← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

البخاري: (١) ومسلم (٢): عن ابن عباس ﵄ مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستتر من بوله (٣)، فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين (٤) ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". في رواية: "كان لا يستتر عن البول، أو من البول، رواها (٥) مسلم (٦). وفي كتاب أبي داود (٧): "كان لا يستنزه من بوله" (٨). وفي حديث (٩) هناد بن السري (١٠): "لا يستبرئ من البول" من الاستبراء. وقال البخاري (١١): "وما يعذبان في كبير وإنه لكبير". وخرجه أبو داود الطيالسي (١٢): عن أبي بكرة ﵁ قال: بينا أنا أمشي

стр. 387

مع رسول الله ﷺ ومعي، رجل، ورسول الله ﷺ بيننا (١) إذ أتى على قبرين فقال رسول الله ﷺ : "إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان (٢) الآن في قبورهما، فأيكما يأتيني من هذا النخل بعسيب؟ فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته وكسرت (٣) من النخل عسيبًا فأتيت به النبي به (٤) ﷺ ، فشقه نصفين (٥) من أعلاه، فوضع على أحدهما نصفًا، وعلى الآخر نصفًا، وقال إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بُلولتهما شيء، إنهما يعذبان في الغيبة والبول". قال المؤلف هذا الحديث، والذي قبله يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطبًا لا زيادة معه (٦). وقد خرج مسلم (٧) من حديث جابر الطويل وفيه: "فلما انتهى إلي، قال: يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال (٨): فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنًا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنًا عن يمينك وغصنًا عن يسارك (٩)، قال جابر: فقمت فأخذت حجرًا فكسرته وحسرته فاندلق (١٠) لي، فأتيت الشجرتين (١١) فقطعت من كل واحدة منهما غصنًا ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ أرسلت غصنًا عن يميني وغصنًا عن شمالي (١٢) ثم لحقت فقلت: قد فعلت ذاك (١٣) يا رسول الله، فعمَّ ذاك (١٤)؟ فقال: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفَّه عنهما، ما دام الغصنان رطبين".

стр. 388

ففي هذا الحديث زيادة على رطوبة الغصن، وهي شفاعته ﷺ ، والذي يظهر لي (١) أنهما قضيتان مختلفتان لا قضية واحدة كما قال من تكلم على ذلك، يدل عليهما سياق الأحاديث، فإن في حديث ابن عباس وأبي بكرة: عسيبًا واحدًا شقه النبي ﷺ بيده نصفين، وغرسهما بيده، وحديث جابر بخلافهما ولم يذكر فيه ما يعذب بسببه. وقد خرج أبو داود الطيالسي (٢): حديث ابن عباس فقال: حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان في كبير (٣) أما أحدهما: فكان (٤) يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب، نميمة، ثم دعا بجريدة فشقها نصفين، فوضع نصفها (٥) على هذا القبر، ونصفها على هذا القبر (٦)، وقال: عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبين (٧) ". ثم قيل: يجوز أن يكونا كافرين وقوله: "إنهما يعذبان (٨) في كبير" يريد بالإضافة إلى الكفر، والشرك وإن كانا مؤمنين: فقد أخبرك أنهما يعذبان لشيء كان منهما ليس بكفر، لكنهما (٩) لم يتوبا منه، وإن كانا كافرين: فهما معذبان (١٠) في هذين الذنبين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما، وجمع خطاياهما، وأن يكونا كافرين أظهر والله أعلم، وأنهما (١١) ولو كانا

стр. 389

مؤمنين (١) لَعُلِما لقرب العهد بتدافن المسلمين يومئذٍ قاله: ابن بَرَّجان (٢) في كتاب الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد (٣). قلت: والأظهر أنهما كانا مؤمنين وهو ظاهر الأحاديث، والله أعلم. الطحاوي (٤) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُمِرَ بعبدٍ من عباد (٥) الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره عليه، نارًا فلما ارتفع عنه أفاق فقال: علام جلدتموني (٦)؟! قال: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره" (٧). البخاري: (٨) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٩) فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد رؤيا قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألنا يومًا فقال: هل رأى أحد منك رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني (١٠) رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كُلُّوب (١١) من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا

стр. 390

حتى يعود (١)، فيصنع مثله قلت ما هذا؟! قالا (٢) انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر (٣) أو صخرة فيشدخ (٤) بها رأسه، فإذا ضربه تدهده (٥) الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟! قالا: انطلق، فانطلقنا إلى نقْبٍ (٦) مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة (٧) فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر (٨) في (٩) فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من (١٠) الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: نعم الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة والذي رأيته يُشدخُ رأسُه (١١)

стр. 391

فرجل علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار فيفعل (١) به إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيته في الثقب فهم الزناة، والذي (٢) رأيته في النهر آكل الربا، والشيخ (٣) في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد النار مالك خازن النار، والدار الأولى دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء وأنا جبرائيل وهذا ميكائيل فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي (٤) مثل السحاب، قالا: ذلك (٥) منزلك، فقلت: دعاني أدخل منزلي، قالا (٦): إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك". فصل قال علماؤنا (٧) رحمة الله عليهم: لا أبين (٨) في حال المعذبين في قبورهم من حديث البخاري هذا، وإن كان منامًا فمنامات الأنبياء ﵇ وحي بدليل قول إبراهيم ﵇ ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فأجابه ابنه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وأما حديث الطحاوي فنص أيضًا، وفيه رد على الخوارج ومَن يُكفِّر بالذنوب. قال الطحاوي (٩): وفي هذا (١٠) ما يدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر (١١)؛ لأن من صلى (١٢) بغير طهور فلم يصل، وقد أجيبت دعوته ولو كان

стр. 392

كافرًا ما سمعت دعوته؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، وأما حديث البخاري ومسلم فيدل على أن الاستبراء من البول، والتنزه عنه واجبٌ، إذ لا يعذب الإنسان إلا على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسًا على البول وهو قول أكثر العلماء (١)، وبه قال ابن وهب (٢) ورواه عن (٣) مالك وهو الصحيح في الباب، ومن صلى ولم يستبر فقد صلى بغير طهور. تنبيه على غلط: ذكر بعض أصحابنا فيما نقل إلينا عنه: أن القبر الذي غرس عليه ﷺ (٤) العسيب هو قبر سعد بن معاذ ﵁، وهذا باطل لا يصح، وأما الذي صح (٥): أن القبر ضغطه كما ذكرنا ثم فرّج عنه، وكان سبب ذلك ما رواه يونس بن بكير (٦) عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم في قول رسول الله ﷺ هذا؟ قال: ذُكِرَ لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: "كان يقصر في بعض الطهور من البول" (٧). وذكر هنّاد بن السري (٨): ثنا ابن فضيل عن أبي سفيان عن الحسن قال:

стр. 393

أصاب سعد بن معاذ جراحة فجعله النبي ﷺ عند امرأة تداويه فمات من الليل فأتاه جبريل فأخبره فقال: إنه مات (١) من (٢) الليلة فيكم رجل لقد اهتز العرش لحب لقاء الله إيّاه، فإذا هو سعد بن معاذ (٣)، قال: فدخل رسول الله ﷺ في قبره (٤) فجعل يكبِّر ويهلِّل ويسبِّح، فلما خرج قيل له (٥): يا رسول الله ما رأيناك صنعت هكذا (٦) قط؟ قال: إنه ضمه القبر (٧) ضمة حتى صار صار مثل الشعرة فدعوت الله أن يرفه (٨) عنه وذلك أنه كان لا يستبرئ من البول" (٩). وقال السالمي أبو محمد عبد الغالب (١٠) في كتابه: وأما الأخبار في عذاب القبر فبالغة مبلغ الاستفاضة، منها: قوله ﷺ في سعد بن معاذ: "لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلف (١١) لها ضلوعه، قال أصحاب رسول ﷺ ﵃ (١٢)

стр. 394

فلم ينقم من أمره شيئًا إلا أنه كان لا يستبرئ (١) في أسفاره من البول". قلت: فقوله ﷺ : "ثم فرّج عنه" دليل على أنه جوزي على ذلك التقصير منه (٢)، لا أنه يعذب بعد ذلك في قبره هذا لا يقوله أحد إلا شاك مرتاب في فضله وفضيلته ونصحه ونصيحته ﵁، أترى من اهتز له عرش الرحمن، وتلقت روحه الملائكة الكرام فرحين بقدومها عليهم، ومستبشرين بوصولها إليهم يعذب في قبره بعد ما فُرّج عنه هيهات هيهات لا يظن ذلك إلا جاهل بحقه غبي بفضيلته وفضله ﵁ وأرضاه، وكيف يظن ذلك وفضائله شهيرة، ومناقبه كثيرة خرّجها البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥)، وهو الذي أصاب حكم الرحمن في بني قريظة من فوق سبع سماوات، أخبر بذلك رسول الله ﷺ في البخاري (٦) ومسلم (٧) وغيرهما (٨). باب منه البيهقي (٩) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (١٠) الآية [الإسراء: ١] قال: أتي (١١) بفرس فحمل عليه، قال: كل خطوة منتهى أقصى بصره، فسار

стр. 395

وسار معه جبريل ﵇ فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: المهاجرون (١) في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف (٢): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر (٣) كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم شيء من ذلك، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن (٤) الصلاة، قال: ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح (٥) الأنعام عن الضريع والزقوم، ورضف (٦) جهنم وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين (٧) لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج، ولحم آخر خبيث فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال: يا جبريل من هذا (٨)؟ قال: هذا الرجل (٩) يقوم وعنده امرأة حلالًا طيبًا فيأتي المرأة الخبيثة فتبيت معه (١٠) حتى يصبح، ثم أتى على خشبة على (١١) الطريق لا يمر بها شيء إلا قصفته، يقول الله : ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦]، ثم مرّ على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد (١٢) أن يزيد عليها (١٣)، قال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها، ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم شيء من

стр. 396

ذلك، قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء (١) خطباء الفتنة، ثم أتى على جحر صغير يخرج منه نور عظيم فجعل النور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك (٢) يتكلم بالكلمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع (٣) وذكر الحديث. وخرّج (٤) من حديث أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي (٥) ﷺ أنه (٦) قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك، الحديث وفيه قال: فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا (٧) بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ملك، قال: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فاستفتح جبريل (٨) فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله تعالى على صورته تعرض عليه (٩) أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة (١٠) اجعلوها في سجين، ثم مضيت هنية (١١) فإذا أنا بأخونة يعني بالخوان (١٢) المائدة التي يؤكل عليها (١٣)، عليها (١٤) لحم مشرح (١٥) ليس يقربها أحد فإذا أنا بخوانة

стр. 397

أخرى عليها لحم قد أرْوح ونتن (١) عندها ناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من (٢) أمتك يتركون الحلال ويأكلون (٣) الحرام، قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام (٤) بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرّ يقول: اللهم لا تقم الساعة قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله تعالى قلت (٥): يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بقوم مشافرهم كمشافر الإبل قال: فيفتح على أفواههم ويلقمون (٦) ذلك الجمر ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى الله تعالى، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن وسمعتهن (٧) يضججن إلى الله ، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك، قال (٨) ثم مضيت هنية فإذا أنا بقوم يُقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون، فيقال له كل ما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمّازون من أمتك اللمّازون" وذكر الحديث. وذكر أبو داود (٩) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم،

стр. 398

قلت (١): من هؤلاء يا جبريل (٢)؟ قال: (٣) الذي يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". باب ما جاء في بُشرى المؤمن في قبره قال كعب الأحبار: "إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه (٤) فتقول الصلاة: إليكم (٥) عنه، فيأتونه (٦) من قبل رأسه فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه الله في دار الدنيا، فيأتونه من قبل جسمه فيقول [الحج] (٧) والجهاد: إليكم عنه فقد أنصب نفسه، وأتعب بدنه وحج وجاهد لله لا سبيل لكم عليه، فيأتونه (٨) من قبل يديه فتقول الصدقة: كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يدي (٩) الله ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه، قال: فيقال له: نم هنيئًا طبت حيًّا وطبت ميتًا" (١٠). قلت: هذا لمن أخلص لله في عمله، وصدق الله في قوله وفعله، وأحسن نيته له في سره وجهره، فهو الذي تكون أعماله حجة له أو دافعة (١١) عنه فلا تعارض بين هذا الباب وبين ما تقدم من الأبواب، فإن (١٢) الناس مختلفو الحال في خلوص الأعمال والله أعلم. باب ما جاء في التعوذ من عذاب القبر وفتنته النسائي (١٣) عن عائشة ﵄ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة

стр. 399

من اليهود (١) وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما تفتن يهود"، قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله ﷺ : "هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور"، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر. وروي (٢) الأئمة (٣) عن أسماء ﵄ عنه ﷺ قال: "وأنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا أو مثل فتنة الدجال، لا أدري أي ذلك قالت أسماء، يؤتى أحدكم فيقال (٤): ما علمك بهذا الرجل، فأما المؤمن أو الموقن (٥)، لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول: هو (٦) محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا ثلاث مرات، ثم يقال له: نم قد (٧) نعلم أنك لتؤمن به، فنم صالحًا، وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أي ذلك، قالت أسماء: فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت" لفظ مسلم. وخرّج البخاري (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا أخرجها (٩) الأثبات الثقات (١٠). باب ما جاء أن البهائم تسمع عذاب القبر مسلم (١١) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بينما النبي ﷺ في حائط لبني

стр. 400

النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به (١) فكادت تلقيه وإذا (٢) أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، كذا كان الجريري (٣) يقول، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال (٤): ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع". وخرّج (٥) أيضًا: عن عائشة ﵄ قالت (٦): دخل (٧) علي عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا ودخل علي رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة قالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قال النبي ﷺ صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم، قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ (٨) من عذاب القبر"، خرَّجه البخاري (٩) أيضًا وقال: "تسمعه البهائم كلها". وخرَّج هناد بن السري في زهده (١٠): قال (١١) حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة ﵄ قالت: "دخلت علي (١٢) يهودية فذكرت عذاب القبر فكذبتها فدخل النبي ﷺ علي فذكرت ذلك له فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده (١٣) إنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم".

стр. 401

فصل قال علماؤنا (١) رحمة الله عليهم (٢): وإنما حادت البغلة لما سمعت من صوت المعذبين، وإنما لم (٣) يسمعه من يعقل من الجن والإنس لقوله ﵇: "لولا أن لا تدافنوا" (٤) الحديث، فكتمه الله سبحانه عنا (٥) حتى نتدافن بحكمته الإلهية ولطائفه الربانية؛ لغلبة الخوف عند سماعه فلا نقدر (٦) على القرب من القبر للدفن، و (٧) يهلك الحي عند سماعه إذ لا يطاق سماع شيء (٨) من عذاب الله في هذه الدار؛ لضعف هذه القوى، ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف، أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس؟ وأين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي (٩) يسمعها كل شيء يليه (١٠)؟ وقد قال ﷺ في الجنازة: "ولو سمعها إنسان (١١) لصعق" (١٢). قلت: هذا وهو على رؤوس الرجال (١٣) من غير ضرب (١٤) ولا هوان فكيف إذا حلّ به الخزي والنكال، واشتدّ عليه العذاب والوبال؟ فنسأل الله معافاته ومغفرته (١٥) وعفوه ورحمته بمنه وكرمه (١٦). حكاية: قال أبو محمد عبد الحق (١٧): حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان، وكان من أهل العلم والعمل ﵀: إنهم دفنوا ميتًا بقريتهم من شرق إِشْبِيْلية، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون، ودابة ترعى قريبًا منهم،

стр. 402

فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة، [ثم عادت إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة] (١) كذلك فعلت مرة بعد أخرى. قال أبو الحكم ﵀: فذكرت عذاب القبر، وقول النبي ﷺ : "إنهم ليعذبون عذابًا تسمعه البهائم"، والله أعلم بما كان من أمر ذلك الميت، ذكر هذه حكاية لما قرأ القارئ هذا الحديث في عذاب القبر، ونحن إذ ذاك نسمع عليه كتاب مسلم بن الحجاج ﵁. باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال مسلم (٢) عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ حدث عن أهل بدر فقال: "إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، قال: فقال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطؤا (٣) الحدود التي (٤) حد رسول الله ﷺ قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان بن فلان، و (٥) يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم (٦) الله ورسوله حقًّا فإني وجدت ما وعدني الله حقًّا، قال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا". وعنه (٧) أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا، فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد (٨) وجدتم ما وعدكم (٩) ربكم حقًّا فإني وجدت ما وعدني

стр. 403

ربي (١) حقًّا، فسمع عمر (٢) قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله وكيف يسمعون؟ وأنى يجيبون وقد جيَّفوا؟ قال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما (٣) أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر". فصل اعلم رحمك الله أن عائشة رضوان الله عليها قد أنكرت هذا المعنى، واستدلت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر: ٢٢]، ولا تعارض بينهما لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هذا بدليل ما ذكرناه، وقد تقدم (٤) وبقوله ﵇: "إنه ليسمع قرع نعالهم"، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره، وجوابه لهما، وغير ذلك مما لا ينكر (٥). وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب التمهيد والاستذكار من حديث ابن عباس ﵄ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام" (٧)، صححه أبو محمد عبد الحق (٨). وجيَّفوا معناه: أنتنوا (٩).

стр. 404

باب قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا (١)﴾ الآية (٢) مسلم (٣) عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: "نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: الله ربي ونبيي محمد فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. و (٤) في رواية (٥) أنه قول البراء ولم يذكر النبي ﷺ . قلت: وهذا الطريق وإن كان موقوفًا فهو لا يقال من جهة الرأي فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله كما في الرواية الأولى، وكما خرّجه النسائي (٦)، وابن ماجه (٧) في سننهما، والبخاري في صحيحه (٨). وهذا لفظ البخاري: حدثنا جعفر بن عمر قال: حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم يشهد (٩) أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (١٠) فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (١١) (١٢)﴾. وخرَّجه أبو داود (١٣) أيضًا (١٤) في سننه فقال فيه: عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن

стр. 405

لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله (١) تعالى (٢) ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، وقد مضى هذا المعنى في حديث البراء الطويل (٣) مرفوعًا، والحمد لله. وقد روى هذا الخبر أبو هريرة (٤) وابن مسعود (٥) وابن عباس (٦) وأبو سعيد الخدري (٧) ﵃. قال أبو سعيد الخدري كنا في جنازة مع رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك وبيده (٨) مطراق فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول (٩) له (١٠): صدقت فيفتح له باب (١١) إلى النار، فيقول له (١٢): هذا منزلك لو كفرت بربك، وأما الكافر والمنافق فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له (١٣): لا دريت ولا تليت (١٤)، ثم يفتح له باب (١٥) إلى الجنة، فيقول له (١٦): هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ (١٧)

стр. 406

كفرت فإن الله أبدلك (١) به هذا ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين، قال بعض أصحابه (٢): يا رسول الله ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق (٣) إلا هيل (٤) عند ذلك، فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾. فصل (٥) صحَّت الأخبار عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة فلا مطعن فيها ولا معارض لها. وجاء فيما تقدم (٦) من الآثار: أن الكافر يفتن في قبره، ويُسأل ويهان ويعذب. قال أبو محمد عبد الحق (٧): واعلم أن عذاب القبر ليس مختصًا بالكافرين ولا موقوفًا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه بخطيئته (٨) وزللِهِ (٩)، وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر إنما جاءت في الكافر والمنافق. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد (١٠): الآثار الدالة تدل (١١)

стр. 407

على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق، ممن كان في في الدنيا منسوبًا (١) إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، والله أعلم، فيثبت الله الذين آمنوا، ويرتاب المبطلون (٢). قال ابن عبد البر (٣) في حديث زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها"، منهم من يرويه: "تُسأل (٤) في قبورها (٥) "، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون (٦) هذه الأمة خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع عليه، والله أعلم. وقال أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول (٧): وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل واعتزلوا وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالرحمة وأمانًا للخلق فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أمسك عنهم العذاب وأعطي السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ثم يرسخ في قلبه، فأمهلوا فمن هاهنا ظهر أمر النفاق، فكانوا (٨) يسرون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا (٩) بين المسلمين في ستر فلما ماتوا قيّض الله لهم فتاني القبر؛ ليستخرج سرهم بالسؤال؛ وليميز الله الخبيث من الطيب، فيثبت الله (١٠) الثابت في الحياة الدنيا (١١)، ويضل الله الظالمين (١٢).

стр. 408

قال المؤلف: قول أبي محمد بن عبد الحق أصوب، والله أعلم؛ فإن الأحاديث التي (١) ذكرناها قبل، تدل على أن الكافر يسأله الملكان، ويختبرانه بالسؤال، ويضرب بمطارق الحديد (٢) على ما تقدم (٣)، والله أعلم. باب ما ينجي (٤) من أهوال القبر وفتنته وعذابه وذلك خمسة أشياء: رباط، قتل، قول، بطن، زمان. الأول: روى مسلم (٥) عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر، وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله (٦)، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان (٧) ". فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة … " الحديث وقد تقدم (٨)، وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم. وكذلك ما خرجه ابن ماجه (٩) وأبو نعيم (١٠): من أنه يلحق الميت بعد موته فإن ذلك مما ينقطع بنفاده وذهابه كالصدقة بنفادها، والعلم بذهابه، والولد الصالح بموته، والنخل بقطعه، إلى غير ذلك مما ذكر. والرباط يضاعف أجره لصاحبه إلى يوم القيامة لقوله ﷺ : "وإن مات أجري عليه عمله" (١١). وقد جاء مفسرًا مبينًا في كتاب الترمذي (١٢) عن فضالة بن عبيد عن

стр. 409

رسول الله ﷺ قال: "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر"، قال: حديث حسن صحيح. وخرجه أبو داود (١) بمعناه قال (٢): "ويؤمن من فتاني (٣) القبر" فلا (٤) معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فينقطع (٥) بانقطاعه بل هو (٦) فضل دائم من الله سبحانه؛ لأن أعمال البر لا يتمكن منها [إلا] (٧) بالسلامة من العدو والتحرز (٨) منهم بحراسة بيضة الدين، وإقامة شعائر الإسلام. وهذا العمل الذي يُجرى (٩) عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة (١٠). وخرّج (١١) ابن ماجه (١٢) في سننه (١٣) عن أبي هريرة (١٤) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله أجري (١٥) عليه أجر (١٦) عمله الصالح الذي كان يعمله (١٧) وأجري عليه رزقه، وأمن (١٨) من الفتان، وبعثه (١٩) الله القيامة (٢٠) آمنًا من الفزع". وخرَّج أبو نعيم (٢١) الحافظ عن جبير بن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن

стр. 410

الأسود عن العرباض بن سارية ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "كل عمل ينقطع (١) عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي عليه (٢) عمله، ويجرى عليه زرقه إلى يوم الحساب" (٣). وفي حديث أبي هريرة وحديث فضالة (٤) بن عبيد قيد ثان: وهو الموت حالة الرباط، والله أعلم. وروي (٥) عن عثمان عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها". وروي (٦) عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لرباط (٧) يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا، أراه قال: من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله إلى أهله سالمًا لم تكتب عليه سيئة ألف سنة، ويكتب له من الحسنات، ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة". فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطًا، والله أعلم. خرجه (٨) عن محمد بن إسماعيل بن سمرة (٩)، ثنا محمد بن يعلى السلمي، ثنا عمرو بن صبيح عن عبد الرحمن بن عمرو عن مكحول عن أبي بن كعب، فذكره.

стр. 411

مسألة الرباط: الملازمة في سبيل الله ، مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغرٍ مرابطًا فارسًا كان أو راجلًا (١). واللفظة مأخوذة من الربطة (٢)، وقول النبي ﷺ في منتظري الصلاة: "فذلكم الرباط" (٣)، إنما هو تشبُّه (٤) بالرباط في سبيل الله. والرباط اللغوي هو الأول، وهو الذي شخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما. فأما سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويسكنون هناك (٥)، فهم وإن كانوا حماة فليسوا (٦) بمرابطين، قاله علماؤنا، وقد بيناه في كتاب أحكام (٧) القرآن من سورة آل عمران (٨) [والحمد لله] (٩). الثاني: روى النسائي (١٠) عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". وخرج ابن ماجه (١١) في سننه والترمذي (١٢) في جامعه (١٣) عن المقدام بن

стр. 412

معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دُفْعَةٍ (١) ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منه (٢) خير من الدنيا وما فيها، ويزوج بثنتين (٣) وسبعين (٤) زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه"، قال الترمذي (٥) حديث حسن صحيح (٦) غريب. وقال ابن ماجه: "يُغفر له في أول دُفْعةٍ من دمه (٧)، قال (٨): ويحلى حلة الإيمان" بدل: ويوضع على رأسه تاج الوقار، قال ابن ماجه: ثنا هشام بن عمار حدثنا إسماعيل بن عيّاش قال: حدثني بجير بن سعد، وقال الترمذي: وثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا (٩) بقية بن الوليد عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب فذكره (١٠). قال المؤلف: ووقع في جميع نسخ الترمذي وابن ماجه "ست خصال" وهي في متن الحديث سبع، وعلى ما ذكر ابن ماجه: "ويحلى حلة الإيمان" تكون ثمانيًا، وكذا ذكره (١١) أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد بسنده عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله تعالى ثمانية خصال". الثالث: روى الترمذي (١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر (١٣)، فإذا قبر

стр. 413

إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسبه أنه قبر فإذا قبر إنسان (١) يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال النبي ﷺ : "هي المانعة، هي النجية تنجيه (٢) من عذاب القبر" قال: حديث حسن غريب. وخرّج أيضًا (٣) عنه ﷺ : "أن من قرأها كل ليلة جاءت تجادل عن صاحبها". وروي: "أنها هي (٤) المجادلة تجادل عن صاحبها" (٥)، يعني قارئها في القبر. وروي: "أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتان" (٦). وأنبأنا الشيخ الإمام الفقيه (٧) المحدث أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم (٨) الأنصاري القرطبي بثغر الإسكندرية (٩) قال: حدثني الشيخ الصالح الحاج (١٠) أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ابن أخي الشيخ الإمام أبي بكر قال: حدثني الشيخ الشريف أبو محمد يونس بن أبي الحسن بن أبي البركات الهاشمي البغدادي قال: حدثنا أبو الوقت عن الداودي (١١) عن الحموي عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن خزيم الشاشي عن عبد بن حميد

стр. 414

الكشي (١) عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال الرجل: بلى يا ابن عباس رحمك الله، قال: اقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ احفظها، وعلمها أهلك، وجميع ولدك، وصبيان بيتك وجيرانك؛ فإنها المنجية، والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن ربها أن ينجيه (٢) من عذاب النار (٣) إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" (٤). وأخبرناه عاليًا (٥) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (٦) الأنصاري التلمساني بثغر الإسكندرية (٧) عن شيخه الشريف ثنا محمد بن يونس (٨) عن أبي الوقت، وقد تقدم (٩) أن قراءة الرجل (١٠): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في مرض الموت ينجي من ذلك. الرابع: روى ابن ماجه (١١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات مريضًا مات شهيدًا، ووقي فتنة (١٢) القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة".

стр. 415

وخرج النسائي (١): عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن يسار يقول: كنت جالسًا مع سليمان بن صرد، وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلًا مات ببطنه فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا (٢) جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من يقتله بطنه لم (٣) يعذب في قبره". أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤) قال: ثنا شعبة قال: أخبرني جامع بن شداد فذكره وزاد: "فقال الآخر: بلى". الخامس: روى الترمذي (٥) عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو (٦) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر"، قال: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف إنما يروي عن [أبي] (٧) عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف (٨) سماعًا من عبد الله بن عمرو. قلت: قد خرجه أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول (٩) متصلًا عن ربيعة بن سيف الإسكندراني عن عياض بن عقبة الفهري عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي (١٠) ﷺ قال: "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر". وخرجه علي بن معبد عنه أعني عبد الله بن عمرو قال: سمعت

стр. 416

رسول الله ﷺ يقول: "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر". وأخرجه أبو نعيم (١) الحافظ من حديث محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء (٢) "، غريب من حديث جابر، ومحمد، تفرد به عمر بن موسى الوجيه، وهو مدني، فيه لين (٣) عن محمد عن جابر (٤). فصل قلت: اعلم رحمك الله إن هذا الباب لا يعارض ما (٥) تقدم من الأبواب، بل يخصها، ويبين من يسأل في قبره، ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل للعباد (٦) ﷺ وعلى آله وأصحابه (٧) إلى يوم التناد. وقد روى ابن ماجه في سننه (٨) عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الميت في قبره مُثِّلَت (٩) له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسع عينيه ويقول: دعوني أصلي". ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر (١٠)، فلا تعارض، والحمد لله.

стр. 417

فصل قوله ﵇ في الشهيد: "كفى (١) ببارقة السيوف على رأسه فتنة" معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف فروا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسًا، وهيجان حمية الله (٢)، والتعصب له (٣) لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الترمذي الحكيم (٤). قلت: وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصدِّيق أجل خطرًا، وأعظم أجرًا، فهو (٥) أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء قوله (٦): ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ [مَعَ] (٧) الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ (٨)﴾ [النساء: ٦٩]. وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهداء (٩) لا (١٠) يفتن، فكيف بمن هو أعلى (١١) منه ومن الشهيد (١٢)، فتأمله. فصل قوله ﷺ : "من مات مريضًا مات شهيدًا" عام (١٣) في جميع المرض (١٤)،

стр. 418

لكن قيده قوله في الحديث الآخر: "من يقتله بطنه" وفيه قولان: أحدهما: أنه [الذي] (١) يصيبه الذَرَبُ وهو: الإسهال، تقول العرب: أخذه البطن إذا أصابه الداء، وذَرِبَ الجرح إذا لم يقبل الدواء (٢)، وذَرِبَت معدته: فسدت. الثاني: أنه الاستسقاء (٣)، وهو أظهر القولين فيه؛ لأن العرب تنسب موته إلى بطنه تقول: قتله بطنه يعنون: الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلَّ أن يموت إلا بالذرب، فكأنه قد جمع الوصفين وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين موته، ومثل ذلك صاحب السل، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحال من يموت فجأة، أو من يموت بالسام والبرسام (٤)، والحميات المطبقة و (٥) القولنج أو الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الآلام (٦)، ولورم أدمغتهم، ولفساد أمزجتها، وإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف بالله (٧)، والله أعلم. باب منه (٨) أبو نعيم (٩) قال: ثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ابن سعيد قال: حدثنا محمد بن حرب الواسطي قال: ثنا نصر بن حماد قال: ثنا همام قال:

стр. 419

ثنا محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف قال: سمعت خيثمة بن عبد الرحمن يحدث عن ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من وافق موته عند انقضاء رمضان دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء عرفة دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء صدقته دخل الجنة"، غريب من حديث طلحة لم نكتبه إلا من حديث نصر عن همام. باب ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي البخاري (١) ومسلم (٢) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى (٣) يوم القيامة". فصل قوله: "عرض عليه مقعده"، ويروى: "عُرض على مقعده". قال علماؤنا (٤): وهذا (٥) ضرب من العذاب كثير (٦)، وعندنا المثال في الدنيا، وذلك كمن عرض عليه القتل أو غيره من آلات العذاب، أو من يهدد به من غير أن يري الآلة (٧)، ونعوذ بالله من عذابه وعقابه بكرمه ورحمته. وجاء في التنزيل في حق الكافرين: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، فأخبر تعالى أن الكافرين يعرضون على النار كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان بالخبر الصحيح في ذلك، وهل كل مؤمن يعرض على الجنان (٨)، فقيل ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان ومن أراد الله إنجاءه من النيران (٩).

стр. 420

وأما من أنفذ الله عليه وعيده من المخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فله مقعدان يراهما جميعًا كما أنه يري عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد، قبيحًا وحسنًا. وقد يحتمل بأن (١) يراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف ما كان، والله أعلم. ثم قيل: هذا العرض إنما هو على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد فيرد (٢) إليه الروح كما ترد عند المسألة (٣) حين يقعده (٤) الملكان ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، وكيف ما كان فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد. وقد ضرب بعض (٥) العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم فإن روحه تنعم أو تعذب (٦)، والجسد لا يحس بشيء من ذلك. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أرواح آل فرعون في أجواف طيور (٧) سود يعرضون على النار كل يوم مرتين يقال لهم: هذه داركم، فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. وعنه أيضًا: أن أرواحهم في جوف طيور (٨) سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها (٩). وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن ميسرة يقول: كان

стр. 421

أبو هريرة ﵁ إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار (١)، وإذا أمسى قال (٢): أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أبا هريرة أحدٌ إلا تعوذ بالله من النار (٣) وقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود (٤). والغداة والعشي: إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه لا لهم، إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]. قلنا: الجواب عنهما واحد، وسيأتي (٥) له مزيد بيان في وصف الجنان إن شاء الله تعالى. باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: "هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة"، وهذه (٦) حالة مختصة بغير الشهداء. وفي صحيح مسلم (٧) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٨)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فقال: أما إنا قد سألنا ذلك فقال: "أرواحهم (٩) في جوف طير (١٠) خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء،

стр. 422

ففعل ذلك (١) بهم (٢) ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في (٣) أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكُوا". فصل قلت: وهنا اعتراضات خمس: الأول: إن قيل ما قولكم في الحديث الذي ذكرقم: "ما أحد من يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام" (٤). قلنا: هو عموم يخصه ما ذكرنا، فهو محمول على غير الشهداء (٥). الثاني: فإن قيل: فقد روى مالك (٦) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن رسول الله ﷺ (٧) قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه (٨) ". قلنا: قال أهل اللغة (٩): تعلُق: بضم اللام: تأكل، يقال: علُقت، تعلُق علُوقًا. ويروي (١٠): تعلَق بفتح اللام (١١) وهو الأكثر، ومعناه: تسرح، وهذه

стр. 423

حالة الشهداء لا غيرهم بدليل الحديث المتقدم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولا يرزق إلا حي فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا الشهيد في سبيل الله بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (١)، وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف، إنما يملأ عليه قبره خضرًا، ويفسح له فيه. وقوله: "نسمة المؤمن "، أي روح المؤمن الشهيد، يدل عليه قوله في نفس الحديث: "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة". الثالث: فإن قيل: فقد جاء أن الأرواح تتلاقى في السماء، والجنة في السماء (٢) يدل عليه قوله ﵇: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء" (٣) و (٤) في رواية: "أبواب الجنة" (٥). قلنا: لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة، بل (٦) أرواح المؤمنين غير الشهداء، تارة تكون في الأرض على أفنية القبور، وتارة (٧) في السماء لا في الجنة. وقد قيل: إنها تزور قبورها كل جمعة على الدوام، ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ويكره السبت (٨) فيما ذكره (٩) العلماء (١٠)، والله أعلم.

стр. 424

قال ابن العربي (١): وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذب، أو تنعم، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي"؛ لأن عرض مقعده عليه ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذبون في قبورهم، وكذلك حديث اليهود. قلت: ويحتمل (٢) ما ذكرناه (٣)، والله أعلم أن يكون قوله ﵇: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا" وروحه في قبره (٤) إلا عرفه ورد عليه¬ السلام حتى لا تتناقض الأخبار، والله المستعان (٥). الرابع: فإن قيل: فقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دَين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه" (٦)، وهذا يدل: على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين (٧) القتل، ولا تكون أرواحهم في جوف طير (٨)، ولا تكون في قبورهم، فأين تكون؟ قلنا: قد خرّج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "الشهداء على بارق نهر (٩) بباب الجنة، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا" (١٠)، فلعلهم هؤلاء، أو من منعه من دخول الجنة حقوق

стр. 425

الآدميين؛ إذ الدَّين ليس مختصًا بالمال على ما يأتي (١)، ولهذا قال علماؤنا (٢): أحوال الشهداء طبقات (٣) مختلفة، ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم (٤) قوله ﷺ : "من مات مريضًا مات شهيدًا، وغدي وريح عليه (٥) برزقه من الجنة". وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال، وسيأتي كم الشهداء (٦)؟ إن شاء الله تعالى. الخامس: فإن قيل فقد روى ابن ماجه (٧) عن أبي أمامة ﵁ أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لشهيد (٨) البحر مثل شهيد (٩) البر، والمائد (١٠) في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها (١١) والدين". قلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة و (١٢) عسر ومات ولم يترك وفاءً للدين فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدًا كان أو غيره؛ لأن على السلطان فرضًا (١٣) أن يؤدي عنه دينه (١٤) قال ﷺ : "من ترك
следующие страницы →