← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأيضًا: لما كان الحساب عليهم دون الخلق قال: "منكم" فصيّر (١) (الرسل) في مخرج اللفظ من الجميع؛ لأن الثقلين قد ضمهما عرصة القيامة، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة؛ لأنه خلقهم (٢) للعبودية كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، والثواب والعقاب على العبودة (٣)، إلا أن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، ومنهم كافر ومؤمن (٤)، وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء شيعية، وقدرية، ومرجئة، وهو معنى قوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] (٥). وقيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ (٦) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجَنّة (٧) بعموم الآية ما ثبت للإنس. فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الجن مع الإنس في الوعيد وترك إفراده الإنس عنهم في الوعد؟

стр. 632

فالجواب: إنهم قد ذكروا أيضًا في الوعد؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ [الأحقاف: ١٨]، ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] وإنما أراد: لكل (١) من الإنس والجن، فقد ذكروا في الوعد مع الإنس. فإن قيل: فقد ذكر تخاطب الجن والإنس في النار؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٢) إلى قوله: ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَ (٣) قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧] ولم يأت عن تفاوض الفريقين (٤) في الجنة خبر. قيل: إن ما ذكر من تفاوضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان قرينه في الدنيا (٥) أنه أطغاني وأضلني، فيقول له قرينه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ولكنه كان ضالًّا (٦) بنفسه، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة فيها إلى (٧) التفاوض فلذلك سكت عنهما. وأيضًا: فإن الله تعالى أخبر الناس أن عصاتهم تكون (٨) قرناء الشياطين يتخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان، وهذا المعنى مفقود في الأخيار، فلهذا سكت عن ذلك في الوعد به (٩). باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حبسه لهم حتى ينتصفوا منه مسلم (١٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: "لتؤدنّ الحقوق إلى

стр. 633

أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء (١) من الشاة القرناء". البخاري (٢) عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من (٤) المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". وخرَّج ابن ماجه (٥) قال: أخبرنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدثنا عمي محمد بن سواء عن حسين المعلم عن مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم، من ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله (٦) ". الحارث بن أبي أسامة عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد أو قال الناس - شك همام - وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلًا بُهْما، قال: ما بُهْما؟ [قال] (٧): ليس (٨) معهم

стр. 634

شيء، فيناديهم بصوت (١) يسمعه من بَعُدَ ومن قرُب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد [من أهل الجنة] (٢) أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل [النار وأحد من] (٣) أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة (٤)، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة حفاة، قال بالحسنات والسيئات" (٥). قلت: هذا الحديث الذي أراد البخاري بقوله ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد (٦). سفيان بن عيينة عن مسعر عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الربيع بن خثيم وكان من معادن الصدق قال: إن أهل الدّين في الآخرة أشد تقاضيًا له منكم في الدنيا يحبس لهم فيأخذونه، فيقول: يا رب ألست تراني حافيًا؟ فيقول: خذوا من حسناته بقدر الذي لهم فإن لم يكن له (٧) حسنات يقول: زيدوا على سيئاته من سيئاتهم" (٨)، وذكر أبو عمر بن عبد البر (٩) من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صاحب الدَّين مأسور يوم القيامة بالدَّين". وروى أبو نعيم (١٠) الحافظ بإسناده عن زاذان أبي عمر قال: دخلت على

стр. 635

ابن مسعود ﵁ فوجدت أصحاب الخز واليمنة (١) قد سبقوني إلى المجلس، فقتل: يا عبد الله من أجل أني رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني؟ قال: ادن فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي منادٍ هذا فلان بن فلان فمن كان له حق فليأت على حقه، فتفرح المرأة أن يدور (٢) لها الحق على ابنتها أو أختها أو على ابنها أو على زوجها (٣)، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيقول الرب تعالى للعبد: ائت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم، فيقول للملائكة: خذوا أعماله الصالحة فأعطوا كل (٤) إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليًا الله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل [من خير] (٥) ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، وإن كان عبدًا، شقيًا قالت الملائكة: يا رب فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول للملائكة: خذوا من أعمالهم (٦) السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكًا [إلى النار] (٧). وعنه عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليكون للوالدين على ولدهما دَين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول: أنا ولدكما، فيودان أن يتمنيان لو كان أكثر من ذلك" (٨).

стр. 636

وروى رزين عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول: ما لك إلي؟ وما بيني وبينك معرفة (١)، فيقول: كنت تراني على الخطايا وعلى المنكر ولا تنهاني" (٢). وقال ابن مسعود ﵁: تفرح المرأة يوم القيامة أن يكون لها حق (٣) على ابنها أو [أبيها] (٤) أو أخيها أو أختها أو زوجها (٥)، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ابن ماجه (٦) عن جابر ﵁ قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر، قال: "ألا تحدثوني (٧) بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال فتية منهم: بلي يا رسول الله بينما نحن جلوس، مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم (٨) تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلَّتها، فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غَدِر (٩) إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا، قال: يقول رسول الله ﷺ : صدقت، صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم. فصل أنكر بعض المتغفلة (١٠) الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله إعجابًا

стр. 637

برأيهم وتحكمًا على كتاب (١) الله تعالى وسنة رسول الله (٢) ﷺ بعقول ضعيفة وأفهام سخيفة، فقالوا: لا يجوز في حكم الله تعالى وعدله أن يضع سيئات من اكتسبها على من لم (٣) يكسبها، ويؤخذ حسنات من عملها فتعطى لمن لم يعملها، وهذا زعموا جورًا، وأوَّلوا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥]، فكيف تصح هذه الأحاديث، وهي تخالف ظاهر الكتاب وتستحيل في العقل (٤)؟ والجواب: إن الله سبحانه لم يبن أمور الدين على عقول العباد، ولم يعد ولم يوعد على ما تحتمله عقولهم ويدركونها بأفهامهم، بل وعد وأوعد (٥) بمشيئته وإرادته وأمر ونهى بحكمته (٦)، ولو كان كلما (٧) لا تدركه العقول (٨) مردودًا لكان أكثر الشرائع مستحيلًا على موضوع عقول العباد؛ وذلك أن الله تعالى أوجب الغسل بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الصحابة وكثير من الأئمة (٩)، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف بين الأمة وسائر من يقول بالعقل وغيرهما (١٠) في نجاسته وقذارته ونتنه، وأوجب بريح تخرج من موضع الحدث ما أوجب بخروج الغائط الكثير المتفاحش، فبأي عقل يستقيم هذا؟ أو بأي (١١) رأي يجب مساواة ريح ليس لها عين قائمة بما تقوم عينه (١٢)؟ وتزيد (١٣) على الريح نتنًا وقذرًا، وقد أوجب الله قطع يمين مؤمن (١٤) بعشرة دراهم، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك ثم سوى بين هذا القدر من المال وبين مائة ألف دينار، فيكون القطع فيهما سواء؟ وأعطى الأم

стр. 638

من ولدها الثلث، ثم إن كان للمتوفى إخوة جعل لها السدس من غير أن يرث الإخوة من ذلك شيئًا، فبأي عقل يدرك هذا؟ لا تسليمًا وانقيادًا من صاحب الشرع (١) إلى غير ذلك، وكذلك (٢) القصاص بالحسنات والسيئات. وقد قال تعالى وقوله الحق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقال: ﴿لِيَحْمِلُوا (٣) أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وهذا يبين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا تحمل حاملة فعل (٤) أخرى إذا لم تتعد (٥)، فإذا تعدت واستطالت بغير ما أمرت فإنها تحمل عليها ويؤخذ منها بغير اختيارها كما تقدم (٦) في أسماء القيامة عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. فصل وإذا تقرر هذا فيجب على كل مسلم: البدار إلى (٧) محاسبة نفسه كما قال عمر بن الخطاب (٨) ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا. وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحًا، ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله ويرد المظالم (٩) حبة حبة، ويستحل كل (١٠) من تعرض له بلسانه ويده وسطوته (١١) بقلبه ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم تقبل عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب،

стр. 639

فإن مات قبل رد المظالم أحاط (١) به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده وهذا يقبض على ناصيته وهذا يتعلق بلبته (٢) وهذا يقول: ظلمتني، وهذا يقول: شتمتني، وهذا يقول: استهزأت بي وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسؤني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني وهذا يقول: بايعتني فأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول: رأيتني محتاجًا وكنت غنيًا فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلومًا وكنت قادرًا على دفع الظلم فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينا أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم وأحكموا في تلابيبك أيديهم وأنت مبهوم (٣) من كثرتهم حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلا وقد استحق عليك مظلمة بغيبة أو جناية أو نظر (٤) بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عين (٥) الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان نبيه محمد (٦) ﷺ حين (٧) قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣] فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك اليوم (٨) بأعراض الناس، وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العذاب (٩) وشوفهت بخطاب السيئات وأنت (١٠) فقير عاجز مهين لا تقدر على

стр. 640

أن ترد حقًّا أو تظهر (١) عذرًا، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت فيها عمرك فتنتقل إلى خصمائك عوضًا (٢) عن حقوقهم، كما ورد في الأحاديث المذكورة في هذا الباب، فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس لك حسنة قد سلمت من آفات الرياء ومكائد الشيطان، فإن سلمت حسنة (٣) واحدة في ساعة (٤) طويلة ابتدرها خصماؤك وأخذوها. ويقال: لو أن رجلًا له ثواب سبعين نبيًا وله خصم بنصف دانق (٥) لم يدخل الجنة حتى يرضى خصمه (٦). وقيل: يؤخذ بدائق قسط سبع مائة صلاة مقبولة، فتعطى للخصيم (٧)، ذكره القشيري في التحبير له (٨) عند اسمه المقسط الجامع. قال أبو حامد (٩): ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل لعلمت أنه لا ينقضي عليك يوم إلا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفي جميع حسناتك، فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام والشبهات، والتقصير في الطاعات، وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجمَّاء من القرناء؟ ويقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، فكيف بك يا مسكين في يوم ترى فيه صحيفتك خالية عن (١٠) حسنات طال فيها تعبك، فتقول: أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك وترى صحيفتك مشحونة بسيئات غيرك، فتقول: يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط، فيقال: هذه سيئات الذين اغتبتهم، وشتمتهم، وقصدتهم بالسوء، وظلمتهم في المعاملة، والمبايعة، والمجاورة، والمخاطبة، والمناظرة، والمذاكرة

стр. 641

والمدارسة وسائر أصناف المعاملة، فاتق الله في مظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وأبشارهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخُلُق في معاشرتهم، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة المغفرة إليه أسرع، ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم [فليكثر من حسناته ليوم القصاص وليسر ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الإخلاص] (١) من حيث لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فعساه يقربه ذلك إلى الله فينال به لطفه الذي ادخره لأربابه (٢) المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم بإرضائه إياهم على ما يأتي (٣) بيانه في باب إرضاء الخصوم بعد هذا إن شاء الله تعالى. فصل قوله [في الحديث] (٤): "فيناديهم بصوت"، استدل به من قال بالحرف والصوت وأن الله يتكلم بذلك - تعالى الله عما يقوله المجسمون (٥) والجاحدون علوًا كبيرًا - وإنما يحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ (٦) في الكلام غير مستنكر أن يقول القائل: نادى الأمير وبلغني نداء الأمير كما قال تعالى (٧): ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١]، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره وأصدر نداءه

стр. 642

عن إذنه (١) وهو كقولهم أيضًا (٢): قتل الأمير فلانًا، وضرب فلانًا، وليس المراد توليه لهذه الأفعال وتصديه لهذه الأعمال، ولكن المقصود صدورها عن أمره، وقد ورد في صحيح الأحاديث: أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد ويخاطبون أهل الغي والرشاد: ألا إن فلان بن فلان كما تقدم (٣)، ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسرًا فيما خرجه النسائي (٤) (٥) عن أبي هريرة ﵁ وعن أبي سعيد ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا (٦) يقول: هل من داع يستجاب (٧) له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى"؟ صححه أبو محمد عبد الحق (٨). وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن ذلك من باب حذف المضاف (٩)، والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتب الديانات.

стр. 643

فإن قال بعض الأغبياء (١): لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه، فإن فيه: (أنا الديان) وليس يصدر هذا القول حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين. قيل له: إن الملك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ (٢) عنه فالحكم يرجع إلى رب العالمين كما بينت (٣)، والدليل عليه: إن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكرًا لكلام الله (٤) تعالى، ودال عليه بأصواته، وهذا بين، وقد أتينا

стр. 644

عليه مستوفى في الصفات من كتاب الأسنى في شرح أسماء الحسنى وصفاته العلي (١)، والحمد لله. فصل واختلف الناس في حشر البهائم وفي القصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس ﵄: إن حشر الدواب والطير موتها (٢)، وقاله الضحاك (٣).

стр. 645

وروي عن ابن عباس (١) في رواية أخرى: إن البهائم تحشر وتبعث. وقاله أبو ذر، وأبو هريرة [وعمرو بن العاص (٢)] (٣) والحسن [البصري] (٤) وغيرهم وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، قال أبو هريرة ﵁: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم، والطير، والدواب، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ (٥) أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا، فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، ونحوه عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص (٦). وفي الخبر: أن البهائم إذا صارت ترابًا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ [عبس: ٤٠]، أي غبار (٧). وقالت طائفة: الحشر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ راجع إلى الكفار. وما يتخلل من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] كلام معترض، وإقامة حجج. وأما الحديث: فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم [أمر] (٨) الحساب والقصاص والاعتبار فيه (٩) حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه (١٠) وأنه لا

стр. 646

محيص لمخلوق عنه. وعضدوا ذلك بما روي في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة، فقال: "حتى يقاد للشاة الجلحاء (١) من الشاة القرناء، وللحجر لما ركب الحجر، وللعود لما خدش العود" (٢)، قالوا (٣): فيظهر (٤) من هذا أن المقصود: التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل؛ لأن الجمادات لا تعقل خطابها (٥) ولا عقابها وثوابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء أجاب بعض من قال بالقول الأول (٦) (٧) بأن قال: إن من الحكمة الإلهية أن لا يجري أمر من أمور الدنيا والآخرة إلا على سنة مسنونة (٨) وحكمة موزونة (٩). ومن قال هنا بما قالته طائفة من المتوسمة بالعلم المتسمة بالفقه والفهم على الزعم: أن الجامد لا يفقه، والحيوان غير الإنساني لا يعقل وإنما هو ميز (١٠) في الحيوان ولسان حال في الجامد والنامي، وقال: إن الله تعالى

стр. 647

يقول في الضالين المكذبين: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ولو كان عندها عقل أو فهم ما نزل بالكافر الفاسق إلى درجتها في موضع التقصير والتنقيص (١)، والله سبحانه قد وصفه بالموت والصمم في موضع التبصير والتذكير فقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠، الروم: ٥٢]، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] [وقال] (٢): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] (٣). قيل له: ليس الأمر كما ذكرت، ولا الحق على شيء مما زعمت، وأنه ليس عليك من حق الزعم ورؤية النفس في درجة العلم أبدًا من الآية التي وقعت (٤) فيها إلى التي قبلها، إن شئت فارجع بصرك في (٥) الذي رأيت تجده قد وصفهم بالموت والصمم كما وصفهم بالعمي والبكم، وليس (٦) في الحقيقة الظاهرة بموتى ولا صم ولا بعميان، ولا بكم، وإنما هم أموات بالعقول والأذهان عن صفات (٧) الإيمان، وحياة دار الحيوان صم عن كلمة الأحياء، عمي عن النظر في مرآة وجوه الأخلاء، ذلك (٨) وصف الأنعام بضلال وليست في الحقيقة بضلال من حيث شرعتها وحكمتها، وإنما ذلك من حيث فلكنا (٩) وأفقنا، فكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله - يُحْشَرُونَ﴾ فوربك لنحشرهم جميعًا جمًا غفيرًا، ولنحاسبن (١٠) حسابًا يسيرًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وأن الله لا يسأل إلا عاقلًا ولا يحاسب إلا مفضولًا (١١) وفاضلًا، وإنما جعل لكل موجود من موجوداته في

стр. 648

أشتات الخلائق وأجناس العوالم دار دنيا ودار أخرى وجعل لها أفلاكًا وآفاقًا (١) وظلمًا وأضواء، فكل في فلكه واقفة بليله ونهاره، وسمعه وبصره، وعلمه وفهمه، وحاكم من عقله أو جهله، وقائم بنحلته وحكمته وسنته وشرعته فأدنى وأعلى من الروحانية الأقصى إلى الجمادية الأقسى، فالملائكة الروحانية في مصافها ترانا من حيث لا نرى، وتعلم منا (٢) أكثر مما نعلم، وإنها لتشاهد من نقصنا وقلة عقلنا في الموضع الذي يجب العلم به وإعمال العقل فيه ما تحكم به علينا أكثر مما يحكم به على الأنعام من قلة العقل وتحقيق المعرفة، فمن نظر إلى الأنعام وجدها من حيث نحن لا من حيث فلكها وأفقها لا تسمع ولا تعقل إلا ميزًا إما (٣) قدر ما تتسخر به وتتذلل طبعًا فتلقن (٤) المراد منها من هذا الفن خاصة لا غير، وأما ما نحن بسبيله من تصرفات وتعملات فليس لها ذلك من حيث الفلكية التي احتازتها (٥) عنا والأفقية (٦) التي اقتطعتها منا فهي في طرقاتنا (٧) ضلال وبتعملاتنا (٨) وأحوال تصرفاتنا جهال، وأما من حيث شرعتها، وباطن رؤيتها فعارفة عقال، قال ﷺ حين أخذ الجمل القضم الذي ند وامتنع بحائط بني النجار، وغلب الخلق عن أخذه والوصول إليه حتى جاء (٩) ﷺ فلما مشى إليه ورآه الجمل برك لديه وجعل يمر بِمشْفَرِه (١٠) على الأرض بين يديه تذللًا وتسخيرًا، فقال ﷺ : هات الخطام فلما خطمه ورأى

стр. 649

الناس يتعجبون (١) منه رد (٢) رأسه إليه فقال: "ألا تعجبون (٣)، أو كما قال: إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله غير عاصي الجن والإنس" (٤). وثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من دابة إلا وهي مصيخة بأذنها يوم الجمعة تنتظر قيام الساعة" (٥). وقال ﷺ : "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". قال المؤلف ﵁: خرجه مالك في موطئه (٦)، وابن ماجه في سننه (٧)، واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم (٨) أن الميت يسمع صوته كل شيء إلا الإنسان، في رواية: "إلا الثقلين" (٩)، والأخبار في هذا المعنى كثيرة، قد أتينا على جملة منها في هذا الكتاب. فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور من حيث هي، لا من حيث نحن. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]، وقال عز من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨]

стр. 650

لا يقال: إن هذا السجود والتسبيح لسان حال، ليس بلسان المقال فإن نقول: هذا مجاز (١)، والله سبحانه يقضي الحق كما أخبر في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ (٢) الْحَقَّ﴾ (٣). ومن نظر بنور الله حاز العين إلى المعنى وحل الرمز وفك المعمى، وهم إنما ينظرون من حيث هم، ومن حيث العقل البشري، ولم ينظروا الحياة الفلكية من حيث هي، فغابوا عن الحضور وجمدوا (٤) على القصور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]. قلت: هذا كله صحيح؛ لحديث أبي سعيد الخدري المذكور وهو صحيح، وكذلك حديث أبي هريرة (٥) في شهادة الأرض بما عُمِلَ عليها، وهو صحيح، وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في شهادة المال صحيح، وسيأتي (٦). وقد روي ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن ثروان عن الهذيل عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه مر بشاتين تنتطحان فقال: ليقضين الله تعالى يوم القيامة لهذه الجلحاء من هذه القرناء (٧) " (٨).

стр. 651

وذكر ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة أن أبا سالم الجيشاني حدثه (١) أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر ﵁ فسمعه رافعًا صوته فقال (٢): أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، قال ثابت: فدخلت فقلت: ما شأنك يا أبا ذر؟ قال: هذه، قلت: وما عليك إن رأيتك تضربها؟ قال: والذي نفسي بيده أو نفس محمد بيده ليسئلن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما نكب إصبع الرجل (٣). وروي شعبة (٤) عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال: "يا أبا ذر، تدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: لكن الله يدري، ويقضي بينهما يوم القيامة"، خرجه أبو داود الطيالسي (٥)، فقال: حدثنا شعبة قال: أخبرني الأعمش قال: سمعت منذر الثوري يحدث عن أصحاب له عن أبي ذر بلفظه ومعناه. وقال عمرو بن العاص: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض (٦) مد الأديم، وحشر الجن والإنس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة (٧) الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها (٨): كوني ترابًا، فيراها الكافر فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم (٩) القشيري (١٠) في التحبير له (١١):

стр. 652

فقال: وفي خبر الوحوش والبهائم تحشر يوم القيامة (١) فتسجد لله سجدة، فتقول الملائكة ليس هذا يوم سجود، هذا يوم الثواب والعقاب، وتقول البهائم: هذا سجود شكر؛ حيث لم يجعلنا الله تعالى من بني آدم، ويقال: إن الملائكة تقول للبهائم: لم يحشركم الله جل ثناؤه لثواب ولا عقاب، وأنما حشركم تشهدون فضائح بني آدم، ذكره القشيري (٢) في اسمه المقسط الجامع، وهذا قول ثابت فتأمله. فصل ظن بعض العلماء أن الصيام مختص بصاحبه (٣)، موفرًا له أجره، لا يؤخذ منه شيء لمظلمة ظلمها، متمسكًا بقوله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به)، وأحاديث هذا الباب ترد قوله، وأن الحقوق تؤخذ من سائر الأعمال صيامًا كان أو غيره، وقيل: إن الصوم إذا لم يكن معلومًا لأحد ولا مكتوبًا في الصحف هو الذي يستره الله له ويخبؤه عليهم، حتى يكون له جُنَّة من العذاب، فيطرحون أولئك عليهم سيئاتهم، فتذهب عنهم، ويقيه الصوم، فلا يضره (٤) أصحابها لزوالها عنهم، ولا له؛ لأن الصوم جنته. قاله القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين له (٥)، وهو تأويل حسن إن شاء الله، [ولا تعارض] (٦) والحمد لله. باب أبو داود (٧) عن صفوان بن سليم عن عدة من [أبناء] (٨) أصحاب النبي ﷺ

стр. 653

عن آبائهم دِنْيةً (١) عن رسول الله ﷺ قال (٢): "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه من حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة"، صححه أبو محمد عبد الحق (٣). باب في إرضاء الله تعالى الخصم في الآخرة (٤) روينا في الأربعين وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن باللَّه تعالى (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالس إذ رأيته ضحك حتى بدت ثناياه فقيل له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب ما بقي من حسناتي شيء، فقال: يا رب فليحمل (٦) من (٧) أوزاري، وفاضت عينا رسول الله ﷺ ، ثم قال (٨): إن ذلك اليوم ليوم (٩) يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم، ثم قال الله تعالى للطالب حقه: ارفع بصرك فانظر إلى الجنان فرفع رأسه، فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن هذا يا رب؟ قال: لمن أعطاني (١٠) ثمنه، قال: ومن يملك ثمن ذلك، قال: أنت، قال: بماذا؟ قال بعفوك عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك

стр. 654

فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة". وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة (١) قال: يجيء المؤمن يوم القيامة قد أخذَ صاحبَ (٢) الدَّين فيقول: ديني على هذا، فيقول الله تعالى: "أنا أحق من قضى من عبدي، قال: فيرضى هذا دَينه، ويغفر لهذا" (٣). قال ابن أبي الدنيا (٤): وحدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل قال: بلغني أن الله أوحى إلى بعض أنبيائه: "بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وما يكابدون في طلب مرضاتي، أتراني أنسى لهم عملًا، كيف وأنا أرحم (٥) بخلقي لو كنت معاجلًا بالعقوبة أحدًا أو كانت العقوبة من شأني لعالجت بها القانطين من رحمتي، ولو يرى عبادي المؤمنون كيف أستوهبهم ممن ظلموه ثم (٦) أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم في جواري إذا ما اتهموا فضلي وكرمي (٧) ".

стр. 655

فصل قلت: وهذا لبعض الناس ممن أراد الله أن لا يعذبه، بل يعفو عنه ويغفر له، ويُرضِي عنه خصمَه، وقد يكون هذا في الظالمين الأوابين، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. والأواب: الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه، و (١) كذا تأوله أبو حامد (٢) وهو تأويل حسن، أو يكون ذلك فيمن له خبيئة حسنة من عمل صالح يغفر الله له (٣) به ويرضي (٤) خصماؤه كما تقدم (٥)، وظاهر حديث أنس الخصوص بذينك الرجلين لقوله: "رجلان"، ولفظ التثنية لا يقتضي الجمع إلا ما روي في حديث (٦): "مثل المنافق كالشاة (٧) العائرة بين الغنمين"، خرّجه مسلم (٨)، وليس هذا موضعه، ولو كان ذلك في جميع الناس ما دخل أحد النار، وكذلك ما روي عن النبي ﷺ : "ينادي منادٍ من تحت العرش يوم القيامة: يا أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبت (٩) لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي" (١٠) ما دخل أحد النار، وهذا واضح فتأمله. باب أول من يحاسب أمة محمد ﷺ - ابن ماجه (١١) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها، فنحن الآخرون الأولون"، في رواية ابن عباس (١٢): "فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرًا محجلين من

стр. 656

آثار الوضوء، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها"، خرَّجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١) بمعناه (٢)، وقد تقدم (٣). باب أول ما يسأل عنه العبد الصلاة، وأول ما يقضي بين الناس الدماء، وأول من يدعى للخصومة (٤) مسلم (٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"، خرّجه (٦) البخاري (٧) أيضًا، والنسائي (٨) والترمذي (٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وللنسائي (١٠) أيضًا عنه: "أن رسول الله ﷺ قال: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس الدماء". وفي البخاري (١١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال (١٢): أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة، يريد قصته في مبارزته، هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش، قال أبو ذر: [و] (١٣) فيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا

стр. 657

فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية، والخبر بهذا مشهور صحيح خرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما (٣). وعن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه: "فيكون أول ما يقضى بينهم في الدماء ويأتي (٤) كل قتيل قتل في سبيل الله فيأمر كل من قُتِلَ فيحمل رأسَه وتشخب أوداجه، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني، فيقول الله له: - وهو أعلم - فيم قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة (٥) لك، فيقول الله تعالى: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تشيعه الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي من قتل على غير ذلك، يأتي كل من قتل يحمل رأسه وتشخب أوداجه دمًا فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول له وهو أعلم: لم قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لي، فيقول الله تعست ثم لا تبقى قتلة إلا قتل بها ولا مظلمة [ظلمها] (٦) إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، خرجه الغيلاني (٧) أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله البزار (٨) المعروف بالشافعي (٩).

стр. 658

ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا أبو عاصم الضحاك عن مخلد عن إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب. وخرّجه إسماعيل بن إسحاق القاضي (١) من حديث نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يأتي المقتول معلق رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا حتى يوقفا، فيقول المقتول لله سبحانه: هذا قتلني، فيقول الله تعالى للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار" (٢). وخرجه ابن المبارك (٣) موقوفًا على عبد الله بن مسعود قال: ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله فذكره بمعناه. وخرجه الترمذي في جامعه (٤) قال: ثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: ثنا شابة قال: ثنا ورقاء بن عمر (٥) عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يجيء المقتول بالقاتل (٦) يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دمًا يقول: يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش"، قال: هذا حديث حسن غريب. مالك (٧) عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله.

стр. 659

قلت: وهذا الحديث وإن كان مرفوعًا بلاغًا، فقد رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) مرفوعًا بهذا المعنى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا لملائكته انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة (٤) وإن كان أنقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك"، لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه ابن ماجه (٥) أيضًا. فصل قال علماؤنا (٦): أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك والله أعلم فيمن سهى عن فريضة فلم يأت بها أولم يحسن ركوعها وسجودها (٧) ولم يدر قدر ذلك، وأما من تعمد تركها أو شيء (٨) منها ثم ذكرها فلم يأت بها عامدًا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه، وهو ذاكر له فلا تكمل فريضته تلك من تطوعه والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمر بن قيس السكري عن عبد الله بن قرط ﵁ عن النبي ﷺ

стр. 660

قال: "من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه زيد فيها من سبحاته (١) حتى تتم" (٢). قال أبو عمر: وهذا لا يحفظ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وليس بالقوي، وإن كان صح كان معناه: أنه خرج من صلاة قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة، والله أعلم (٣). قلت: فينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من تمام (٤) الركوع والسجود وحضور القلب، فإن غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه، ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل، لا جرم، بل تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل من التمام لخفة النفل عندهم، وتهاونهم به، ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم تنفله كذلك بل فرضه أن ينقر نقر الديك فكيف بالجهال الذين لا يعلمون، وإذا كان هذا، فكيف يكمل بهذا التنفل ما نقص من الفرض، هيهات، هيهات. فاعلموا أن الصلاة إذا كانت بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. قال جماعة من العلماء (٥): التضييع للصلاة هو (٦) أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وتمام ركوع وسجود ونحو ذلك، وهو مع ذلك يصليها ولا يمتنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها، قالوا: فأما من تركها (٧) أصلًا ولم (٨) يصلها فهو كافر.

стр. 661

روي الترمذي (١) عن أبي مسعود الأنصاري (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزي صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود"، قال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٥): من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي ﷺ : "لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود"، وروي البخاري (٦) عن زيد بن وهب عن حذيفة ورأى رجلًا لا يتم ركوعه (٧) ولا سجوده فلما قضى صلاته قال له حذيفة: "ما صليت، ولو مت مت على غير سنة محمد ﷺ (٨) ". أخرجه (٩) النسائي (١٠) أيضًا عنه عن حذيفة أنه رأى رجلًا يطفف فقال له حذيفة: "منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عامًا، قال: ما صليت ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد ﷺ ، ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن". والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدًّا قد أتينا عليها في غير هذا الموضع وهي تبين لك المراد من قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾.

стр. 662

وقد (١) روي النسائي (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا (٣) قال: انظروا هل تجدون (٤) له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته من تطوعه؟ ثم سائر الأعمال تجري على ذلك (٥) "، وهذا نص. وقال عمر: من ضيعها فهو لما سواها أضيع (٦). قلت: ولا اعتبار بقول من قال: إن الواجب من أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو أبو حنيفة، وأشار إلى ذلك القاضي عبد الوهاب في تلقينه (٧)، وهو مروي (٨) عن ابن القاسم، لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه أنه نقر الصلاة، فدخل في الذم المرتب على ذلك بقوله ﷺ : "تلك صلاة المنافقين (٩) يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر فيها الله (١٠) إلا قليلًا"، رواه مالك (١١) في موطئه ومسلم (١٢) في صحيحه، والأحاديث الثابتة تقضي بفساد صلاته، كما بيناه مع قوله ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في

стр. 663

الدعاء فقمِن أن (١) يستجاب لكم"، خرجه مسلم (٢). وفي الموطأ (٣) مالك عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟ قال: وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هن فواحش، وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة الذي يسرق، صلاته، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته (٤)؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها". وقد (٥) روي أبو داود الطيالسي (٦) قال: ثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلف كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجهه، فمن لم يحافظ على أوقات الصلوات لم يحافظ على الصلوات (٧) كما أن من لم يحافظ على وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ دينه ولا دين لمن لا صلاة له".

стр. 664

باب منه ابن ماجه (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول له: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره، فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس". ورواه القرماني عن سفيان عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقرن أحدكم نفسه إذا رأى أمر الله عليه فيه مقال فلا يقول فيه فيقال له (٢) يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تقول فيه، فيقول له: أي رب خفت الناس، فيقال (٣): إياي كنت أحق أن تخاف، قال الوائلي أبو نصر: ورواه أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله اليربوعي الكوفي، قال: ثنا زهير قال: حدثنا عمر بن قيس عن عمرو بن مرة، المعنى واحد، وهذا محفوظ من الطريقين عن عمرو بن مرة، مخرجه (٤) من الكوفة. باب منه ذكر أبو نعيم (٥) الحافظ: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر من أصل كتابه ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا قال: ثنا إسماعيل بن عمرو قال: ثنا مندل عن أسد بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا

стр. 665

يقفن (١) أحدكم على رجل يضرب (٢) ظلمًا، فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره [إذا لم يدفعوا عنه] (٣)، ولا يقف (٤) أحدكم على رجل يقتل ظلمًا فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره (٥)، هذا حديث غريب من حديث أسد، وعكرمة لم يروه عنه فيما أعلم إلا مندل بن علي العنزي (٦) ﵁. باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما ولقائهما الله قال الله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] الآية. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (٧) من حديث معاوية بن حيدة (٨) النميري (٩) أن النبي ﷺ قال: "تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام، وأول من يتكلم من الإنسان فخذه وكفه"، وقد تقدم (١٠). مسلم (١١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة

стр. 666

العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول بلى، قال: فيقول فإني لا (١) أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول (٢): كفى بنفسك عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل". الترمذي (٣) عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول (٤): ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا؟ وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع (٥)، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني"، قال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه مسلم عن أبي هريرة بأطول من هذا وقد تقدم (٦). البخاري (٧) عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك مِلء الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك". وأخرجه مسلم (٨) وقال بدل "قد كنت": "كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك". فصل قوله ﵇: "فأول ما يتكلم من الإنسان فخذه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك زيادة في الفضيحة والخزي على ما نطق به

стр. 667

الكتاب في قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله تعالى، فلا يفعل ما يفعل خائفًا مشفقًا فيجزيه الله بمجاهرته والإشارة بفحشه على رؤوس الأشهاد. والوجه الآخر: أن يكون هذا فيمن يقرأ كتابه فلا يعترف بما ينطق به بل يجحد فيختم الله على فيه عند ذلك وتنطق منه الجوارح التي لم تكن ناطقة في الدنيا فتشهد عليه بسيئاته. وهذا أظهر الوجهين يدل عليه أنهم يقولون لجلودهم أي لفروجهم (١) في قول زيد بن أسلم: لم شهدتم علينا، فتمردوا في الجحود فاستحقوا من الله الفضح والإخزاء (٢) نعوذ باللَّه منهما. [فصل] (٣) معنى ترأس وتربع: ترأس على قومك أي تكون رئيسًا عليهم وتأخذ الربع مما يحصل لهم من الغنائم والكسب وكانت عادتهم أن أمراءهم كانوا (٤) يأخذون من الغنائم الربع ويسمونه المرباع، قال شاعرهم (٥): لك المرباع منا والصفايا … وحكمك والنشيطة والفضول وقال آخر (٦): منا الذي ربع الجيوش لصلبه … عشرون وهو يعد في الأحياء يقال: الجيش يربعه رباعة: إذا أخذ الغنيمة.

стр. 668

قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام (١). ومعنى (٢) قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني"، أتركك (٣) في العذاب كما تركت عبادتي ومعرفتي. فإن قيل: فهل يلقى الكافر ربه (٤) ويسأله؟ قلنا: نعم، بدليل ما ذكرنا، وقد قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] في أحد التأويلين (٥)، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ (٦)﴾ [هود: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] الآيتين، وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) (٧)﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣] والآي في هذا المعنى كثير (٨). فإن قيل: فقد قال الله (٩) تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١] وقال ﵇: "يخرج عنق من النار فيقول: وكلت بثلاث، بكل جبار عنيد وكل من جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين" (١٠). قلنا: هذا يحتمل أن يكون بعد الوزن والحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال، وتعظيم الخلق كما تقدم (١١).

стр. 669

ويدل على هذا (١) قوله: وبالمصورين فإنهم وإن كانوا موحدين فلا بد لهم من سؤال وحساب، وبعده يكون (٢) أشد الناس عذابًا، وإن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارًا في الكلام. على أنا نقول: قال بعض العلماء: ذكر الله الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك وفي بعضها ما يدل على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار الناس إذن ثلاث فرق، فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفرقة تحاسب (٣) حسابًا يسيرًا، وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابًا شديدًا: يكون منها مسلم وكافر، وإذا كان (٤) من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله إلى النار بغير حساب (٥). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وقال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن: فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك فلا تتناقض الآي والأخبار، والله المستعان. وقال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها (٦). وقال ابن عباس ﵄: لا يسألون سؤال شفاء وراحة وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ: لم عملتم كذا وكذا (٧). والقاطع لهذا قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ

стр. 670

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، قال أهل التأويل: عن لا إله إلا الله (١). وقد قيل: إن الكفار يحاسبون بالكفر باللَّه الذي كان طول العمر شعارهم ودثارهم وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها فإنهم يبكتون (٢) ويسألون عنها ويسألون عن الرسل وتكذيبهم (٣) إياه (٤) لقيام الدلائل على صدقهم (٥). (٦) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣] والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخرها يتبين له الصواب في ذلك والحمد لله على ذلك. وذكر ابن المبارك (٧) عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄: أن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة تنشر الصحف وتوضع الموازين ويدعى الخلائق للحساب، وشهر: ضعّفه مسلم في كتابه (٨) وغيره (٩). وذكر اللالكائي (١٠) (١١) عن عائشة ﵂ قالت: لا يحاسب رجل يوم
следующие страницы →