشام، وهو عذابه إلى يوم القيامة" (١٠). باب ما يكون في عذاب القبر واختلاف أحوال العصاة (١١) بحسب اختلاف معاصيهم أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أكثر عذاب القبر في البول" (١٢).

стр. 386

البخاري: (١) ومسلم (٢): عن ابن عباس ﵄ مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستتر من بوله (٣)، فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين (٤) ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". في رواية: "كان لا يستتر عن البول، أو من البول، رواها (٥) مسلم (٦). وفي كتاب أبي داود (٧): "كان لا يستنزه من بوله" (٨). وفي حديث (٩) هناد بن السري (١٠): "لا يستبرئ من البول" من الاستبراء. وقال البخاري (١١): "وما يعذبان في كبير وإنه لكبير". وخرجه أبو داود الطيالسي (١٢): عن أبي بكرة ﵁ قال: بينا أنا أمشي

стр. 387

مع رسول الله ﷺ ومعي، رجل، ورسول الله ﷺ بيننا (١) إذ أتى على قبرين فقال رسول الله ﷺ : "إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان (٢) الآن في قبورهما، فأيكما يأتيني من هذا النخل بعسيب؟ فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته وكسرت (٣) من النخل عسيبًا فأتيت به النبي به (٤) ﷺ ، فشقه نصفين (٥) من أعلاه، فوضع على أحدهما نصفًا، وعلى الآخر نصفًا، وقال إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بُلولتهما شيء، إنهما يعذبان في الغيبة والبول". قال المؤلف هذا الحديث، والذي قبله يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطبًا لا زيادة معه (٦). وقد خرج مسلم (٧) من حديث جابر الطويل وفيه: "فلما انتهى إلي، قال: يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال (٨): فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنًا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنًا عن يمينك وغصنًا عن يسارك (٩)، قال جابر: فقمت فأخذت حجرًا فكسرته وحسرته فاندلق (١٠) لي، فأتيت الشجرتين (١١) فقطعت من كل واحدة منهما غصنًا ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ أرسلت غصنًا عن يميني وغصنًا عن شمالي (١٢) ثم لحقت فقلت: قد فعلت ذاك (١٣) يا رسول الله، فعمَّ ذاك (١٤)؟ فقال: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفَّه عنهما، ما دام الغصنان رطبين".

стр. 388

ففي هذا الحديث زيادة على رطوبة الغصن، وهي شفاعته ﷺ ، والذي يظهر لي (١) أنهما قضيتان مختلفتان لا قضية واحدة كما قال من تكلم على ذلك، يدل عليهما سياق الأحاديث، فإن في حديث ابن عباس وأبي بكرة: عسيبًا واحدًا شقه النبي ﷺ بيده نصفين، وغرسهما بيده، وحديث جابر بخلافهما ولم يذكر فيه ما يعذب بسببه. وقد خرج أبو داود الطيالسي (٢): حديث ابن عباس فقال: حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان في كبير (٣) أما أحدهما: فكان (٤) يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب، نميمة، ثم دعا بجريدة فشقها نصفين، فوضع نصفها (٥) على هذا القبر، ونصفها على هذا القبر (٦)، وقال: عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبين (٧) ". ثم قيل: يجوز أن يكونا كافرين وقوله: "إنهما يعذبان (٨) في كبير" يريد بالإضافة إلى الكفر، والشرك وإن كانا مؤمنين: فقد أخبرك أنهما يعذبان لشيء كان منهما ليس بكفر، لكنهما (٩) لم يتوبا منه، وإن كانا كافرين: فهما معذبان (١٠) في هذين الذنبين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما، وجمع خطاياهما، وأن يكونا كافرين أظهر والله أعلم، وأنهما (١١) ولو كانا

стр. 389

مؤمنين (١) لَعُلِما لقرب العهد بتدافن المسلمين يومئذٍ قاله: ابن بَرَّجان (٢) في كتاب الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد (٣). قلت: والأظهر أنهما كانا مؤمنين وهو ظاهر الأحاديث، والله أعلم. الطحاوي (٤) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُمِرَ بعبدٍ من عباد (٥) الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره عليه، نارًا فلما ارتفع عنه أفاق فقال: علام جلدتموني (٦)؟! قال: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره" (٧). البخاري: (٨) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٩) فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد رؤيا قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألنا يومًا فقال: هل رأى أحد منك رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني (١٠) رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كُلُّوب (١١) من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا

стр. 390

حتى يعود (١)، فيصنع مثله قلت ما هذا؟! قالا (٢) انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر (٣) أو صخرة فيشدخ (٤) بها رأسه، فإذا ضربه تدهده (٥) الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟! قالا: انطلق، فانطلقنا إلى نقْبٍ (٦) مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة (٧) فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر (٨) في (٩) فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من (١٠) الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: نعم الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة والذي رأيته يُشدخُ رأسُه (١١)
следующие страницы →