← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الطبري: أحسبه من صخَّ فلان فلانًا إذا أصمه (١). قال ابن العربي (٢): "الصاخة التي تورث الصمم، فإنها (٣) لمُسمعة (٤)، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي (٥) الأزمان: أصم بك الناعي وإن كنت أسمعا وقال آخر: أصَمَّني سرهم (٦) أيام فرقتهم … فهل سمعتم بسر (٧) يورث الصمما (٨) ولعمرو الله إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة وبهذا كله كان يومًا عظيمًا كما قال الله تعالى في وصفه بالعظيم (٩). وكل شيء كبر في أجزائه فهو عظيم، وكذلك ما كثر في معانيه، وبهذا المعنى (١٠) كان الباري عظيمًا لسعة قدرته وعلمه، وكثرة ملكه الذي لا (١١) يحصى، ولما كان أمر الآخرة لا ينحصر كان عظيمًا بالإضافة إلى الدنيا ولما كان محدثًا له أوّل صار حقيرًا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يحد". ومنها: يوم الوعيد: وهو أن الباري أمر ونهى، ووعد وأوعد، فهو أيضًا يوم الوعد، والوعد: للنعيم، والوعيد: للعذاب الأليم، وحقيقة الوعيد هو الخبر عن العقوبة عند المخالفة (١٢)، والوعد: الخبر عن المثوبة عند

стр. 562

الموافقة، وقد ضل في هذه المسألة المبتدعة، وقالوا: إن من أذنب ذنبًا واحدًا فهو مخلد في النار تخليد الكفار (١) أخذًا بظاهر هذا اللفظ في آي، فلم يفهموا العربية، ولا كتاب الله تعالى، وأبطلوا شفاعة رسول الله ﷺ (٢) وسيأتي الرد عليهم في أبواب من هذا الكتاب (٣) إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم الدين: وهو في لسان العرب الجزاء، قال الشاعر (٤): حصادك يومًا ما زرعت وإنما … يدان الفتى فيه (٥) كما هو دائن وقال آخر (٦): واعلم يقينًا أن ملكك زائل … واعلم بأنك كما تدين تدان ومنها: يوم الجزاء: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، وهو أيضًا: يوم الوفاء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أي حسابهم وجزاءهم، والجنة جزاء الحسنات، والنار جزاء السيئات، قال الله تعالى في المؤمنين (٧): ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧، الأحقاف: ١٤، الواقعة: ٢٤]، وقال في جهة الوعيد: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. ومنها: يوم الندامة، وذلك، إن المحسن إذا رأى جزاء إحسانه (٨) والكافر (٩) جزاء كفره، ندم المحسن أن لا يكون مستكثرًا، وندم المسيئ أن يكون استعتب (١٠)، فإذا صار الكافر إلى عذاب لا نفاد له تحسر؛ فلذلك سمي يوم الحسرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ (١١)﴾ وذلك عند

стр. 563

ذبح الموت على ما يأتي (١)، ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني الآن عن ذلك اليوم. والحسرة عبارة عن استكشاف (٢) المكروه بعد خفائه (٣). ومنها: يوم التبذيل، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقد تقدم (٤) القول في ذلك مستوفى. ومنها: يوم التلاق، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] (٥)، وهو عبارة عن اتصال المعنيين بسبب من أسباب العلم والجسمين (٦). وهو أنواع أربعة: الأول: لقاء الأموات لمن سبقهم إلى الموت (٧) فيسألونهم عن أهل الدنيا كما تقدم (٨). الثاني: عمله، وقد تقدم (٩). الثالث: لقاء أهل السموات لأهل الأرض في المحشر، وقد تقدم. الرابع: لقاء الخلق للباري ، وذلك يكون في عرصات القيامة وفي الجنة، على ما تقدم (١٠) ويأتي (١١). ومنها: يوم الآزفة، تقول العرب: أزف كذا أي قرب، قال الشاعر (١٢):

стр. 564

أزف الترحل (١) غير أن ركابنا … لما تزل برحالنا وكأن قد (٢) وهي قريبة جدًّا، وكل آت قريب وإن بعد مداه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وما يستبعد الرجل من الساعة وموته (٣) ساعته. ومنها: يوم المآب، ومعناه: الرجوع إلى الله تعالى، ولم يذهب عن الله شيء فيرجع إليه، وإنما حقيقته: أن العبد يخلق الله فيه ما شاء من أفعاله، فلما (٤) خلق فيه علمًا وخلق فيه إيثارًا واختيارًا ظن الناس أنه شيء، وأن له فعلًا، فإذا أماته وسلبه ما (٥) أعطاه أذعن وآب في وقت لا ينفعه الإياب ولم يزل عن الله تعالى في حال فهو الأواب. ومنها: يوم المصير، وهو يوم المآب بعينه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ [النور: ٤٢]، فالخلق صائرون إلى أمر الله وآخر ذلك دار القرار، وهي الجنة أو النار (٦) (٧)، قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]. ومنها: يوم القضاء، وهو أيضًا يوم الحكم والفصل، وسيأتي (٨) أن أول ما يقضى فيه الدماء، وقال ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها" (٩) الحديث، وفيه: "كلما بردت أعيدت له (١٠) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله (١١) بين العباد"، والفصل هو الفرق والقطع،

стр. 565

فيفصل يومئذٍ (١) بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] الآية. وهو يوم الحكم؛ لأن إنفاذ (٢) الحكم هو إنفاذ العلم، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] الآية. وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ومنها: يوم الوزن، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] الآية (٣)، وسيأتي (٤) الكلام في الميزان ووزن الأعمال فيه في أبوابٍ إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم عقيم (٥)، وهو في اللغة: عبارة عن من لا يكون له ولد، ولما كان الولد يكون من الأبوين (٦) وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد، جعل الاتباع بالبعدية (٧) فيه كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم. ومنها: يوم عسير، وهذا في حق الكافرين خاصة، والعسر ضد اليسر، فهو عسير (٨) على الكافرين، لأنهم لا يرون فيه أملًا، ولا يقطعون فيه رجاء، حتى إذا خرج المؤمنون (٩) من النار طلبوا مثل ذلك، فيقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فحينئذ يكون المنع الصريح على ما يأتي (١٠) بيانه في أبواب النار إن شاء الله. وأما المؤمنون فتنحل عقدهم بيسر إلى يسر،

стр. 566

فينحل طول الوقوف إلى تعجيل الحساب، وتثقيل الموازين وجواز الصراط والظلال بالأعمال، ولا ينحل للكافرين (١) من هذه العقد عقدة واحدة إلا إلى أشد منها حتى إلا جهنم دار القرار. ومنها: يوم مشهود، و (٢) سمي بذلك لأنه يشهده كل مخلوق، وقيل: سمي بذلك؛ لأن الشهداء يشهدون [فيه] (٣) على ما يأتي (٤)، والله أعلم. ومنها: يوم التغابن، سمي بذلك؛ لأن الناس يتغابنون في المنازل عند الله، فريق في الجنة وفريق في السعير، وحقيقته في لسان العرب: ظهور الفضل في المعاملة لأحد المتعاملين، والدنيا والآخرة دار لعملين (٥) وحالين وكل واحد منهما الله، ولا يعطى (٦) أحدهما إلا لمن ترك نصيبه من الأخرى (٧)، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨]، وقال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] (٨)، ومن أراد الآخرة فسعيه مشكور وحظه في الآخرة موفور. ومنها: يوم عبوس قمطرير، والقمطرير: الشديد، وقيل: الطويل، وأما

стр. 567

العبوس: فهو الذي يعبس فيه، سمي باسم ما يكون فيه، كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، وكلوح الوجه وعبوسه: هو قبض ما بين العينين وتغير السَّحْنَةُ (١) عن عادتها الطلقة، يقال: يوم طلق إذا كانت شمسه نيرة فاترة، وإذا كانت شمسه مدحية قد غطاها السحاب، قيل: يوم عبوس، وأول العبوس والكلوح عند الخروج من القبور ورؤية الأعمال في الصور القبيحة كما تقدم (٢)، وآخر ذلك كلوح النار، وهو الكلوح (٣) الأعظم يشوي الوجوه ويسقط الجلود على ما يأتي، ومع العبوس تشخص (٤) الأبصار وهي (٥) ثبوتها راكدة على منظر واحد لهول لا (٦) تنتقل منه إلى غيره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. ومنها: يوم تبلى السرائر، ومعناه: إخراج المخبآت بالاختبار بوزن الأعمال في الصحف وبكشف الساق عند السجود على ما تقدم (٧) ويأتي (٨) إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، وهو مثل قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨] لا يغني أحد عن أحد شيئًا بل ينفصل كل واحد عن أخيه وأبيه، ولذلك كان يوم الفصل، ويوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ: ١٧]، وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] أما إنه يُجزى، ويُقضى، ويُعطى، ويُغنى بغير اختياره من حسناته ما عليه من الحقوق على ما يأتي (٩) بيانه في حديث المفلس إن شاء الله.

стр. 568

ومنها: يوم يُدّعون إلى نار جهنم دعًّا والدَّع: الدفع، أن يدفعون إلى جهنم ويسحبون فيها (١) على وجوههم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]. ومنها: يوم التقلب، وهو التحول، قال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] أي قلوب الكفار وأبصارهم، فتقلُّب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج، وأما تقلب الأبصار فالزرق بعد الكحل، والعمى بعد البصر، وقيل: تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم، وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة. ومنها: يوم الشخوص والإقناع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، أي لا يغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم، قاله الفراء. وقال ابن عباس (٢) ﵄: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يرمضون (٣) ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مديمي النظر، قال مجاهد والضحاك (٤) ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، أي رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس: رفعه، قاله ابن عباس (٥) ومجاهد (٦). وقال الحسن (٧): وجوه الناس يومئذ إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد.

стр. 569

فإن قيل: فقد قال الله تعالى في غير هذه الآية: ﴿خَاشِعَةً (١) أَبْصَارُهُمْ﴾ وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧]، فكيف يكون الرافع رأسه الناظر نظرًا طويلًا حتى إن طرفه لا يرتد إليه خاشع البصر؟ فالجواب: إنهم يخرجون حال المضي إلى الموقف خاشعة أبصارهم، وفي هذه الحال وصفهم الله بخشوع الأبصار، وإذا توافوا وضمهم الموقف وطال القيام عليهم فإنهم يصيرون من الحيرة كأنهم لا قلوب لهم ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل، ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض، و (٢) جهلوه فهو يعسر (٣) عليهم. ومنها: ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] وذلك حين يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وتطبق عليهم جهنم على ما يأتي (٤) بيانه في أبواب النار. ومنها: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]، وإن أذن لهم بأن يمكنوا منها (٥) لا بأن يقال لهم: اعتذروا، كقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ (٦) الآية وكقوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا [مِنْهَا] (٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] الآية. ومنها: يوم لا يكتمون الله حديثًا. ومنها: يوم الفتنة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ (٨) عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذاريات: ١٣] أي يعذبون، من قولك: فتنت الذهب إذا رميت به في النار. ومنها: يوم ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣] يريد يوم القيامة، أي لا يرده

стр. 570

أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلًا (١) ووقتًا. ومنها: يوم الغاشية، سميت بذلك؛ لأنها تغشى الناس بإفزاعها، أي تعمهم بذلك، ومنه (٢) غاشية السرج (٣). ومنها: يوم ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦]. ومنها: يوم لا بيع فيه ولا خلال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. والخلة والخلال: الصداقة، والمودة. ومنها: يوم لا ريب فيه، وإن وقع ريب الكفار أي شك، فليس فيه ريب لقيام الأدلة الظاهرة عليه، كما قال الله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فليس في الباري شك (٤) لقيام الأدلة عليه، ولشهادة أفعاله ولاقتضاء المحدَث أن يكون له محدِث، ولكن قد شك فيه قوم ونفاه آخرون، ولم يوجب ذلك شكًا فيه؛ لقيام الأدلة، فكذلك يوم القيامة لا ريب فيه، ولا شك فيه مع النظر في الدليل والعلم، فإذا خلق الله تعالى الرَّين على القلب كان الشك، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]. ومنها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وسيأتي (٥) بيانه إن شاء الله تعالى. ومنها: يوم الأذان، دخل طاووس على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله واحذر يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى:

стр. 571

﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، فصُعق هشام، فقال طاووس: هذا ذل الصفة (١) فكيف ذل المعاينة. ومنها: يوم الشفاعة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ [الشعراء: ١٠٠] وسيأتي (٣) بيانه. ومنها: يوم الفرق، وسيأتي بيانه في أحاديث في الباب بعد هذا بحول الله وعونه (٤). ومنها: يوم القلق والجَوَلان، وهو عبارة عن عدم الاستقرار والثبوت، يقال: قلق الرجل قلقًا (٥)، إذا لم يستقر، ومثله: جال يجول إذا لم يثبت. ومنها: يوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾، فيفر كل واحد من صاحبه حذرًا من مطالبته إياه، إما لما بينهم من التبعات أو لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقال عبد الله بن طاهر الأبهري (٦): يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا ما اعتمد شيئًا سوى ربه تعالى. وقال الحسن (٧): أول من يفر يوم القيامة من أبيه: إبراهيم، وأول من يفر من ابنه: نوح، وأول من يفر من امرأته: لوط، قال: فيرون أن هذه الآية نزلت

стр. 572

فيهم، وهذا فرار كثير (١)، نجانا الله من أهوال هذا اليوم بحق محمد (٢) نبي الرحمة وصحبه الكرام البررة، وجعلنا ممن (٣) حشر في زمرتهم ولا خالف بنا عن طريقتهم ومذهبهم بمنه وكرمه آمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه (٤). قال المؤلف ﵁: وقد سرد تسمية هذه الأيام على التوالي من غير تفسير غير واحد من العلماء منهم ابن نجاح (٥) في سبل الخيرات (٦)، وأبو حامد الغزالي في غير موضع من كتبه كالإحياء (٧) وغيره، والقتبي (٨) في كتاب عيون الأخبار، وهذا تفسيرها حسب ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (٩)، وربما زدنا عليه في ذلك، والحمد لله على ذلك، ولا يمتنع أن تسمي بأسماء غير ما ذكرنا بحسب الأحوال الكائنة فيه (١٠) من الازدحام والتضايق، واختلاف الأقدام، والخزي، والهوان، والذل، والافتقار، والصَّغار والانكسار، ويوم الميقات (١١) والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء، وسيأتي (١٢) التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى في الباب بعد هذا. باب ما يلقى الناس في الموقف من الأهوال العظام والأمور الجسام قال المحاسبي في كتاب التوهم والأهوال (١٣): يحشر الله الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء، قد نزع الملك من ملوك أهل الأرض ولزمهم

стр. 573

الصَّغار بعد عتوهم والذلة بعد تجبرهم على عباد الله في أرضه، ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخلائق وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور من غير ريبة، ولا خطيئة أصابتها، حتى وقفت من وراء الخلق بالذلة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوها خاضعة ذليلة للعرض على الديان، حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها (١) وسباعها وأنعامها وهوامها تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم ومارت سماء الدنيا من فوقهم فدارت من فوقهم بعظمها فوق رؤوسهم، وجميع ذلك بعينك وعين أهل الموقف ينظرون إلى هوله ثم انشقت بغلظها فوق رؤوسهم وهي خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعهم، وتمزقت وتفطرت لهول يوم القيامة من عظم يوم الطامة، ثم ذابت حتى صارت مثل الفضة المذابة، كما قال الجبار ﵎: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن: ٣٧]، وقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ [المعارج: ٨ - ٩] أي كالصوف المنفوش، وهو أضعف الصوف، وهبطت الملائكة من حافاتها (٢) إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهَّم انحدارهم من السماء بعظم أجسامهم وكثرة أخطارهم وهول أصواتهم وشدة فَرَقِهم من خوف ربهم، فتوهم فزعك حينئذ وفزع الخلائق لنزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم، فأخذوا مصافَّهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم لعظم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم، ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخضوع لربهم، وكذلك ملائكة كل سماء إلى السماء السابعة قد أضعف أهل كل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدة وعظم الأجسام والأصوات حتى إذا وافى الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع (٣) كسيت الشمس حر عشر سنين ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين أو قوسين، فلا ظل ذلك اليوم إلا ظل عرش الرحمن، فمن بين مستظل بظل العرش (٤) وبين مضح بحر الشمس

стр. 574

قد صهرته واشتد فيها كربه وأقلقته، وقد ازدحمت الأمم (١) وتضايقت ودفع بعضهم (٢) بعضًا، واختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش، قد اجتمع عليهم في مقامهم حر الشمس مع وهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم على وجه الأرض، ثم على أقدامهم على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم من السعادة والشقاء، فمنهم من يبلغ العرق منكبيه (٣) وحقويه ومنهم إلى شحمة أذنيه ومنهم من قد ألجمه العرق وكاد أن يغيب فيه. قلت: ذكر المحاسبي وغيره أن انفطار السماء وانشقاقها بعد جمع الناس في الموقف، وقد قدمنا أن ذلك يكون قبل ذلك وهو ظاهر القرآن كما ذكرنا والله أعلم. وقد جاء ذلك مرفوعًا في حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم (٤)، وما ذكره المحاسبي مروي عن ابن عباس ﵄ قال: إذا كان القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد جنَّهم وإنسهم، فإذا (٥) كان ذلك قبضت هذه السماء عن أهلها، فينشروا على وجه هذه (٦) الأرض، فلأهل السماء أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، الحديث بطوله ذكره ابن المبارك في رقائقه (٧) قال: أخبرنا عوف عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي قال: أخبرنا شهر بن حوشب قال: حدثني ابن عباس فذكره. قال ابن المبارك (٨): وأخبرني (٩) جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها فتكون الملائكة على حافاتها (١٠)

стр. 575

حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر السماء (١) التي تليها فينزلون فيكونون صفًا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه وجلاله (٢) وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرًا من أقطارها إلا وجدوا صفوفًا قيامًا من الملائكة، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، والسلطان (٣) العذر، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٦ - ١٧] يعني حافاتها، يعني بأرجائها ما تشقق منها، فبينا هم كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا إلى الحساب. قلت: ولا يصح إسنادهما، فإن شهرًا وجويبرًا قد تُكلِّم فيهما وضعَّفوهما، قال البخاري في التاريخ (٤): جويبر بن سعيد البلخي عن الضحاك قال [لي علي] (٥): قال لي يحيى كنت أعرف جويبرًا بحديثين [يعني] (٦)، ثم أخرج هذه الأحاديث بعد فضعفه. وأما شهر فقال مسلم في صدر كتابه (٧): سئل ابن عون (٨) عن حديث شهر وهو قائم على أُسْكُفَّة الباب فقال: إن شهرًا تركوه، إن شهرًا (٩) تركوه، قال مسلم: يقول: أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه، وقال (١٠) عن شعبة: وقد لقيت شهرًا فلم أعتد (١١) به.

стр. 576

وذكر أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (١) نحوًا مما ذكره (٢) المحاسبي عن ابن عباس والضحاك فقال: إن الخلائق إذا اجتمعوا في صعيد واحد: الأولين والآخرين، أمر الجليل ﷻ ملائكة (٣) سماء الدنيا أن يتولوهم فيأخذ كل واحد منهم إنسانًا وشخصًا من المبعوثين إنسًا وجنًا ووحشًا وطيرًا وحولوهم إلى الأرض الثانية وهي أرض بيضاء من فضة نورية وصارت الملائكة من وراء العالمين حلقة واحدة فإذا هم أكثر [من] (٤) أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن الله سبحانه يأمر ملائكة السماء الثانية فيحدقون (٥) حلقة واحدة فإذا هم مثلهم (٦) عشرون مرة ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وإذا هم مثلهم ثلاثون ضعفًا، ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة فإذا هم (٧) أكثر منهم بأربعين ضعفًا، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين (٨) مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم ستون مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم سبعون مرة، والخلق تتداخل وتندمج حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان وإلى الصدر وإلى الحقوين وإلى الركبتين، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من تصيبه البلة، كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق (٩) والأرق (١٠) وقد قربت الشمس من رؤوسهم

стр. 577

حتى لو مدّ يده لنالها، ويضاعف حرها سبعين مرة، وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها (١) يوم القيامة لاحترقت الأرض وأذابت (٢) الصخر وتنشفت الأنهار، فبينما الخلائق (٣) يموجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها الله تعالى [حيث يقول] (٤): ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهم على أنواع في المحشر على ما تقدم (٥) في حديث معاذ، والملوك كالذر كما قد روي (٦) في الخبر في وصف المتكبرين وليس هم كهيئة الذر غير أن الأقدام علتهم (٧) حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم، وقوم يشربون ماء باردًا عذبًا صافيًا؛ لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكؤوس من أنهار الجنة يسقونهم. وعن بعض السلف: أنه نام فرأى القيامة قد قامت، وكأنه في الموقف عطشان وصبيان صغار يسقون الناس، قال: فناديتهم: ناولوني شربة، فقال لي منهم واحد: ألك فينا ولد؟ فقلت: لا، قال: فلا إذن، ولهذا فضل التزويج (٨)، ولهذا الولد الساقي شروط ذكرناها في الإحياء (٩)، وقوم (١٠) قد مُدّ على رؤوسهم ظلّ (١١) يمنعهم من الحر وهي الصدقة الطيبة لا يزالون كذلك ألف عام، حتى إذا سمعوا نقر الناقور الذي وصفناه في كتاب الإحياء (١٢) وهو

стр. 578

من بعض أسرار القرآن فتوجل له القلوب وتخشع الأبصار لعظيم (١) نقره وتشتاف (٢) الرؤوس من المؤمنين والكافرين يظنون أن ذلك عذاب يزداد (٣) في هول يوم القيامة، فإذا بالعرش يحمله ثمانية أملاك قدم الملك مسيرة عشرين ألف سنة، وأفواج الملائكة وأنواع الغمام بأصوات التسبيح لهم هرج عظيم لا تطيقه العقول، حتى يستقر العرش في تلك الأرض البيضاء التي قد خلقها الله تعالى لهذا الشأن خاصة، فتطرق الرؤوس وتخنس وتشفق البرايا وترغب (٤) الأنبياء، ويخاف العلماء، ويفزع الأولياء والشهداء من عذاب الله سبحانه إذ لا يطيقه (٥) شيء إذ غشاهم نور حتى غلب على نور الشمس التي كانوا في حرها، فلا يزالون يموج (٦) بعضهم في بعض ألف عام، والجليل سبحانه لا يكلمهم (٧) كلمة واحدة، فحينئذ يذهب الناس إلى آدم فيقولون: يا أبا البشر الأمر علينا شديد، وأما الكافر فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار من شدة ما يرى من الهول، يقولون (٨): أنت الذي خلقك (٩) الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجدَ لك ملائكته: اشفع لنا في فصل القضاء (١٠)، وذكر أمر الشفاعة من نبي إلى نبي، وأن ما (١١) بين إتيانهم من نبي إلى نبي ألف عام، حتى تنتهي الشفاعة إلى نبينا (١٢) محمد ﷺ على ما يأتي (١٣) بيانه في (١٤) أمر الشفاعة في أحاديث إن شاء الله تعالى. ونحو من هذا أيضًا ذكر الفقيه أبو بكر بن برّجان في كتاب

стр. 579

الإرشاد له قال: فإذا كان يومئذ جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وكورت الشمس، وانكدرت النجوم، ومارت السماء فوق الخلائق مورًا، وتفطرت من عظيم (١) هول ذلك اليوم، وتشققت بالغمام المنزل عليهن من فوقهن، ثم صارت وردة كالدهان، وكشطن سماء سماء، ونزلت (٢) الملائكة تنزيلًا، وقام الخلائق وطال قيامهم أقل ما قيل في قيامهم مقدار أربعين عامًا إلى ثلاثمائة عام، و (٣) أيَّ ما كان فاليوم يسعه، قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب إبل" الحديث وفيه: "ردت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" (٤)، وسيأتي (٥) بكماله، وهم في قيامهم ذلك في الظلمة دون الحشر كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان: "عراة غرلًا" (٦)، "أعطش ما كانوا وأجوع ما كانوا قط وأعراه (٧) " (٨)، فلا يسقى ذلك اليوم إلا من سقى الله ولا يطعم إلا من أطعم لله (٩)، ولا يكسى يومئذٍ إلا من كسا الله (١٠)، ولا يُكفى إلا من اتكل (١١) على الله، ومصداق هذا في كتاب الله قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ٧، ١١] أي من إزالة الجوع والعطش والعري إلى غير ذلك من أهوال يوم (١٢) القيامة وأفزاعها على ما يأتي (١٣) بيانه في هذا (١٤) الباب [و] (١٥) الذي يليه. أبو بكر بن أبي شيبة (١٦) عن أبي معاوية عن عاصم عن أبي عثمان عن

стр. 580

سلمان قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين، قال: فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل، قال سلمان: حتى يقول (١) الرجل غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ائتوا أباكم آدم فيشفع لكم الحديث بطوله، وسيأتي (٢) مرفوعًا من حديث أبي هريرة. وأخرجه ابن المبارك (٣): أنبأ سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي (٤) عن سلمان قال: تدنى الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوسين أو قوسين (٥) فتعطى حر عشر سنين ليس على (٦) أحد يومئذ طُحْرُبة (٧) ولا يرى فيها (٨) عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو قال: الكفار (٩) فتطحنهم، فإنما تقول أجوافهم غق غق، قال نعيم (١٠): الطُحْرُبة: الخرقة (١١). وأخرجه هناد بن السري (١٢): حدثنا قبيصة عن سفيان عن سليمان التيمي فذكره سواء إلا أنه قال: "لا يجد حرها" بدل "ولا تضر"، قال: "وأما الكفار (١٣) أو الآخرون فتطحنهم طحنًا حتى يسمع لأجوافهم غق غق".

стр. 581

مسلم (١) عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تُدْنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل"، قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق الجامًا، قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. وأخرجه الترمذي (٢) وزاد بعد قوله: "تكحل به العين" "فتصهرهم الشمس". وذكر ابن المبارك (٣): أخبرنا مالك بن مغول عن عبيد الله (٤) بن العيزار، قال: إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، والسعيد الذي يجد لقدميه موضعًا يضعهما (٥) عليه، وإن الشمس تدنى من رؤوسهم حتى لا يكون بينها وبين رؤوسهم (٦) إما قال ميلًا أو ميلين، ثم يزاد في حرها بضعة وستين ضعفًا، وعند الميزان ملك إذا وزن العبد نادى ألا إن فلان ابن فلان قد ثقلت موازينه وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا (٧)، ألا إن فلان ابن فلان خفت موازينه وشقي شقاء لا يسعد بعده (٨) أبدًا. مسلم (٩) عن أبي هرير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن العرق يوم

стр. 582

القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعًا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم شك ثور (١) أيهما قال"، أخرجه البخاري (٢). عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "يوم يقوم (٣) الناس لرب العالمين قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه (٤) "، أخرجه البخاري (٥) والترمذي (٦)، وقال: حديث حسن صحيح مرفوعًا وموقوفًا. ورى هناد بن السري (٧) قال: حدثنا محمد بن فضيل (٨) عن ضرار بن مرة عن عبد الله المكتب عن عبد الله بن عمر قال: قال له رجل إن أهل المدينة ليوفون الكيل يا أبا عبد الرحمن، قال: وما منعهم (٩) أن يوفوا الكيل؟ وقد قال الله (١٠) تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ حتى بلغ: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]، قال: إن العرق ليبلغ أنصاف آذانهم من هول يوم القيامة وعظمه. وخرّج الوائلي من حديث ابن وهب قال: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي هانئ عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (١١) عن عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، ثم قال رسول الله ﷺ : "كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة

стр. 583

خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم" (١). قال الوائلي: غريب جيد الإسناد. وقد خرَّج مسلم (٢) لابن وهب عن أبي هانئ نفسه عن الحبلي (٣) عن عبد الله أحاديث. ابن المبارك قال: أخبرنا (٤) الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد (٥) يقول: إن للناس يوم القيامة جولة وهو قوله : ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ [القيامة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١] (٦). وفي حديث جويبر عن الضحاك: فينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم فيسمعون زفيرها وشهيقها فلا يأتون قطرًا من أقطارها إلا وجدوا صفوفًا قيامًا من الملائكة، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، والسلطان: العذر، وقال رسول الله ﷺ : "خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني، فقلت: يا جبريل ألم يغفر لي ربي (٧) ما تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال: يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة" (٨). ذكره أبو الفرج بن الجوزي (٩).

стр. 584

فصل قلت: ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سليمان: أن الشمس لا يضر حرها مؤمنًا ولا مؤمنة، العموم في المؤمنين وليس كذلك، لحديث المقداد المذكور بعده، وإنما المراد [والله أعلم] (١) لا يضر مؤمنًا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن كما في الحديث الصحيح: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، الحديث رواه الأئمة مالك (٢) وغيره (٣)، وسيأتي (٤) في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته (٥)، وكذلك الأعمال (٦) الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء الله. وكل ذلك في ظل العرش، والله أعلم. وأما غير هؤلاء (٧) متفاوتون (٨) في العرق على ما دل عليه حديث مسلم. قال ابن العربي (٩): وكل واحد (١٠) يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه وإلى جانبيه مثلًا يمنة من يبلغ كعبيه، ومن الجهة الشُومى (١١) من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقه إلى نصفه (١٢)، ومن خلفه من يبلغ العرق صدره، وهذا خلاف المعتاد (١٣) في الدنيا، فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض

стр. 585

المعتدلة أخذهم الماء أخذًا واحدًا ولا يتفاوتون كما ذكرنا مع استواء الأرض [و] (١) مجاورة (٢) المحل، وهذا من القدرة التي تخرق العادات في زمن الآيات. وقال الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب الإرشاد له: ولا يبعدن عليك هذا (٣) يرحمك (٤) الله أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد وموقف (٥) سواء يشرب أحدهم أو بعضهم من الحوض ولا يشرب الغير، ويكون النور يسعى بين يدي البعض في الظلمات مع قرب المكان وازدحام الناس، ويكون أحدهم يغرق في عرقه حتى يلجمه أو يبلغ منه عرقه ما شاء الله جزاء لسعيه في الدنيا، والآخر في ظل العرش على قرب المكان والمجاورة كذلك كانوا في الدنيا، يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس والكافر في ظلام كفره، والمؤمن في وقاية الله وكفايته، والكافر والعاصي في خذلان الله لهما، وعدم العصمة، والمؤمن السني يكرع في سنة رسول الله ﷺ ويروى ببرد اليقين ويمشي في سبيل الهداية بحسن الاقتداء، والمبتدع عطشان إلى ما روي المؤمنين به (٦)، حيران لا يشعر، سالك في مسالك ضلالات البدع وهو لا يدري، كذلك في الوجود، الأعمى لا يجد نور بصر البصير ولا ينفعه دواء، وإنما هي بواطن ظهرت، وظواهر بطنت، فتشعر لذلك وتفطَّن، واستعن بالله يُعنك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقال أبو حامد (٧): واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج، وجهاد، وصيام، وقيام وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمل مشقة في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، فيستخرجه (٨) الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب، ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب

стр. 586

العرق (١) في تحمل مصاعب الدنيا أهون أمرًا وأقصر زمانًا من عرق الكرب والانتظار في القيامة فإنه يوم عظيم شدته، طويل مدته. وذكر أبو نعيم (٢) عن أبي حازم أنه قال: لو نادى مناد من السماء: أمِنَ أهل الأرض من دخول النار، لحق عليهم الوجل من هول (٣) ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم. باب ما ينجي من أهوال يوم القيامة وكربها مسلم (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نَفّسَ عن مؤمن (٥) كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وذكر الحديث (٦). وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٧) قال: حدثنا أبي ﵀ قال: ثنا عبد الله بن نافع قال: حدثني ابن أبي فديك (٨) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده (٩) عنه، ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، [ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فخلصه من بينهم] (١٠)، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب

стр. 587

فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا؛ كلما ورد حوضًا منع منه فجاءه صيامه فسقاه، وأرواه، ورأيت رجلًا من أمتي والنبيون قعود حلقًا حلقًا، كلما دنا لحلقة طردوه (١)، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده في (٢) جنبي، ورأيت رجلًا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة، فهو محير (٣) فيها، فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور (٤)، ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين (٥) فلا يكلموه فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلِّموه فكلَّموه، ورأيت رجلًا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده (٦) عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترًا على وجهه وظلًّا على رأسه، ورأيت رجلًا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه، بينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسن خلقه فأخذه بيده فأدخله على الله، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلًا من أمتي قد خف (٧) ميزانه فجاءته أفراطه (٨) فثقَّلوا ميزانه، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي هوي في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة، فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي على الصراط يحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا (٩)

стр. 588

فجاءته صلاته عليَّ فأخذت بيده فأقامته (١)، ومضى على الصراط، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة. قلت: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالًا خاصة تنجي من أهوال خاصة والله أعلم. وقد ينجي منها كلها ما ثبت في صحيح مسلم (٢) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء (٣) إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله : أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي". وخرّج (٤) عن حذيفة (٥) ﵁ عن النبي ﷺ : "أن رجلًا مات فدخل الجنة فقيل له: ما كنت تعمل؟ فقال: أما ذكروا ما ذكر، فقال: إني كنت أبايع الناس فكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد، فغفر له"، وقال ابن مسعود وأنا سمعته من رسول الله ﷺ ، رواه مسلم (٦) من طرق، وخرّجه البخاري (٧). وروي مسلم (٨) عن أبي أبي قتادة ﵁ أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه ثم وجده، فقال: إني معسر، قال: آلله، قال: آلله (٩)، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه. وعن أبي اليسر واسمه كعب بن عمرو (١٠) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:

стр. 589

"من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله"، خرجه مسلم (١). وقال أنس بن مالك ﵁: من أنظر مديونًا فله بكل يوم عند الله وزن أُحد ما لم يطلبه (٢). وروى الأئمة (٣) عن رسول الله ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق (٤) في المساجد (٥) ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة (٦) ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت (٧) يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". معنى في ظله، أي في ظل عرشه، وقد جاء هكذا مفسرًا في الحديث. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أشبع جائعًا، أو كسا عاريًا، أو آوى مسافرًا أعاذه الله من أهوال يوم القيامة" (٨). وخرج الطبراني (٩) سليمان بن أحمد عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لقم أخاه لقمة حلوًا صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة". وفي التنزيل تحقيقًا لهذا الباب وجامعًا له قوله الحق: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ مع قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾

стр. 590

[الكهف: ٣٠] مع قوله في غير موضع بعد ذكر الأعمال الصالحة: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. باب ذكر أبو نعيم (١) الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال: ثنا محمد بن سلام قال: ثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا مالك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة"، قال: وما (٢) يكفرها يا رسول الله؟ قال: "الهموم في طلب المعيشة". قال أحمد بن يحيى: فقلت: كيف سمعت هذا من يحيى بن بكير فلم يسمعه أحد غيرك؟ قال: كنت عند يحيى جالسًا فجاءه رجل فذكر ضعفه، فقال: قال (٣) ابن بكير: حدثنا مالك فذكره (٤). باب في الشفاعة العامة لنبينا (٥) ﷺ لأهل المحشر مسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش (٧) منها نهشة (٨)، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة (٩)، وهل تدرون بم ذاك (١٠)؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم

стр. 591

والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى (١) من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم (٢)، فيقولون: يا آدم أنت أبونا أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبًا (٣) لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون يا نوح: أنت أول الرسل إلى الأرض وسمَّاك الله عبدًا شكورًا اشفع لنا إلى ربنا (٤)، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي (٥) دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم (٦) فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون يا موسى: أنت رسول الله فضلك الله برسالاته (٧) وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم (٨) غضبًا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد

стр. 592

وكلمة منه (١) ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتوني (٢) فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله (٣) عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي (٤)، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه اشفع تُشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكَمَا بين مكة وهُجر وكما بين مكة وبُصْرى (٥)، وفي البخاري: "كما بين مكة وحِمْيَر". فصل هذه الشفاعة العامة التي خص بها نبينا محمد ﷺ من بين سائر الأنبياء هي المراد بقوله ﵇: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي" رواه الأئمة، البخاري (٦) ومسلم (٧) وغيرهما (٨). وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي لتعجيل حسابهم ويراحوا من

стр. 593

هول الموقف (١)، وهي الخاصة به ﷺ ، وقوله: "فأقول: يا رب أمتي أمتي" اهتمام (٢) بأمر أمته، وإظهار محبته فيهم، وشفقته عليهم، وقوله: "فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه"، يدل على أنه شفع فيما طُلِبَ من تعجيل الحساب لأهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته فقد شرع في حساب مَنْ عليه حساب مِن أمته (٣) وغيرهم وكان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه محمد ﷺ المحمود الذي وعده، ولذلك قال كل نبي: "لست لها، لست لها" حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ فقال: "أنا لها". وروى مسلم (٤) عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك"، وفي رواية: فيلهمون، فيقولون: لو (٥) استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم، وذكر الحديث. وذكر أبو حامد (٦): أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام، وكذا بين كل نبي إلى محمد ﷺ . وذكر (٧) أيضًا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة بحسب خواتمهم (٨) كمانع الزكاة، والغادر، والغال على ما يأتي (٩) بيانه، وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدًا يتأذى بنتنها جيرانهم، وآخرون قد صلبوا على جذوع النيران، وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح

стр. 594

ما يكون، وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكذابون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلوا الربا، وكل ذي ذنب قد بدا سوء ذنبه. قاله في كتاب كشف علم الآخرة. وذكر في آخر (١) الكتاب أن الرسل يوم القيامة على المنابر والعلماء والأنبياء (٢) على منابر صغار دونهم (٣) ومنبر كل رسول على قدره، والعلماء العاملون على كراسي من نور، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من مسك (٤)، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا (٥) إلى رسول الله ﷺ . وذكر الفقيه أبو بكر بن برّجان في كتاب الإرشاد له: ويلهم رؤوس المحشر لطلب (٦) من (٧) من يشفع لهم ويريحهم مما هم فيه وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون ذلك. باب ما جاء أن هذه الشفاعة هي المقام (٨) المحمود الترمذي (٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر"، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني أذنبت ذنبًا فأهبطت به إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحًا،

стр. 595

فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا (١) إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات - ثم قال رسول الله ﷺ : ما منها كذبة إلا ما (٢) حل بها عن دين الله - ولكن ائتوا موسى فيأتون موسى فيقول: قد قتلت نفسًا، ولكن ائتوا عيسى فيأتون (٣) عيسى فيقول: إني عُبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ فيأتون (٤) فأنطلق معهم. قال ابن جدعان: قال أنس: وكأني انظر إلى رسول الله ﷺ قال: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبًا، فأخر ساجدًا، فيلهمني من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه (٥)، واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها" (٦)، قال الترمذي: حديث حسن. خرَّجه (٧) أبو داود الطيالسي (٨) بمعناه عن ابن عباس ﵄ فقال: حدثنا حماد بن سلمة قال: ثنا علي بن زيد عن أبي نضرة قال: خطبنا ابن عباس ﵄ على منبر البصرة فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وله دعوة، كلهم قد تنجَّزها في الدنيا، وإني ادّخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني وإني سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد تحته آدم ﷺ ومن دونه ولا فخر، ويشتد كرب ذلك اليوم على الناس فيقولون انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا الحديث، وفيه: "فيأتون عيسى ﵇

стр. 596

فيقولون: اشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا فيقول: إني لست هناكم، إني اتُّخذت وأمي إلهين من دون الله، ولكن أرأيتم لو أن متاعًا (١) في وعاء قد ختم عليه أكان يوصل إلى ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟ فيقولان: لا، فيقول: إن محمدًا ﷺ قد خصه (٢) اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال رسول الله ﷺ فيأتيني الناس فيقولون: اشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا، فأقول: أنا لها [أنا لها] (٣)، حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله يقضي بين خلقه نادى مناد: أين محمد (٤) وأمته (٥)؟ فأقوم وتتبعني أمتي (٦) غرًا محجلين من أثر الطهور (٧). قال رسول الله ﷺ : فنحن الآخرون الأولون، وأول من يحاسب، وتفرج لنا الأمم عن طريقنا، وتقول الأمم: كادت هذه الأمة يكونوا (٨) أنبياء كلها، وذكر الحديث. وفي البخاري (٩) عن ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس يصيرون يوم القيامة (١٠) جثًا، كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان، اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم (١١) يبعثه الله المقام المحمود". وروى الترمذي (١٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، سئل عنها قال: "هي الشفاعة"، قال: هذا حديث حسن صحيح (١٣).

стр. 597

فصل قوله: فيفزع الناس ثلاث فزعات، إنما ذلك والله أعلم حين يؤتى بالنار تُجر بأزمَّتها، وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديان، فإذا نَظَرتْ إلى الخلائق فارتْ وثارتْ وشهقت إلى الخلائق وزفرتْ نحوهم، وتوثبتْ عليهم غضبًا؛ لغضب ربهم على ما يأتي (١) بيانه في كتاب النار إن شاء الله تعالى. فتتساقط الخلائق حينئذٍ (٢) على ركبهم جثاة حولها (٣) قد أسبلوا الدموع من أعينهم ونادى الظالمون بالويل والثبور، ثم تزفر الثانية فازداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلق (٤) لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم (٥) ينظرون من طرف خفي خوفًا أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها (٦). أجارنا الله منها. فصل واختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال: الأول: أنه الشفاعة العامة للناس يوم القيامة كما تقدم (٧)، قاله حذيفة (٨) بن اليمان (٩) وابن عمر ﵁ (١٠). الثاني: أنه إعطاؤه ﵇ لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد

стр. 598

ويشفع روى الترمذي (١) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا (٢)، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، فأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر"، وفي رواية: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا أيسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا (٣)، لواء الكرم بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون" (٤). الثالث: ما حكاه الطبري (٥) عن فرقة منها مجاهد أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمدًا ﷺ معه على كرسيه (٦)، وروى (٧) في ذلك حديثًا. قلت: وهذا قول مرغوب عنه، وإن صح فيتأول على أنه يجلسه مع أنبيائه وملائكته. قال ابن عبد البر [في كتاب التمهيد] (٨): ومجاهد وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا، والثاني: في تأويل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: تنتظر الثواب ليس من النظر (٩).

стр. 599

الرابع: إخراجه (١) طائفة من النار، مسلم (٢) عن يزيد الفقير (٣) قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا عن عصابة ذوي عدد نريد الحج ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله ﵁ يحدث القوم إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له يا صاحب رسول الله ﷺ ما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا (٤) الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يُخرج الله به من يُخرج، وذكر الحديث. وفي البخاري (٥) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: وقد سمعته يقول: فأخرج فأخرجهم وأدخلهم الجنة حتى ما (٦) يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: هو المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ . الخامس: قد روي (٧) أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، وسيأتي (٨). فصل إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء ﵈ حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ليراحوا من هول موقفهم فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته (٩) وكم هي؟

стр. 600

فقال النقاش (١): لرسول الله ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر (٢). وقال ابن عطية (٣): والمشهور أنهما شفاعتان فقط، العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء (٤). وقال القاضي عياض (٥): شفاعات نبينا (٦) ﷺ يوم القيامة (٧) خمس شفاعات: الأولى: العامة. الثانية (٨): إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنونهم فيشفع فيهم نبينا ﷺ ، ومن شاء أن يشفع ويدخلون الجنة (٩)، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة (١٠)، فمنعتها [على] (١١) أصولهم الفاسدة وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح (١٢).
следующие страницы →