← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يأتي (١) بيانه في أحاديث (٢) الشفاعة والمقام المحمود إن شاء الله (٣). قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب المفهم له (٤): ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله أعلم. قلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصًا خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه (٥): أخبرنا سفيان عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن علي ﵁ قال: "أول من يكسى خليل الله إبراهيم قبطيتين، ثم يكسي محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش"، ذكره (٦) البيهقى (٧) أيضًا. وروى عباد بن كثير عن الزبير عن جابر قال: "إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم خليل الله، ثم محمد ﷺ ، ثم النبيون والرسل (٨) ﵇، ثم يكسى المؤذنون، وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر، أزمتها من زمرد أخضر رحالها من الذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر"، ذكره الحليمي في كتاب المنهاج له (٩). وذكر أبو نعيم (١٠) الحافظ من حديث الأسود وعلقمة وأبي وائل (١١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ الحديث، وفيه فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇ فيقول: اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين

стр. 527

بيضاوين فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقامًا (١) لا يقومه أحد غيري، يغبطني فيه الأولون والآخرون"، وذكر الحديث. وخرّج (٢) البيهقي بإسناده في كتاب الأسماء والصفات (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تحشرون (٤) حفاة عراة، وأول من يكسى من الجنة إبراهيم ﵇، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسي فيطرح (٥) عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر وأوتى (٦) بكرسي فيطرح لي على ساق العرش"، وهذا نص في أن إبراهيم أول من يكسى، ثم نبينا بإخباره ﷺ ، فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الوقت من ثياب الجنة، فإنه من لبسه فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشمس (٧) وغير ذلك من أهواله. فصل وتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم ﵇ بالكسوة، فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عبد أخوف من إبراهيم ﵇، فتجعل (٨) له كسوته أمانًا (٩) له؛ ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر، وحفظًا لفرجه من أن يماس مصلاه، ففعل ما أمر به، فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة.

стр. 528

ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين (١) الناس كما يفعل بمن يراد قتله، فكان ما أصابه من ذلك في ذات الله ، فلما صبر واحتسب، وتوكل على الله تعالى دفع عنه شر النار في الدنيا والآخرة، وجزاه بذلك العُرِي أن جعله أول من يدفع عنه العُرِي يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وهذا اجتهاد، والله أعلم (٢). وإذا بدئ بالكسوة (٣) بإبراهيم، وثني بمحمد ﷺ أوتى محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵇، قاله الحليمي (٤). وقوله: "تجرون على أفواهكم الفدام"، الفدام: مصفاة الكوز والإبريق قاله الليث، قال أبو عبيدة: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق (٥)، وقال سفيان: وفدامهم الذي يؤخذ على ألسنتهم (٦) وهذا مثل. باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ مسلم (٧) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، قلت: يا رسول الله الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض (٨) ".

стр. 529

الترمذي (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: تحشرون، حفاة، عراة، غرلًا، فقالت امرأة: أيبصر بعضنا أو يرى بعضنا عورة بعض؟ فقال: يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، قال: حديث (٢) حسن صحيح. فصل قلت: (٣) هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلًا، أي (٤) غير مختونين كما بدأنا أول خلق نعيده. قال العلماء (٥): يحشر العبد غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه (٦) عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان. وقد عارض هذا الباب ما روى (٧) أبو داود في سننه (٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما (٩) حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يدفن فيها". قال أبو عمر بن عبد البر (١٠): وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن الموتى جملة يبعثون (١١) على هيئاتهم. وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمل في ثيابه، ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عنه (١٢) شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة، قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم، والله أعلم.

стр. 530

قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال (٢) في الآخرة (٣)، زالت الأملاك بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وكل نفس (٤) يومئذ فإنما يقيها المكاره، ما وجب لها بحسن عملها (٥) أو رحمة مبتدأة من الله تعالى عليها، فأما الملابس فلا يحيى فيها (٦) ويومئذ إلا ما كان من لباس الجنة على ما تقدم (٧) في الباب قبل. وذهب أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر في أكفانها، وساير الأمم عراة"، و (٨) رواه أبو سفيان مسندًا (٩). قال المؤلف ﵁: وهذا الحديث لم أقف عليه، فالله أعلم بصحته، وإن صح فيكون معناه فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار والله أعلم، ولا يعارض هذا الباب ما تقدم (١٠) أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم، فأن (١١) ذلك يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء (١٢) والله أعلم.

стр. 531

باب ذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت عن عبد الله بن إبراهيم بن عمر (١) الغفاري قال: حدثنا (٢) مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر ﵄ حتى أقف بين الحرمين (٣) فيأتي أهل المدينة ومكة" (٤)، غريب من حديث مالك تفرد به عبد الله بن إبراهيم عنه (٥)، ويقال: لم يروه عنه (٦) غير عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي البغدادي عن الغفاري. باب قول النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت، وفي أسماء يوم القيامة (٧) الترمذي (٨) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت"، قال: هذا حديث حسن. فصل قلت: إنما (٩) كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكور (١٠) شمسها وانكدار نجومها وتناثر كواكبها إلى غير

стр. 532

ذلك من أفزاعها وأهوالها وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم بعد نشر صحفهم (١)، وقراءة كتبهم، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم، أو من وراء ظهورهم في موقفهم على ما يأتي (٢) بيانه. قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]، وقال: [و] (٣) ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] فتراها واهية منفطرة متشققة لقوله (٤) تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ: ١٩]، ويكون الغمام سترة بين السماء والأرض. وقيل: إن الباء بمعنى عن أي تشقق عن سحاب أبيض، ويقال: انشقاقها لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه وبرزت النيران فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن، وتنشق لما يريد الله من نقض هذا العالم ورفعه. وقد قيل: إن السماء تتلون: فتصفر، ثم تحمر، أو تحمر ثم تصفر كالمُهرةِ (٥) تميل في الربيع إلى الصفرة، فإذا اشتد الحرُّ مالت إلى الحمرة، ثم إلى الغبرة، قاله الحليمي (٦). وقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير: ١] قال ابن عباس ﵄: تكويرها: إدخالها في العرش (٧)، وقيل: ذهاب ضوئها، قاله الحسن وقتادة (٨). وروي ذلك عن ابن عباس (٩) ﵄ ومجاهد، وقال أبو عبيدة (١٠): كورت مثل تكوير العمامة تلف فتمحى.

стр. 533

وقال الربيع بن خثيم (١): كورت رمي بها، ومنه كورته فتكور أي سقط. قلت: وأصل التكوير الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي: لاتها (٢) وجمعها فهي تكور، ثم يمحى ضؤوها، ثم يرمى بها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير: ٢] أي انتثرت، قيل: تتناثر من أيدي الملائكة لأنهم يموتون، وفي الخبر أنها معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي الملائكة (٣)، وقال ابن عباس: انكدرت تغيرت (٤)، وأصل الانكدار الانصباب (٥) فتسقط في البحار فتصير معها نيرانًا إذا ذهبت المياه. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ [التكوير: ٣]، هو مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ (٦) الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، أي تحول عن منزلة الحجارة فتكون كثيبًا مهيلًا أي رملًا سائلًا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منبثًا، وتكون سرابًا (٧) مثل السراب الذي ليس بشيء، وقيل: إن الجبال بعد اندكاكها إنها تصير كالعهن من حر جهنم كما تصير السماء من حرها كالمهل. قال الحليمي (٨): وهذا والله أعلم لأن مياه الأرض كانت حاجزة بين السماء والأرض، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أثرت في كل واحد من السماء والجبال ما ذكر. قوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، أي عطلها أهلها فلم تحلب من الشغل بأنفسهم، والعشار: الإبل الحوامل، واحدها: عُشراء، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع

стр. 534

وبعدها تضع، وإنما خص العشار بالذكر لأنها أعز ما تكون على العرب فأخبر أنها تعطل يوم القيامة، ومعناه أنهم إذا قاموا من قبورهم وشاهد (١) بعضهم بعضًا ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشارهم (٢) التي كانت أنفس أموالهم لم يعبئوا بها ولم يهمهم أمرها (٣)، ويحتمل تعطيل العشار إبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا، وأهل (٤) العشار يرونها ولا يجدون إليها سبيلًا (٥)، وقيل: العشار: السحاب، تعطل مما يكون فيه، وهو الماء فلا تمطر، وقيل: العشار الديار تعطل فلا تسكن، وقيل: الأرض التي يُعشّر زرعها تعطل فلا تزرع، والقول الأول أشهر (٦)، وعليه من الناس الأكثر. وقوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير ٥] أي جمعت، والحشر: الجمع، وقد تقدم (٧)، [ويأتي (٨)] (٩). وقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦] أي أوقدت فصارت نارًا، رواه الضحاك عن ابن عباس (١٠) ﵄، وقال قتادة: غار ماؤها فذهب (١١)، وقال الحسن (١٢) والضحاك (١٣): فاضت، قال ابن أبي زمنين: سجرت حقيقة (١٤) ملئت فيفضي بعضها إلى بعض فتصير شيئًا واحدًا، وهو معنى قول الحسن.

стр. 535

ويقال: إن الشمس تلف ثم تلقى في البحار فمنها تحمى وتنقلب نارًا (١). قال الحليمي (٢): ويحتمل إن كان هذا هكذا أن البحار في قول من فسر التسجير بالامتلاء هو أن النار حينئذ (٣)، تكون أكثر ما كان، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة، فإذا كورت وألقيت في البحر فصارت نارًا ازدادت امتلاء. وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧] تفسير الحسن (٤): أن تلحق كل شيعة بشيعتها (٥)، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد من دون الله شيئًا، يلحق بعضهم ببعض (٦)، المنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقال عكرمة (٧): المعنى تقرن بأجسادها أي ترد إليها، وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان. وقيل: يقرن المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين (٨). وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ [التكوير: ٨] يعني بنات الجاهلية، كانوا يدفنونهن (٩) أحياء لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به (١٠). الثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وسؤال الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلها كما يقال للطفل إذا ضرب، لم ضُربت؟ وما ذنبك؟. قال الحسن (١١): أراد الله (١٢) أو يوبخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب،

стр. 536

وبعضهم يقرأ: "وإذا الموؤدة سألت (١) "، فتتعلق (٢) الجارية بأبيها فتقول: بأي ذنب قتلتني؟ وقيل: معنى سئلت: يسأل عنها، كما قال: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير: ١٠] أي للحساب وسيأتي (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ [التكوير: ١١] قيل معناه: طويت كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (٤) أي كطي الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى على، يقال: كشطت السقف أي قلعته، وكأن المعنى قلعت، فطويت، والله أعلم. والكشط، والقشط سواء وهو القلع، وقيل: السجل كاتب رسول الله ﷺ ، ولا يصح إذ لا يعرف في الصحابة من اسمه سجل. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾، أي: أوقدت. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾، أي: قربت لأهلها (٥) وأدنيت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ أي من عملها، وهو مثل قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ٥] (٦)، ومثل قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة: ١٣]، فهو يوم الانشقاق، ويوم الانفطار، ويوم التكوير،

стр. 537

ويوم الانكدار، ويوم الانتثار، ويوم التسيير، قال الله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ١٠] (١) مثل: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ ويوم التعطيل، ويوم التسحير، ويوم التفجير، ويوم الكشط، والطي (٢)، ويوم المد لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق: ٣] إلى غير ذلك من أسماء القيامة، وهي الساعة الموعود أمرها، ولعظمها أكثر الناس السؤال عنها رسول (٣) الله ﷺ حتى أنزل الله على رسوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكلما عظم (٤) شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا جميع كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكد نفعه لديهم وموقعه، جمعوا له خمس مائة اسم، وله نظائر، فالقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة، منها ما ذكرناه (٥) مما وقع في هذه السور الثلاث. وقيل (٦): إن الله تعالى يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها فتوقف بين يدي الله، ويوم الجمعة فيها زهراء مضيئة يعرفها الخلائق، فيوم القيامة (٧) يوم يتضمن الأيام كلها فسمي بكل حال يومًا، فقيل: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ثم قيل: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤]، ثم قيل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]، فهذه (٨) حالة أخرى، ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة: ١٨]، ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] فهذه أحوال. وقد يجري يوم القيامة بطوله على هذه الأحوال كل

стр. 538

حال منها كاليوم المتجدد، ولذلك كررت (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ لأن ذلك اليوم ومن بعده يوم، واليوم (٢) العظيم متضمن لهذه الأيام، فهو لله يوم وللخلائق أيام، قد عرفت أيامهم في يومه وقد بطل الليل والنهار، قاله الترمذي الحكيم (٣). ومما قيل في معنى ما ذكرناه (٤) من النظم قول بعضهم: مثِّل لنفسك أيها المغرور … يوم القيامة والسماء تمور إذ (٥) كورت شمس النهار وأدنيت … حتى على رؤوس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت … وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا البحار تفجرت من خوفها … ورأيتها مثل الحميم تفور وإذا الجبال تعلقت بأصولها … فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت … خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت … وتقول للأملاك أين تسير وإذا تقاة المسلمين تزوجت (٦) … من حور عين زانهن شعور وإذا الموؤدة سئلت عن شأنها … وبأي ذنب قتلها ميسور وإذا الجليل طوى السماء بيمينه … طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت … تبدي لنا القصاص أمور وإذا السماء تكشطت عن أهلها … ورأيت أفلاك السماء تدور (٧) وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها … على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت … لفتى على طول البلاء صبور

стр. 539

وإذا الجنين بأمه متعلق (١) … يخشى القضاء (٢) وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية … كيف المصر على الذنوب دهور ومنها: الساعة، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ [الروم: ١٢] (٣)، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (٤)، وهذا (٥) في القرآن كثير. والساعة كلمة يعبر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود، وفي العرف: على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة، اللذَيْن هما أصل الأزمنة، وتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا، تريد الوقت الذي أنت فيه والذي يليه تقريبًا له، وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه وهو المسمى بالآن (٦)، وسميت به القيامة إما لقربها فإن كل آت قريب، وإما أن تكون سميت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام، وقيل: إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة، وقيل: إنما سميت بالساعة لأن الله تعالى يأمر السماء أن تمطر بماء الحيوان حتى تنبت الأجسام في مدافنها ومواضعها حيث كانت من بحر أو بر، وتستقل وتتحرك بحياتها بماء الحيوان وليست فيها أرواح، ثم يدعو الأرواح فأرواح المؤمنين تتوقد نورًا، وأرواح الكافرين تتوهج ظلمة، فإذا دعا الأرواح ألقاها في الصور ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ في الصور فإذا نفخ فيه خرجت من الصور ثم أمرت أن تلحق الأجساد فتبعث (٧) إلى الأجساد في أسرع من اللمحة، وإنما سميت الساعة لسعي الأرواح إلى الأجساد في تلك السرعة (٨) فهي سايع وجمعها

стр. 540

ساعة، كقولك: بايع وباعة، وصايغ وصاغة، وكائل وكالة، فتوصف أن سائر أموره في السرعة كلمح البصر (١)، قاله الترمذي أبو عبد الله (٢). وذكر أبو نعيم الحافظ (٣) بإسناده عن وهب بن منبه قال: إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء وقطرت العضاه (٤) دمًا. ومنها: القيامة، قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهي في العربية مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب، واختلف في تسميتها بذلك على (٥) أربعة أقوال: الأول: لوجود هذه الأمور فيها. الثاني: لقيام الخلق كلهم من قبورهم إليها، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣]. الثالث: قيام الناس لرب العالمين، كما روى مسلم (٦) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]، قال يوم (٧) يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه". قال ابن عمر ﵄: يقومون مائة سنة (٨). ويروى عن كعب: يقومون ثلاث مائة سنة (٩). الرابع: لقيام الروح والملائكة صفًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٤٣].

стр. 541

قال علماؤنا (١): واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، ولكنها قيامة صغري وكبرى، فالصغرى هي ما يقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وفراق أهله (٢) وانقطاع سعيه وحصوله على عمله، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة. والدليل على أن كل ميت يموت فقد قامت قيامته قول النبي ﷺ لقوم من الأعراب وقد سألوه متى القيامة، فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت (٣) عليكم ساعتكم" خرّجه مسلم (٤) وغيره (٥)، وقال الشاعر (٦): خرجت من الدنيا وقامت قيامتي … غداة أقلّ الحاملون جنازتي وعجَّل أهلي حفر قبري وصيَّروا … خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط سيرتي … غداة أتي يومي علي وساعتي ومنها: يوم النفخ (٧)، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وقد مضى القول فيه. ومنها: يوم الزلزلة ويوم الراجفة، قال الله تعالى (٨): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ [النازعات: ٦ - ٧] وقد تقدم (٩). ومنها: يوم الناقور، لقوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر: ٨]، وقد تقدم (١٠) القول فيه والحمد لله.

стр. 542

ومنها: القارعة، سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي أهواله وشدائده، قالت الخنساء (١): تعرّفني الدهر نهشًا وحزًّا (٢) … وأوجعني الدهر قرعًا وغمزًا أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات (٣) نوائبه وصغرياتها (٤). ومنها: يوم البعث، وحقيقته (٥): إثارة الشيء عن خفاء، وتحريكه عن سكون، قال عنترة (٦): وعصابة شم الأنوف بعثتهم … ليلًا وقد مال الكرا بطلاها وقال امرؤ القيس (٧): وفتيان صدق قد بعثت بسحرة … فقاموا جميعًا بين عاث (٨) ونشوان وقد تقدم (٩) القول فيه وفي صفته والحمد لله. ومنها: يوم النشور وهي عبارة عن الإحياء، يقال: أنشر الله الموتى فنشروا (١٠) أي أحياهم (١١) الله فحيوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (١٢)

стр. 543

أي نحييها، وقد يكون معناه التفريق، من ذلك قولك: أمرهم نشر. ومنها: يوم الخروج، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣]، فأوله الخروج من القبور وآخره خروج المؤمنين من النار، ثم لا خروج ولا دخول على ما يأتي (١). ومنها: يوم الحشر، وهو عبارة عن الجمع وقد يكون مع الفعل إكراه، قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]، أي من يسوق السحرة كرهًا، وقد مضى القول في الحشر مستوفى والحمد لله (٢). ومنها: يوم العرض، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٨]، وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ الكهف: ٤٨] وحقيقته: إدراك الشيء بإحدى الحواس ليعلم حاله، وغايته السمع والبصر، ولا يزال الخلق قيامًا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما شاء الله أن يقوموا حتى يلهموا أو يهتموا فيقولون قد كنا نستشفع في الدنيا فهلّم فلنسأل الشفاعة إلى ربنا فيقولون: ائتوا آدم الحديث، وسيأتي (٣). قال ابن العربي (٤): وفي كيفية العرض أحاديث كثيرة، المعول منها على تسعة أحاديث في تسعة أوقات. الأول: الحديث المشهور الصحيح (٥) رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ﵄ واللفظ له قال: إن ناسًا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في [رؤية] (٦) القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ما تضارُّون

стр. 544

في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا (١) من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغير أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فما ذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى النار، كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما (٢) كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى أن بعضهم (٣) ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء أو رياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم، سلم، وذكر الحديث، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.

стр. 545

الثاني: صح من طريق (١) عائشة ﵂ أنها (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نوقش الحساب عذب، قلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا؟ قال: ليس ذلك (٣) الحساب، ذلك العرض" (٤)، وسيأتي (٥). الثالث: روى الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات" (٦)، ويأتي (٧). الرابع: روي عن أنس ﵁ قال: عن النبي ﷺ : "يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج (٨) " (٩) الحديث (١٠)، وسيأتي (١١). الخامس: ثبت عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵁ واللفظ له: "يؤتى بعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا؟ وتركتك ترأس وتربع (١٢)، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول (١٣) له: اليوم أنساك كما نسيتني"، وهذا حديث صحيح.

стр. 546

قلت: خرَّجه الترمذي (١) ومسلم (٢) مطولًا. السادس: ثبت من طرق صحاح أن النبي ﷺ قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه فيقول له: عبدي تذكر يوم كذا وكذا [حين فعلت كذا، وكذا] (٣)، فلا يزال يقرره حتى يرى أنه قد هلك، ثم يقول له: عبدي (٤) أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (٥). السابع: وفي الصحيح عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا من النار رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها" (٦)، وذكر الحديث. الثامن: وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها فينجيه الله منها" (٧). وروي مسلم (٨): "يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول لهم (٩): وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك". وذكر حديث الشفاعة، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، وذلك قوله في الحديث المتقدم (١٠): "ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها (١١) بعضًا".

стр. 547

قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا مما أغفله الأئمة في التفسير (١). التاسع: العرض على الله ولا أعلمه في الحديث إلا قوله في النص المتقدم: "حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين"، وذكر الحديث. قلت: إذا تتبعت الأحاديث في هذا الباب على هذا السياق كان الحسن والصحيح منها أكثر من تسعة. وقد خرج مسلم (٢) عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع" الحديث، وسيأتي (٣). وقوله في الحديث الآخر: "إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله" (٤). وخرَّج مسلم (٥) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" الحديث، وسيأتي (٦). وخرَّج البخاري (٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب" الحديث، وسيأتي (٨). ويتضمن من غير رواية البخاري عرض اللوح المحفوظ ثم إسرافيل ثم جبرائيل ثم الأنبياء نبيًا نبيًا صلوات الله عليهم أجمعين، وسيأتي (٩).

стр. 548

وخرّج الترمذي (١) وابن ماجه حديث الرجل الذي ينشر عليه تسعة وتسعون (٢) سجلًا وسيأتي (٣). وهذا كله من باب العرض على الله. وإذا تتبعت الأحاديث كانت (٤) أكثر من هذا في مواطن مختلفة وأشخاص متباينة والله أعلم. وفي بعض الخبر أنه يتمنى رجال أن يبعث بهم إلى النار ولا تعرض قبائحهم على الله تعالى ولا تكشف مساوئهم على رؤوس الخلائق. قلت: وأما ما وقع ذكره (٥) في الحديث من (٦) كشف الساق وذكر الصورة فيأتي إيضاحه وكشفه (٧) في حديث أبي هريرة من هذا الكتاب (٨). وأما ما جاء من طول هذا اليوم ووقوف الخلائق فيه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقلت: ما أطول هذا، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف (٩) من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا"، ذكره القاسم (١٠) بن أصبغ (١١)، وقيل غير هذا وسيأتي (١٢).

стр. 549

ومنها: يوم الجمع وحقيقته في العربية ضم واحد إلى واحد فيكون شفعًا أو زوجًا إلى زوج فيكون جمعًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]، وهو في القرآن كثير. ومنها: يوم الفرق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. ومنها: يوم الصدع، والصدر أيضًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا﴾ [الزلزلة: ٦]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، ومعناهما معنى الاسم الذي قبله. ومنها: يوم البعثرة (١)، ومعناه تتبع الشيء المختلط مع غيره حتى يخلص منه، فيخلص الله تعالى الأجساد من التراب، والكافرين من المؤمنين والمنافقين، ثم يخلص المؤمنين من المنافقين كما في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد"، خرّجه مسلم (٢) من حديث أبي هريرة وسيأتي (٣)، ومنها ما روي: "أنه يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم" (٤)، وهو صحيح أيضًا وسيأتي (٥). وقال ﷺ : "يؤخذ برجال ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٦). ومنها: يوم الفزع، وحقيقته فزع ضعف النفس عن حمل المعاني الطارئة عليها خلاف العادة فإن استمر كان جنبًا وعند ذلك تتشوق النفس إلى ما

стр. 550

يقويها، فلأجل ذلك قالوا: فزعت (١) من كذا، أي ضعفت عن حمله عند طريانه عليّ، وفزعت إلى كذا أي تشوقت نفسي عند ذلك إلى ما يقويها على إزالة (٢) ما نزل بها، والآخرة كلها خلاف العادة فهي فزع كلها. وفي التنزيل: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقد اختلف فيه (٣)، فقيل: هو قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، وقيل: إذا طبقت النار على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار. وقال الحسن (٤): هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار، وعنه أن الفزع الأكبر: النفخة الآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشارة (٥) حين (٦) يخرجون من قبورهم. ومنها: يوم التناد، بتخفيف الدال من النداء وتشديدها من الندّ (٧) إذا ذهب، وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] وهو الذهاب في غير قصد، وروي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض (٨) وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص: ١٥] فيسيِّر الله الجبال، وتُرج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ [النازعات: ٦ - ٩]، فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣].

стр. 551

قال ابن العربي (١): "وقد رويت (٢) في ذلك آثار كثيرة هذا أمثلها، فدعوها، فالمعنى الواحد يكفينا منها ومن هولها، ومن تحقيق المعنى لها". قلت: قد بينا أقوال العلماء في ذلك عند ذكر حديث أبي هريرة في باب أين يكون الناس، فتأمله (٣) هناك. ومنها: يوم الدعاء، وهو النداء أيضًا، والنداء على ثمانية وجوه في ما ذكر ابن العربي: الأول: نداء أهل الجنة أهل النار بالتقريع. الثاني: نداء أهل النار لأهل (٤) الجنة بالاستغاثة، كما أخبر الله عنهم. الثالث: يوم ندعو كل أناس بإمامهم وهو قوله: "لتتبع كل أمة ما كانت تعبد" (٥). قال المؤلف ﵁: ويقال بكتابهم، وقيل: بنبيِّهم. قال سري السقطي (٦): تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها (٧) فيقال: يا أمة موسى ويا أمة عيسى ويا أمة محمد، غير المحبين لله فإنهم ينادون يا أولياء الله هلموا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحًا (٨).

стр. 552

الرابع: نداء الملك: "ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا" (١)، وسيأتي (٢). الخامس: النداء عند ذبح الموت يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. السادس: نداء أهل النار يا حسرتنا، يا ويلتنا. السابع: قول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. الثامن: نداء الله تعالى أهل (٣) الجنة فيقول: "يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أعطيكم أفضل من ذلك: رضائي" (٤). قال المؤلف ﵁: ونداء تاسع، ذكر أبو نعيم (٥) عن مروان بن محمد قال: قال أبو حازم الأعرج (٦) يخاطب نفسه: يا أعرج ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا وكذا فتقوم معهم، ثم ينادى يا أهل خطيئة أخرى فتقوم معهم، فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل كل خطيئة. وفي التنزيل: ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ (٧)﴾ [الآية: ٦٢]، الآية التي في القصص وحم السجدة (٨)، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ (٩) فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. والنداء في

стр. 553

الأخبار كثير يأتي (١) بيانها وذكرها في باب من يدخل الجنة بغير حساب. ومنها: يوم الواقعة: وأصل (وقع) في كلام العرب: كان ووجد، وجاءت الشريعة في تأكيد ذلك بثبوت ما وجد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]. والمراد بالقول هنا إخبار الباري عن الساعة وأنها قريبة، ومن أعظم علاماتها الدابة، وسيأتي (٢) ذكرها وما للعلماء فيها في (٣) الأشراط إن شاء الله تعالى، وقوله: ﴿كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] مصدر كالباقية والعاقبة، أي ليس لوقعتها مقالة كاذبة. ومنها: الخافضة والرافعة، أي ترفع قومًا في الجنة، وتحط آخرين في النار، والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعز والإهانة، ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسعًا ومجازًا، على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لا يمكن منه الفعل، يقولون: ليل قائم ونهار صائم، وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو الله تعالى وحده، فرفع (٤) أولياءه في أعلى الدرجات وجعل أعداءه في أسفل الدركات (٥)، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]. قال ﷺ في حديث جابر ﵁: "نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس" (٦). قال ابن العربي (٧): "وهذا حديث (٨) فيه تخليط في كتاب مسلم لم يتقنه رواية (٩)، ومعناه أن جميع الخلق على بسيط من الأرض سواء إلا محمدًا ﷺ

стр. 554

وأمته فإنهم يرفعون جميعهم على شبه من كوم (١)، ويخفض الناس عنهم، وفي رواية: "أكون أنا وأمتي يوم القيامة على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فذلك المقام المحمود" (٢). قلت: وهذا الرفع في المكان بحسب الزيادة في المكانة. قال ابن العربي (٣): "وهي أنواع: فرفع محمدًا ﷺ بالشفاعة في أول الخلق وبأنه أول من يدخل الجنة ويقرع بابها، ورفع العادلين بالحديث الصحيح: "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور على (٤) يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٥)، ورفع القراء إلى حيث انتهت قراءتهم يقال: "اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (٦) وسيأتي (٧)، ورفع الشهداء (٨) فقال في الحديث الصحيح: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله" (٩) الحديث وسيأتي (١٠)، ورفع كافل اليتيم فقال ﷺ : "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار مالك (١١) بالسبابة والوسطى" (١٢) يريد في الجوار، وقال ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما

стр. 555

يتراءون الكوكب الدري الغائر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" (١). ورفع عائشة على فاطمة ﵄ فإن عائشة مع النبي ﷺ وفاطمة مع علي ﵄ ". ومنها يوم الحساب: ومعناه: أن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة ويعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض، فما يشف منها على الآخر حكم للمشفوف بحكمه الذي عينه للخير بالخير وللشر بالشر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "ما [منكم] (٣) من أحدٍ إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" (٤). وقيل: إن الله يحاسب المكلفين بنفسه (٥) ويخاطبهم معًا ولا يحاسبهم واحدًا بعد واحد، والمحاسبة حكم. فلذلك تضاف إليه كما يضاف الحكم إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. وفي الخبر: "أنه يوقف شيخ للحساب فيقول الله له (٦): يا شيخ ما أنصفت، غذوتك بالنعم صغيرًا فلما كبرتك عصيتني، أما إني لا أكون لك كما كنت لنفسك، اذهب فقد غفرت لك ما كان قبل (٧)، وإنه ليؤتى بالشاب كثير الذنوب فإذا وقف تضعضعت أركانه (٨) واصطكت ركبتاه، فيقول الرب ﷻ : أما (٩) استحيتني، أما راقبتني، أما خشيت نقمتي، أما علمت أني مطلع عليك، خذوه إلى أمه الهاوية" (١٠).

стр. 556

وقيل: إن الملائكة يحاسبون بأمر الله كما أن الحكام يحكمون بأمر الله (١) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا - إلى قوله - وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وإن من لم يكن بهذه الصفة فإن الله يكلمه فيكلم المؤمنين ويحاسبهم حسابًا يسيرًا من غير ترجمان إكرامًا لهم، كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بالتكليم ولا يكلم الكفار فتحاسبهم الملائكة ويميزهم بذلك عن أهل الكرامة، فتتسع قدرته لمحاسبة الخلق كلهم معًا كما تتسع قدرته لإحداث خلائق كثيرة معًا، قال الله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، أي إلا كخلق نفس واحدة. ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وسئل عن محاسبة الخلق فقال: كما يرزقهم في غداة واحدة كذلك يحاسبهم في ساعة واحدة (٢). وفي صحيح مسلم (٣) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم (٤) إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أي فُل (٥) ألم أكرمك وأسوِّدك (٦)، وأزوجك (٧) وأسخِّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع (٨)؟ فيقول: بلى، فيقول له (٩): أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا،

стр. 557

فيقول: إني (١) أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول له، فيقول (٢) هو مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث: فيقول له مثل ذلك، فيقول (٣): يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت (٤) ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول هاهنا إذن ثم يقول: الآن نبعث عليك شاهدًا (٥)، فيفكر (٦) في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ، فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي (٧) سخط الله عليه". وقد قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤] أي حاسبًا، فعيلًا بمعنى فاعل، وإذا نظر فيها ورأى أنه (٨) قد هلك فإن أدركته سابقة حسنة وضعت له لا إله إلا الله في كفة فرجحت له السموات والأرض، في (٩) رواية: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، وسيأتي (١٠)، وقال: "من نوقش الحساب عذب" (١١). ومنها: يوم السؤال، والباري سبحانه يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريرًا لإقامة الحجة وإظهارًا للحكمة، قال الله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ (١٢) قَبْلِكَ مِنْ

стр. 558

رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] وهو في القرآن كثير، وقال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]، وقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] قيل: عن لا إله إلا الله، وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال ﵇: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع" (١) الحديث (٢) وسيأتي (٣)، وروي عن ابن عمر (٤) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع [على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع] (٥) على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (٦). ومنها: يوم الشهادة، ويوم يقوم الأشهاد، والشهادة على أربعة أنواع، شهادة محمد وأمته تحقيقًا لشهادة الرسل على قومها (٧). الثاني: شهادة الأرض والأيام والليالي بما عمل فيها وعليها. الثالث: شهادة الجوارح، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وذلك بيِّن أيضًا في حديث أبي هريرة. الرابع: حديث أنس ﵁ وفيه: "فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنتطق بأعماله" (٨)، وسيأتي (٩) بيان هذا الباب (١٠) كله إن شاء الله.

стр. 559

ومنها: يوم الجدال: (١) قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ (٢) تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]، أي تخاصم (٣) وتحاج عن نفسها، وجاء (٤) في الخبر أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي من شدة أهوال يوم القيامة سوى محمد ﷺ فإنه يسأل في أمته على ما يأتي (٥). وفي حديث عمر ﵁ أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب خَوِّفْنا هَيِّجْنا حَدِّثْنا نَبِّهْنا، فقال كعب (٦): يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيًا لأتت (٧) عليك تارات (٨)، ولا يهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى لها (٩) ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثيًا على ركبتيه حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة، فيقول: أنا خليلك (١٠) إبراهيم لا أسألك اليوم إلا نفسي، قال: كعب (١١) أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ " (١٢). وقال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فيقول الروح: رب الروح منك أنت خلقته لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعّف عليه أنواع العذاب ونجني، فيقول الجسد: رب أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى بها، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع

стр. 560

الشمس فيه نطق لساني، وبه أبصر عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني، قال: فيضرب الله لهما مثلًا أعمى ومقعدًا دخلا بستانًا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لا ينالها،، فنادى المقعد الأعمى: ائتني، فاحملني، آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله، فأصابا من الثمرة، فعلى من يكون العذاب؟ قالا: عليهما، قال: عليكما جميعًا العذاب" (١). قال المؤلف ﵁ وأرضاه: ومن هذا الباب قول الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا إلى غير ذلك مما في معناه حسب (٢) ما يأتي (٣). ومنها: يوم القصاص: وفيه أحاديث كثيرة يأتي ذكرها في بابٍ (٤) إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم الحاقة: وسميت بذلك لأن الأمور تحق فيها، قاله الطبري (٥)، كأنه جعلها من باب ليلٍ قائمٍ كما تقدم (٦). وقيل: سميت حاقة لأنها كانت من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام النار. ومنها: يوم الطامة ومعناها: الغالبة، من قولك: طمّ الشيء إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء (٧) كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء. قال الحسن: الطامة: النفخة الثانية (٨). وقيل: هو حين يساق أهل النار إلى النار (٩). ومنها: يوم الصاخة: قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى، والطامة: النفخة الثانية (١٠).

стр. 561

الطبري: أحسبه من صخَّ فلان فلانًا إذا أصمه (١). قال ابن العربي (٢): "الصاخة التي تورث الصمم، فإنها (٣) لمُسمعة (٤)، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي (٥) الأزمان: أصم بك الناعي وإن كنت أسمعا وقال آخر: أصَمَّني سرهم (٦) أيام فرقتهم … فهل سمعتم بسر (٧) يورث الصمما (٨) ولعمرو الله إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة وبهذا كله كان يومًا عظيمًا كما قال الله تعالى في وصفه بالعظيم (٩). وكل شيء كبر في أجزائه فهو عظيم، وكذلك ما كثر في معانيه، وبهذا المعنى (١٠) كان الباري عظيمًا لسعة قدرته وعلمه، وكثرة ملكه الذي لا (١١) يحصى، ولما كان أمر الآخرة لا ينحصر كان عظيمًا بالإضافة إلى الدنيا ولما كان محدثًا له أوّل صار حقيرًا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يحد". ومنها: يوم الوعيد: وهو أن الباري أمر ونهى، ووعد وأوعد، فهو أيضًا يوم الوعد، والوعد: للنعيم، والوعيد: للعذاب الأليم، وحقيقة الوعيد هو الخبر عن العقوبة عند المخالفة (١٢)، والوعد: الخبر عن المثوبة عند

стр. 562

الموافقة، وقد ضل في هذه المسألة المبتدعة، وقالوا: إن من أذنب ذنبًا واحدًا فهو مخلد في النار تخليد الكفار (١) أخذًا بظاهر هذا اللفظ في آي، فلم يفهموا العربية، ولا كتاب الله تعالى، وأبطلوا شفاعة رسول الله ﷺ (٢) وسيأتي الرد عليهم في أبواب من هذا الكتاب (٣) إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم الدين: وهو في لسان العرب الجزاء، قال الشاعر (٤): حصادك يومًا ما زرعت وإنما … يدان الفتى فيه (٥) كما هو دائن وقال آخر (٦): واعلم يقينًا أن ملكك زائل … واعلم بأنك كما تدين تدان ومنها: يوم الجزاء: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، وهو أيضًا: يوم الوفاء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أي حسابهم وجزاءهم، والجنة جزاء الحسنات، والنار جزاء السيئات، قال الله تعالى في المؤمنين (٧): ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧، الأحقاف: ١٤، الواقعة: ٢٤]، وقال في جهة الوعيد: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. ومنها: يوم الندامة، وذلك، إن المحسن إذا رأى جزاء إحسانه (٨) والكافر (٩) جزاء كفره، ندم المحسن أن لا يكون مستكثرًا، وندم المسيئ أن يكون استعتب (١٠)، فإذا صار الكافر إلى عذاب لا نفاد له تحسر؛ فلذلك سمي يوم الحسرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ (١١)﴾ وذلك عند

стр. 563

ذبح الموت على ما يأتي (١)، ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني الآن عن ذلك اليوم. والحسرة عبارة عن استكشاف (٢) المكروه بعد خفائه (٣). ومنها: يوم التبذيل، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقد تقدم (٤) القول في ذلك مستوفى. ومنها: يوم التلاق، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] (٥)، وهو عبارة عن اتصال المعنيين بسبب من أسباب العلم والجسمين (٦). وهو أنواع أربعة: الأول: لقاء الأموات لمن سبقهم إلى الموت (٧) فيسألونهم عن أهل الدنيا كما تقدم (٨). الثاني: عمله، وقد تقدم (٩). الثالث: لقاء أهل السموات لأهل الأرض في المحشر، وقد تقدم. الرابع: لقاء الخلق للباري ، وذلك يكون في عرصات القيامة وفي الجنة، على ما تقدم (١٠) ويأتي (١١). ومنها: يوم الآزفة، تقول العرب: أزف كذا أي قرب، قال الشاعر (١٢):

стр. 564

أزف الترحل (١) غير أن ركابنا … لما تزل برحالنا وكأن قد (٢) وهي قريبة جدًّا، وكل آت قريب وإن بعد مداه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وما يستبعد الرجل من الساعة وموته (٣) ساعته. ومنها: يوم المآب، ومعناه: الرجوع إلى الله تعالى، ولم يذهب عن الله شيء فيرجع إليه، وإنما حقيقته: أن العبد يخلق الله فيه ما شاء من أفعاله، فلما (٤) خلق فيه علمًا وخلق فيه إيثارًا واختيارًا ظن الناس أنه شيء، وأن له فعلًا، فإذا أماته وسلبه ما (٥) أعطاه أذعن وآب في وقت لا ينفعه الإياب ولم يزل عن الله تعالى في حال فهو الأواب. ومنها: يوم المصير، وهو يوم المآب بعينه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ [النور: ٤٢]، فالخلق صائرون إلى أمر الله وآخر ذلك دار القرار، وهي الجنة أو النار (٦) (٧)، قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]. ومنها: يوم القضاء، وهو أيضًا يوم الحكم والفصل، وسيأتي (٨) أن أول ما يقضى فيه الدماء، وقال ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها" (٩) الحديث، وفيه: "كلما بردت أعيدت له (١٠) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله (١١) بين العباد"، والفصل هو الفرق والقطع،

стр. 565

فيفصل يومئذٍ (١) بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] الآية. وهو يوم الحكم؛ لأن إنفاذ (٢) الحكم هو إنفاذ العلم، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] الآية. وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ومنها: يوم الوزن، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] الآية (٣)، وسيأتي (٤) الكلام في الميزان ووزن الأعمال فيه في أبوابٍ إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم عقيم (٥)، وهو في اللغة: عبارة عن من لا يكون له ولد، ولما كان الولد يكون من الأبوين (٦) وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد، جعل الاتباع بالبعدية (٧) فيه كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم. ومنها: يوم عسير، وهذا في حق الكافرين خاصة، والعسر ضد اليسر، فهو عسير (٨) على الكافرين، لأنهم لا يرون فيه أملًا، ولا يقطعون فيه رجاء، حتى إذا خرج المؤمنون (٩) من النار طلبوا مثل ذلك، فيقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فحينئذ يكون المنع الصريح على ما يأتي (١٠) بيانه في أبواب النار إن شاء الله. وأما المؤمنون فتنحل عقدهم بيسر إلى يسر،
следующие страницы →