← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أبو هريرة ﵁ إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار (١)، وإذا أمسى قال (٢): أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أبا هريرة أحدٌ إلا تعوذ بالله من النار (٣) وقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود (٤). والغداة والعشي: إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه لا لهم، إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]. قلنا: الجواب عنهما واحد، وسيأتي (٥) له مزيد بيان في وصف الجنان إن شاء الله تعالى. باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: "هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة"، وهذه (٦) حالة مختصة بغير الشهداء. وفي صحيح مسلم (٧) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٨)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فقال: أما إنا قد سألنا ذلك فقال: "أرواحهم (٩) في جوف طير (١٠) خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء،

стр. 422

ففعل ذلك (١) بهم (٢) ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في (٣) أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكُوا". فصل قلت: وهنا اعتراضات خمس: الأول: إن قيل ما قولكم في الحديث الذي ذكرقم: "ما أحد من يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام" (٤). قلنا: هو عموم يخصه ما ذكرنا، فهو محمول على غير الشهداء (٥). الثاني: فإن قيل: فقد روى مالك (٦) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن رسول الله ﷺ (٧) قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه (٨) ". قلنا: قال أهل اللغة (٩): تعلُق: بضم اللام: تأكل، يقال: علُقت، تعلُق علُوقًا. ويروي (١٠): تعلَق بفتح اللام (١١) وهو الأكثر، ومعناه: تسرح، وهذه

стр. 423

حالة الشهداء لا غيرهم بدليل الحديث المتقدم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولا يرزق إلا حي فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا الشهيد في سبيل الله بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (١)، وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف، إنما يملأ عليه قبره خضرًا، ويفسح له فيه. وقوله: "نسمة المؤمن "، أي روح المؤمن الشهيد، يدل عليه قوله في نفس الحديث: "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة". الثالث: فإن قيل: فقد جاء أن الأرواح تتلاقى في السماء، والجنة في السماء (٢) يدل عليه قوله ﵇: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء" (٣) و (٤) في رواية: "أبواب الجنة" (٥). قلنا: لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة، بل (٦) أرواح المؤمنين غير الشهداء، تارة تكون في الأرض على أفنية القبور، وتارة (٧) في السماء لا في الجنة. وقد قيل: إنها تزور قبورها كل جمعة على الدوام، ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ويكره السبت (٨) فيما ذكره (٩) العلماء (١٠)، والله أعلم.

стр. 424

قال ابن العربي (١): وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذب، أو تنعم، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي"؛ لأن عرض مقعده عليه ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذبون في قبورهم، وكذلك حديث اليهود. قلت: ويحتمل (٢) ما ذكرناه (٣)، والله أعلم أن يكون قوله ﵇: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا" وروحه في قبره (٤) إلا عرفه ورد عليه¬ السلام حتى لا تتناقض الأخبار، والله المستعان (٥). الرابع: فإن قيل: فقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دَين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه" (٦)، وهذا يدل: على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين (٧) القتل، ولا تكون أرواحهم في جوف طير (٨)، ولا تكون في قبورهم، فأين تكون؟ قلنا: قد خرّج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "الشهداء على بارق نهر (٩) بباب الجنة، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا" (١٠)، فلعلهم هؤلاء، أو من منعه من دخول الجنة حقوق

стр. 425

الآدميين؛ إذ الدَّين ليس مختصًا بالمال على ما يأتي (١)، ولهذا قال علماؤنا (٢): أحوال الشهداء طبقات (٣) مختلفة، ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم (٤) قوله ﷺ : "من مات مريضًا مات شهيدًا، وغدي وريح عليه (٥) برزقه من الجنة". وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال، وسيأتي كم الشهداء (٦)؟ إن شاء الله تعالى. الخامس: فإن قيل فقد روى ابن ماجه (٧) عن أبي أمامة ﵁ أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لشهيد (٨) البحر مثل شهيد (٩) البر، والمائد (١٠) في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها (١١) والدين". قلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة و (١٢) عسر ومات ولم يترك وفاءً للدين فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدًا كان أو غيره؛ لأن على السلطان فرضًا (١٣) أن يؤدي عنه دينه (١٤) قال ﷺ : "من ترك

стр. 426

دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالًا فلورثته، فإن لم يؤد عنه السلطان فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضي خصمه" (١). وقد روى (٢) ابن ماجه (٣) (٤) عن عبد الله بن عمرو (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدين يقتص أو مقتص (٦) من صاحبه يوم القيامة إذا مات إلا من تدين في ثلاث خلال: الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين يتقوى (٧) به لعدو الله وعدوه، ورجل يموت عنده (٨) مسلم (٩) لا يجد ما يكفنه فيه (١٠) ويواريه إلا بدين، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه، فإن الله يقضي عن هؤلاء (١١) يوم القيامة". وأما من أدان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه، أو ترك له وفاءً ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يوفه، فهذا الذي يحبس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالسيئات والحسنات (١٢) على ما يأتي (١٣). فيحتمل أن يكون قوله ﵇ في شهيد البحر عامًا (١٤) في الجميع، وهو (١٥) الأظهر؛ لأنه لم يفرق بين (١٦) دَيْنٍ ودَيْن.

стр. 427

ويحتمل أن يكون فيمن ادّان ولم يفرط في الأداء وكان عزمه ونيته الأداء لا إتلاف المال على صاحبه والله أعلم (١)، وقد قال رسول الله ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" خرجه البخاري (٢). على أن حديث أبي أمامة في إسناده لين، وأعلى منه إسنادًا وأقوى ما رواه مسلم (٣) عن عبد الله بن عمرو (٤) ﵄ أن النبي ﷺ قال: "القتله (٥) في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدَّين"، ولم يخص برًا من بحر. وكذا (٦) ما رواه أبو قتادة (٧) ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله أيُكفّر (٨) عني (٩) خطاياي؟ فقال [له] (١٠) رسول الله ﷺ : "نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ : كيف قلت؟ فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدَّين فإن جبريل قال لي ذلك" (١١). وخرج أبو نعيم (١٢) الحافظ بإسناده عن قاضي المصريين شريح بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت

стр. 428

أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقًا وإما حرقًا، فيقول الله : أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة"، رواه من طرق. وقال يزيد بن هارون في حديثه: "فيدعو الله بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل". غريب من حديث شريح تفرد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني (١). قلت: هذا نص في (٢) قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد، والحمد لله الموفق للسداد والمبين على لسان رسوله (٣) ﷺ ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد. وقد قال بعض العلماء: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها جنة المأوى لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش فيتمتعون (٤) بنعيمها، ويتنسمون بطيب ريحها (٥)، وهي تسرح في الجنة (٦)، وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش، وما ذكرناه [أولًا] (٧) أصح، والله أعلم. وقد روى ابن المبارك (٨) قال: حدثنا (٩) ثور بن يزيد عن خالد بن معدان

стр. 429

قال: حدث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون يرزقون من الجنة. أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (١) فقلت: أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون؟ قال: ما تقولون أنتم يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري، قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش، وأرواح الكافرين في الأرض السابعة، وذكر الحديث (٢). قلت: فهذه حجة من قال: إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة، والله أعلم، على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم، والله أعلم، فيكون المعنى: أرواح المؤمنين الشهداء، وكذا "فقلت: أخبرني عن أرواح المسلمين الشهداء" (٣)، والله أعلم. فصل وقع في حديث ابن مسعود: "أرواحهم في جوف طير خضر"، وفي حديث مالك: "نسمة المؤمن طائر". وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق (٤) قال: سئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن عن أرواح الشهداء فقال: "أرواح الشهداء عند الله كطير (٥) خضر في قناديل تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها" وذكر الحديث (٦).

стр. 430

وروى ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر (١). وروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أرواح الشهداء طير خضر تعلق في شجر الجنة" (٢). وهذا كله مطابق لحديث مالك، فهو أصح من رواية من روى: "إن أرواحهم في جوف طير خضر"، قاله: أبو عمر في الاستذكار (٣). وقال أبو الحسن القابسي: أنكر العلماء قول من قال: "في حواصل طير" لأنها رواية غير صحيحة؛ لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق (٤) عليها. قلت: الرواية صحيحة (٥)؛ لأنها في صحيح مسلم بنقل العدل عن العدل، فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى: على، فيكون المعنى أرواحهم على جوف (٦) طير خضر كما قال تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي على جذوع النخل. وجائز أن يسمى الظهر (٧) جوفًا إذ هو محيط به ومشتمل عليه. قاله (٨) أبو محمد عبد الحق (٩)، وهو حسن جدًّا. وذكر شبيب بن إبراهيم (١٠) في كتاب الإفصاح (١١): المنعم على

стр. 431

جهات (١) مختلفة منها ما هو طائر يعلق (٢) من (٣) شجر الجنة، ومنها ما هو في حواصل خضر، ومنها ما يأوي إلى (٤) قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما [هو] (٥) في أشخاص وصور (٦) من صور الجنة، ومنها ما هو في صور (٧) تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين، وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو (٨) في كفالة إبراهيم ﵇ وهذا قول حسن فإنه يجمعا الأخبار حتى لا تتدافع، والله أعلم وبغيبه أحكم (٩). باب كم الشهداء؟ ولم سمي شهيدًا؟ ومعنى الشهادة؟ خرّج الآجري (١٠) وغيره عن أبي مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فصل (١١) في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته (١٢) هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه (١٣) شهيد وأن له الجنة" (١٤).

стр. 432

وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (١) بمعناه عن عبد الله بن عتيك ﵁ عن النبي (٢) ﷺ . الترمذي (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الشهداء خمسة (٤): المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله "، وقال: حديث حسن صحيح. النسائي (٥) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعة (٦) سوى القتل في سبيل الله، المطعون، والمبطون، والغرق، والحَرِق، وصاحب ذات الجنب، والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع". قيل: هي التي تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه، وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة سواء ألقت ولدها وماتت (٧) أو ماتت وهو في بطنها، وقيل: التي تموت بكرًا لم يمسها الرجال (٨)، وقيل: التي تموت قبل أن تحيض وتطمث فهذه قولان (٩)، لكل قول وجهان. وفي جمع لغتان: ضم الجيم وكسرها. وفي بعض (١٠) الآثار: "المجنوب شهيد" (١١)، يريد: صاحب ذات

стр. 433

الجنب، يقال منه (١): رجل جنب بكسر النون وفتح الجيم إذا كانت به ذات الجنب وهي: الشوصة (٢). وفي كتاب الترمذي (٣) وأبي داود (٤) والنسائي (٥) عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٦): "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد (٧)، ومن قتل دون أهله فهو شهيد (٨) "، قال الترمذي: حديث (٩) حسن صحيح. وروى النسائي (١٠) من حديث سويد بن مقرن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل دون مظلمة (١١) فهو شهيد". وروى ابن ماجه (١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "موت غربة شهادة". وأخرجه الدارقطني (١٣) ولفظه: "موت الغريب شهادة"

стр. 434

وذكره [٥] (١) أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ وصححه. وخرَّجه أبو بكر الخرائطي من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات غريبًا مات شهيدًا" (٢). وأخرجه (٣) أيضًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات غريبًا مات شهيدًا (٤) ". وقد تقدم (٥) قوله ﵇: "من مات مريضًا مات شهيدًا". وروى الترمذي (٦) عن معقل بن يسار ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكَّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه

стр. 435

حتى يمسي، وإن مات في يومه مات شهيدًا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك" قال: حديث حسن غريب. وذكر الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ آخر سورة الحشر إلى آخرها ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] فمات من ليلته مات شهيدًا". وخرَّج الآجري (١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس إن استطعت أن تكون أبدًا على وضوء فافعل، فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة" (٢). وروى الشعبي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك (٣) الوتر في حضر ولا سفر كتب له أجر شهيد"، ذكره أبو نعيم (٤). وروي من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا" (٥). وبعضهم يقول: ليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة واحدة، ذكره أبو عمر في كتاب بيان العلم (٦).

стр. 436

وخرج مسلم (١) من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب الشهادة صادقًا أعطيها و [لو] (٢) لم تصبه". وعن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: "من سأل الله الشهادة (٣) بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (٤). وخرج الترمذي (٥) الحكيم من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من أحد إلا وله كرائم من ماله يأبى لهم الذبح، وإن لله خلقًا من خلقه يأبى لهم الذبح أقوام يجعل موتهم على فرشهم (٦)، ويقسم لهم أجور (٧) الشهداء". فصل الشهداء: جمع الشاهد، والشهيد (٨): القتيل في سبيل الله، كذا قال أهل اللغة، الجوهري (٩) وغيره (١٠). وسمي بذلك؛ لأنه مشهود له بالجنة، فالشهيد بمعنى مشهود له فعيل بمعنى مفعول. وقال ابن فارس اللغوي في المجمل (١١): الشهيد (١٢): القتيل في سبيل الله. قالوا: لأن ملائكة الله تشهده.

стр. 437

وقيل: سمي شهيدًا لأن أرواحهم أحضرت دار السلام (١) لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة. فالشهيد بمعنى: الشاهد (٢)، أي الحاضر إلى الجنة (٣). [وقيل: سمي بذلك لسقوطه بالأرض، والأرض الشاهدة] (٤). وقيل: سمي بذلك لشهادته على نفسه حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه في قوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، واتصلت شهادة الشهيد الحق بشهادة العبد، فسماه شهيدًا (٥)، ولذلك قال ﵇: "والله أعلم بمن يكْلَم في سبيله" (٦). وقال في شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" (٧) لبذلهم أنفسهم دونه، وقتلهم بين يديه تصديقًا لما جاء به ﷺ . هذا الكلام في الشهيد (٨). فأما الشهادة فصفة يسمى (٩) حاملها بالشاهد ويبالغ بشهيد. للشهادة (١٠) ثلاثة شروط لا تتم إلا بتمامها وهي: الحضور والوعي والأداء. أما الحضور فهو: شهود الشاهد للمشهود (١١). والوعي: رم (١٢) ما شاهده، وعلمه في شهوده ذلك.

стр. 438

والأداء هو: الإتيان بالشهادة على وجهها في موضع الحاجة إلى ذلك، هذا معنى الشهادة. والشهادة على الكمال إنما هي لله سبحانه، وأن جميع الشاهدين سواه يؤدون شهادتهم (١) عنده، قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]، والشهداء هم العدول، وأهل العدالة في الدنيا والآخرة، وهم القائمون بما وجب للحق سبحانه عليهم (٢) في الدنيا. باب روى النسائي (٣) عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون زمن الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا : انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم" (٤). وروت عائشة ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن فناء أمتي بالطعن والطاعون، قالت: أما الطعن فقد عرفناه فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في المَرَاق (٥) والآباط، من (٦) مات منها مات شهيدًا" (٧)، أخرجه أبو عمر

стр. 439

في التمهيد (١) والاستذكار (٢). باب ما جاء أن الإنسان يبلى ويأكله التراب إلا عجب الذنب مسلم (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد (٥) وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة" (٦). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب" (٧). فصل يقال: عجم وعجب بالباء والميم، لغتان، وهو جزء لطيف في أصل الصلب. وقيل: هو رأس العصعص كما رواه ابن أبي داود (٨) في كتاب البعث (٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قيل: "يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل وهو منه ينشرون (١٠) " (١١).

стр. 440

وقوله: (منه خلق، وفيه يركب) أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة (١) أخرى. باب لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء (٢) ولا الشهداء وأنهم أحياء قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولذلك لا يغسلون ولا يصلى عليهم، ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة في شهداء أحد وغيرهم، ليس هذا موضع ذكرها. مالك (٣) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين (٤) كانا قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا (٥) في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما (٦) ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر (٧) عنهما ست وأربعون سنة". قال أبو عمر (٨): هذا الحديث لم يختلف عن مالك في انقطاعه وهو حديث متصل من وجوه صحاح عن جابر. قال المؤلف ﵁: وهكذا حكم من تقدمنا من الأمم الأمم ممن (٩) قتل شهيدًا في سبيل الله، أو قتل على الحق كأنبيائهم.

стр. 441

وفي الترمذي (١) في قصة أصحاب الأخدود: "وأن الغلام الذي قتله الملك دفن قال: فيذكر أنه أخرج في زمن (٢) عمر بن الخطاب ﵁ وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل، قال: حديث حسن غريب. وقصة الأخدود مخرجة في صحيح مسلم (٣)، وكانوا بنجران في الفترة ما بين (٤) عيسى ومحمد ﷺ ، وقد ذكرناها مستوفاة (٥) في كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان (٦)، وروى نقلة الأخبار (٧) أن معاوية ﵁ لما أجرى العين التي استنبطها بالمدينة في وسط المقبرة، وأمر الناس بتحويل موتاهم وذلك في أيام خلافته، وبعد الجماعة بأعوام وذلك بعد أحدٍ بنحو من خمسين سنة فوجدوا على حالهم حتى أن الكل رأوا المسحاة أصابت قدم حمزة بن عبد المطلب ﵁ فسال منه الدم، وأن جابر بن عبد بن حرام أخرج أباه الله عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس، وهذا أشهر في الشهداء من أن يحتاج فيه إلى إكثار. وقد روى كافة أهل المدينة أن جدار قبر النبي ﷺ لما انهدم أيام خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة بدت لهم قدم فخافوا أن تكون قدم رسول الله ﷺ فجزع الناس حتى روى لهم سعيد بن المسيب: "أن جثث الأنبياء لا تقيم (٨) في الأرض أكثر من أربعين يومًا ثم ترفع (٩)، وجاء سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ فعرف أنها قدم جده عمر ﵁ وكان ﵀ قُتل شهيدًا.

стр. 442

وروي عن النبي ﷺ : "المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه وإن مات لم يدود (١) في قبره" (٢)، فظاهر (٣) هذا أن المؤذن المحتسب لا تأكله الأرض أيضًا. وخرّج أو داود (٤) وابن ماجه (٥) في سننهما عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! قال: يقولون: بليت، فقال: إن الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء ﵇ لفظ أبي داود، وقال ابن العربي: حديث حسن (٦). قلت: صححه غيره، وسيأتي (٧)، وخرّجه أبو بكر البزار (٨) عن شداد بن أوس، واتفقوا في السند عن حسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني فقالا عن أوس بن أوس (٩) وعن شداد بن أوس، وقال البزار: ولا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ إلا شداد بن أوس، ولا نعلم له طريقًا غير هذا الطريق عن شداد (١٠)، ولا رواه إلا حسين بن علي الجعفي.

стр. 443

وقال أبو محمد عبد الحق (١): ويقال إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله (٢) البخاري (٣) وأبو حاتم (٤) [وهو] (٥) منكر الحديث ضعيفه. قلت: قد خرّجه ابن ماجه (٦) من غير هذا الطريق فقال: حدثنا عمرو بن سواد المصري حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو (٧) بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا عليّ الصلاة (٨) يوم الجمعة فإنه مشهود (٩) تشهده الملائكة، وأن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها، قال: قلت: وبعد الموت؟! قال: وبعد الموت (١٠)، إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". فنبي الله (١١) حيٌّ (١٢) يُرزق ﷺ رواه أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار (١٣) من حديث سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء عن أبي الدرداء. قال أبو محمد عبد الحق (١٤): وزيد بن أيمن لا أعلم روى عنه إلا سعيد بن أبي (١٥) هلال قال المؤلف: قال البخاري في التاريخ (١٦): زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء مرسل، روى عنه سعيد بن أبي هلال.

стр. 444

باب ما جاء (١) في (٢) انقراض هذا الخلق وذكر النفخ والصعق وكم بين النفختين وذكر بعث البشر والنار مسلم (٣) عن عبد الله بن عمرو (٤) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري [أربعين] (٥) يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم ﵇ كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل (٦) لدخلته عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقول (٧): ألا تستجيبون (٨)؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك: دارٌّ رزقُهم، حسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، قال (٩): فأول (١٠) من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال (١١): فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال (١٢) ينزل الله مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى (١٣): ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ثم يقال: يا أيها (١٤) الناس هلموا إلى ربكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل

стр. 445

ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك (١) يوم ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وذلك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون"، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعين (٣) شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعين (٤) عامًا؟ قال: أبيت، ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا و (٥) يبلي إلا عظمًا واحدًا". في رواية: "لا تأكله الأرض أبدًا" (٦) وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، وعند (٧) ابن وهب في هذا الحديث: فأربعون حقبة (٨)؟ قال: أبيت. وإسناده منقطع. فصل هذان الحديثان مع صحتهما في غاية البيان فيما ذكرناه، ونزيدهما أيضًا بيانًا في أبواب، ويأتي (٩) ذكر الدجال مستوعبًا في الأشراط إن شاء الله، و "أصغى" معناه: أمال، "ليتًا" يعني: صفحة العنق، و "يلوط" معناه: يطين ويصلح، وقول أبي هريرة ﵁: أبيت، فيه تأويلان: الأول: أبيت أي امتنعت من بيان ذلك وتفسيره، وعلى هذا كان عنده علم من ذلك و (١٠) سمعه من رسول الله ﷺ .

стр. 446

الثاني: أبيت، أي أبيت (١) أن أسأل عن ذلك رسول الله (٢) ﷺ ، وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك. والأول أظهر والله أعلم، وإنما لم يبينه؛ لأنه لم يرهق (٣) إلى ذلك (٤) حاجة؛ ولأنه ليس من البينات والهدى الذي أمر بتبليغه. وفي البخاري (٥) عنه أنه قال: حفظت وعاءين من علم (٦) الساعة (٧): فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني (٨) هذا البلعوم. قال أبو عبد الله (٩): البلعوم مجرى الطعام. وقد جاء أن بين النفختين أربعين (١٠) عامًا، والله أعلم، وسيأتي (١١). وذكر هنّاد بن السري (١٢) قال (١٣): حدثنا وكيع عن سفيان عن السدي سألت سعيد بن جُبير عن هذه الآية: ﴿[لَهُ] (١٤) مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: ٦٤] فلم يجبني، فسمعنا أنه ما بين النفختين. ثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن أبي العالية: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال: ما بين النفختين.

стр. 447

باب في قول الله (١) تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] صعق: مات. روى الأئمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال: تقول هذا وفينا رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾، فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله، ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب، [لفظ] (٢) ابن ماجه (٣) أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر، وأخرجه الترمذي (٤) عن أبي كريب محمد بن العلاء قال: حدثنا عبدة بن سليمان جميعًا عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وخرّجه (٥) مسلم (٦) والبخاري (٧) بمعناه. فصل واختلف العلماء في المستثنى من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء واختاره الحَلِيمي (٨) قال: وهو مروي عن ابن عباس (٩) ﵁ أن

стр. 448

الاستثناء لأجل الشهداء فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وضعّفَ غيره من الأقوال (١) على ما يأتي (٢). وقال شيخنا أبو العباس: (٣) والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح (٤) والكل محتمل (٥). قلت: وقد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح على ما يأتي (٦). وأسند أبو جعفر (٧) النحاس (٨) في كتاب معاني القرآن له (٩)، و (١٠) حدثنا الحسين بن عمر الكوفي قال: حدثنا هنّاد بن السري (١١) قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن حجر الهجري عن سعيد بن جُبير في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] هم (١٢) الشهداء هم ثنية الله (١٣) [متقلدو] (١٤) السيوف حول العرش (١٥).

стр. 449

وقال الحسن (١): استثنى طوائف من أهل (٢) السماء يموتون بين النفختين (٣). قال يحيى بن سلام (٤) في تفسيره (٥): بلغني أن آخر من يبقى منهم جبريل وميكاييل وإسرافيل وملك الموت ﵈، ثم يموت جبريل وميكاييل وإسرافيل، ثم يقول الله لملك الموت مت، فيموت. وقد جاء هذا مرفوعًا من (٦) حديث أبي هريرة الطويل على ما يأتي (٧). وقيل هم: حملة العرش وجبريل وميكاييل وملك الموت. قال الحليمي (٨): من زعم أن الاستثناء لأجل حملة العرش، أو جبريل وميكاييل وملك الموت (٩)، أو زعم أنه لأجل الولدان والحور العين في الجنة، أو زعم أنه لأجل موسى فإن النبي ﷺ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق (١٠) بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله " (١١)، فإنه لا يصح شيء منها، أما الأول: فلأن (١٢) حملة العرش وجبريل ومكاييل ليسوا من سكان السماوات

стр. 450

ولا (١) الأرض لأن (٢) العرش فوق السماوات كلها فكيف تكون حملته في السماوات، وأما جبريل وميكاييل وملك الموت فمن (٣) الصافين المسبحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السماوات لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات، وكذلك القول الثاني؛ لأن الولدان والحور في الجنة، والجنان وإن كانت (٤) بعضها أرفع من بعض وأن (٥) جميعها (٦) فوق السموات ودون العرش وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء (٧) فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء. وصرفه إلى موسى ﵇ فلا وجه له؛ لأنه قد مات بالحقيقة فلا يموت عن نفخ الصور ثانية، ولهذا (٨) لم يعتد في ذكر اختلاف المتأولين في الاستثناء بقول من قال: إلا من شاء الله، أي الذين سبق موتهم قبل نفخ الصور؛ لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله فيها فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بغرض أن يصعقوا فلا وجه لاستثنائهم، وهذا في موسى ﵇ موجود فلا وجه لاستثنائه، وقال النبي ﷺ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى وهو أن قال: "الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور" (٩)، فظاهر هذا الحديث أن هذه صعقةُ غشي تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور [فإن حُمِلَ الحديث عليهما فذاك وإن حُمِلَ على صعقة الموت عند نفخ

стр. 451

الصور] (١) وصُرِفَ ذكر القيامة (٢) إلى أنه أراد أوائله (٣). قيل: إن (٤) المعنى أن الصور إذا نُفخ فيه أخرى كنت أول من يرفع رأسه فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور، أي فلا أدري أبعثه قبلي كان (٥) وهبًا له وتفضيلًا من هذا الوجه كما فُضِّلَ في الدنيا بالتكليم، أو كان جزاء بصعقه الطور، أي قد بعثه (٦) على بعث الأنبياء الآخرين بقدر صعقه (٧) عندما تجلى ربه للجبل إلى أن أفاق ليكون هذا جزاء له بها، وما عداها (٨) فلا يثبت (٩) (١٠).

стр. 452

وقال شيخنا أحمد بن عمر (١): وظاهر حديث رسول الله (٢) ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية: نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قال بعض العلماء (٣): يحتمل أن يكون موسى ﵇ ممن لم يمت من الأنبياء وهذا باطل بما تقدم ذكره من موته (٤). وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزعٍ بعد النشر حين تنشق السموات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآيات (٥). قال شيخنا أبو العباس (٦): وهذا (٧) يرده ما جاء في الحديث أنه ﵇ حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث. قال شخينا أحمد بن عمر (٨): والذي يزيح هذا الإشكال إن شاء الله تعالى: أن يقال (٩) إن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك (١٠) أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا (١١) في

стр. 453

الشهداء كان الأنبياء (١) بذلك أحق وأولى أنه قد صح عن النبي ﷺ : "أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء" (٢)، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصًا بموسى ﵇، وقد أخبرنا ﷺ بما يقتضي أن الله ﵎ يرد عليه روحه حتى يرد السلام على (٣) كل من يسلم عليه (٤) إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غُيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء (٥)، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه [الله] (٦) بكرامة (٧) من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق؛ ولذلك قال (٨) ﷺ في صحيح مسلم (٩) والبخاري (١٠): "فأكون أول من يفيق"، وهي رواية صحيحة وحسنة، فنبينا ﷺ أول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى فإنه حصل له فيه تردد هل بُعث قبله من (١١) غشيته

стр. 454

أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقًا لأنه حوسب بغشية الطور، وهذه فضيلة عظيمة في حق موسى ﵇ (١). ولا يلزم من ثبوت فضيلة أحد الأمرين المشكوك فيهما أفضلية موسى ﵇ على محمد ﷺ مطلقًا؛ لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرًا كليًا، والله أعلم. قال المؤلف ﵁: ما اختاره شيخنا هو ما ذكره الحليمي (٢) واختاره في قوله، فإن حمل عليها الحديث فذاك، قال الحليمي (٣): وأما الملائكة الذين ذكرناهم صلوات الله وسلامه عليهم فإنا لم ننف عنهم الموت ولا أحلناه، وإنما أبينا أن يكونوا هم المرادين بالاستثناء من الوجه الذي ذكرناه، ثم قد وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يميت آخر من يميت جبريل ويحييه مكانه ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم، وأما أهل الجنة فلم (٤) يأت عنهم خبر، والأظهر (٥) أنها دار الخلد فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا مع كونه قابلًا للموت، فالذي خُلِقَ (٦) فيها أولى أن لا يموت فيها أبدًا؛ وأيضًا فإن الموت لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفًا، فإن أعفوا عن الموت كما أعفوا عن التكليف لم يكن بعيدًا، فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وهو يدل على أن (٧) الجنة نفسها تفنى، ثم تعاد ليوم الجزاء فما أنكرتم أن يكون الولدان والحور يُماتون (٨) ثم يُحيون؟ قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: ما من (٩) شيء

стр. 455

إلا وهو قابل للهلاك فيهلك إن أراد الله به ذلك إلا وجهه أي إلا هو (١) سبحانه فإنه تعالى قديم والقديم لا يمكن أن يفنى وما عداه مُحْدَث، والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدِثه، فإذا حبس البقاء عنه فني، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا عليل (٢) أنه يهلك العرش فلتكن الجنة مثله (٣). فصل قوله ﷺ في الحديث: "ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، للعلماء فيه تأويلان (٤)، أحسنها وأجملها ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي قال: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أنه سئل هل الباري في جهة فقال: لا، هو متعال (٥) عن ذلك، قيل له: و (٦) ما الدليل عليه؟ قال الدليل عليه قول النبي ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى"، فقيل له: و (٧) ما وجه الدليل من هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينًا، فقام رجلان (٨) فقالا: هي علينا، فقال: لا يتبع بها اثنين؛ لأنه يشق عليه، فقال واحد هي عليّ، فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كما أخبر الله، ولم يكن

стр. 456

محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقي به صعدًا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر (١). المؤلف: فالله سبحانه قريب من عباده يسمع دعاءهم ولا يخفى عليه حالهم كيف ما (٢) تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم، فيسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الأرض السفلى، كما يسمع ويرى تسبيح حملة العرش من فوق السبع السماوات العلى سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا،

стр. 457

ولقد أحسن أبو العلاء بن سليمان المعري (١) حيث يقول: يا من يرى صف البعوض جناحه … في ظلمة الليل البهيم الأَلْيل ويرى مناط عروقها في نحرها (٢) … والمخ من تلك العظام النُحَّل (٣) امنن علي بتوبة أمحو (٤) بها … ما كان مني في الزمان (٥) الأول (٦) (٧) باب يفنى العباد ويبقى الملك لله وحده البخاري (٨) ومسلم (٩) أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض". وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السماء يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ يطوي الأرض (١٠) بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "، أخرجه مسلم (١١). وعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: "يأخذ الله سمواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ثم يبسطها فيقول: أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل حتى إني أقول: أساقط برسول الله ﷺ " (١٢).

стр. 458

فصل هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم (١)، ثم يقول الله (٢) : لمن الملك اليوم؟ فيجيب عن (٣) نفسه المقدسة بقوله: الله الواحد القهار، وقد (٤) قيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها (٥) على ما يأتي (٦)، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيجيبه العباد: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، رواه أبو وائل (٧) عن ابن مسعود (٨) ﵁، واختاره أبو جعفر النحاس (٩) قال: والقول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قال المؤلف ﵁: والقول الأول أظهر؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي المدعين وانتساب المنتسبين إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم، وهذا ظاهر، وهو قول الحسن ومحمد بن كعب، وهو مقتضى قوله الحق: أنا الملك (١٠) أين ملوك الأرض (١١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ ثم يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا موتًا جاء ملك الموت إلى الجبار (١٢) فيقول: قد مات أهل السماوات

стр. 459

والأرض (١) إلا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكاييل وإسرافيل وبقيت أنا، فيقول الله (٢) : ليمت جبريل وميكاييل، فينطق الله العرش فيقول (٣): أي رب يموت جبريل وميكاييل؟! فيقول: اسكت إني كتبت الموت على كل (٤) من تحت عرشي، فيموتان (٥)، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ فيقول: أي (٦) رب قد مات جبريل وميكاييل، فيقول وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت (٧) حملة العرش، وبقيت أنا، فيقول: ليمت حملة العرش (٨)، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يقول: ليمت إسرافيل، فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا (٩) الله الواحد القهار الأحد (١٠) الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فكان كما كان أولًا طوى السماء كطي السجل للكتاب، ثم قال: أنا الجبار: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، ثم يقول (١١) جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قلت: حديث أبي هريرة ﵁ فيه طول (١٢)، وهذا وسطه ويأتي (١٣) آخره في الباب بعد هذا، ويأتي أوله بعد ذلك إن شاء الله تعالى فيتصل جميعه

стр. 460

بحمد الله، ذكره الطبري وعلي بن معبد [و] (١) الثعلبي وغيرهم (٢). وفي حديث لقيط بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ : "ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعت الصيحة فلعمر إلهك (٣) ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف في البلاد وقد خلت عليه البلاد، وذكر الحديث وهو حديث فيه طول خرّجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤)، وغيره (٥). قال علماؤنا (٦): قوله: "فأصبح ربك يطوف في البلاد خالية (٧) عليه البلاد": إنما هو تفهيم وتقريب (٨) إلى أن جميع من في الأرض يموت، وأن الأرض تبقى خالية ليس (٩) يبقى إلا الله وحده (١٠) كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وعند قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هو (١١) انقطاع زمن الدنيا ويكون بعده (١٢) البعث والنشر والحشر (١٣) على ما يأتي (١٤).
следующие страницы →