← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقي به صعدًا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر (١). المؤلف: فالله سبحانه قريب من عباده يسمع دعاءهم ولا يخفى عليه حالهم كيف ما (٢) تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم، فيسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الأرض السفلى، كما يسمع ويرى تسبيح حملة العرش من فوق السبع السماوات العلى سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا،

стр. 457

ولقد أحسن أبو العلاء بن سليمان المعري (١) حيث يقول: يا من يرى صف البعوض جناحه … في ظلمة الليل البهيم الأَلْيل ويرى مناط عروقها في نحرها (٢) … والمخ من تلك العظام النُحَّل (٣) امنن علي بتوبة أمحو (٤) بها … ما كان مني في الزمان (٥) الأول (٦) (٧) باب يفنى العباد ويبقى الملك لله وحده البخاري (٨) ومسلم (٩) أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض". وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السماء يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ يطوي الأرض (١٠) بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "، أخرجه مسلم (١١). وعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: "يأخذ الله سمواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ثم يبسطها فيقول: أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل حتى إني أقول: أساقط برسول الله ﷺ " (١٢).

стр. 458

فصل هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم (١)، ثم يقول الله (٢) : لمن الملك اليوم؟ فيجيب عن (٣) نفسه المقدسة بقوله: الله الواحد القهار، وقد (٤) قيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها (٥) على ما يأتي (٦)، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيجيبه العباد: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، رواه أبو وائل (٧) عن ابن مسعود (٨) ﵁، واختاره أبو جعفر النحاس (٩) قال: والقول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قال المؤلف ﵁: والقول الأول أظهر؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي المدعين وانتساب المنتسبين إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم، وهذا ظاهر، وهو قول الحسن ومحمد بن كعب، وهو مقتضى قوله الحق: أنا الملك (١٠) أين ملوك الأرض (١١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ ثم يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا موتًا جاء ملك الموت إلى الجبار (١٢) فيقول: قد مات أهل السماوات

стр. 459

والأرض (١) إلا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكاييل وإسرافيل وبقيت أنا، فيقول الله (٢) : ليمت جبريل وميكاييل، فينطق الله العرش فيقول (٣): أي رب يموت جبريل وميكاييل؟! فيقول: اسكت إني كتبت الموت على كل (٤) من تحت عرشي، فيموتان (٥)، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ فيقول: أي (٦) رب قد مات جبريل وميكاييل، فيقول وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت (٧) حملة العرش، وبقيت أنا، فيقول: ليمت حملة العرش (٨)، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يقول: ليمت إسرافيل، فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا (٩) الله الواحد القهار الأحد (١٠) الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فكان كما كان أولًا طوى السماء كطي السجل للكتاب، ثم قال: أنا الجبار: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، ثم يقول (١١) جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قلت: حديث أبي هريرة ﵁ فيه طول (١٢)، وهذا وسطه ويأتي (١٣) آخره في الباب بعد هذا، ويأتي أوله بعد ذلك إن شاء الله تعالى فيتصل جميعه

стр. 460

بحمد الله، ذكره الطبري وعلي بن معبد [و] (١) الثعلبي وغيرهم (٢). وفي حديث لقيط بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ : "ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعت الصيحة فلعمر إلهك (٣) ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف في البلاد وقد خلت عليه البلاد، وذكر الحديث وهو حديث فيه طول خرّجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤)، وغيره (٥). قال علماؤنا (٦): قوله: "فأصبح ربك يطوف في البلاد خالية (٧) عليه البلاد": إنما هو تفهيم وتقريب (٨) إلى أن جميع من في الأرض يموت، وأن الأرض تبقى خالية ليس (٩) يبقى إلا الله وحده (١٠) كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وعند قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هو (١١) انقطاع زمن الدنيا ويكون بعده (١٢) البعث والنشر والحشر (١٣) على ما يأتي (١٤).

стр. 461

وفي فناء الجنة والنار عند فناء جميع الخلق قولان: أحدهما: يفنيهما ولا يبقى شيء (١) سواه سبحانه، وهو معنى قوله الحق: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وقيل: إنهما (٢) لا يجوز عليهما الفناء (٣)، وأنهما باقيتان بإبقاء الله سبحانه (٤) والله أعلم، وقد تقدم (٥) في الباب قبل هذا الإشارة إلى ذلك. وقيل (٦): إنه ينادي منادٍ فيقول: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل الجنة (٧): الله الواحد القهار، ذكره الزمخشري (٨). فصل في بيان ما أشكل من الحديث من (٩) ذكر اليد والأصابع إن قال قائل: ما تأويل اليد عندكم؟ واليد حقيقتها في (١٠) الجارحة المعلومة عندنا، وتلك بها التي يكون القبض والطي (١١)؟ قلنا: لفظ الشمال أشد في الإشكال (١٢) وذلك في الإطلاق على الله محال؟ والجواب: أن اليد في كلام العرب لها خمسة معانٍ:

стр. 462

تكون بمعنى القوة، قوله (١) تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]. وتكون بمعنى الملك والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]. وتكون بمعنى النعمة (٢)، تقول العرب: كم يد لي عند فلان؟ أي كم نعمة (٣) أسديتها إليه. وتكون بمعنى الصلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ (٤) أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، أي مما (٥) عملنا نحن، وقال الله (٦) تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي الذي له النكاح (٧). وتكون بمعنى الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وقوله في الحديث: "بيده" عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، فيقال: ما فلان إلا في قبضتي: بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون: الأشياء في قبضة الله يريدون في ملكه وفي (٨) قدرته، وقد يكون معنى القبض والطي: إفناء الشيء وإذهابه، فقوله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ (٩)﴾ [الزمر: ٦٧] يحتمل أن يكون المراد به: والأرض جميعًا

стр. 463

ذاهبة فانية يوم القيامة، وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٨] ليس يريد به (١) طيًا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب (٢).

стр. 464

فإن قيل: فقد قال في الحديث: "ويقبض أصابعه (١) ويبسطها" (٢)، وهذه حقيقة الجارحة؟ قلنا: هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية (٣)، والله تعالى متعال عن ذلك، وإنما المعنى حكاية الصاحب عن النبي (٤) ﷺ يقبض أصابعه ويبسطها، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم ثبوتها بثبوت الأصابع (٥)، فدل على أن النبي ﷺ هو الذي كان يقبض أصابعه ويبسطها. قال الخطابي (٦): وذِكْرُ الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتها (٧). فإن قيل: فقد ورد ذكر الأصابع في غير ما حديث فما جوابكم عنها وقد روى البخاري (٨) ومسلم (٩) قال: أتى النبي ﷺ رجل من أهل الكتاب فقال: يا: أبا القاسم أَبَلَغَكَ أن الله لا يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع والخلائق على إصبع؟ فضحك النبي (١٠) ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

стр. 465

وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وروينا عن عبد الله بن عمرو إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحدٍ يصرفها كيف شاء، ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" (١) ومثله كثير. قيل له: اعلم أن الإصبع قد تكون بمعنى الجارحة، والله تعالى مقدس (٢) عن ذلك، وتكون بمعنى القدرة على الشيء ويسارة تقليبه (٣): كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبًا لمن استثقله: أنا أحمله على أصبعي، وأرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري، وكما يقول من طاع بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأفعله على رأسي: يعني به الطواعية، وما أشبه ذلك مما في معناه وهو كثير، وقد قال عنترة وقيل ابن زيادة التيمي (٤): الرمح لا أملأ كفي به … واللبد (٥) لا أتبع تزواله (٦)

стр. 466

يريد أنه لا يتكلف أن يجمع كفه فيشتمل على الرمح، لكن يطعن به خلسًا بأصابعه لخفة ذلك عليه، وقوله (واللبد لا أتبع تزواله): أي إذا مال لا أميل (١) معه يقول: أنا ثابت على ظهر الخيل لا يضرني فَقْدُ بعض الآلة ولا تغير السرج عما يريده الراكب، يصف نفسه بالفروسية: الركوب والطعن (٢)، فلما كانت السماوات والأرض أعظم الموجودات قدرًا وأكبرها خلقًا كان إمساكها بالنسبة إلى الله تعالى كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا، ونهزه بأيدينا، ونتصرف فيه كيف شئنا، فتكون الإشارة بقوله: "ثم يقبض أصابعه ويبسطها"، وبقوله: "ثم يهزهن" كما جاء في بعض طرق مسلم (٣) وغيره (٤)، أي هي في قدرته كالحبة مثلًا في كف (٥) أحدنا الذي (٦) لا يبالي بإمساكها ولا بهزها ولا بتحريكها ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، وقد تكون الإصبع أيضًا في كلام العرب بمعنى النعمة وهو المراد بقوله ﵇: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، أي بين نعمتين من نِعَم الرحمن، يقال: لفلان علي إصبع أي أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي (٧) على ماشيته إصبع، أي أثر حسن، وأنشد الأصمعي للراعي (٨): ضعيف العصا بادي العروق يرى له … عليها إذا ما أجدب الناس إصبعًا (٩) أي أثر حسن.

стр. 467

وقال آخر (١): صلاة وتسبيح وإعطاء سائل … وذي رحم تبتل (٢) منك إصبع وقال آخر (٣): من يجعل الله عليك إصبعًا … في الخير والشر يلقاه معًا فإن قيل: كيف جاز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقتضي النقص؟. قيل: هو مما انفرد به عمر بن حمزة عن (٤) سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبد الله بن مقسم عن ابن عمر ولم يذكر فيه الشمال، ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي (٥) ﷺ ولم يذكر فيه واحد منهم الشمال (٦). قال البيهقي (٧): وروى ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بإحداهما جعفر بن الزبير والآخر يزيد الرقاشي وهما

стр. 468

متروكان، وكيف يصح ذلك وصح عن النبي ﷺ أنه سمى: "كلتا يديه يمينًا" (١)، وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له، أو على عادة العرب في ذكر الشمال على مقابلة اليمين. قال الخطابي (٢): ليس فيما يضاف إلى الله من صفة اليد شمال؛ لأن الشمال محل النقص والضعف، وقد روي: "كلتا يديه يمين"، وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة (٣) جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو ذهب أهل [السنة] (٤) والجماعة (٥)، وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يريد به الملك، وقال: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥] أي بالقوة والقدرة، أي أخذنا قوته وقدرته (٦). قال الفراء: اليمين القوة والقدرة (٧). وأنشدوا (٨): إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عُرابة باليمين (٩) وقال آخر (١٠).

стр. 469

ولما رأيت الشمس أشرق نورها … تناولت منها حاجتي بيميني فقلت شُنَيفًا (١) ثم فاران (٢) بعده … وكان على الآيات غير أمين قلت: وعلى هذا التأويل تخرّج الآية والحديث، والله أعلم. وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا باليمين أي بالمحل الجليل، ومنه قول الشاعر: أقول لناقتي إذ بلغتني … لقد أصحبت عندي باليمين (٣) أي المحل الرفيع. وأما قوله: "كلتا يديه يمين"، فإنه أراد بذلك التمام والكمال، وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر؛ لما في التياسر من النقصان وفي التيامن من التمام. فإن قيل: فأين يكون الناس عند طي الأرض والسماء؟. قلنا: يكونون على الصراط على ما يأتي بيانه (٤) إن شاء الله تعالى. باب البرزخ روى هناد بن السري (٥) قال: حدثنا محمد بن فضيل (٦) ووكيع عن فطر (٧) قال: سألت مجاهدًا عن قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]؟ قال: هو ما بين الموت إلى البعث. وقيل للشعبي (٨): مات فلان، قال: ليس هو في الدنيا ولا في

стр. 470

الآخرة (١)، هو في برزخ، والبرزخ في كلام العرب الحاجز بين الشيئين ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان: ٥٣] أي حاجزًا، وكذلك هو في الآية وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل في البرزخ، ومنه (٢) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ أي: من أمامهم وبين أيديهم. باب ذكر النفخ الثاني للبعث في الصور (٣) وكيفية البعث وبيانه وأول من تنشق عنه الأرض وأول من يحيى من الخلق وبيان السن الذي يخرجون عليه من قبورهم وفي لسانهم وبيان قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤] قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] [وقال] (٤): ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ: ١٨]، وسماه الله تعالى أيضًا بالناقور في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر: ٨]. قال المفسرون: الصور ينقر فيه مع النفخ الأول لموت الخلق على ما يأتي بيانه (٥). قال الله تعالى مخبرًا عن كفار قريش: ﴿مَا (٦) يَنْظُرُونَ﴾ [يس: ٤٩]، أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة الدائنون بدين أبي جهل وأصحابه: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني النفخة الأولى التي يكون بها هلاكهم: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، أي يختصمون في أسواقهم وحوائجهم، وقال (٧) تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾

стр. 471

[الأعراف: ١٨٧] ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] أي: أن يوصوا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: من أسواقهم وحيث كانوا، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ [يس: ٢٩] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) (١)﴾ [يس: ٥١] هذه النفخة الثانية نفخة البعث. والصور قرن من نور تجعل فيه الأرواح (٢) يقال: إن فيه من الثقب على عدد أرواح (٣) الخلائق على ما يأتي (٤). و (٥) قال مجاهد: هو كالبوق ذكره البخاري (٦) فإذا نفخ فيه صاحب الصور النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده، ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أَي: القبور ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أي: يخرجون سراعًا، يقال: نسل ينسل ويُنسل بالضم أيضًا إذا أسرع في مشيته، فالمعنى يخرجون مسرعين، وفي الخبر: أن بين النفختين أربعين عامًا وسيأتي (٧)، وفي البخاري (٨) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾: الصور (٩)، قال: والراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الثانية. وروي عن مجاهد (١٠) أنه قال: للكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قاموا مذعورين عجلين ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (١١)، فتقول لهم الملائكة والمؤمنون على اختلاف المفسرين: ﴿هَذَا

стр. 472

مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ (١)﴾ وذلك أنهم لما بعثوا قال بعضهم لبعض: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به ثم قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ فكذَّبنا به، أقروا حين لم ينفعهم الإقرار، ثم يؤمر بحشر الجميع إلى الموقف للحساب. وقال عكرمة (٢): إن الذين يغرقون في البحر تقتسم لحومهم الحيتان فلا يبقى منهم شيء إلا العظام فتلقيها الأمواج على (٣) الساحل فتمكث حينًا ثم تصير خالية نخرة، ثم تمر بها الإبل فتأكلها ثم تسير الإبل فتبعر، ثم يجيء قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه، ثم تخمد تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة فإذا هم قيام ينظرون، يخرج أولئك وأهل القبور سواء: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً - أي نفخة واحدة - فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. قال علماؤنا (٤): فالنفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور وغيرهم، فيعيد الله الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السبع وغيرها حتى تصير كهيئتها الأولى، ثم يجعل فيها الأرواح فيقوم الناس كلهم أحياء حتى السقط، فإن النبي ﷺ قال: "إن السقط ليظل مُحْبَنْطِيًا (٥) على باب الجنة، ويقال له: ادخل الجنة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي" (٦)، وهو السقط

стр. 473

الذي (١) تم خلقه ونفخ فيه الروح قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] فدل على أن الموؤدة تحشر وتسأل (٢)، ومن قبرها تخرج وتبعث، وأما مَنْ (٣) لم ينفخ فيه الروح فهو وسائر الموات سواء والله أعلم (٤)، قاله الحاكم أبو الحسين بن الحسن (٥) الحليمي (٦) في كتاب منهاج الدين له (٧)، والحقيقة إنما خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] فيقومون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، قالوا (٨): فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، وقال في آخره: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. ابن ماجه (٩) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن عطية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان (١٠) يلاحظان النظر متى يؤمران". الترمذي (١١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه"، قال: هذا حديث حسن.

стр. 474

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ، فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم: قولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] " (١)، قال: حديث حسن. وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أطرف (٢) صاحب الصور منذ (٣) وُكِّلَ به مستعدًا بحذاء العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد طرفه كأن عينيه كوكبان دريان"، خرّجه أبو الحسن بن صخر (٤) في فوائده وغيره (٥). وخرج ابن المبارك (٦) ومؤمل بن إسماعيل (٧) وعلي بن معبد عن ابن مسعود ﵁ حديثًا ذكر فيه: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه" (٨)، والصور قرن فلا يبقى لله خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا ما شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض (٩) منه شيء (١٠) " زاد مؤمل بن إسماعيل: قال سفيان يعني

стр. 475

الثوري: عجب الذنب، قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش منيًا كمني الرجال فتنبت جثمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩]، قال: ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه ثم (١) يقومون (٢) فيجيبون إجابة رجل واحد قيامًا لرب العالمين (٣)، وقال ابن المبارك ومؤمل ثم يقومون فيحيون تحية واحدة. وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء (٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: فيقومون فيحيون تحية رجل واحد قيامًا لرب العالمين (٥). قوله: "فيحيون"، التحية تكون في حالين أحدهما: أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، هذا (٦) هو المعنى الذي في هذا الحديث ألا تراه يقول: قيامًا لرب العالمين. والوجه الآخر: أن ينكب على وجهه باركًا وهذا هو الوجه المعروف عند الناس، وقد حمله بعض الناس على قوله: "فيخرون سجودًا لرب العالمين" فجعل سجودهم (٧) هو التحية، وهذا هو الذي يعرفه الناس من التحية.

стр. 476

وخرّج (١) علي بن معبد أيضًا (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ونحن في طائفة من أصحابه، وساق الحديث بطوله إلى قوله جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ثم (٣): ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فيبسطها بسطًا ثم يمدها مد الأديم العكاظي، ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧]، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل ما كانوا فيه من الأول: من كان في (٤) بطنها كان في بطنها (٥)، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها (٦)، ثم ينزل الله تعالى عليكم ماء من تحت العرش يقال له: ماء (٧) الحيوان فتمطر السماء عليكم أربعين سنة حتى يكون الماء من فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات الطراثيث (٨)، وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله ليَحيى حملة العرش، فيحيون، ثم يقول (٩) ليحيى جبريل وميكاييل وإسرافيل، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، ثم يدعو الله (١٠) الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين (١١) نورًا، والأخرى مظلمة فيأخذها الله فيلقيها في الصور، ثم يقول الله (١٢) لإسراقيل: انفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله : وعزتي وجلالي لأرجعن (١٣) كل روح إلى جسده،

стр. 477

فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون منها شبابًا (١) كلكم أبناء ثلاث وثلاثين واللسان يومئذ بالسريانية (٢): سراعًا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨]، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، فتوقفون في موقف عراة غلفًا غرلًا مقدار سبعين عامًا لا ينظر الله إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم تدمع دمًا، [ويعرقون] (٣) حتى تبلغ منهم الأذقان ويلجمهم، فيضجون ويقولون: من يشفع لنا إلى ربنا"، وساق الحديث بطوله في الشفاعة، وسيأتي (٤) حديث الشفاعة من (٥) صحيح مسلم وغيره إن شاء الله تعالى. وخرّج الختلي أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم في كتاب الديباج له: حدثني أبو بكر خليفة بن الحارث بن خليفة (٦)، ثنا محمد بن جعفر المدائني عن سلام بن مسلم الطويل عن عبد الحميد عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن

стр. 478

النبي ﷺ في قوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق: ١ - ٢] قال: فقال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه (١) الأرض فأجلس جالسًا في قبري فيفتح لي باب إلى (٢) السماء بحيال رأسي حتى انظر إلى العرش، ثم يفتح لي باب من تحتي حتى انظر إلى الأرض السابعة حتى انظر إلى الثرى، ثم يفتح لي باب عن يميني حتى انظر إلى الجنة ومنازل أصحابي، وأن الأرض حُرِكت (٣) تحتي فقلت لها: ما بالك أيتها الأرض؟ قالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي وأن أتخلى، فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ، فذلك قول الله : ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الانشقاق: ٤ - ٥]، أي سمعت وأطاعت، وحق لها أن تسمع وتطيع، يا أيها، الإنسان، قال رسول الله ﷺ : أنا ذلك الإنسان". وروي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، أن هذه (٤) خطاب للأرواح بأن ترجع إلى أجسادها، ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾ إلى صاحبك (٥)، كما تقول: رب الغلام، ورب الدار، ورب الدابة أي: صاحب الغلام، وصاحب الدار، وصاحب الدابة: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٩] أي: في أجسادهم من مناخرهم، كما ورد في الخبر المتقدم. وقد روي أن الله تعالى خلق الصُوْرَ حين فرغ من خلق السموات والأرض، وأن عظم دارة فيه (٦) كغلظ السموات والأرض، وفي حديث أبي هريرة: "والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض" (٧)

стр. 479

وسيأتي (١)، وروي (٢) أن له رأسين: رأسًا بالمشرق ورأسًا بالمغرب (٣)، والله أعلم. فصل الصور بالصاد، قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء وهي نفخة الصعق، ويكون معها نقرٌ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر: ٨]، أي: في الصور (٤)، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النفخ والنقر (٥) لتكون الصيحة أهدّ وأعظم (٦) ثم يمكث الناس أربعين (٧) عامًا، ثم ينزل الله ماء كمني الرجال على ما تقدم (٨) فتكون منه الأجساد (٩) بقدرة الله تعالى، حتى يجعلهم بشرًا، كما روي في قصة الذين يخرجون من النار قد صاروا حممًا أنهم يغتسلون من نهر بباب الجنة فينبتون نبات الحبة [تكون] (١٠) في حميل السيل، وعن ذلك عبر في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في صحيح مسلم (١١) وغيره (١٢)، فينبتون نبات البقل فإذا تهيأت الأجسام وكملت، نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر؛ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها لا تنقيرها من أجسادها، فالنفخة الأولى للتنقير وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيمات منه، ونظير الصيحة الشديدة التي يصيحها الرجل على الرجل (١٣) فيفزع منه

стр. 480

فيموت، فإذا نفخ للبعث من غير نقر كما ذكرنا خرجت الأرواح من المجال التي هي فيه فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله كل ذلك في لحظة (١) كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ (٢)﴾ [لقمان: ٢٨] [و] (٣) عند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنيوية (٤) تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم، قال بعضهم: بأوصافها، فيعاد الوصف أيضًا كما يعاد الجسم واللون. قال القاضي أبو بكر بن العربي (٥): وذلك جائز في حكم الله وقدرته وهين عليه جميعه، ولكن لم يرد بإعادة الوصف خبرٌ. قلت: فيه أخبار كثيرة يأتي (٦) ذكرها في الباب بعد هذا. فصل وليس الصُوْر جمع صورة كما زعم بعضهم: أي ينفخ في صور الموتى بدليل الأحاديث المذكورة، والتنزيل يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ ولم يقل: فيها، فعلم أنه ليس جمع صورة. قال الكلبي: لا أدري (٧) ما الصُوْر، ويقال: هو جمع صورة مثل بُشْرة وبُشر (٨)، أي: في صور الموتى الأرواح، وقرأ الحسن: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٩). قلت: وإلى هذا التأويل في أن الصُّوْرَ بمعنى الصُّوَر جمع صورة ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى (١٠)، وهو مردود بما ذكرنا، وأيضًا: لا ينفخ في

стр. 481

الصور للبعث، مرتين، بل ينفخ مرة واحدة، فإسرافيل ﵇ ينفخ في الصور الذي هو القرن، والله سبحانه يحيي الصور فينفخ فيها الروح كما قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ (١) مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] (٢). قال ابن زيد (٣): يخلق الله الناس في الأرض الخلق الآخر، ثم يأمر السماء فتمطر عليهم (٤) أربعين يومًا فينبتون فيها حتى تنشق عن رؤوسهم كما تنشق عن رأس الكمأة، فمثلها يومئذ مثل الماخض تنتظر أن يأتيها أمر الله فتطرحهم على ظهورها، فلما جاءتهم (٥) تلك النفخة طرحتهم. قال علماؤنا (٦): والأمم مجمعون على أن الذي ينفخ في الصُّوْر إسرافيل ﵇. قلت: قد جاء حديث يدل على أن الذي ينفخ (٧) غير إسرافيل، خرّجه أبو نعيم (٨) الحافظ قال: حدثنا سليمان قال: ثنا أحمد بن القاسم قال: ثنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله بن الحارث قال: كنت (٩) عند عائشة ﵂ وعندها كعب الأحبار فذكر كعب إسرافيل، فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل، فقال كعب: عندك (١٠) العلم، فقالت (١١): أجل فأخبرني، فقال: له أربعة أجنحة: جناحان في الهواء،

стр. 482

وجناح قد تسربل (١) به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى ملتقم الصور مُحنيًا ظهره شاخصًا ببصره ينظر إلى إسرافيل وقد أُمِرَ إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه (٢) أن ينفخ في الصور، قالت عائشة: هكذا سمعت من (٣) رسول الله ﷺ يقول. غريب من حديث كعب لم يروه عنه لا عبد الله بن الحارث، ورواه خالد الحذاء عن أبي بشر (٤) عن عبد الله (٥) بن رباح عن كعب نحوه. فصل قلت: وما خرّجه أبو عيسى الترمذي وغيره يدل على أن ملك (٦) الصور إسرافيل ﵇ ينفخ فيه وحده، وحديث أبي عبد الله (٧) محمد بن يزيد بن ماجه يدل على أن معه غيره، وقد خرّج (٨) أبو بكر البزار (٩) في مسنده وأبو داود في كتاب الحروف من كتاب السنن (١٠) من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل، فلعل لأحدهما قرنًا آخر ينفخ فيه، والله أعلم. وذكر أبو السري [هناد بن السري] (١١) التيمي الكوفي (١٢) قال: ثنا

стр. 483

أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي عمرو قال: ما من صباح إلا وملكان يقولان: يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشر أقصر، وملكان (١) يقولان: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا، وملكان موكلان يقولان: سبحان الملك القدوس، وملكان موكلان بالصور، قال: وحدثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال: ما من صباح. .، مثله سواء، وزاد بعد قوله: وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان، وعطية لا يحتج أحد بحديثه، على ما ذكره أبو محمد (٢) وغيره (٣). فصل واختلف في عدد النفخات فقيل: ثلاث (٤): نفخة الفزع لقوله في سورة النمل (٥): ﴿[وَيَوْمَ يُنْفَخُ] (٦) فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، ونفخة الصعق، ونفخة البعث لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]، وهذا اختيار ابن العربي (٧) وسيأتي (٨). وقيل: هما نفختان، ونفخة الفزع هي: نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لا زمان لها، أي: فزعوا فزعًا ماتوا منه، والسنَّة الثابتة على ما تقدم (٩) من

стр. 484

حديث أبي هريرة ﵁، وحديث عبد الله بن عمرو وغيرهما يدل على أنهما نفختان لا ثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (١) إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فاستثنى ها هنا (٢) كما استثنى في نفخة الفزع، فدل على أنها واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين النفختين أربعون سنة، الأولى: يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت" (٣)، وسيأتي (٤) لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقال الحليمي (٥): اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين (٦) سنة، وذلك بعد أن يجمع الله تعالى ما تفرق من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء، وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه بالغرق، وما أبلته الشمس، وأذرته (٧) الرياح، فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها ولم يبق إلا الأرواح جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل ﵇ فأرسلها بنفخة من ثقب الصور فرجع كل ذي روح إلى جسده بإذن الله تعالى. وجاء في بعض الأخبار ما يبين: أن من أكله طائر أو سبع حشر من جوفه. وهو ما رواه الترمذي (٨) عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد وقد جُدِعَ ومُثِّلَ به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير (٩).

стр. 485

وقد أنكر بعض أهل الزيغ أن يكون الصور قرنًا. قال أبو الهيثم (١): من أنكر أن يكون الصور قرنًا فهو كمن ينكر العرش والصراط (٢) والميزان، وطلب لها تأويلات. باب منه في صفة البعث وما آية ذلك في الدنيا وأول ما يخلق من الإنسان رأسه (٣) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا (٤) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى أَثَرِ (٥) رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى (٦)﴾ [الروم:

стр. 486

٥٠]، وقال: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]، والآي في هذا المعنى كثير. وخرَّج أبو داود الطيالسي (١) والبيهقي (٢) وغيرهما عن أبي رزين العقيلي (٣) قال: قلت: "يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدبًا ثم مررت به بهتز خضرًا؟ قلت: نعم، قال: فتلك آيات (٤) الله في خلقه". قلت: هذا حديث صحيح لأنه موافق لنص التنزيل، والحمد لله. وفي حديث لقيط بن عامر عن النبي ﷺ : "فأرسل ربك السماء تهضب (٥) من عند العرش فلعمر إلهك ما يدع على الأرض (٦) من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى يخلقه (٧) من قبل رأسه" (٨). وذكر الحديث. باب يبعث كل عبد على ما مات عليه مسلم (٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه".

стр. 487

وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا (١) على نياتهم (٢) " (٣)، ولفظ البخاري (٤) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم (٥) " (٦). مالك (٧) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يَكْلَم أحد في سبيل الله، والله أعلم من (٨) يَكْلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون دم، والعَرْفُ عرف مسك"، خرَّجه البخاري (٩) ومسلم (١٠). أبو داود (١١) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: يا عبد الله إن قُتلت صابرًا محتسبًا بعثت صابرًا محتسبًا (١٢)، وإن قتلت مرائيًا مكاثرًا بُعثت مرائيًا مكاثرًا على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال". وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات سكرانًا فإنه يعاين ملك الموت سكرانًا، ويعاين منكرًا ونكيرًا سكرانًا، ويبعث يوم القيامة سكرانًا إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران فيه عين يجري ماؤه دمًا لا يكون له طعام ولا شراب إلا منه" (١٣).

стр. 488

مسلم (١) عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا كان مع رسول الله ﷺ محرمًا فوقصته ناقته فمات، فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه (٢) بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا"، في رواية: "ملبدًا"، خرَّجه البخاري (٣). وروى عباد بن كثير عن أبي الزبير (٤) عن جابر ﵁ قال: "إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي"، ذكره الحليمي أبو الحسين الحافظ في كتاب المنهاج له (٥)، وسيأتي (٦) بكماله. وذكر أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب الديباج له: حدثنا أبو محمد عبد الله بن يونس بن بكر قال: ثنا أبي عن عمرو بن سمير عن جابر عن محمد بن علي عن ابن عباس وعلي بن حسين (٧) أن رسول الله ﷺ قال: "أخبرني جبريل ﵇ أن لا إله إلا الله أنس للمؤمن عند موته، وفي قبره، وحين يخرج من قبره، يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم (٨) ينفضون رؤوسهم هذا يقول: لا إله إلا الله والحمد لله فيبيض وجهه، وهذا ينادي يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، مسودة وجوههم" (٩). قال: وحدثني يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على أهل لا إله إلا وحشة عند الموت، ولا في قبورهم، ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (١٠).

стр. 489

وروي (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله، ودرع من نار يدها على رأسها تقول: يا ويلاه". أخرجه ابن ماجه (٢) ومسلم بمعناه (٣) عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت قطع الله (٤) لها ثيابًا (٥) من نار، ودرعًا من لهب النار"، لفظ ابن ماجه. وقال مسلم (٦): "تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". وأسند الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفَّين صفًا عن اليمين، وصفًا عن الشمال ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يؤمر بهن إلى النار"، أنبأناه (٧) الشيخ (٨) الراوية أبو محمد عبد الوهاب شُهِرَ بابن رواج والشيخ الإمام علي بن هبة الله الشافعي قال: حدثنا السلفي قال: ثنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد (٩) بن خولة الأبهري الأديب فيما قرئ عليه وأنا أسمع سنة ثلاث وأربع مائة قال: أنبأ أبو عمرو أحمد بن أحمد (١٠) بن حليم (١١) المدني، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم

стр. 490

الطرطوسي قال: ثنا سعيد بن سليمان (١) بن داود اليمامي (٢) حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صفًّا عن يمينهن، وصفًا عن شمالهن، ينبحن على أهل جهنم: كما تنبح الكلاب" (٤) غريب من حديث أبي نصر يحيى بن كثير (٥) عن أبي سلمة، تفرد به سليمان بن داود. قال (٦) أنس ﵁: قال النبي ﷺ : "تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء مسودة الوجه زرقاء العين (٧) ثائرة الشعر كالحة الوجه عليها (٨) جلباب من لعنة الله، ودرع من غضب الله، إحدى يديها مغلولة إلى (٩) عنقها والأخرى قد وضعتها على رأسها، وهي تنادي (١٠) واويلاه (١١)، واثبوراه، واحزناه، وملك وراءها يقول: آمين، ثم يكون من (١٢) بعد ذلك حظها من النار". ابن ماجه (١٣) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يُعلى (١٤) عليها بدرع من

стр. 491

لهب النار"، وفي كتاب الشبهات: يبعث شاهد الزور مولعًا لسانه في النار (١). وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (٢). قال بعضهم: يجعل معه شيطانًا يخنقه (٣). وقالوا كلهم: يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتًا عند جميع أهل المحشر. فجعل الله هذه العلامة لأكله الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم. نسأل الله الستر والسلامة (٤) والعافية (٥) في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وسيأتي (٦). وروي عن النبي ﷺ : "من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة"، و (٧) ذكره صاحب القوت (٨) وهو صحيح المعنى يدل على صحة (٩) ما ذكرنا، وسيأتي (١٠) لهذا [الباب] (١١) مزيد بيان في باب بيان الحشر إلى الموقف إن شاء الله تعالى.

стр. 492

باب بعث (١) النبي ﷺ من قبره ابن المبارك (٢) قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثني خالد بن يزيد أبي هلال (٣) عن نبيه بن وهب أن كعبًا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا (٤) بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ (٥)، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفًا (٦) يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوَقرونه ﷺ . والأخبار دالة ثابتة على أن (٧) جميع الناس يخرجون عراة، ويحشرون كذلك على ما يأتي (٨) إن شاء الله تعالى. وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٩): حدثنا بشر بن خالد قال: ثنا سعيد بن سلمة عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "خرج النبي ﷺ ويمينه على أبي بكر ﵁ وشماله على عمر ﵁ فقال: هكذا نبعث يوم القيامة". باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها

стр. 493

كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في (١) ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم يسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما (٢) يطرفون تعجبًا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون"، خرَّجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي (٣) من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄ (٤) وإسناده صحيح (٥). وقال أبو عمران الجوني (٦): ما من ليلة (٧) إلا تنادي: اعملوا في ما استطعتم من خير فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة"، ذكره أبو نعيم (٨). باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله تقدم (٩) من حديث جابر مرفوعًا: "فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد" ذكره أبو نعيم (١٠). وذكر أبو نعيم (١١) أيضًا عن ثابت البناني أنه قرأ حم السجدة (١٢) حتى

стр. 494

إذا بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد (٢)، قال: فأمَّن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة بالمؤمن من قرة عين لما هداه (٣) الله له، ولما كان يعمل له في الدنيا. وقال عمرو بن قيس الملائي (٤): إن المؤمن إذا خرج من قبره و (٥) استقبله عمله أحسن (٦) صورة وأطيب ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله طيَّب ريحك وحسَّن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] وأن الكافر يستقبله عمله أقبح (٧) شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا إن الله قد قبَّح صورتك، ونتَّن (٨) ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك وتلا ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، ولا يصح من قبل إسناده، قاله ابن العربي (٩) (١٠). باب أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ مسلم (١١) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند

стр. 495

رسول الله ﷺ فجاء (١) حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الحشر"، الحديث بطوله وسيأتي (٢). وخرج مسلم (٣) أيضًا، وابن ماجه (٤) جميعًا قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط"، وخرّجه الترمذي (٥) قال: ثنا ابن أبي عمر (٦) قال: حدثنا سفيان (٧) عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق (٨) عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، والأرض جميعًا قبضته القيامة والسماوات مطويات بيمينه، فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: "على الصراط يا عائشة" قال: [هذا] (٩) حديث حسن صحيح. وخرّج (١٠) عن مجاهد (١١) قال: قال ابن عباس ﵄: أتدري ما سعة
следующие страницы →