← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول بلى، قال: فيقول فإني لا (١) أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول (٢): كفى بنفسك عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل". الترمذي (٣) عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول (٤): ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا؟ وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع (٥)، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني"، قال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه مسلم عن أبي هريرة بأطول من هذا وقد تقدم (٦). البخاري (٧) عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك مِلء الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك". وأخرجه مسلم (٨) وقال بدل "قد كنت": "كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك". فصل قوله ﵇: "فأول ما يتكلم من الإنسان فخذه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك زيادة في الفضيحة والخزي على ما نطق به

стр. 667

الكتاب في قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله تعالى، فلا يفعل ما يفعل خائفًا مشفقًا فيجزيه الله بمجاهرته والإشارة بفحشه على رؤوس الأشهاد. والوجه الآخر: أن يكون هذا فيمن يقرأ كتابه فلا يعترف بما ينطق به بل يجحد فيختم الله على فيه عند ذلك وتنطق منه الجوارح التي لم تكن ناطقة في الدنيا فتشهد عليه بسيئاته. وهذا أظهر الوجهين يدل عليه أنهم يقولون لجلودهم أي لفروجهم (١) في قول زيد بن أسلم: لم شهدتم علينا، فتمردوا في الجحود فاستحقوا من الله الفضح والإخزاء (٢) نعوذ باللَّه منهما. [فصل] (٣) معنى ترأس وتربع: ترأس على قومك أي تكون رئيسًا عليهم وتأخذ الربع مما يحصل لهم من الغنائم والكسب وكانت عادتهم أن أمراءهم كانوا (٤) يأخذون من الغنائم الربع ويسمونه المرباع، قال شاعرهم (٥): لك المرباع منا والصفايا … وحكمك والنشيطة والفضول وقال آخر (٦): منا الذي ربع الجيوش لصلبه … عشرون وهو يعد في الأحياء يقال: الجيش يربعه رباعة: إذا أخذ الغنيمة.

стр. 668

قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام (١). ومعنى (٢) قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني"، أتركك (٣) في العذاب كما تركت عبادتي ومعرفتي. فإن قيل: فهل يلقى الكافر ربه (٤) ويسأله؟ قلنا: نعم، بدليل ما ذكرنا، وقد قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] في أحد التأويلين (٥)، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ (٦)﴾ [هود: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] الآيتين، وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) (٧)﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣] والآي في هذا المعنى كثير (٨). فإن قيل: فقد قال الله (٩) تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١] وقال ﵇: "يخرج عنق من النار فيقول: وكلت بثلاث، بكل جبار عنيد وكل من جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين" (١٠). قلنا: هذا يحتمل أن يكون بعد الوزن والحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال، وتعظيم الخلق كما تقدم (١١).

стр. 669

ويدل على هذا (١) قوله: وبالمصورين فإنهم وإن كانوا موحدين فلا بد لهم من سؤال وحساب، وبعده يكون (٢) أشد الناس عذابًا، وإن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارًا في الكلام. على أنا نقول: قال بعض العلماء: ذكر الله الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك وفي بعضها ما يدل على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار الناس إذن ثلاث فرق، فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفرقة تحاسب (٣) حسابًا يسيرًا، وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابًا شديدًا: يكون منها مسلم وكافر، وإذا كان (٤) من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله إلى النار بغير حساب (٥). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وقال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن: فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك فلا تتناقض الآي والأخبار، والله المستعان. وقال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها (٦). وقال ابن عباس ﵄: لا يسألون سؤال شفاء وراحة وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ: لم عملتم كذا وكذا (٧). والقاطع لهذا قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ

стр. 670

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، قال أهل التأويل: عن لا إله إلا الله (١). وقد قيل: إن الكفار يحاسبون بالكفر باللَّه الذي كان طول العمر شعارهم ودثارهم وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها فإنهم يبكتون (٢) ويسألون عنها ويسألون عن الرسل وتكذيبهم (٣) إياه (٤) لقيام الدلائل على صدقهم (٥). (٦) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣] والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخرها يتبين له الصواب في ذلك والحمد لله على ذلك. وذكر ابن المبارك (٧) عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄: أن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة تنشر الصحف وتوضع الموازين ويدعى الخلائق للحساب، وشهر: ضعّفه مسلم في كتابه (٨) وغيره (٩). وذكر اللالكائي (١٠) (١١) عن عائشة ﵂ قالت: لا يحاسب رجل يوم

стр. 671

القيامة إلا دخل الجنة (١). قالوا: ولأن الحساب إنما يراد للثواب والجزاء ولا حسنات للكافر فيجازي عليها بحسابه، ولأن المحاسب له هو الله تعالى وقد قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قلنا: ما روي عن عائشة ﵂ وخالفها غيره في ذلك للآيات والأحاديث في ذلك، وهو الصحيح، ومعنى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي بما يحبونه، قاله الطبري (٢). وفي التنزيل: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] و ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] (٣) سؤال التعرف ليميز المؤمنين من الكافرين، أي: أن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحدًا يوم القيامة، أن يقال: ما كان دينك وما كنت تصنع (٤) في الدنيا حتى يبين له بأخباره عن نفسه إنه كان مؤمنًا أو كان كافرًا، ولكن المؤمنين ناضري الوجوه منشرحي الصدور ويكون المشركون سود الوجوه زرقًا مكروبين، فهم إذا كلفوا سَوْقَ (٥) المجرمين إلى النار أو تمييزهم في الموقف، أغنتهم (٦) مناظرهم من تعرف أديانهم، ومن قال هذا فيحتمل أن يقول إن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما كان (٧) قبله على ما

стр. 672

وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه: عن ربه ودينه ونبيه، أي إذا كان يوم القيامة لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى تمييز فريق من هذا لاستغنائهم بمناظرهم عما وراءها، ومن قاله يحتج بقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أخبر أنه يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين، ومن قال (١): يسألهم عن أصل كفرهم ثم (٢) عن تجديدهم إياه كل وقت باستهزائهم بآيات الله ورسله فقد سألهم عما كانوا يعملون، وذلك هو المراد. باب ما جاء في شهادة الأرض والليالي والأيام بما عمل فيها وعليها، وفي شهادة المال على صاحبه وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ الترمذي (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤] قال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن (٤) أخبارها أن تشهد على كل عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها"، حديث حسن صحيح غريب (٥). أبو نعيم (٦) عن معاوية بن مرة عن معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غدًا (٧) شهيد، فاعمل فيّ خيرًا أشهد لك به غدًا فإني لو قد

стр. 673

مضيت لم تراني (١) أبدًا، ويقول الليل مثل ذلك"، غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد العمي، ولا أعلمه مرفوعًا عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. ابن المبارك (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "من سجد في موضع عند حجر أو شجر شهد عند الله يوم القيامة". وأخبرنا (٣) ابن أبي خالد قال: سمعت أبا عيسى يحيى بن رافع يقول: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول (٤): ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق: ٢١] قال: سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت (٥). وخرّج مسلم (٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: "وأن هذا المال خضر حلو، ونِعم صاحب المسلم هو إن (٧) أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل، أو كما قال رسول الله (٨) ﷺ ، وأنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا (٩) يوم القيامة. وقد تقدم (١٠) أنه "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر، ولا حجر، ولا مدر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أخرجه (١١) الأئمة مالك (١٢) وغيره (١٣). وقال المؤلف: فتفكر يا أخي وإن كنت شاهدًا عدلًا بأنك مشهود عليك

стр. 674

في كل أحوالك، من فعلك ومقالك، وأعظم الشهود لديك المطلع (١) عليك الذي لا تخفى عليه خائنة الأعين (٢) ولا يغيب عنه زمان ولا أين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، فاعمل عمل من يعلم أنه راجع إليه، وقادم عليه يجازي على الصغير والكبير، والقليل والكثير، سبحانه لا إله إلا هو. باب لا يشهد عبد على شهادة في الدنيا إلا شهد به (٣) يوم القيامة ابن المبارك (٤) قال: أخبرنا رشدين (٥) بن سعد عن عمرو بن الحارث عن سعد بن أبي هلال عن سليمان بن راشد أنه بلغه أن امرأ لا يشهد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدًا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (٦). قلت: هذا صحيح يدل على صحته من الكتاب قوله الحق: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] والله أعلم. باب ما جاء في سؤال الله تعالى الأنبياء وفي شهادة هذه الأمة للأنبياء تعلى أممهم قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ

стр. 675

أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢] فيبدأ بالأنبياء ﵇ ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] قيل في تفسيره: ما كانوا (١) قد علموا (٢) لكن دهشت (٣) عقولهم، وعزبت أفهامهم، ونسوا من شدة الهول، وعظم الخطب، وصعوبة الأمر (٤)، فقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، ثم يقربهم الله تعالى فيدعى نوح ﵇ ويقال: إن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم فيذهلون عن الجواب، ثم إن الله يثبتهم ويحدث لهم ذكرًا فيشهدون بما أجابت به أممهم، ويقال: إنما قالوا ذلك تسليمًا، كما فعل (٥) المسيح ﵇ في قوله ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ والأول أصح، لأن الرسل يتفاضلون والمسيح من أجلِّهم لأنه كلمة الله وروحه، قاله (٦) أبو حامد (٧). وخرج ابن ماجه (٨): ثنا أبو كريب (٩) وأحمد بن سنان قالا: حدثنا أبو معاوية (١٠) عن الأعمش عن ابن أبي صالح (١١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك،

стр. 676

فيقول له (١): هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد ﷺ فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيقول: وما أعلمكم (٢) بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا ﷺ بذلك، أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وذكر (٣) البخاري (٤) أيضًا بمعناه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً﴾، فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥)، أخرجه ابن المبارك (٦) بأطول (٧) من هذا فقال: أخبرنا رشدين بن سعد قال: أخبرنا ابن أنعم المعافري (٨) عن حيان بن أبي جبلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله العباد يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل ﵇ فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي؟ هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رب (٩)، قد بلغته جبريل، فيدعى جبريل ﵇ فيقول: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم رب (١٠) قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول جبريل: نعم، قد بلغت الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟

стр. 677

فيقولون: نعم، فيخلى عن جبريل، ثم يقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: قد بلغنا أممنا، فتدعى الأمم فيقال لهم: هل بلغكم (١) الرسل عهدي؟ فمنهم المصدق ومنهم المكذب، فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهداء يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك، فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: محمد وأمته، فتدعى أمة أحمد ﷺ ويقول: تشهدون أن رسلي (٢) هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى مَنْ أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم رب، شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا، فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولًا وأنزلت إلينا عهدك، وكتابك وقصصك علينا أنهم قد (٣) بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا (٤)، فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ والوسط: العدل، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قال ابن أنعم (٥): فبلغني أنه تشهد يومئذ أمة محمد إلا من كان في قلبه حِنَةٌ (٦) على أخيه. قلت: وذكر هذا الخبر أبو محمد عبد الحق (٧) في كتاب العاقبة له (٨)، فذكر بعد قوله: والوسط: العدل، ثم يدعى غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ثم ينادى كل إنسان باسمه واحدًا، ويسألون واحدًا (٩)، واحدًا، وتعرض أعمالهم على رب العزة جل وعلا، قليلها وكثيرها، حسنها وقبيحها.

стр. 678

قال المؤلف: وذكر أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (١): أن هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم، ويقتص للجماء من القرناء ويفصل بين الوحوش والطير ثم يقول لهم: كوني (٢) ترابًا، فتسوى بهم الأرض، وحينئذٍ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] ويتمنى الكافر فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، ثم يخرج النداء من قبل الله تعالى: أين اللوح المحفوظ؟ فيؤتى به، له هرج عظيم، فيقول الله تعالى: أين ما سطرت فيك من توراة وزبور وإنجيل وفرقان (٣)؟ فيقول: يا رب نقله مني الروح الأمين، فيؤتى به ترعد وتصطك ركبتاه، فيقول الله: يا جبريل هذا اللوح يزعم أنك نقلت منه كلامي ووحيي، أصدق؟ قال: نعم يا رب، قال: فما فعلت فيه؟ قال: أنهيت التوراة إلى موسى، وأنهيت الزبور إلى داود، وأنهيت الإنجيل إلى عيسى وأنهيت الفرقان إلى محمد ﷺ وأنهيت إلى كل رسول رسالته، وإلى أهل الصحف صحائفهم، فإذا النداء يا نوح، فيؤتي به ترعد وتصطك فرائصه، فيقول له: يا نوح زعم جبريل أنك من المرسلين، قال: صدق، فقيل له (٤): ما فعلت مع قومك؟ قال: دعوتهم ليلًا ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلى فرارًا. فإذا النداء: يا قوم نوح، فيؤتى بهم زمرة واحدة فيقال: هذا أخوكم نوح يزعم أنه بلغكم الرسالة فيقولون: يا ربنا كذب، ما بلغنا من شيء، وينكرون الرسالة، فيقول الله: يا نوح ألك بينة؟ فيقول: نعم يا رب (٥)، بينتي عليهم محمد وأمته، فيقولون له: كيف ونحن أول الأمم وهم آخر الأمم، فيؤتى بالنبي ﷺ فيقول: يا محمد هذا نوح يستشهدك فيشهد له بتبليغ الرسالة، يقرأ ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخر السورة، فيقول الجليل جلَّ وعلا: قد وجب عليكم الحق، ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، فيؤمر بهم زمرة واحدة إلى النار من غير وزن عمل ولا حساب،

стр. 679

ثم ينادى: أين عاد؟ فيفعل مع هود (١) كما فعل قوم نوح مع نوح، فيشهد عليهم النبي ﷺ وخيار أمته فيتلو: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣] فيؤمر بهم إلى النار مثل أمة نوح، ثم ينادى يا صالح ويا ثمود، فيأتون، فيشهد صالح عند ما ينكرون، فيتلو النبي ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء: ١٤١] إلى آخر القصة، فيفعل بهم مثلهم، ولا تزال تخرج أمة بعد أمة قد أخبر عنهم القرآن بيانًا، وذكرهم فيه إشارة، كقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [إبراهيم: ٩]، وفي ذلك تنبيه على أولئك القرون الطاغية كقوم تارح وتارخ، ودوحا، وأسرا وما أشبه ذلك حتى ينتهي النداء إلى أصحاب الرس، وتبَّع، وقوم إبراهيم وفي ذلك لا يرفع لهم ميزان ولا يوضع لهم حساب، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، والترجمان يكلمهم، لأن الرب تعالى من نظر إليه وكلمه لم يعذبه. ثم ينادى بموسى بن عمران فيأتي وهو كأنه ورقة في ريح عاصف قد اصفر لونه واصطكت ركبتاه، فيقول له يا ابن عمران جبريل يزعم أنه بلغك الرسالة والتوراة فتشهد له بالبلاغ، قال: نعم، قال: فارجع إلى منبرك، واتل ما أوحي إليك من ربك، فيرقى المنبر ثم يقرأ فينصت له كل من في الموقف، فيأتي بالتوراة غضة طرية على حسنها يوم أنزلت حتى تتوهم الأحبار أنهم ما عرفوها يومًا. ثم ينادي يا داود فيأتي وهو يرعد كأنه ورقة في ريح عاصف تصطك ركبتاه ويصفر لونه، فيقول الله جل ثناؤه: يا داود زعم جبريل أنه بلغك الزبور، فتشهد له بالبلاغ؟ فيقول: نعم يا رب، فيقال له: ارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك، فيرقى ثم يقرأ وهو أحسن الناس صوتًا، وفي الصحيح: إنه صاحب المزامير.

стр. 680

ثم ينادي المنادي: أين عيسى بن مريم؟ فيؤتى به علي باب المرسلين؛ فيقول: ﴿أَأَنْتَ (١) قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله﴾ (٢)، ثم يحمد تحميدًا ما شاء الله ويثني عليه كثيرًا ثم يعطف على نفسه بالذم والاحتقار ويقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، فيضحك الله سبحانه ويقول: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] يا عيسى ارجع إلى منبرك واتل الإنجيل الذي بلغك جبريل، فيقول: نعم ثم يرقى ويقرأ (٣) فتشخص إليه الرؤوس لحسن ترديده وترجيعه فإنه أحكم الناس به رواية، فيأتي به غضًا طريًا حتى يظن الرهبان أنهم ما عملوا به قط، ثم تنقسم النصارى فرقتين: المجرمون مع المجرمين، والمؤمنون مع المؤمنين. ثم يخرج النداء: أين محمد فيؤتى به ﷺ فيقول: يا محمد هذا جبريل يزعم أنه بلغك القرآن فيقول: نعم يا رب، فيقال له: ارجع إلى منبرك واقرأ فيتلو ﷺ القرآن فيأتي به غضًا طريًا له حلاوة وعليه طلاوة يستبشر به المتقون وإذا وجوههم ضاحكة مستبشرة والمجرمون وجوههم مغبرة مقترة (٤)، فإذا تلا النبي ﷺ القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط. وقد قالوا للأصمعي (٥): تزعم أنك أحفظهم لكتاب الله تعالى فقال: يا ابن أخي يوم أسمعه (٦) من رسول الله ﷺ كأني ما سمعته (٧). فإذا فرغت قراءة الكتب خرج النداء من قبل سرادقات الجلال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩] فيرتج الموقف، ويقوم فيه روع عظيم

стр. 681

والملائكة قد امتزجت بالجن والجن ببني آدم والكل لجة واحدة، ثم يخرج النداء: يا آدم ابعث بعث النار فيقول: كم يا رب؟ فيقال (١) له: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد في الجنة على ما يأتي (٢) بيانه، فلا يزال يستخرج من سائر الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب (٣) كما قال الصديق (٤): نحن حفنات لحفنات الرب (٥) سبحانه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. باب ما جاء في الشهداء عند الحساب قال العلماء (٦): وتكون المحاسبة بمشهد من (٧) النبيين وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]، وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] وشهيد كل أمة نبيها، وقيل: إنهم كتبة الأعمال، وهو الأظهر، تحضر (٨) الأمة ورسولها فيقال للقوم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]؟ ويقول للمرسلين: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فتقول الرسل: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] على ما تقدم في الباب قبل (٩)، ثم يدعى كل واحد على الانفراد، فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباه (١٠)؛ فإنه قد أخبر في الدنيا أن عليه ملكين (١١) يحفظان عمله وينسخانه (١٢). وذكر أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (١٣): إن المنادي ينادي من قبل الله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، فيُستخرج لهم

стр. 682

كتاب عظيم يسد ما بين المشرق والمغرب، فيه جميع أعمال الخلائق، فما من صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وذلك؛ أن أعمال الخلائق تعرض على الله تعالى في كل يوم فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، ثم يُنادى بهم فردًا فردًا فيحاسب كل واحد، فإذا الأقدام تشهد واليدان، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]. وقد جاء في الخبر أن رجلًا منهم يقف (١) بين يدي الله تعالى فيقول له: يا عبد السوء (٢) كنت مجرمًا عاصيًا، فيقول: ما فعلت، فيقال له: عليك بينة، فيؤتى بحفظته فيقول: كذبوا عليّ، فتشهد جوارحه عليه، فيؤمر به إلى النار، فيجعل يلوم جوارحه، فتقول له: ليس عن اختيارنا، أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى (٣)، وتقدم (٤) أن الأرض والأيام والليالي والمال ممن يشهد، وإذا قال الكافر لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني ختم (٥) على فيه فتشهد أركانه، كما تقدم (٦). باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على (٧) أمته ابن المبارك (٨) قال: أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].

стр. 683

فصل قلت: قد تقدم (١) أن الأعمال تعرض على الله تعالى يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة (٢)، ولا تعارض فإنه يحتمل أن يخص نبينا ﵇ بالعرض كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء، والله أعلم. باب ما جاء في عقوبة مانع (٣) الزكاة وفضيحة الغادر والغال في الموقف وقت الحساب مسلم (٤) عن أبي هريرة (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها (٦) حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا (٧) واحدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها (٨) إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاء (٩) ولا جلحاء (١٠) ولا عضباء (١١) تنطحه بقرونها

стр. 684

وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وذكر الحديث أخرجه البخاري (١) بمعناه. وروى مالك (٢) موقوفًا والنسائي (٣) والبخاري (٤) مرفوعًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان (٥) يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مَالُكَ أنا كنزكَ، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. وذكر مسلم (٦) من حديث جابر ﵁ قال: ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه خذ كنزك الذي خبأته، فإنه عنه غني (٧)، فإذا رأى أن لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل". وذكر الحديث. عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول وعظّم أمره، ثم قال: لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك (٨)، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك (٩)، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفْسٌ لها

стр. 685

صياح، فيقول (١) يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (٢) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا (٣) قد أبلغتك" (٤)، أخرجه البخاري (٥) أيضًا. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل (٦) غادر لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (٧). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة" (٨)، وفي رواية: "لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة (٩) ". وذكر أبو داود الطيالسي (١٠) قال: ثنا مرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير عن رافع (١١) بن شداد عن عمر بن الحمق الخزاعي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء غدر يوم القيامة".

стр. 686

فصل قال علماؤنا (١) رحمة الله عليهم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] إن ذلك على الحقيقة كما بينه رسول الله ﷺ ، أي يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وكذا مانع الزكاة كما في صحيح الحديث. قال أبو حامد (٢): "فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرًا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة البقر يحمل ثورًا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم، [ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم] (٣) والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف، ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله أعدالًا [قد ملئت] (٤) من الجنس الذي كان قد يبخل به بُرًّا كان أو شعيرًا أثقل ما يكون ينادي تحته (٥) بالويل والثبور، ومانع زكاة المال يحمل شجاعًا أقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب في منخره (٦) واستدارت بجيده وثقل على كاهله كأنه طُوّق بكل رحى في الأرض، وكل واحد ينادي مثل هذا، فتقول الملائكة هذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه وشحًا عليه، وهو قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] ". قلت: وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال ومانع (٧) الزكاة نظير الفضيحة التي يوقعها بالغادر، وجعل الله تعالى هذه (٨) المعاقبات حسب ما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول شاعرهم (٩):

стр. 687

اسمي ويحك (١) هل سمعت بغدرة … رفع اللواء لنا بها في المجمع وكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحافل (٢)، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وذهب بعض العلماء إلى أن ما يجيء به الغال يحمله: عبارة عن وزر ذلك، وشهرة الأمر أن يأتي يوم القيامة قد شهر الله تعالى أمره، كما يشهر لو حمل بعيرًا له رغاء أو فرسًا له حمحمة. قلت: وهذا عدول في (٣) الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد أخبر النبي ﷺ بالحقيقة فهو أولى، وقد روى أبو داود (٤) عن سمرة بن جندب (٥) ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم (٦) فيخمسه ويقسمه، فجاءه (٧) رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كلا، أن تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك (٨) ". وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الحجر ليزن سبع خَلِفَات (٩) ليلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفًا، ويؤتى بالغلول فيلقى معه، ثم يكلف صاحبه أن يأتي به، قال: فهو قول الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ

стр. 688

الْقِيَامَةِ﴾ ذكره علي بن سليمان (١) في الأربعين له. فصل قوله: ويرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، دليل على أن في الآخرة للناس ألوية، فمنها ألوية خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم، قال ﷺ : "لواء الحمد بيدي"، ويروى (٢): "لواء الكرم"، وقد تقدم (٣). وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار" (٤)، فعلى هذا من كان إمامًا ورأسًا في أمر ما معروفًا به فله لواء يعرف به خيرًا كان أو شرًا، وقد يجوز أن يكون للصالحين والأولياء ألوية يعرفون بها إكرامًا لهم (٥)، والله أعلم، وإن كانوا معروفين، قال ﷺ : "رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"، وقال: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"، أخرجهما مسلم (٦). وقال أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٧): "وفي الحديث الصحيح أن أول ما يقضي الله تعالى فيه في الدماء، وأول ما يعطي الله أجورهم الذين ذهبت أبصارهم ينادى يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم: أنتم أحرى أي أحق من ينظر إلينا، ثم يستحي الله تعالى منهم ويقول: اذهبوا [إلى] (٨) ذات اليمين

стр. 689

وتعقد لهم راية وتجعل بيد شعيب ﵇ فيصير أمامهم ومعهم ملائكة النور ما لا (١) يُحصي عددهم إلا الله تعالى يزفونهم كما تزف العروس، فيمر بهم على الصراط كالبرق الخاطف وصفة أحدهم الصبر والحلم كابن عباس ومن ضاهاه من الأمة، ثم ينادى أين أهل البلاء ويريد المجذومين فيؤتى بهم ويحييهم الله بتحية طيبة بالغة، فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ﵇ فيصير أمامهم ذات اليمين، وصفة المبتلى صبر وحلم وعلم (٢) كعقيل بن أبي طالب ومن ضاهاه من الأمة، ثم ينادى: أين الشباب المتعففون؟ فيؤتى بهم إلى الله فيرحب نعمًا، ويقول: ما شاء الله أن يقول ثم يؤمر بهم ذات اليمين، وتعقد لهم راية خضراء ثم تجعل في يد يوسف ﵇ ويصير إمامهم إلى ذات اليمين، وصفة الشباب (٣) صبر وحلم وعلم كراشد بن سليمان (٤) ومن ضاهاه من الأمة، ثم يخرج النداء: أين المتحابون في الله؟ فيؤتى بهم إلى الله تعالى فيرحب بهم ويقول ما شاء الله أن يقول، ثم يأمر (٥) بهم إلى ذات اليمين، وصفة المتحاب في الله صبر وحلم وعلم (٦)، ولا يسخط ولا يسيئ من رضي الأحوال الدنيوية (٧) كأبي تراب، أعني: علي بن أبي طالب ﵁ ومن ضاهاه من الأمة، ثم يخرج النداء: أين الباكون؟ فيؤتى بهم إلى الله فتوزن دموعهم ودم الشهداء ومداد العلماء فيرجح الدمع، فيؤمر بهم إلى ذات اليمين وتعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة، هذا بكى خوفًا، وهذا بكى ندمًا، وهذا بكى طمعًا (٨)، وتجعل بيد نوح ﵇،

стр. 690

فيهم العلماء بالتقدم عليهم، ويقولون: عِلْمُنا أبكاهم، فإذا النداء على رسلك يا نوح، فتوقف الزمرة ثم يوزن مداد العلماء فيرجح دم الشهداء فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية مزعفرة وتجعل في يد يحيى ﵇ ثم ينطلق أمامهم فيهم العلماء بالتقديم (١) عليهم، ويقولون: عن علمنا قاتلوا، فنحن أحق بالتقدم (٢)، فيضحك لهم الجليل ﷻ ويقول لهم: أنتم عندي كأنبيائي، اشفعوا فيمن تشاؤون (٣)، فيشفع العالم في جيرانه وإخوانه، ويأمر كل واحد منهم ملكًا ينادي في الناس: ألا إن فلانًا العالم قد أمر له أن يشفع فيمن قضى له حاجةً، أو أطعمه لقمةً حين جاع أو سقاه شربةَ ماءٍ حين عطش، فليقم إليه فإنه يشفع له (٤). وفي الصحيح (٥): أن أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء، وتعقد (٦) لهم راية بيضاء وتجعل بيد (٧) إبراهيم ﵇ فإنه أشد المرسلين مكاشفة، ثم ينادى: أين الفقراء فيؤتى بهم إلى الله فيقول لهم (٨): مرحبًا بمن كانت الدنيا سجنهم ثم يؤمر (٩) بهم إلى ذات اليمين وتعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى ابن مريم ﵇ ويصير أمامهم إلى (١٠) ذات اليمين، ثم ينادى أين الأغنياء؟ فيؤتى بهم إلى الله فيعدد عليهم ما خولهم خمسمائة عام ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين وتعقد لهم راية ملونة وتجعل بيد سليمان ﵇

стр. 691

ويصير أمامهم في ذات اليمين، وفي الحديث: [إن] (١) أربعة يستشهد عليهم بأربعة: ينادى بالأغنياء وأهل الغبطة فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله ؟ فيقولون: أعطانا الله ملكًا وغبطة (٢) شغلنا عن القيام بحقه في دار الدنيا، فيقال: من أعظم ملكًا أنتم أم سليمان؟ فيقولون: بل سليمان، فيقال لهم: ما شغله ذلك عن القيام بحق الله والدأب في ذكره، ثم يقال: أين أهل البلاء؟ فيؤتى بهم أنواعًا (٣)، فيقال لهم: أي شيء شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون: ابتلانا الله في دار الدنيا بأنواع من الآفات والعاهات، شغلنا عن ذكره والقيام بحقه، فيقال لهم: من أشد بلاء؟ أنتم أم أيوب؟ فيقولون: بل أيوب، فيقول لهم: ما شغله ذلك عن حقنا والدأب لذكرنا، وينادون (٤) أين الشباب العطرة والمماليك؟ فيقول الشباب: أعطانا الله جمالًا وحسنًا فتنا به فكنا مشغولين عن القيام بحقه، وكذلك المماليك فيقولون: شغلنا رق العبودية في الدنيا، فيقال لهم: أنتم أكثر جمالًا أم يوسف ﵇؟ فلقد كان في رق العبودية ما شغله ذلك عن القيام بحقنا والدأب (٥) لذكرنا، ثم ينادى أين الفقراء؟ فيؤتي بهم أنواعًا (٦)، فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون؟ ابتلانا الله في دار الدنيا بفقر مدقع شغلنا، فيقال لهم: من أشد فقرًا أنتم (٧) أم عيسى ﵇؟ فيقولون: بل عيسى بن مريم، فيقول (٨) لهم: ما شغله ذلك عن القيام بحقنا والدأب لذكرنا، فمن بلي بشيء من هذه الأربع فليذكر صاحبه" (٩). فصل وقوله: "هذه (١٠) غدرة فلان بن فلان"، دليل على أن الناس يدعون (١١)

стр. 692

بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقد تقدم هذا في غير موضع (١)، وفي هذا رد على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم، لأن في (٢) ذلك سترًا على آبائهم، وهذا الحديث خلاف قولهم، خرجه البخاري ومسلم (٣) وحسبك. فصل قوله (٤): "فيكوى بها جنبه" الحديث، إنما خص الجنب والجبين والظهر بالكي لشهرته في الوجه وشناعته، وفي الجنب والظهر؛ لأنه آلم وأوجع، وقيل: خص الوجه لتقبطه في وجه السائل أولًا، وفي الجنب لازوراره عن السائل ثانيًا، والظهر؛ لانصرافه إذا زاد (٥) في السؤال، وأكثر منه، فرتب الله هذه العقوبات في هذه الأعضاء لأجل ذلك، والله أعلم. وقالت الصوفية: لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم، ولما طووا كشحًا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا (٦) ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادًا عليها كويت ظهورهم. فصل قوله (٧): في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، قيل: معناه: لو حاسب فيه غير الله تعالى، وإنما هو سبحانه يفرغ منه (٨) في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا (٩)، وقيل: قدر مواقفهم للحساب عن الحسن، وقال ابن اليمان: كل موقف منها ألف سنة، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف (١٠) عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة،

стр. 693

وقد تقدم (١) من حديث أبي سعيد الخدري. وذكر ابن المبارك (٢) قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ﵃ قال: "يقصر يومئذ على المؤمن حتى يكون كوقت الصلاة"، وفي الحديث: "لا ينتصف النهار حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار"، ذكره ابن عزير (٣) في غريب القرآن له. وبطح: "ألقي على وجهه"، قاله بعض المفسرين. وقاله أهل اللغة: البطح: "هو البسط كيف ما كان على الوجه (٤)، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها". وبقاع قرقر: أي بموضع مستوٍ، وأصل القاع: الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، وجمعه: قيعان. والعقصاء: الملتوية القرن. والجلحاء: التي لا قرن لها. والعضباء: المكسورة داخلة القرن، يريد: أنها كلها ذوات قرون صحاح معتدلة (٥)، يمكن بها النطح والطعن حتى يكون أشد لألمه وأبلغ في عذابه، والله أعلم.

стр. 694

باب منه وذكر الولاة ذكر الغيلاني (١) أبو طالب (٢): أخبرنا أبو بكر الشافعي، أخبرنا محمد بن غالب قال: أخبرنا أمية بن بسطام قال: أخبرنا يزيد بن زريع قال: أخبرنا روح بن القاسم عن ابن عجلان (٣) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يفكه (٤) الله بعدله أو يوبقه بجرمه". وقال عمر لأبي ذر ﵄: حدثني بحديث سمعته من النبي ﷺ (٥) فقال: سمعته يقول: "يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه، فإن كان مطيعًا لله في عمله مضى فيه، وإن كان عاصيًا الله انخرق (٦) به الجسر فهوي به في جهنم مقدار خمسين عامًا" (٧)، فقال عمر ﵁: من يطلب العمل بعد هذا يا أبا ذر؟ قال: من سلت الله أنفه (٨) وألصق خده بالتراب، ذكره أبو الفرج الجوزي (٩). وروي الأئمة (١٠) عن أبي حميد الساعدي (١١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه

стр. 695

استعمل رجلًا من الأسد، يقال له ابن اللتبيَّة (١)، على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي ﷺ على المنبر (٢) فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جلس (٣) في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا (٤) يأتي أحد منكم (٥) بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرًا فله رغاء وإن كان بقرة فلها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَتي (٦) إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت"؟. وروى أبو داود (٧) عن بريدة ﵁ عن النبي (٨) ﷺ قال: "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول". باب ما جاء في حوض النبي ﷺ في الموقف وسعته وكثرة أوانيه وذكر أركانه ومن عليها ذهب صاحب القوت (٩) وغيره إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين: أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة (١٠)، وكلاهما يسمى كوثرًا، على ما يأتي (١١)، والكوثر في كلام العرب: الخير الكثير.

стр. 696

واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر؟ فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح: أن الحوض قبلُ. قلت: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم كما تقدم (١)، فيقدم قبل الميزان والصراط (٢)، والله أعلم. وقال أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٣): "وحكى بعض السلف من أهل التصنيف: أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله". قال المؤلف: هو كما قال، وقد روى البخاري (٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل، فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص (٥) منهم إلا مثل همل النعم". قلت: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط (٦) إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه، فمن جاز عليه سلم من النار، وكذا حياض الأنبياء ﵇ تكون أيضًا في الموقف على ما يأتي (٧). وروي عن ابن عباس ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء، وأن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله سبعين ألف ملك بأيديهم عصي

стр. 697

من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء" (١) صلوات الله عليهم أجمعين (٢). مسلم (٣) عن أبي ذر ﵁ قال: قلت (٤): يا رسول الله ما آنية الحوض (٥)؟ قال: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب (٦) فيه ميزابان من الجنة، من شرب منها لم يظمأ (٧)، عرضه مثل (٨) طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل". وعن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إني لَبِعُقْرِ حوضي (٩) أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفَضَّ (١٠) عليهم، فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمان، وسئل عن شرابه فقال: أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل، يغث فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما: من ذهب، والآخر: من وَرِق". في غير كتاب مسلم: "يغث (١١) فيه ميزابان من الكوثر" (١٢) الحديث (١٣). وفي أخرى: "ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليه قدح" (١٤).

стр. 698

مسلم (١) عن أنس (٢) ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على آنفًا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال: ما تدري ما أحدثت بعدك". وفي رواية أخرى: "ما أحدث بعدك" (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء (٤)، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، كيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه (٥) شربة لم يظمأ بعده من أبدًا" (٦)، أخرجه البخاري (٧). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمامكم حوضًا كما بين جربا وأذرح (٨)، فيه أباريق كنجوم السماء من ورد (٩) فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا" (١٠)، "قال عبيد الله فسألته، فقال: قريتين بالشام بينهما مسيرة ثلاث"، أخرجه البخاري (١١).

стр. 699

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن حوضي أبعد من أيلة من (١) عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس [عنه] (٢) كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًا محجلين من أثر الوضوء" (٣). ابن ماجه (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لي حوضًا ما بين الكعبة وبيت المقدس، أبيض مثل اللبن آنيته عدد النجوم وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة". فصل ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب اختلاف، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبًا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافاتِ مواضعِها، فيقول لأهل الشام: ما بين أذرح وجربا، ولأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن، وهكذا، وتارة أخرى يقدر (٥) بالزمان فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فخاطب (٦) كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم. ولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسافة (٧) هذه الأقطار أو

стр. 700

في الموضع التي يكون بدلًا من هذه المواضع إلى هذه الأرض على أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، كما تقدم (١)، تطهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء. ويغث: معناه: يصب. يشخب: أي يسيل. والعُقْرُ: "مؤخر الحوض حيث تقف الإبل إذا وردته، وتُسَكَّنُ قافُهُ وتضم، فتقول: عقْر، وعقُر كعُسْرٍ (٢) وعُسُر"، قاله (٣) في الصحاح. والهمل من النعم؟ "الضوال من الإبل، واحدها: هامل"، قاله الهروي (٤)، والمعنى أن الناجي منهم قليل كهمل النعم. ويقال: إن على أحد أركانه أبا بكر ﵁، وعلى الثاني: عمر ﵁، وعلى الثالث (٥): عثمان ﵁، وعلى الرابع: عليًا ﵁. قلت: هذا (٦) لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع، وقد رفعه صاحب الغيلانيات (٧) من حديث حميد عن أنس ﵁ قال: [قال] (٨) رسول الله ﷺ : "إن على حوضي أربعة أركان، فأول ركن منها في يد أبي بكر ﵁، والركن الثاني في يد عمر ﵁، والركن الثالث: في يد عثمان ﵁، والركن الرابع: في يد علي ﵁، فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر، ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر، ومن أحب عثمان وأبغض عليًا لم يسقه عثمان، ومن أحب عليًا وأبغض عثمان لم يسقه علي" وذكر الحديث.

стр. 701

ذكر أبو داود الطيالسي (١) قال: ثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ء أو سبعين جزء ممن يرد علي الحوض، وكانوا يومئذ ثمان مائة أو تسعمائة". باب فقراء المهاجرين أول الناس ورودًا الحوض على النبي ﷺ - ابن ماجه (٢) عن الصُنابح (٣) الأحمسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإني فرطكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتلن (٤) بعدي". وخرّج (٥) عن ثوبان مولي رسول الله ﷺ قال: "إن حوضي ما بين عدن إلى أيلة، أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، أكاويبه كعدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وأول من يرد على حوضي (٦) فقراء المهاجرين الدُنس ثيابًا، الشُّعث رؤوسًا الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد"، قال: فبكى عمر (٧) حتى اخضلّت لحيته، فقال: "لكني نكحت المنعمات (٨) وفتحت لي أبواب السدد، لا جرم أن لا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي (٩) حتى يتسخ ولا أدهن رأسي حتى يشعث"، خرّجه

стр. 702

الترمذي (١) عن أبي سلام الحبشي (٢) قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد (٣)، قال: فلما دخل عليه (٤) قال: يا أمير المؤمنين لقد شق مركبي البريد (٥)، فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن النبي ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به، فقال أبو سلام: حدثني ثوبان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد (٦) "فذكره بمعناه أيضًا. وقال: هذا حديث غريب. وقال أنس بن مالك ﵁: "أول من يرد الحوض على رسول الله ﷺ الذابلون، الناحلون، السائحون، الذين إذا جنَّهم الليل استقبلوه بالحزن (٧) " (٨). باب ذكر من يطرد عن الحوض البخاري (٩) عن النبي (١٠) ﷺ قال: "ليردن علي ناس من أصحابِ (١١) الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "يرد علي الحوض رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب

стр. 703

أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا (١) على أدبارهم القهقرى" (٢). مسلم (٣) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم". وفي حديث أنس فيختلج العبد منهم فأقول: "يا رب أنه (٤) من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، وقد تقدم (٥). وكذلك حديث البخاري (٦): "إذا زمرة حتى إذا عرفتهم"، تقدم أيضًا. وفي الموطأ (٧) وغيره (٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قالوا: "كيف تعرف من (٩) يأتي بعدك من أمتك يا رسول الله؟ الحديث، وفيه قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء". فصل قال علماؤنا (١٠) رحمة الله عليهم: وكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم كالخوارج

стр. 704

على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم (١) مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المُسْتَخِفُّونَ بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع والأهواء (٢). ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل (٣) في الأعمال ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقرير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم: فسحقًا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإيمان ويسترون (٤) الكفر فيأخذهم بالظاهر ثم يكشف لهم الغطاء، فيقول: فسحقًا فسحقًا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وقد يقال: إن من أنفذ الله عليه وعيده من أهل الكبائر أنه وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه [إذا] (٥) دخل النار بمشيئة الله تعالى لا يعذب بعطش، والله أعلم. وروى الترمذي (٦) عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء تكون (٧) بعدي، فمن غَشِي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض، يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصبر جُنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة: إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به"، قال

стр. 705

أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب"، وخرجه (١) أيضًا في كتاب الفتن وصححه. وخرّج الأوزاعي (٢) أبو عمرو (٣) في مسنده (٤) قال: حدثني عمرو بن سعد قال: حدثني يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "حوضي ما بين مكة وأيلة (٥)، أباريقه كنجوم السماء (٦)، له ميزابان من الجنة، كلما نضب أمداه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وسيأتيه قوم ذابلة شفاههم، لا يطعمون منه قطرة واحدة، من كذَّب به اليوم لم يصب منه الشرب يومئذ" (٧). وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٨) من حديث عثمان بن مظعون ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال - في آخره -: "يا عثمان لا ترغب عن سنتي، فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة"، وقد ذكرناه بكماله في آخر كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة (٩).
следующие страницы →