← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فيقولون: اشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا فيقول: إني لست هناكم، إني اتُّخذت وأمي إلهين من دون الله، ولكن أرأيتم لو أن متاعًا (١) في وعاء قد ختم عليه أكان يوصل إلى ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟ فيقولان: لا، فيقول: إن محمدًا ﷺ قد خصه (٢) اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال رسول الله ﷺ فيأتيني الناس فيقولون: اشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا، فأقول: أنا لها [أنا لها] (٣)، حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله يقضي بين خلقه نادى مناد: أين محمد (٤) وأمته (٥)؟ فأقوم وتتبعني أمتي (٦) غرًا محجلين من أثر الطهور (٧). قال رسول الله ﷺ : فنحن الآخرون الأولون، وأول من يحاسب، وتفرج لنا الأمم عن طريقنا، وتقول الأمم: كادت هذه الأمة يكونوا (٨) أنبياء كلها، وذكر الحديث. وفي البخاري (٩) عن ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس يصيرون يوم القيامة (١٠) جثًا، كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان، اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم (١١) يبعثه الله المقام المحمود". وروى الترمذي (١٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، سئل عنها قال: "هي الشفاعة"، قال: هذا حديث حسن صحيح (١٣).

стр. 597

فصل قوله: فيفزع الناس ثلاث فزعات، إنما ذلك والله أعلم حين يؤتى بالنار تُجر بأزمَّتها، وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديان، فإذا نَظَرتْ إلى الخلائق فارتْ وثارتْ وشهقت إلى الخلائق وزفرتْ نحوهم، وتوثبتْ عليهم غضبًا؛ لغضب ربهم على ما يأتي (١) بيانه في كتاب النار إن شاء الله تعالى. فتتساقط الخلائق حينئذٍ (٢) على ركبهم جثاة حولها (٣) قد أسبلوا الدموع من أعينهم ونادى الظالمون بالويل والثبور، ثم تزفر الثانية فازداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلق (٤) لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم (٥) ينظرون من طرف خفي خوفًا أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها (٦). أجارنا الله منها. فصل واختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال: الأول: أنه الشفاعة العامة للناس يوم القيامة كما تقدم (٧)، قاله حذيفة (٨) بن اليمان (٩) وابن عمر ﵁ (١٠). الثاني: أنه إعطاؤه ﵇ لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد

стр. 598

ويشفع روى الترمذي (١) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا (٢)، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، فأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر"، وفي رواية: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا أيسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا (٣)، لواء الكرم بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون" (٤). الثالث: ما حكاه الطبري (٥) عن فرقة منها مجاهد أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمدًا ﷺ معه على كرسيه (٦)، وروى (٧) في ذلك حديثًا. قلت: وهذا قول مرغوب عنه، وإن صح فيتأول على أنه يجلسه مع أنبيائه وملائكته. قال ابن عبد البر [في كتاب التمهيد] (٨): ومجاهد وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا، والثاني: في تأويل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: تنتظر الثواب ليس من النظر (٩).

стр. 599

الرابع: إخراجه (١) طائفة من النار، مسلم (٢) عن يزيد الفقير (٣) قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا عن عصابة ذوي عدد نريد الحج ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله ﵁ يحدث القوم إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له يا صاحب رسول الله ﷺ ما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا (٤) الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يُخرج الله به من يُخرج، وذكر الحديث. وفي البخاري (٥) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: وقد سمعته يقول: فأخرج فأخرجهم وأدخلهم الجنة حتى ما (٦) يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: هو المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ . الخامس: قد روي (٧) أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، وسيأتي (٨). فصل إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء ﵈ حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ليراحوا من هول موقفهم فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته (٩) وكم هي؟

стр. 600

فقال النقاش (١): لرسول الله ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر (٢). وقال ابن عطية (٣): والمشهور أنهما شفاعتان فقط، العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء (٤). وقال القاضي عياض (٥): شفاعات نبينا (٦) ﷺ يوم القيامة (٧) خمس شفاعات: الأولى: العامة. الثانية (٨): إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنونهم فيشفع فيهم نبينا ﷺ ، ومن شاء أن يشفع ويدخلون الجنة (٩)، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة (١٠)، فمنعتها [على] (١١) أصولهم الفاسدة وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح (١٢).

стр. 601

الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء، والملائكة وإخوانهم المؤمنين. قلت: وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضًا. وإذا منعوها فيمن استوجب النار بذنبه [وإن] (١) لم يدخلها فأحرى أن يمنعوها فيمن دخلها. الخامسة: في زيادات (٢) الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها (٣). قال القاضي عياض: وهذه (٤) لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول. قلت: وشفاعة سادسة (٥) لعمه أبي طالب في التخفيف عنه كما رواه (٦) مسلم (٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة (٨) فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه (٩) دماغه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]. قيل له: لا تنفعه (١٠) في الخروج من النار كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.

стр. 602

فصل واختلف العلماء أيضًا هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين بعد النبوة صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاقبون عليها، ويشفقون على أنفسهم منها أم لا بعد اتفاقهم (١) أنهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر (٢). "وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة: أن ذلك مقتضى دليل العقل (٣) على أصولهم" (٤). فقال الطبري (٥) وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك كله واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل، وثبت من تنصلهم (٦) من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء به. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي أنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها (٧)، لأنا أُمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة و (٨) الحظر و (٩) المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية لاسيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين.

стр. 603

قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (١): واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة. وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: "والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب [من] (٢) بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها من نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة (٣) الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. وهذا هو الحق (٤). ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين (٥). فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم (٦) يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم (٧)، بل قد (٨) تلافاهم، واجتباهم، وهداهم ومدحهم، وزكاهم، واختارهم، واصطفاهم صلوات الله وسلامه عليهم" (٩).

стр. 604

باب ذكر ابن المبارك (١) قال: أخبرنا رشدين بن سعد قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد عن دخين (٢) الحَجْري عن عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ وذكر حديث الشفاعة وفيه: "فيقول عيسى ﵇: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم، فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورًا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافر قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس، هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع [لنا] (٣)، فإنك أضللتنا، فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها (٤) أحد ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. باب من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة (٥) البخاري (٦) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه. وروى زيد بن أرقم (٧) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله

стр. 605

مخلصًا دخل الجنة، قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله". خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (١). باب ما جاء في تطاير الصحف عند العرض والحساب وإعطاء الكتب باليمين والشمال، ومن أول من يأخذ كتابه في هذه الأمة بيمينه وفي (٢) كيفية وقوفهم للحساب، وما يقبل منهم من الأعمال ودعائهم (٣) بأسماء آبائهم، وبيان قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] وفي تعظيم خلق الإنسان الذي يدخل الناس به النار أو الجنان [وذكر القاضي العدل] (٤) ومن نوقش عذب قال الترمذي (٥): ويروى: ويروى (٦) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال (٧): حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، فإنما يخف الحساب على من حاسب نفسه في الدنيا. وقال عطاء الخراساني (٨): يحاسب العبد يوم القيامة عند معارفه ليكون أشد عليه. ذكره أبو نعيم (٩).

стр. 606

البخاري (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من حوسب يوم القيامة عذب"، فقلت (٢): يا رسول الله أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال: "ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب". أخرجه مسلم (٣) والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح. أبو داود الطيالسي (٥) قال: ثنا عمر بن العلاء اليشكري قال: حدثني صالح بن سرح (٦) عن عمران بن حطان (٧) قال سمعت عائشة ﵂ تقول: وذكر عندها القضاة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط". الترمذي (٨) عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذٌ بيمينه وآخذ بشماله". قال أبو عيسى: يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁ وقد رواه بعضهم عن علي بن علي الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى (٩) عن النبي ﷺ . قلت قوله: وقد رواه بعضهم، هو وكيع بن الجراح ذكره ابن ماجه (١٠)

стр. 607

قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع عن علي بن علي فذكره. قال الترمذي (١): وتكلم يحيى بن سعيد القطان في علي بن علي. وخرجه أبو بكر البزار (٢) أيضًا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث، عرضات فأما عرضتان فجدال [ومعاذير] (٣)، وأما الثالثة: فتطاير الكتب (٤) يمينًا وشمالًا". ذكره (٥) الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين (٦) قال: فروي (٧) لنا عن رسول الله ﷺ أن الناس يعرضون ثلاث عرضات (٨)، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما (٩) العرضة الثالثة تطاير الصحف، فالجدال: الأعداء (١٠) يجادلون لأنهم [لا] (١١) يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير الله تعالى يعذر الكريم (١٢) إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعثهم إلى النار، فإنه يحب أن يكون عذره عند أنبيائه وأوليائه ظاهرًا لا تأخذه الحيرة، وكذلك (١٣) قيل عن رسول الله ﷺ : لا أحد أحب إليه المدح من الله ولا أحد أحب إليه العذر من الله" (١٤)، والعرضة الثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر يخلو بهم فيعاتبهم في تلك الخلوات من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء ويَرْفَضّ (١٥) عرقًا بين يديه (١٦) ويفيض

стр. 608

العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم. وذكر أبو جعفر العقيلي (١) من حديث يغنم (٢) بن سالم عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان الموقف (٣) بعث الله ريحًا فتطيرها بالأيمان و (٤) الشمائل، أول (٥) خط [فيها] (٦): ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] (٧). أبو داود (٨) عن عائشة ﵂ قالت: "ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله ﷺ ما يبكيك؟ قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم (٩) يوم القيامة؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع (١٠) كتابه في يمينه، أو في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري (١١) جهنم حتى يجوز:. وذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب (١٢) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب

стр. 609

وله شعاع كشعاع الشمس، فقيل له: فأين يكون أبو بكر يا رسول الله؟ قال: هيهات زفته الملائكة إلى الجنان. وخرجه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده (١) في كتاب التوحيد (٢) له من معاذ عن بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: "يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، احضروا حجتكم ويسروا جوابًا فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفًا على أطراف أنامل (٣) أقدامهم للحساب". وأسند (٤) عن شمر (٥) بن عطية قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب، وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات، فيقول رب العزة ﵎: صليت يوم كذا وكذا، ليقال: صلى فلان، أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، صمت يوم كذا وكذا، ليقال: صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا، ليقال: تصدق فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، فما زال يمحى شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما

стр. 610

فيها شيء، فيقول ملكاه ألغير الله كنت تعمل؟ (١). قلت: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع، وقد رفع معناه الدارقطني في سننه (٢) من حديث [أنس] (٣) بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء يوم القيامة بصحف مختمة (٤)، فتنصب (٥) بين يدي الله ، فيقول الله تعالى (٦)، ألقوا هذا، واقلبوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله وهو أعلم: إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما ابتُغي به وجهي"، خرجه مسلم في صحيحه (٧) عن أبي هريرة بمعناه على [ما] (٨) يأتي إن شاء الله تعالى بيانه (٩). الترمذي (١٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: يدعى أحدهم فيعطى (١١) كتابه بيمينه ويمد له [في] (١٢) جسمه ستون ذراعًا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق على أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم، ويقول: أبشروا، لكل واحد منكم (١٣) مثل هذا، قال (١٤): وأما الكافر فيسود وجهه ويمد في جسمه ستون ذراعًا على صورة آدم

стр. 611

ويلبس تاجًا فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وروي أن عيسى ﵇ مر بقبر فوكزه برجله، وقال: يا صحاب القبر قم بإذن الله، فقام إليه الرجل (١) وقال: يا روح الله ما الذي أردت (٢)؟ فإني لقائم في الحساب منذ سنة سبعين سنة حتى أتتني الصيحة الساعة أن أجب روح الله، فقال له عيسى: يا هذا لقد كنت كثير الذنوب والخطايا، ما كان عملك؟ فقال: والله يا الله ما كنت إلا حطّابًا، أحمل الحطب على رأسي آكل (٣) حلالًا وأتصدق، فقال عيسى: يا سبحان الله حطابًا يحمل الحطب على رأسه يأكل حلالًا ويتصدق وهو قائم في الحساب منذ سبعين سنة؟ ثم (٤) قال: يا روح كان من توبيخ ربي (٥) لي أن قال (٦): اكتراك عبدي فلان لتحمل له حزمة حطب فأخذت منها عودًا، فتخللت، به وألقيته في غير مكانه امتهانًا (٧) منك بي، وأنت تعلم أني أنا الله المطلع عليك وأراك (٨). فصل قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، قال الزجاج (٩): ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق (١٠). وقال إبراهيم بن أدهم (١١): كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة

стр. 612

عمله، فإذا مات طويت، فإذا بعث نشرت، وقيل له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (١). وقال ابن عباس (٢) ﵄ طائره: عمله، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. قال الحسن: يقرأ الإنسان كتابه أميًا كان أو غير أمي (٣). وقال أبو السوار العدوي (٤): وقرأ هذه الآية: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل (٥) فيها ما شئت، فإذا مت طويت، حتى إذا بعثت نشرت (٦)، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، فإذا وقف الناس على أعمالهم من الصحف التي يوثق بها بعد البعث حوسبوا بها، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فدل أن المحاسبة تكون عند إيتاء الكتب، لأن الناس إذا بعثوا لا يكونون ذاكرين لأعمالهم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] (٧). وقد تقدم (٨) القول في محاسبة الله تعالى لخلقه في يوم الحساب من أسماء القيامة، والحمد لله، فإذا بعثوا من قبورهم إلى الموقف فقاموا (٩) فيه ما شاء الله

стр. 613

تعالى على ما تقدم (١) حفاة، و (٢) عراة، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس، فأوتوها فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره وهم الأشقياء، فعند ذلك يقرأ كلٌّ كتابه، وأنشدوا (٣): مثِّل وقوفك يوم العرض عريانًا … مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهَّب من غيظ ومن حنق … على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل … فهل ترى فيه حرفًا غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته … إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي … وامضوا بعبد عصا للنار عطشانا المشركون غدًا في النار يلتهبوا … والمؤمنون بدار الخلد سكانا فتوهم نفسك يا أخي (٤) إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت ونوه باسمك على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان، هلم إلى العرض على الله وقد وكلت الملائكة بأخذك، فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء، إذ قرع النداء قلبك فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك وتغير لونك، وطار قلبك يخطي بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيديهم وقد طار قلبك، واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك (٥). فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، وكم (٦) من بلية قد كنت (٧) نسيتها ذكركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها،

стр. 614

وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيمًا، فيا حسرة قلبك ويا أسفك على ما فرطت فيه طاعة ربك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] (١) فيعلم أنه من أهل الجنة، ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢)، وذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه (٣). فإذا كان الرجل رأسًا في الخير يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه دعي باسمه واسم أبيه فيتقدم (٤)، حتى إذا دنى أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات وفي (٥) ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق (٦) ويسفر وجهه ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك، وقد غفرت لك، فيفرح عند ذلك فرحًا شديدًا (٧)، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحًا، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك قد (٨) ضوعفت لك فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعًا، وهي قامة آدم ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فإذا أدبر قال: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾، قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي مرضية قد رضيها، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ في السماء، ﴿قُطُوفُهَا﴾ ثمارها وعناقيدها ﴿دَانِيَةٌ﴾ أدنيت منهم، فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: قد غمرتك ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، أي قدمتم في أيام الدنيا. وإذا (٩) كان الرجل رأسًا في الشر يدعو له (١٠) ويأمر به فيكثر تبعه عليه

стр. 615

نودي باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج إليه (١) كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه حسناتك، وقد ردت عليك، ويسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنًا، ولا يزداد وجهه إلا سوادًا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك، أي يضاعف عليه العذاب، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل، قال: فيعظم للنار (٢) وتزرق عيناه ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم (٣) مثل هذا، فينطلق وهو يقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ يعني الموت ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ تفسير ابن عباس ﵄: هلكت عني حجتي، قال الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ الله أعلم بأي ذراع قاله الحسن (٤)، وقال ابن عباس (٥) ﵄ سبعون ذراعًا بذراع الملك، وسيأتي (٦) في كتاب النار لهذه السلسلة زيادة (٧) بيان ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ فيها أي تدخل من فيه حتى تخرج من دبره قاله الكلبي (٨)، وقيل: بالعكس، وقيل: يدخل عنقه فيها ثم يجر بها، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب، فينادي أصحابه؟ فيقول: هل تعرفوني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره تخلع كتفه اليسرى فتجعل يده خلفه، يدخلها، فيأخذ بها كتابه.

стр. 616

وقال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه، فيقرأ كتابه كذلك (١). فتوهم نفسك إن كنت من السعداء وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه قد حل بك الكمال والحسن والجمال، [و] (٢) كتابك (٣) في يمينك، أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الأشهاد هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وأما إن كنت من أهل الشقاء فيسود وجهك وتتخطى الخلائق، وكتابك في شمالك أو من وراء ظهرك تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا (٤). قلت: قوله: ألا إن فلان فلان (٥) بن فلان دليل على [أن] (٦) الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه، وقد جاء صريحًا من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"، خرجه أبو نعيم (٧) الحافظ قال: ثنا عمرو بن حمدان قال: ثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: هشيم عن داود بن عمرو عن عبد الله بن أبي زكريا (٨) عن أبي الدرداء، فذكره. باب في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الترمذي (٩) عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسًا منصوبة على برج

стр. 617

دمشق، فقال أبو أمامة كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه. ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية، فقلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عدّ سبعًا ما حدثتكموه قال: هذا (١) حديث حسن. وخرّج أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب (٢) عن مالك بن سليمان الهروي أخي غسان مالك أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة، قال أبو بكر: منكر من حديث مالك. قلت: هذا قول ابن عباس (٣) وغيره في الآية: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وقال مالك بن أنس ﵁: هي في أهل الأهواء (٤). وقال الحسن: هي في المنافقين (٥). قتادة: في المرتدين (٦). أبي بن كعب: في الكفار، وهو اختيار الطبري (٧). اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسوِّدها (٨) يوم تسود وجوه أعدائك، بحق رسلك وأنبيائك وأصفيائك (٩) بفضلك يا ذا الفضل العظيم وكرمك يا كريم.

стр. 618

باب في قوله تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآية ابن المبارك (١) قال: أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل (٢) من بني أسد قال: قال عمر لكعب: ويحك يا كعب: حدثنا من حديث الآخرة، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله قال ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر (٣) حول العرش وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. قال الأسدي: الصغيرة: ما دون الشرك، والكبيرة: الشرك (٤)، ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ قال كعب: ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه، فحسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته (٥)، فذكر معنى ما تقدم (٦). وكان الفضيل بن عياض: إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه (٧) ضجوا

стр. 619

إلى الله من الصغائر قبل الكبائر (١). وقال ابن عباس ﵄ الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك: (٢) يعني ما كان من ذلك في معصية الله. وقد روي أن النبي ﷺ ضرب لصغائر الذنوب مثلًا، فقال: "إنما (٣) محقرات الذنوب كمثل قوم قد نزلوا بفلاة من الأرض وحضر صنيع القوم فانطلق كل رجل (٤) منهم يحتطب، فجعل الرجل (٥) يجيء بالعود والآخر بالعودين (٦) حتى جمعوا سوادًا وأججوا نارًا فشووا خبزهم، وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه فيهلكه إلا أن يغفر الله، اتقوا محقرات الذنوب فإن لها من الله طالبًا" (٧)، أنبأنا (٨) الشيخان أبو محمد عبد الوهاب القرشي، والإمام أبو الحسين (٩) الشافعي قالا: أنبأنا السلفي قال: أنا الثقفي، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد [محمد] (١٠) بن أحمد بن مَحْمِش (١١) الزيادي إملاء بنيسابور، قال: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد (١٢) الأبيوردي قال: أنا أنس بن عياض الليثي عن أبي حازم، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، [فإن مثل محقرات الذنوب] (١٣) كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود، وذا (١٤)

стр. 620

بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به، خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها، تهلكه" (١). غريب من حديث أبي حازم سملة بن دينار، تفرد به عنه أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، ولقد أحسن القائل (٢): خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى وقال جماعة من العلماء: إن الذنوب كلها كبائر (٣). قال بعضهم: لا تنظر إلى صغير (٤) الذنب (٥) ولكن انظر من عصيت، فهي من حيث المخالفة كبائر (٦). والصحيح: أن فيها صغائر وكبائر، ليس هذا موضع الكلام في ذلك، وقد بيناه في سورة النساء من كتاب جامع أحكام القرآن (٧)، والحمد لله. باب ما يسأل عنه العبد وكيفية السؤال قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣]، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] أي بما عملتموه، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة:٨]، أي يسأل عن ذلك ويجازى عليه والآي في هذا المعنى كثيرة.

стр. 621

وقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]. الترمذي (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال الناس: يا رسول الله عن أي النعيم نسأل؟ فإنما هما الأسودان والعدو (٢) حاضر، وسيوفنا على عواتقنا، قال: إن ذلك سيكون". وعنه (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : " [إن] (٤) أول ما يسأل عنه يوم القيامة يعني العبد أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونرويك من الماء البارد"؟ قال الترمذي: حديث غريب. وخرج أبو نعيم (٥) الحافظ من حديث الأعمش عن أبي وائل شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يخطو خطوة إلا سئل عنها ما (٦) أراد بها. مسلم (٧) عن أبي برزة الأسلمي (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ ". خرجه الترمذي (٩) وقال فيه: حسن صحيح، ورواه عن ابن عمر عن ابن

стр. 622

مسعود عن النبي ﷺ وقال فيه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن (١) قيس والحسين (٢) يضعف في الحديث. وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد. قلت: ومعاذ بن جبل (٣)، أخبرناه الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب بثغر الإسكندرية قراءة عليه قال: قرئ على السلفي وأنا أسمع قال: حدثنا الحاجب أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن العلاف ببغداد سنة أربع وسبعين وأربع مائة، قال: أنبأ أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران العدل قال: ثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري بمكة في شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، أخبرنا (٤) أبو سعيد الفضيل بن محمد الجندي إملاء في المسجد الحرام سنة تسع وتسعين ومائتين، قال: أنبأ صامت بن معاذ الجندي، أخبرنا عبد الحميد عن شقيق بن سعيد الثوري عن صفوان بن سليم عن عدي بن عدي عن الصنابحي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، ماله أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه". وخرج الطبراني (٥) أبو القاسم سليمان بن أحمد أيوب، أخبرنا (٦) أحمد بن خالد الحلبي، أخبرنا يوسف بن يونس الأفطس، أخبرنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله".

стр. 623

مسلم (١) عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر ﵄: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال فيقول: فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكافر (٢) والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله". أخرجه البخاري (٣) وقال في آخره: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وروي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة خلا الله بعبده المؤمن يوقفه على ذنوبه ذنبًا ذنبًا، ثم يغفر الله (٤) له (٥) لا يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، وستر من ذنوبه عليه ما يكرهه أن يقف عليها، ثم يقول لسيئاته: كوني حسنات" (٦). قال المؤلف ﵁: خرّجه مسلم بمعناه، وسيأتي (٧) آنفًا إن شاء الله تعالى، وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي في كتاب الديباج له (٨)، حدثنا ابن هارون بن عبد الله، قال: ثنا سيار، ثنا، جعفر، ثنا أبو عمران الجوني، عن أبي هريرة ﵁ قال: يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه فيستره من الخلائق كلها ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول (٩): اقرأ يا ابن آدم كتابك، قال: فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه، قال: فيقول الله تعالى: أتعرف يا عبدي، قال: فيقول: نعم يا رب

стр. 624

أعرف، قال: فيقول له (١): إني أعرف بها منك قد غفرتها لك، فلا تزال حسنة (٢) تقبل فيسجد، وسيئة تغفر فيسجد، فلا ترى الخلائق منه إلا ذلك حتى تنادي الخلائق بعضها بعضًا، طوبى لهذا العبد الذي لم يعص قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه" (٣). قلت: نسخه من هنا إلى الفصل قوله: "لا تزول" (٤) أخبرناه (٥) الشيخ الراوية عبد الوهاب (٦) القرشي قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماها الله (٧) قال: قرئ على الحافظ السلفي وأنا أسمع قال: ثنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف قال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أنا الآجري حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى السونيطي (٨)، ثنا أحمد بن أبي رجاء المصيصي، ثنا وكيع بن الجراح، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه وتخبأ كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا وكذا ثلاث مرات، وهو يقر ليس ينكر قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء، قال: فإذا أراد الله به خيرًا قال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوبًا ما رأيتها، هاهنا قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (٩) ثم تلا: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، خرَّجه مسلم في

стр. 625

صحيحه (١) عن محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأعمش فذكره إلى هنا لم يوجد في بعض النسخ (٢). فصل قوله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة (٣) حتى يسأل" عامٌ لأنه نكرةٌ في سياق النفي لكنه مخصوص بقوله ﵇: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب" (٤) على ما يأتي (٥) وبقوله تعالى لمحمد ﷺ : "أدخل الجنة أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٦) الحديث، وقد تقدم (٧)، ولقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١] (٨). قوله ﵇: "وعن علمه ما عمل فيه" قلت: هذا مقام مخوف؛ لأنه لم يقل: وعن علمه ما قال فيه وإنما قال: ما عمل فيه فلينظر العبد ما عمل فيه عَلِمَهُ (٩)، هل صدق الله في ذلك، وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى الله عليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، أو خالف علمه بفعله فيدخل في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] (١٠) الآية، وقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]، والأخبار في هذا (١١) المعنى كثيرة، وسيأتي (١٢) ذكرها في أبواب النار إن شاء الله تعالى.

стр. 626

وقوله: "حتى يضع عليه كنفه"، أي ستره ولطفه وإكرامه فيخاطبه خطاب الملاطفة ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة فيقول: هل تعرف، فيقول: رب أعرف، فيقول الله تعالى ممتنا عليه ومظهرًا فضله لديه فإني قد (١) سترتها عليك في الدنيا أي لم أفضحك بما فيها (٢) وأنا أغفرها لك اليوم. ثم قيل: هذه ذنوب تاب منها كما ذكرها (٣) أبو نعيم (٤) عن الأوزاعي عن هلال بن سعد قال: إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب منها. قال المؤلف: ولا يعارض هذا ما (٥) في التنزيل والحديث من أن السيئات تبدل بالتوبة حسنات، فلعل ذلك يكون بعد ما يوقفه عليها، والله أعلم. وقيل: هي صغائر اقترفها. وقيل: كبائر بينه وبين الله تعالى اجترحها، وأما ما كان بينه وبين العباد فلا بد فيها من القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي (٦). وقيل: ما خطر بقلبه ما لم يكن في وسعه ويدخل تحت كسبه، ويثبت في نفسه وإن لم يعمله وهذا اختيار الطبري (٧) والنحاس (٨) وغير واحد من العلماء جعلوا الحديث مفسرًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فتكون الآية على هذا محكمة غير منسوخة، والله أعلم، وقد بينا (٩) في كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان (١٠)، والحمد لله (١١).

стр. 627

وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة" (١)، وهذا مأخوذ من حديث النجوى، ومن قوله ﵇: "لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة"، خرَّجه مسلم (٢). وفي صحيح مسلم (٣) أيضًا من حديث أبي هريرة: "ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة". وروي: "من ستر على مسلم عورته ستر الله عورته يوم القيامة" (٤). قال أبو حامد (٥): فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم، واحتمل في حق نفسه تقصيرهم، ولم يحرك لسانه بذكر مساوي الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، [فهذا] (٦) جدير بأن (٧) يجازى بمثله في القيامة. فصل وفي قوله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم"، نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين، والعرب تفتخر بخلف الوعيد حتى قال قائلهم (٨): ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي … ولا أخشى (٩) من روعة المتهدد وإني متى أوعدته أو … وعدته لمُخلف إيعادي ومنجز موعد

стр. 628

قال ابن العربي (١): إنه لكذلك (٢) عند العرب، وأما ملك الملوك القدوس الصادق فلا يقع أبدًا خبره إلا على وفق مخبره كان ثوابًا أو عقابًا، فالذي قال المحققون في ذلك قول بديع وهو أن الآيات وقعت مطلقة في الوعد والوعيد عامة، فخصصتها الشريعة، وبيَّنها الباري تعالى في كتابه في آيات أخر كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ١ - ٣] الآية (٣)، وبالشفاعة التي أكرم الله بها محمدًا ﷺ ومن شاء من الخلق بعده (٤). باب ما جاء أن الله تعالى يكلم العبد ليس بينه ترجمان مسلم (٥) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله (٦) ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه، ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلّا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". زاد ابن حجر: قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي مثله وزاد فيه: ولو بكلمة طيبة (٧)، خرجه البخاري (٨) والترمذي (٩)، وقال: حديث حسن صحيح. ابن المبارك (١٠) قال: حدثنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن

стр. 629

أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: يجاء بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول له: أعطيتك، وخولتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته (١) فتركته أكثر ما كان، فأرجعني آتك (٢) به فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت، فيقول: يا رب جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان فأرجعني آتك به، فيقول: فإذا عبد لم يقدم خيرًا، فيمضى به إلى النار. خرجه ابن العربي في سراج المريدين (٣) وزاد فيه (٤) بعد قوله يوم القيامة: كأنه بَذَجٌ، وقال فيه: حديث صحيح من مراسيل الحسن، وقال الهروي (٥): كأنه بذج من الذل. قال أبو عبيد (٦): هو ولد الضأن وجمعه: بذجان، وقال الجوهري: (٧): البذج من الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز، وأنشدوا (٨): قد هلكت جارتنا من الهمج … وإن تجع تأكل عتودًا أو بذج قلت: وقوله: "ما منكم من أحد "مخصوص بما ذكرناه في الباب قبل، أي ما منكم ممن لا يدخل الجنة بغير حساب، ومن أمتي إلا وسيكلمه الله، والله أعلم. فتفكر في عظيم حيائك إذا ذكرك ذنوبك شفاهًا؛ إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبيح، واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل، أكنت أهون عليك من سائر عبادي؟ استخففت بنظري إليك فلم تكثرث به واستعظمت نظر غيري، ألم أنعم عليك؟ فماذا غرك بي؟. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ثم يقول: يا ابن آدم ما غرَّك بي؟ يا ابن آدم ماذا

стр. 630

عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين (١)؟ يا ابن آدم ألم أكن رقيبًا على عينيك وأنت تنظر بها إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبًا على أذنك؟ وهكذا عن سائر الأعضاء، فكيف ترى حياءك وخجلك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك، وأياديه ومساويك، فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك، فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء، إلا أن الله وعد المؤمن أن يستر عليه، ولا يطلع عليه غيره كما ذكرناه، وذلك تفضل منه، وهل (٢) يكلم الكفار عند المحاسبة لهم؟ فيه خلاف تقدم (٣) بيانه في أسماء القيامة، ويأتي (٤) أيضًا في باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما ولقائهما الله مستوفى إن شاء الله تعالى. فصل فإن قيل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم مجزون (٥) ومحاسبون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم؟ وهل يكلمهم الله؟ فالجواب: أن الله تعالى أخبر أن الجن والإنس يسألون، فقال خبرًا (٦) عما يقول (٧) لهم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية، وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت، كله ولما كانت الجن ممن تخاطب وتعقل قال: "منكم"، وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث.

стр. 631

وأيضًا: لما كان الحساب عليهم دون الخلق قال: "منكم" فصيّر (١) (الرسل) في مخرج اللفظ من الجميع؛ لأن الثقلين قد ضمهما عرصة القيامة، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة؛ لأنه خلقهم (٢) للعبودية كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، والثواب والعقاب على العبودة (٣)، إلا أن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، ومنهم كافر ومؤمن (٤)، وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء شيعية، وقدرية، ومرجئة، وهو معنى قوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] (٥). وقيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ (٦) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجَنّة (٧) بعموم الآية ما ثبت للإنس. فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الجن مع الإنس في الوعيد وترك إفراده الإنس عنهم في الوعد؟

стр. 632

فالجواب: إنهم قد ذكروا أيضًا في الوعد؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ [الأحقاف: ١٨]، ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] وإنما أراد: لكل (١) من الإنس والجن، فقد ذكروا في الوعد مع الإنس. فإن قيل: فقد ذكر تخاطب الجن والإنس في النار؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٢) إلى قوله: ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَ (٣) قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧] ولم يأت عن تفاوض الفريقين (٤) في الجنة خبر. قيل: إن ما ذكر من تفاوضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان قرينه في الدنيا (٥) أنه أطغاني وأضلني، فيقول له قرينه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ولكنه كان ضالًّا (٦) بنفسه، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة فيها إلى (٧) التفاوض فلذلك سكت عنهما. وأيضًا: فإن الله تعالى أخبر الناس أن عصاتهم تكون (٨) قرناء الشياطين يتخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان، وهذا المعنى مفقود في الأخيار، فلهذا سكت عن ذلك في الوعد به (٩). باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حبسه لهم حتى ينتصفوا منه مسلم (١٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "لتؤدنّ الحقوق إلى

стр. 633

أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء (١) من الشاة القرناء". البخاري (٢) عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من (٤) المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". وخرَّج ابن ماجه (٥) قال: أخبرنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدثنا عمي محمد بن سواء عن حسين المعلم عن مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم، من ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله (٦) ". الحارث بن أبي أسامة عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد أو قال الناس - شك همام - وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلًا بُهْما، قال: ما بُهْما؟ [قال] (٧): ليس (٨) معهم

стр. 634

شيء، فيناديهم بصوت (١) يسمعه من بَعُدَ ومن قرُب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد [من أهل الجنة] (٢) أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل [النار وأحد من] (٣) أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة (٤)، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة حفاة، قال بالحسنات والسيئات" (٥). قلت: هذا الحديث الذي أراد البخاري بقوله ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد (٦). سفيان بن عيينة عن مسعر عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الربيع بن خثيم وكان من معادن الصدق قال: إن أهل الدّين في الآخرة أشد تقاضيًا له منكم في الدنيا يحبس لهم فيأخذونه، فيقول: يا رب ألست تراني حافيًا؟ فيقول: خذوا من حسناته بقدر الذي لهم فإن لم يكن له (٧) حسنات يقول: زيدوا على سيئاته من سيئاتهم" (٨)، وذكر أبو عمر بن عبد البر (٩) من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صاحب الدَّين مأسور يوم القيامة بالدَّين". وروى أبو نعيم (١٠) الحافظ بإسناده عن زاذان أبي عمر قال: دخلت على

стр. 635

ابن مسعود ﵁ فوجدت أصحاب الخز واليمنة (١) قد سبقوني إلى المجلس، فقتل: يا عبد الله من أجل أني رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني؟ قال: ادن فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي منادٍ هذا فلان بن فلان فمن كان له حق فليأت على حقه، فتفرح المرأة أن يدور (٢) لها الحق على ابنتها أو أختها أو على ابنها أو على زوجها (٣)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيقول الرب تعالى للعبد: ائت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم، فيقول للملائكة: خذوا أعماله الصالحة فأعطوا كل (٤) إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليًا الله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل [من خير] (٥) ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، وإن كان عبدًا، شقيًا قالت الملائكة: يا رب فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول للملائكة: خذوا من أعمالهم (٦) السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكًا [إلى النار] (٧). وعنه عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليكون للوالدين على ولدهما دَين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول: أنا ولدكما، فيودان أن يتمنيان لو كان أكثر من ذلك" (٨).
следующие страницы →