← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لهب النار"، وفي كتاب الشبهات: يبعث شاهد الزور مولعًا لسانه في النار (١). وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (٢). قال بعضهم: يجعل معه شيطانًا يخنقه (٣). وقالوا كلهم: يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتًا عند جميع أهل المحشر. فجعل الله هذه العلامة لأكله الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم. نسأل الله الستر والسلامة (٤) والعافية (٥) في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وسيأتي (٦). وروي عن النبي ﷺ : "من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة"، و (٧) ذكره صاحب القوت (٨) وهو صحيح المعنى يدل على صحة (٩) ما ذكرنا، وسيأتي (١٠) لهذا [الباب] (١١) مزيد بيان في باب بيان الحشر إلى الموقف إن شاء الله تعالى.

стр. 492

باب بعث (١) النبي ﷺ من قبره ابن المبارك (٢) قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثني خالد بن يزيد أبي هلال (٣) عن نبيه بن وهب أن كعبًا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا (٤) بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ (٥)، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفًا (٦) يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوَقرونه ﷺ . والأخبار دالة ثابتة على أن (٧) جميع الناس يخرجون عراة، ويحشرون كذلك على ما يأتي (٨) إن شاء الله تعالى. وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٩): حدثنا بشر بن خالد قال: ثنا سعيد بن سلمة عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "خرج النبي ﷺ ويمينه على أبي بكر ﵁ وشماله على عمر ﵁ فقال: هكذا نبعث يوم القيامة". باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها

стр. 493

كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في (١) ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم يسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما (٢) يطرفون تعجبًا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون"، خرَّجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي (٣) من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄ (٤) وإسناده صحيح (٥). وقال أبو عمران الجوني (٦): ما من ليلة (٧) إلا تنادي: اعملوا في ما استطعتم من خير فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة"، ذكره أبو نعيم (٨). باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله تقدم (٩) من حديث جابر مرفوعًا: "فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد" ذكره أبو نعيم (١٠). وذكر أبو نعيم (١١) أيضًا عن ثابت البناني أنه قرأ حم السجدة (١٢) حتى

стр. 494

إذا بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد (٢)، قال: فأمَّن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة بالمؤمن من قرة عين لما هداه (٣) الله له، ولما كان يعمل له في الدنيا. وقال عمرو بن قيس الملائي (٤): إن المؤمن إذا خرج من قبره و (٥) استقبله عمله أحسن (٦) صورة وأطيب ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله طيَّب ريحك وحسَّن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] وأن الكافر يستقبله عمله أقبح (٧) شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا إن الله قد قبَّح صورتك، ونتَّن (٨) ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك وتلا ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، ولا يصح من قبل إسناده، قاله ابن العربي (٩) (١٠). باب أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ مسلم (١١) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند

стр. 495

رسول الله ﷺ فجاء (١) حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الحشر"، الحديث بطوله وسيأتي (٢). وخرج مسلم (٣) أيضًا، وابن ماجه (٤) جميعًا قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط"، وخرّجه الترمذي (٥) قال: ثنا ابن أبي عمر (٦) قال: حدثنا سفيان (٧) عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق (٨) عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، والأرض جميعًا قبضته القيامة والسماوات مطويات بيمينه، فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: "على الصراط يا عائشة" قال: [هذا] (٩) حديث حسن صحيح. وخرّج (١٠) عن مجاهد (١١) قال: قال ابن عباس ﵄: أتدري ما سعة

стр. 496

جهنم؟ قلت: لا، قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قالت (١): فقلت (٢): فأين يكون الناس يا رسول الله فقال: "على جسر جهنم"، قال حديث حسن صحيح (٣) غريب من هذا الوجه. فصل هذه الأحاديث نص في أن السموات والأرض تبدل وتزال ويخلق الله أرضًا أخرى يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر وهو الصراط، لا كما قال كثير من الناس أن تبديل (٤) الأرض عبارة (٥) عن تغيير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها ومد أرضها، ورواه ابن مسعود ﵁. خرّجه ابن ماجه (٦) وسيأتي (٧) ذكره في الأشراط إن شاء الله تعالى. وذكره ابن المبارك (٨) من حديث شهر بن حوشب قال: حدثني ابن عباس ﵁ قال: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا"، وذكر الحديث. وروي (٩) أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: تبدل الأرض غير الأرض، فيبسطها ويمدها مد الأديم، ذكره الثعلبي في تفسيره. وروى علي بن الحسين ﵄ أن النبي ﷺ (١٠) قال: "إذا كان يوم القيامة

стр. 497

مد الله (١) الأرض مد الأديم حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدميه"، ذكره الماوردي (٢)، وما بدأنا (٣) بذكره أصح، لأنه نص ثابت عن النبي ﷺ . فإن قال قائل: إِنَّ بَدَّل في كلام العرب معناه: تغيير الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، ولا يقتضي هذا إزالة العين، وإنما معناه تغيير الصفة، ولو كان المعنى (٤) الإزالة لقال: يوم تبدل الأرض مخففًا، من أبدلت الشيء إذا أزلت عينه وشخصه. قيل له: ما ذكرته صحيح، ولكن قد قرئ قوله : ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ [القلم: ٣٢] مخففًا ومثقلًا (٥) بمعنى واحد، قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقال: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، وكذا ذكر تاج اللغة أبو نصر الجوهري في الصحاح (٦)، وأبدلت الشيء بغيره وأبدله (٧) الله من الخوف أمنًا وتبديل الشيء أيضًا تغييره، فقد دل القرآن وكلام العرب على أن بدل وأبدل بمعنى واحد، وقد فسر النبي ﷺ أحد المعنيين، فهو أعلا ولا كلام معه. قال ابن مسعود وابن عباس (٨) ﵄: تبدل الأرض أرضًا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها (٩) دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة قط. وقال ابن مسعود أيضًا: تبدل الأرض نارًا والجنة من ورائها ترى أكوابها (١٠) وكواعبها (١١).

стр. 498

وقال أبو الجلد جيلان بن فروة (١): إني لأجد فيما أقرأ من كتاب الله إن الأرض تشتعل نارًا يوم القيامة (٢). وقال علي ﵁: تبدل الأرض فضة والسماء ذهبًا (٣). وقال جابر (٤): سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]، وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب (٥): تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه. قلت: وهذا المعنى الذي قاله سعيد بن جبير ومحمد بن كعب مروي في الصحيح وسيأتي (٦). وإليه ذهب ابن برّجان في كتاب الإرشاد له، وأن المؤمن يومئذ يطعم من بين رجليه، ويشرب من الحوض، فهذه أقوال الصحابة والتابعين دالة على ما ذكرنا، وأما تبديل السماء فقيل تكوير شمسها وقمرها وتناثر نجومها، قاله ابن عباس (٧) ﵄. وقيل: اختلاف أحوالها فتارة كالمهل وتارة كالدهان، حكاه (٨) ابن الأنباري (٩).

стр. 499

وقال كعب: تصير السماء دخانًا وتصير البحار نيرانًا (١). وقيل: تبديلها: أن تطوى كطي السجل للكتاب (٢). وذكر أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن حيدرة في كتاب الإفصاح له: أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأن الأرض والسماوات تبدل كرتين إحداهما: هذه الأولى، وأنه سبحانه يغير صفاتها قبل نفخة الصعق فتنتثر أولًا كواكبها، وتكسف شمسها وقمرها وتصير كالمُهل، ثم (٣) تكشط عن رؤوسهم، ثم تسير الجبال ثم تموج الأرض، ثم تصير البحار نيرانًا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر فتصير الهيئة غير الهيئة والبنية غير البنية، ثم إذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء ودحيت الأرض، وبدلت السماء سماء أخرى (٤)، وهو قوله (٥): ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، وبدلت الأرض: تمد كمد (٦) الأديم العكاظي، وأعيدت كما كانت فيها القبور، والبشر على ظهورها وفي (٧) بطنها، وتبدل أيضًا تبديلًا ثانيًا، وذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم الأرض التي يقال لها الساهرة، و (٨) يحاسبون عليها وهي أرض عفراء، وهي البيضاء من فضة (٩) لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط. وحينئذ يقوم الناس على الصراط وهو لا يسع جميع (١٠) الخلق وإن كان قد روي إن مسافته ألف سنة صعودًا وألف سنة هبوطًا، وألف سنة استواء، ولكن الخلق أكثر ذلك فيقوم من فضل على الصراط، على متن جهنم، وهي كإهالة خامدة الأرض التي قال عبد الله (١١) إنها أرض من نار يعرق فيها البشر فإذا حوسب الناس عليها أعني الأرض المسماة بالساهرة وجاوزوا

стр. 500

الصراط وجعل أهل الجنان من وراء الصراط وأهل النار (١) في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون، بدلت الأرض كقرصة النقى فأكلوا (٢) من تحت أرجلهم وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة أي قرصًا واحدًا، يأكل منه جميع الخلق (٣) ممن دخل الجنة وإدامهم زيادة كبد ثور في الجنة وزيادة كبد النون على ما يأتي (٤). باب أمور تكون قبل الساعة (٥) ذكر علي بن معبد عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ونحن في طائفة من أصحابه فقال: إن الله ﵎ لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور وأعطاه لإسرافيل (٦) فهو واضع على فيه شاخصًا ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر، فقال أبو هريرة ﵁ فقلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: قرن، فقلت: وكيف هو؟ قال: هو عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السماء والأرض (٧) إلا من شاء الله ويأمره فيمدها (٨) ويطولها، فيقول الله : ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص: ١٥]، مأخوذ من فواق الحالب، وهي المهلة بين الحلبتين، وذلك أن الحالب يحلب الناقة و (٩) الشاة ثم يتركها سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، ومنه سمي الفواق فواقًا لأنه ريح يتردد في المعدة بين مهلتين، أي هذه (١٠) النفخة ممتدة لا تقطيع فيها، ويكون

стр. 501

ذلك يوم الجمعة في النصف من شهر رمضان، فتسير الجبال (١) فتمر مر السحاب فتكون (٢) سرابًا ثم ترتج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة الموبقة (٣) في البحر تضربها الأمواج فيميد (٤) الناس على ظهرها، وتذهل المراضع (٥)، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتشيب الولدان، وتتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار تتلقاها الملائكة هاربة فتضرب وجوهها، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضًا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣]، فبينما هم على ذلك إذ تصدعت (٦) الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، فيأخذهم (٧) من الكرب والهول (٨) ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانخسفت شمسها وقمرها وانتثرت نجومها، ثم كشطت السماء عنهم، ثم قال رسول الله ﷺ : والموتى لا يعلمون شيئًا من ذلك، قلت يا رسول الله فمن استثنى الله ، حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، قال: أولئك [هم] (٩) الشهداء عند ربهم يرزقون، إنما يصل الفزع إلى الأحياء، يقيهم الله شر ذلك اليوم، ويؤمنهم منه. وهو عذاب يلقيه الله على شرار (١٠)، خلقه، وهو الذي يقول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] أي شديد، فيمكثون في ذلك ما شاء الله إلا أنه يطول عليهم بأطول [يوم عليهم] (١١). ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ

стр. 502

نفخة الصعق، الحديث بطوله وقد تقدم (١) وسطه وهذا (٢) آخره. فصل هذا الحديث ذكره الطبري (٣) والثعلبي، وصححه ابن العربي في سراج المريدين (٤) له (٥) وقال (٦): "يوم الزلزلة هو الاسم الثاني عشر يكون عن النفخة الأولى. بهذا الحديث الصحيح الواحد المفرد. ولما نبأ (٧) النبي (٨) ﷺ بذكر الزلزلة التي تكون عند النفخة الأولى ذكر ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العظام التي يعطيها قوله ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ومن قرعها ما لا تطيق حمله النفوس وهو قوله لآدم: "ابعث بعث النار (٩) فتكون في الدنيا ذلك اليوم (١٠) ولا يقتضي ذلك أن يكون (١١) متصلًا بالنفخة الأولى التي يشيب فيها الوليد وتضع الحوامل وتذهل المراضع ولكن يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون آخر (١٢) الكلام منوطًا بأوله تقديره يقال: لآدم ابعث بعث النار أثناء يوم (١٣) يشيب الوليد وتضع الحوامل وتذهل المراضع من أوله. الثاني: أن شيب الوليد، ووضع الحوامل، وذهول المراضع يكون في النفخة الأولى حقيقة، وفي هذا القول الثاني تكون صفته بذلك إخبارًا عن شدته،

стр. 503

وإن لم يوجد غير (١) ذلك الشيء فيه، وهذه طريقة العرب في فصاحتها". قلت: ما ذكره ابن العربي من صحة الحديث وكلامه فيه: فيه نظر، لما نبينه آنفًا (٢)، وقد قال أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له (٣): ورد في هذا الباب حديث منقطع لا يصح، ذكره الطبري (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينفخ في الصور ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع" فذكره. قال: وهو عنده (٥) في سورة يس. قلت: قد تقدم (٦) أن الصحيح في النفخ إنما هو مرتان لا ثلاث مرات، وحديث مسلم (٧) في قول الله تعالى لآدم "يا آدم ابعث بعث النار"، إنما هو بعد البعث يوم القيامة، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق على ما تقدم، أو نفخة البعث على ما يأتي (٨)، ولأنه لو كانت نفخة الفزع غير نفخة الصعق لاقتضى ذلك أن يكون بقاء الناس بعدها أحياء ما شاء الله، ويكون هناك ليل ونهار حتى تأتي نفخة الصعق التي يموت بسماعها جميع الخلق كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى هذا لا يكون قوله: "ابعث" في أثناء اليوم الذي يكون مبدؤه نفخة الفزع على ما ذكره ابن العربي، والله أعلم. ولا يلزم عن زلزال الأرض أن يكون عن نفخة، فإنا نشاهد تحرك الأرض وميدها بمن عليها وما عليها من جبال وبناء كالسفينة في البحر إذا تلاطمت أمواجه من غير نفخ، وإنما تلك الزلزلة من أشراط الساعة ومقدماتها كسائر أشراطها.

стр. 504

وقد قال علقمة (١) والشعبي (٢): الزلزلة من أشراط الساعة وهي في الدنيا، وكذلك قال أنس بن مالك (٣) والحسن البصري (٤) ﵃، وقد ذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم (٥) في تفسيره (٦): أن المراد بنفخة الفزع، النفخة الثانية، أي يحيون فزعين يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم والله أعلم. ونحو ذلك ذكر الماوردي (٧) واختاره. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون قبل الساعة في النصف من شهر رمضان ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها (٨). وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الضمير المنصوب في ﴿تَرَوْنَهَا﴾ للزلزلة، أو القيامة قولان: فعلى الأولى أن ذلك في الدنيا قبل نفخة الصعق لعظم تلك الزلزلة وقوة حركتها بالأرض؛ لأن القيامة لا رضاع فيها ولا حمل ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] يعني من الخوف. وعلى القول الثاني أن لو كان لذهلت كل مرضعة عن مرضعها (٩) يكون فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك مثلًا، والمعنى أنه يكون يومًا لا يهم أحد فيه إلا نفسه والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة ويكون الهول (١٠) عظيمًا. والوجه الآخر: أن يكون ذلك حقيقة لا مثلًا. ويكون المعنى إن من كانت محشورة مع ولد رضيع فإنها إذا رأت هول ذلك اليوم ذهلت عمن ولدت

стр. 505

وأن الحوامل إذا بعثن (١) أسقطن من فزع يوم القيامة الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء، ثم لا يمتن بالإسقاط. لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين؛ لأنه لا موت في القيامة وإنما هو يوم الحياة (٢). ثم يحتمل أن يحيي الله كل حمل كان قد أتم خلقه ونفخ فيه الروح، ويسويه ويعدله، فإن الأم تذهل عنه ولو لم تذهل ما قدرت على أرضاعه لأنه لا غذاء لها يومئذ (٣) ولا لبن واليوم يوم الحساب، لا يقبل فيه أحد (٤) عذر ولا علة، فكيف تُخلى والاشتغال بالولد مع ما عليها من الحساب، وهي بصدده من الجزاء، والحمل الذي لم ينفخ فيه الروح (٥) قط إذا سقط يكون مع (٦) الوحوش ترابًا، ولم يبتدأ إحياؤه لأن اليوم يوم الإعادة. فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى في الآخرة، قاله الحليمي في منهاج الدين (٧). وقال الحسن (٨) في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ أي من العذاب والخوف، وما بسكارى من الشراب، وما (٩) يبين ما قلناه: أن إبليس قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤]، فسأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب، طلب أن لا يموت لأن البعث لا موت بعده، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، قال ابن عباس (١٠) والسدي (١١) وغيرهما: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم، وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه. قال المؤلف ﵁: وما وقع في هذا الحديث من انشقاق (١٢) السماء،

стр. 506

وتناثر نجومها، وطمس شمسها وقمرها، فقد ذكر المحاسبي (١) وغيره: أن ذلك يكون بعد جمع الناس في الموقف، وروي عن ابن عباس ﵄ وسيأتي (٢)، وقال الحليمي في كتاب (٣) منهاج الدين (٤): فصل، فأما الكوائن يوم القيامة قبل الحساب فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، وقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ إلى آخرها، والذي ثبت بسياق الآيات: أن هذه الزلزلة إنما تكون بعد إحياء الناس وبعثهم من قبورهم؛ لأنه لا يراد بها إلا إذعار الناس، والتهويل عليهم فينبغي أن يشاهدوها؛ ليفزعوا منها، ويهولهم أمرها، ولا تمكن المشاهدة منهم وهم أموات، ولأنه تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾، أي تخبر عما عُمِلَ عليها من خير وشر: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾. فدل ذلك على أن هذه الزلزلة إنما تكون والناس إحياء، واليوم يوم الجزاء، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ [الحاقة: ١٣]، يعني الآخرة: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٤ - ١٨]، فبدلت هذه السورة أن اصطدام الأرض والجبال لا يكون إلا بعد الإحياء، فدل أن هذه الكوائن إنما تكون بعد النشأة الثانية والله أعلم. وأما قوله فيه يوم التناد، فقال الحسن (٥) وقتادة (٦) ذلك: يوم ينادي أهل الجنة أهل النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، وينادي أهل النار أهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء، يوم تولون مدبرين، يعني عن النار أي غير فارين غير معجزين (٧) في تفسير مجاهد (٨). وقيل: معناه يوم ينادي أهل النار بالويل والثبور ويولون مدبرين من شدة العذاب، وقيل: إن ذلك نداء بعض الناس لبعضٍ في المحشر وتوليهم مدبرين إذا رأوا عنقًا من النار، قال قتادة (٩): معنى

стр. 507

﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ منطلقًا بكم إلى النار، ما لكم من الله من عاصم أي مانع يمنعكم، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ إلى أن قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ١٣]، وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث، قيل له ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة: النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن عباس (١) ومجاهد وعطاء (٢) وابن زيد (٣) وغيرهم، قال مجاهد: هما صيحتان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الآخرة فيحيى كل شيء بإذن الله (٤). وقال مجاهد (٥) أيضًا: الرادفة حين تنشق السماء، وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. وقال عطاء: الراجفة القيامة، والرادفة البعث (٦). وقال ابن زيد (٧): الراجفة الموت، والرادفة الساعة، وهذا (٨) يبين لك ما قلناه من أن (٩) المراد بالرجفة (١٠) النفخة الثانية، والله أعلم. واختلفوا في الساهرة اختلافًا كثيرًا، فقال ابن عباس (١١) ﵄ وأما الساهرة فأرض من فضة بيضاء لم يعص الله عليها طرفة عين، خلقها الله (١٢) يومئذ وهو قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض. وقال بعضهم: الساهرة اسم الأرض السابعة يأتي الله بها فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض (١٣). وقال قتادة (١٤): جهنم، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم.

стр. 508

وقيل: صحراء قريب من شفير جهنم (١). وقال الثوري (٢): الساهرة أرض الشام وقيل غير هذا، وإنما قيل لها الساهرة لأنهم لا ينامون عليها حينئذ، ومعنى فإذا هم بالساهرة، أي على وجه الأرض بعد ما كانوا في بطنها، والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة. قال أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به لهم مقيم (٣) باب الحشر [ومعناه الجمع] (٤): وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، قال الزهري (٥): كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس ﵄: من شك أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية (٦)، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم: "اخرجوا قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر" (٧)، قال قتادة: هذا أول الحشر (٨). والثاني: ما رواه مسلم (٩) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة

стр. 509

على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا"، أخرجه البخاري (١) أيضًا. وقال قتادة (٢): الحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، فتأكل منهم من تخلف. قال القاضي عياض (٣): هذا الحشر في الدنيا قبل (٤) قيام الساعة وهو آخر أشراطها، كما (٥) ذكره مسلم (٦) بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: "وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن (٧) ترحل الناس، وفي رواية: "تطرد الناس إلى محشرهم" (٨)، وفي حديث آخر: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز" (٩). ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: "فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا" قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: "فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام" (١٠)، كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. قال المؤلف ﵁ وذكر الحليمي في كتاب (١١) منهاج الدين (١٢) له (١٣) حديث ابن عباس ﵄ وذكر أن ذكر في الآخرة فقال: يحتمل قوله ﵇ تحشر الناس على ثلاث طرائق، إشارة إلى الأبرار، والمخلطين، والكفار، فالأبرار

стр. 510

هم الراغبون (١) إلى الله تعالى فيما أعد لهم من ثوابه، والراهبون هم الذين بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما في الحديث على ما يأتي (٢) في هذا الباب، وأما المخلطون فهم الذين أريدوا في هذا الحديث، وقيل: إنهم يحملون على الأبعرة، وأما الفجار الذين تحشرهم النار فإن الله يبعث إليهم ملائكة فتقيض لهم نارًا تسوقهم. ولم يرد في (٣) الحديث إلا ذكر البعير، فأما إن ذلك من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء، وتحشر يوم القيامة فهذا ما لم يأت بيانه، والأشبه أن لا يكون من نجائب الجنة، لأن من خرج من جملة الأبرار وكان ذلك من جملة المؤمنين فإنهم بين الخوف والرجاء؛ لأن من هؤلاء من يغفر الله تعالى ذنوبه فيدخل الجنة، ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه منها، ويدخله الجنة، وإذا كانوا (٤) كذلك لم يلق أن يوردوا موقف الحساب على نجائب الجنة ثم ينزل الله (٥) بعضهم إلى النار، لأن من أكرمه الله بالجنة لم يهنه بعد ذلك بالنار، و (٦) قال: وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: "يحشر الناس" الحديث، وفي آخره: "أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك (٧)، فهذا إن ثبت مرفوعًا فالركبان هم المتقون السابقون الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب، ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة (٨). والصنف الثاني: الذين يعذبهم الله بذنوبهم ثم يخرجهم (٩) من النار إلى

стр. 511

الجنة وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحمل (١) على هذا قد يمشوا (٢) وقتًا ثم يركبوا، أو يكونوا ركبانًا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان. والصنف الثالث: المشاة على وجوههم، هم الكفار وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون، وهم ركبان وصنفان من الكفار أحدهما العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم. قال المؤلف ﵁: وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٣) في قوله ﵇: كيف يحشر الناس يا رسول الله؟ قال: "اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير" (٤)، هذا الحديث والله أعلم أن قومًا يأتلفون في الإسلام برحمة الله يخلق الله (٥) لهم من أعمالهم بعيرًا يركبون عليه، وهذا من ضعف العمل لكونهم يشتركون فيه، كقوم خرجوا في (٦) سفر بعيد وليس مع (٧) واحد منهم ما يشتري به مطية توصله، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة، وابتاعوا مطية يتعاقبون عليها في الطريق، ويبلغ بعيرٌ مع عشرة، فاعمل هداك الله عملًا يكون لك به بعير خالص من الشركة. واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح، فالمتقون وافدون كما قال الجليل (٨): ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، وفي غريب الرواية (٩) أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: "كان رجل من بني إسرائيل كثيرًا ما يفعل الخير حتى أنه ليحشر فيكم، قالوا له: وما كان يصنع؟ قال: ورث من أبيه مالًا كثيرًا فاشترى بستانًا فحبسه

стр. 512

للمساكين، وقال: هذا بستاني عند الله تعالى وفرق دنانير عديدة على (١) الضعفاء، وقال: بهذا أشتري جارية من الله وعبيدًا (٢)، وأعتق رقابًا كثيرة وقال: هؤلاء خدمي عند الله تعالى، والتفت ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذه مطيتي عند الله تعالى أركبها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف" (٣). قال المؤلف ﵁: ما ذكره القاضي عياض: من أن ذلك في الدنيا أظهر، والله أعلم لما في الحديث نفسه من ذكر المساء، والصباح، والمبيت، والقائلة، وذلك ليس في الآخرة، وقد خرج الترمذي (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم، قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم (٥)؟ قال: الذي (٦) أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك" قال: حديث حسن، وقوله يتقون بوجوههم كل حدب وشوك يدل على أنه في الدنيا (٧) إذ ليس في الآخرة ذلك على ما يأتي (٨) في صفة أرض المحشر، والله أعلم. وخرج النسائي (٩) عن أبي ذر ﵁ قال: إن الصادق المصدوق حدثني:

стр. 513

"أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج، فوجًا راكبين طاعمين كاسيين، وفوجًا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشر النار فوجًا (١) يمشون ويسعون يلقي الله الآفة على الظهر فلا يبقى حتى إن الرجل لتكون (٢) له الحديقة يعطيها بذات القتب (٣) لا يقدر عليها". وذكر عمر بن شبة في كتاب المدينة (٤) على ساكنها السلام عن أبي هريرة ﵁ قال: آخر من يحشر رجلان، رجل من جهينة وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس". وهذا كله مما يدل على أن ذلك في الدنيا، كما قال القاضي عياض، وأما الآخرة فالناس أيضًا مختلفو الحال على ما ذكره (٥)، وسنذكره من ذلك ما فيه كفاية في الباب بعد هذا (٦). [والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف على ما يأتي (٧) بيانه في الباب بعد هذا إن شاء الله (٨)] (٩)، قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ (١٠) الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، أي ركبانًا على النُّجُب، وقيل: على قدر الأعمال كما تقدم (١١)، وقد وردت أخبار (١٢)، منها ما رواه النعمان بن سعد عن

стр. 514

علي ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: "أما إنهم ما (١) يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة، وسمي (٢) المتقون وفدًا لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه فهم لا يثبطون لكنهم يحدون ويسرعون والملائكة تتلقاهم بالبشارات كما قال الله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، فيزدهم (٣) ذلك إسراعًا، وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا بالطاعات: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٦] أي عطاشًا وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ الفرقان: ٣٤] " (٤). مسلم (٥) عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ : "أليس (٦) الذي أمشاه على الرجلين قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة"؟ قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا، أخرجه البخاري (٧) أيضًا. فصل قال أبو حامد (٨): وذكر هذا الفصل في طبع الآدمي إنكار ما لم يأنس به ولم يشاهده، ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي

стр. 515

من غير رجل، والمشي بالرجل أيضًا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئًا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا فإنك لو لم تشاهد عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارًا لها، فأحضر رحمك الله في قلبك صورتك وأنت قد وقفت عاريًا ذليلًا، مدحورًا، متحيرًا، مبهوتًا، منتظرًا لما يجري عليك من القضاء (١) بالسعادة أو بالشقاء. باب بيان الحشر إلى الموقف (٢) كيف هو وفي أرض المحشر (٣) وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ [ق: ٤١] (٤) أبو نعيم (٥) قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنبأ المنذر (٦) بن النعمان أنه سمع وهب بن منبه يقول: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: لأضعن عليك عرشي [و] (٧) لأحشرن عليك خلقي وليأتينك يومئذ داود راكبًا. وقال بعض العلماء (٨): في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ قال: إنه ملك قائم على صخرة ببيت المقدس فينادي أيتها (٩) العظام البالية، والأوصال، المنقطعة ويا عظامًا نخرة (١٠) ويا أكفانًا فانية، ويا قلوبًا خاوية، ويا أبدانًا فاسدة ويا عيونًا سائلة، قوموا لعرض رب العالمين. قال قتادة: المنادي هو صاحب الصور ينادي من الصخرة من بيت المقدس (١١).

стр. 516

قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا، [وقيل: باثني عشر ميلًا] (١)، ذكره القشيري (٢)، والأول ذكره الماوردي (٣). وقيل: إن المنادي جبريل، والله أعلم. قال عكرمة (٤): ينادي منادي الرحمن وكأنما ينادي في آذانهم: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ يريد النفخ في الصور، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس أرض المحشر: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، أي: هين سهل. فإن قيل (٥): فإذا كانت الصيحة للخروج فكيف يسمعونها وهم أموات؟ قيل له: إن نفخة الإحياء تمد (٦) وتطول فيكون أوائلها للأحياء وما بعدها للإزعاج من القبور فلا يسمعون ما يكون للإحياء ويسمعون ما للإزعاج. ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة والناس يحيون منها أولًا فأولًا، وكلما حيي واحد سمع من يحيى به من بعده إلى أن يتكامل الجميع للخروج. وقد تقدم (٧) أن الأرواح في الصور، فإذا نفخ فيه النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده، ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وهذا يبين لك ما ذكرناه (٨) وبالله توفيقنا (٩). وقال محمد بن كعب القرظي (١٠): يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوى السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادى مناد فيتبع

стр. 517

الناس الصوت يومئذ، فذلك قول الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ (١) [طه: ١٠٨] الآية. قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ١ - ٣]، فجر عذبها في ملحها، وملحها في عذبها، في تفسير قتادة (٢)، ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤]، أي أخرجت (٣) ما في جوفها (٤) من الأموات، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق: ١، ٢]، سمعت وأطاعت، وحقت أي و (٥) حق لها أن تفعل، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ تمد مد الأديم، وهذا إذا بدلت بأرض بيضاء كأنها فضة لم يعمل عليها خطيئة قط، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ أي من الأموات فصاروا على ظهرها. مسلم (٦) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي (٧) ليس فيها علم لأحد". وخرّج أبو بكر أحمد بن [علي] (٨) الخطيب عن عبد الله بن مسعود ﵁: ويحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط (٩)، فمن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقا لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل الله كفاه (١٠). وروي من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ: ١٨]، فقال النبي ﷺ : "يا معاذ بن جبل (١١) لقد سألت أمر عظيم"، ثم أرسل عينيه بالبكاء، ثم

стр. 518

قال: "يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتًا، قد ميزهم الله من جماعات المسلمين وبدل صورهم فمنهم على صورة (١) القردة، وبعضهم على صورة (٢) الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عُمْيّ يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعابًا يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبين على جذوع من النار وبعضهم أشد نتنًا من الجيف (٣)، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، فأما الذين على صور (٤) القردة فالقتّات من الناس، يعني النمّام، وأما الذين على صور (٥) الخنازير فأهل السحت والحرام، والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الربا، والعمي فمن (٦) يجور في الحكم، والصم البكم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، والمصلبين على جذوع من النار فالسعادة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنًا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات، واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء (٧). وقال أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٨): ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية فقوم مفتونون بالعود، معتكفون عليه دهرهم، فعند قيام أحدهم من قبره فيأخذه (٩) بيمينه فيطرحه من (١٠) يده، ويقول: سحقًا لك شغلتني عن ذكر الله فيعود إليه، ويقول: أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير

стр. 519

الحاكمين، وكذلك يبعث السكران سكرانًا، والزامر زامرًا، وكل أحد على الحال الذي صده عن سبيل الله، قال ومثله الحديث الذي روي في الصحيح (١): "أن شارب الخمر يحشر والكوز معلق في عنقه، والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على الأرض يلعنه كل من يمر به (٢) من الخلق". وقال أيضًا في الكتاب (٣): فإذا استوى كل أحد قاعدًا على قبره فمنهم العريان والمكسو (٤) والأسود والأبيض، ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس، لا يزال كل واحد منهم مطرقًا برأسه، [لا يدري ما يصنع به] (٥) ألف (٦) عام حتى تقوم من الغرب نار لها دوي تساق فتندهش (٧) لها رؤوس الخليقة: إنسًا وجنًا، وطيرًا ووحشًا، فيأتي كل واحد من المخاطبين عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيد شخص له عمله بغلًا، ومنهم من يشخص عمله حمارًا، ومنهم من يشخص له كبشًا، تارة يحمله، وتارة يلقيه، ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه مثله (٨)، يسري بين يديه في الظلمات وهو قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة، لا يستطيع البصر نفاذها يحار فيها الكفار ويتردد، المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حِنْدِسها (٩)، ويحمد الله تعالى على ما أعطاه من النور المهتدى به في تلك الشدة يسعى (١٠) بين أيديهم وبأيمانهم، لأن الله تعالى يكشف للعبد

стр. 520

المؤمن المنعم (١) عن أحوال المعذب الشقي ليستبين له سبيل الفائدة كما فعل بأهل الجنة وأهل النار حيث يقول: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥]، وكما قال : ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف: ٤٧]؛ لأن أربعًا لا يعرف قدرها إلا أربع: لا يعرف قدر الحياة إلا الموتى، [ولا يعرف قدر الصحة إلا أهل السُّقْم، ولا يعرف قدر الشباب إلا أصحاب (٢) الهرم] (٣)، ولا يعرف قدر الأغنياء إلا الفقراء. ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى أطراف (٤) بنانه [و] (٥) نوره يطفأ تارة (٦) ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم وأعمالهم. وقد مضى في باب: يبعث كل عبد على ما مات عليه ما فيه كفاية والحمد لله. باب في الجمع بين آيات وردت في الكتاب (٧) في الحشر ظاهرها التعارض منها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وفي آية ثالثة إنهم كانوا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، وهذا كلام وهو متضاد والبكم، والتعارف تخاطب (٨)، وهو مضاد للصمم والبكم

стр. 521

معًا، وقال الله (١) تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦]، والسؤال لا يكون إلا باستماع، وإلا لناطق يستمع للجواب، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣]، والنسلان، والإسراع مخالفان للحشر على الوجوه. والجواب: لمن سأل عن هذا أن يقال له: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم فليست حالهم (٢) واحدة، ولا موقفهم ولا مقامهم واحدًا، ولكن لهم مواقف وأحوال، واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم. وجملة ذلك أنها خمسة أحوال، أولها حال البعث من القبور، والثانية: حال السوق إلى موضع الحساب، والثالثة: حال المحاسبة، والرابعة: حال السوق إلى دار الجزاء، والخامسة: حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها. فأما حال البعث من القبور فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح لقول الله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه: ١٠٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿كَمْ (٣) لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٢ - ١١٥]. والحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب، وأيضًا في هذه الحال بحواس تامة لقوله ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤] ومعنى فاهدوهم أي دلوهم، ولا دلالة لأعمى أصم ولا سؤال لأبكم، فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع، وألسنة ناطقة. والحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة، وهم يكونون فيها أيضًا كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم ويقرؤوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم

стр. 522

جوارحهم بسيئاتهم فيسمعونها، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وأنهم يقولون لجلودهم لما شهدتم علينا، وليشاهدوا أحوال القيامة، وما كانوا مكذبين في الدنيا، من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها (١). وأما الحالة الرابعة: وهي السوق إلى جهنم، فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم لقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧]، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١]، إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق. والحالة الخامسة: حال الإقامة في النار، وهذه الحال ينقسم إلى بدوٍ ومآل، فبدؤها أنهم إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميًا، وبكمًا، وصمًا، إذلالًا لهم وتمييزًا عن غيرهم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار، وما أعد لهم فيها من العذاب ويعاينوا ملائكة العذاب (٢) وكل ما كانوا به مكذبين فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين، ولهذا قال الله (٣) تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام: ٢٧] وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ … (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) [الملك: ٨ - ٩]. وأخبر الله (٥) تعالى أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ

стр. 523

الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وأن أهل الجنة ينادون (١): ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وأنهم ليقولون (٢): ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيقولون لهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، فقال الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وكتب عليهم الخلود بالمَثَلِ الذي يضرب لهم وهو أن يؤتى بكبش أملح ويسمى الموت (٣)، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادوا يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم، وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام لكن (٤) سلب السمع يقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ١٠٠] فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الرب سبحانه على ألسنة رسله فلم يجيبوه بل جحدوه، وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الاستماع (٥) عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع، يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٦)،

стр. 524

[فصلت: ٢٦]، وأن قوم نوح ﵇ كانوا يستغشون ثيابهم تسترًا منه لئلا يروه ولا يسمعوا كلامه (١)، وقد أخبر الله، وقد أخبر الله (٢) عن الكفار [في] (٣) وقت نبينا ﵊ مثله، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥]، وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا العبر فلم يعتبروا، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا، فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا والله أعلم. باب ما جاء في حشر الناس إلى الله حفاة عراة غرلًا وفي أول من يكسى منهم، وفي أول ما يتكلم من الإنسان مسلم (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم (٥) تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ألا وإن أول الناس يكسى (٦) يوم القيامة إبراهيم ﵊، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي، فيقول (٧): إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ (٨)﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]، فيقال إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. أخرجه البخاري (٩) أيضًا. والترمذي (١٠) عن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال:

стр. 525

وأشار بيده إلى الشام فقال: "هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانًا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام، توفون سبعين أمة، أنتم خيرهم وأكرمهم على الله، وأن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه". وفي رواية أخرى ذكرها ابن أبي شيبة (١): "وأول ما يتكلم من (٢) الإنسان فخذه وكفه". فصل قوله: غرلًا، أي غير مختونين (٣)، النقي: الحواري، وهو الدرمك من الدقيق، والعفر: بياض ليس بخالص يضرب إلى الحمرة قليلًا (٤)، والفدام: مصفاة الكوز والإبريق، قاله الليث (٥). قال أبو عبيدة (٦): يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالقدم الذي يجعل على الإبزيق، وقوله: "أول من يكسى إبراهيم" فضيلة عظيمة لإبراهيم، وخصوص له كما خص موسى ﵇ بأن النبي ﷺ يجده متعلقًا (٧) بساق العرش مع أن النبي ﷺ الأول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه مطلقًا، بل هو أفضل من وافي القيامة على ما

стр. 526

يأتي (١) بيانه في أحاديث (٢) الشفاعة والمقام المحمود إن شاء الله (٣). قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب المفهم له (٤): ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله أعلم. قلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصًا خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه (٥): أخبرنا سفيان عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن علي ﵁ قال: "أول من يكسى خليل الله إبراهيم قبطيتين، ثم يكسي محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش"، ذكره (٦) البيهقى (٧) أيضًا. وروى عباد بن كثير عن الزبير عن جابر قال: "إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم خليل الله، ثم محمد ﷺ ، ثم النبيون والرسل (٨) ﵇، ثم يكسى المؤذنون، وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر، أزمتها من زمرد أخضر رحالها من الذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر"، ذكره الحليمي في كتاب المنهاج له (٩). وذكر أبو نعيم (١٠) الحافظ من حديث الأسود وعلقمة وأبي وائل (١١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ الحديث، وفيه فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇ فيقول: اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين

стр. 527

بيضاوين فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقامًا (١) لا يقومه أحد غيري، يغبطني فيه الأولون والآخرون"، وذكر الحديث. وخرّج (٢) البيهقي بإسناده في كتاب الأسماء والصفات (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تحشرون (٤) حفاة عراة، وأول من يكسى من الجنة إبراهيم ﵇، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسي فيطرح (٥) عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر وأوتى (٦) بكرسي فيطرح لي على ساق العرش"، وهذا نص في أن إبراهيم أول من يكسى، ثم نبينا بإخباره ﷺ ، فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الوقت من ثياب الجنة، فإنه من لبسه فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشمس (٧) وغير ذلك من أهواله. فصل وتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم ﵇ بالكسوة، فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عبد أخوف من إبراهيم ﵇، فتجعل (٨) له كسوته أمانًا (٩) له؛ ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر، وحفظًا لفرجه من أن يماس مصلاه، ففعل ما أمر به، فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة.

стр. 528

ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين (١) الناس كما يفعل بمن يراد قتله، فكان ما أصابه من ذلك في ذات الله ، فلما صبر واحتسب، وتوكل على الله تعالى دفع عنه شر النار في الدنيا والآخرة، وجزاه بذلك العُرِي أن جعله أول من يدفع عنه العُرِي يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وهذا اجتهاد، والله أعلم (٢). وإذا بدئ بالكسوة (٣) بإبراهيم، وثني بمحمد ﷺ أوتى محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵇، قاله الحليمي (٤). وقوله: "تجرون على أفواهكم الفدام"، الفدام: مصفاة الكوز والإبريق قاله الليث، قال أبو عبيدة: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق (٥)، وقال سفيان: وفدامهم الذي يؤخذ على ألسنتهم (٦) وهذا مثل. باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ مسلم (٧) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، قلت: يا رسول الله الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض (٨) ".

стр. 529

الترمذي (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: تحشرون، حفاة، عراة، غرلًا، فقالت امرأة: أيبصر بعضنا أو يرى بعضنا عورة بعض؟ فقال: يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، قال: حديث (٢) حسن صحيح. فصل قلت: (٣) هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلًا، أي (٤) غير مختونين كما بدأنا أول خلق نعيده. قال العلماء (٥): يحشر العبد غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه (٦) عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان. وقد عارض هذا الباب ما روى (٧) أبو داود في سننه (٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما (٩) حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يدفن فيها". قال أبو عمر بن عبد البر (١٠): وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن الموتى جملة يبعثون (١١) على هيئاتهم. وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمل في ثيابه، ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عنه (١٢) شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة، قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم، والله أعلم.

стр. 530

قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال (٢) في الآخرة (٣)، زالت الأملاك بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وكل نفس (٤) يومئذ فإنما يقيها المكاره، ما وجب لها بحسن عملها (٥) أو رحمة مبتدأة من الله تعالى عليها، فأما الملابس فلا يحيى فيها (٦) ويومئذ إلا ما كان من لباس الجنة على ما تقدم (٧) في الباب قبل. وذهب أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر في أكفانها، وساير الأمم عراة"، و (٨) رواه أبو سفيان مسندًا (٩). قال المؤلف ﵁: وهذا الحديث لم أقف عليه، فالله أعلم بصحته، وإن صح فيكون معناه فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار والله أعلم، ولا يعارض هذا الباب ما تقدم (١٠) أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم، فأن (١١) ذلك يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء (١٢) والله أعلم.
следующие страницы →