← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ذكر أبو داود الطيالسي (١) قال: ثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ء أو سبعين جزء ممن يرد علي الحوض، وكانوا يومئذ ثمان مائة أو تسعمائة". باب فقراء المهاجرين أول الناس ورودًا الحوض على النبي ﷺ - ابن ماجه (٢) عن الصُنابح (٣) الأحمسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإني فرطكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتلن (٤) بعدي". وخرّج (٥) عن ثوبان مولي رسول الله ﷺ قال: "إن حوضي ما بين عدن إلى أيلة، أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، أكاويبه كعدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وأول من يرد على حوضي (٦) فقراء المهاجرين الدُنس ثيابًا، الشُّعث رؤوسًا الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد"، قال: فبكى عمر (٧) حتى اخضلّت لحيته، فقال: "لكني نكحت المنعمات (٨) وفتحت لي أبواب السدد، لا جرم أن لا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي (٩) حتى يتسخ ولا أدهن رأسي حتى يشعث"، خرّجه

стр. 702

الترمذي (١) عن أبي سلام الحبشي (٢) قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد (٣)، قال: فلما دخل عليه (٤) قال: يا أمير المؤمنين لقد شق مركبي البريد (٥)، فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن النبي ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به، فقال أبو سلام: حدثني ثوبان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد (٦) "فذكره بمعناه أيضًا. وقال: هذا حديث غريب. وقال أنس بن مالك ﵁: "أول من يرد الحوض على رسول الله ﷺ الذابلون، الناحلون، السائحون، الذين إذا جنَّهم الليل استقبلوه بالحزن (٧) " (٨). باب ذكر من يطرد عن الحوض البخاري (٩) عن النبي (١٠) ﷺ قال: "ليردن علي ناس من أصحابِ (١١) الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "يرد علي الحوض رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب

стр. 703

أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا (١) على أدبارهم القهقرى" (٢). مسلم (٣) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم". وفي حديث أنس فيختلج العبد منهم فأقول: "يا رب أنه (٤) من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، وقد تقدم (٥). وكذلك حديث البخاري (٦): "إذا زمرة حتى إذا عرفتهم"، تقدم أيضًا. وفي الموطأ (٧) وغيره (٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قالوا: "كيف تعرف من (٩) يأتي بعدك من أمتك يا رسول الله؟ الحديث، وفيه قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء". فصل قال علماؤنا (١٠) رحمة الله عليهم: وكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم كالخوارج

стр. 704

على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم (١) مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المُسْتَخِفُّونَ بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع والأهواء (٢). ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل (٣) في الأعمال ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقرير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم: فسحقًا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإيمان ويسترون (٤) الكفر فيأخذهم بالظاهر ثم يكشف لهم الغطاء، فيقول: فسحقًا فسحقًا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وقد يقال: إن من أنفذ الله عليه وعيده من أهل الكبائر أنه وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه [إذا] (٥) دخل النار بمشيئة الله تعالى لا يعذب بعطش، والله أعلم. وروى الترمذي (٦) عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء تكون (٧) بعدي، فمن غَشِي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض، يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصبر جُنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة: إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به"، قال

стр. 705

أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب"، وخرجه (١) أيضًا في كتاب الفتن وصححه. وخرّج الأوزاعي (٢) أبو عمرو (٣) في مسنده (٤) قال: حدثني عمرو بن سعد قال: حدثني يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "حوضي ما بين مكة وأيلة (٥)، أباريقه كنجوم السماء (٦)، له ميزابان من الجنة، كلما نضب أمداه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وسيأتيه قوم ذابلة شفاههم، لا يطعمون منه قطرة واحدة، من كذَّب به اليوم لم يصب منه الشرب يومئذ" (٧). وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٨) من حديث عثمان بن مظعون ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال - في آخره -: "يا عثمان لا ترغب عن سنتي، فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة"، وقد ذكرناه بكماله في آخر كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة (٩).

стр. 706

باب ما جاء أن لكل نبي حوضًا الترمذي (١) عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حوضًا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة"، قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب، رواة قتادة عن الحسن عن سمرة، وقد رواه الأشعث بن عبد الملك عن الحسن (٢) ﵁ عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه عن سمرة (٣) ". وقال البكري المعروف بابن الواسطي (٤): ولكل نبي حوض (٥) إلا صالح فإن حوضه ضرع ناقته (٦). باب ما جاء في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة البخاري (٧) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أسير في الجنة إذا أنا بنهر في الجنة حافتاه قباب (٨) الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر"، - شك هدبة - خرّجه أبو عيسى الترمذي (٩) بمعناه، وزاد: "ثم رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورًا عظيمًا". قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح".

стр. 707

وخرجه ابن وهب قال: أخبرني شبيب عن أبان عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حين عرج بي (١) إلى السماء قال: رأيت نهرًا عجاجًا مثل السهم يطرد أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا نهر الكوثر الذي أعطاكه ربك، قال: فضربت بيدي إلى حماته فإذا هو مسك ذفرة، ثم ضربت [بيدي] (٢) إلى رضراضه فإذا هو در (٣). الترمذي (٤) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر (٥)، والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج، قال: هذا حديث حسن صحيح (٦). * * *

стр. 708

بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله (١) أبواب الميزان باب ما جاء (٢) في الميزان وأنه حق قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٣)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) [فهو] (٤) فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. وقال العلماء: إذا (٥) انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية. وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾، وأما من خفت موازينه: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] الآيتين في الأعراف والمؤمنون، وهذه الآيات إخبار لوزن أعمال الكفار، لأن عامة المعنيين بقوله: ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ في هذه الآيات تهم الكفار، وقال في سورة المؤمنين ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، وفي الأعراف: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩]، وقال: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾، وهذا الوعيد بإطلاقه للكفار، وإذا جمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى

стр. 709

بِنَا حَاسِبِينَ (١)﴾ [الأنبياء: ٤٧] ثبت أن الكفار يسألون عما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه إذا (٢) لم يسألوا عما خالفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا به ولم يعتد بها في الوزن (٣) أيضًا، فإذا كانت موزونة دل على أنهم يحاسبون بها وقت الحساب، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها، مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] فتوعدهم على منعهم الزكاة وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الآية، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأنهم مسؤولون (٤) عنها محاسبون بها مجزيون على الإخلال بها. وفي البخاري (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (٦): "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. قال العلماء: معنى هذا (٧) الحديث أنه لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم (٨) توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئًا (٩). وقيل: يحتمل أن يريد (١٠) المجاز والاستعارة، كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ، والله أعلم.

стр. 710

وفيه من الفقه ذم السمين (١) لمن تكلفه؛ لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم كثرة الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن، وقد قال ﷺ (٢): "إن أبغض الرجال إلى الله الحِبْر (٣) السمين" (٤). باب منه وبيان كيفية الميزان ووزن الأعمال فيه ومن قضى لأخيه حاجة الترمذي (٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فَيُنْشَرُ عليه تسعة وتسعون (٦) سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول (٧): لا يا رب، فيقول: أفلك (٨) عذر؟ فقال (٩): لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم، فَيُخْرَجُ له بطاقة فيها، أشهد أن لا إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده (١٠) ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال (١١): إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة

стр. 711

في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع الله شيء" (١). قال: "حديث حسن غريب". وأخرجه ابن ماجه (٢) في سننه وقال بدل قوله في أول الحديث: "إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق (٣) يوم القيامة: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق" وذكر الحديث. وقال: قال محمد بن يحيى (٤): "البطاقة الرقعة، أهل مصر (٥) يقولون للرقعة: بطاقة (٦) ". وفي الخبر: "إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله ﷺ بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمني (٧) التي فيها حسناته، فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد وهذه صلواتك علي التي كنت تصلي (٨) علي، قد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها"، ذكره القشيري في تفسيره (٩). وذكر أبو نعيم (١٠) الحافظ (١١) بإسناده من حديث مالك بن أنس العمري عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قضى لأخيه حاجة كنت واقفًا عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت".

стр. 712

فصل قال المؤلف: الميزان حق، ولا يكون في حق كل أحد؛ بدليل قوله ﵇: فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه الحديث. وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] الآية. وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا من المؤمنين، وقد يكون للكافرين على ما ذكرنا، ويأتي (١). وقال أبو حامد (٢): والسبعون الألف (٣) الذين يدخلون الجنة بلا حساب لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا وإنما هي براءات (٤) مكتوبة (٥) لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان بن فلان قد غفر وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مر عليه شيء أسرٌّ (٦) من ذلك المقام. قلت: فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تنصب الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين (٧)، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب"، ذكره القاضي منذر بن سعيد البلوطي ﵀، وخرجه أبو نعيم (٨) الحافظ بمعناه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب لهم الأجر صبًا حتى إن أهل العافية ليتمنون في

стр. 713

الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله لهم"، هذا حديث غريب من حديث (١) جابر الجعفي وقتادة وتفرد به عن قتادة عن جابر عن ابن عباس مجاعة بن الزبير. وروى الحسين بن علي ﵄ قال: قال لي جدي ﷺ : "يا بُني عليك بالقناعة تكن أغنى (٢) الناس، وأد الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة (٣) فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا، وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ذكره أبو الفرج بن الجوزي (٤) في كتاب روضة المشتاق (٥). فصل فإن قيل: فأما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه فتقابل الحسنات بالسيئات، فتوجد حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات فما الذي يقابل بكفره وسيئاته وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟ فالجواب: إن هذا (٦) على وجهين: أحدهما: أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره أو كفره وسيئاته في إحدى كفتيه (٧) ثم يقال له: هل لك (٨) من طاعة نضعها على الكفة الأخرى؟ فلا يجدها، فيشال الميزان فترتفع الكفة الفارغة وتقع الكفة المشغولة فذلك خفة ميزانه، وهذا ظاهر الآية، لأن الله تعالى وصف الميزان بالخفة لا الموزون، وإذا كان فارغًا فهو خفيف.

стр. 714

والوجه الآخر: أن الكافر يكون منه صلة الأرحام ومواساة الناس وعتق المملوك ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت قربة وطاعة، فمن كانت له مثل هذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع وتوضع في ميزانه غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها ولم يخل أن (١) يكون الجانب الذي فيه الخيرات من ميزانه خفيفًا ولو لم يكن فيه إلا خير واحد أو حسنة واحدة لأحضرت ووزنت كما ذكرنا. فإن قيل (٢): لو احتسبت خيراته حتى توزن لجوزي بها جزاء مثلها وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان وقيل له: إنه كان يقري الضيف ويصل الرحم ويعين في النوائب، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا؛ إنه (٣) لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (٤). وسأله عدي بن حاتم عن أبيه مثل ذلك فقال: "إن أباك طلب أمرًا فأَدرَكَه (٥) يعني الذكر، فدل أن (٦) الخيرات من الكافر ليست بخيرات وأن وجودها وعدمها بمنزلة واحدة سواء. والجواب: أن الله تعالى قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ولم يفصل بين نفس ونفس، فخيرات الكافر توزن ويجزى بها إلا أن الله حرم عليه الجنة فجزاه (٧) أن يخفف عنه بدليل حديث أبي طالب (٨) فإنه قيل: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه (٩) ذلك (١٠)؟ فقال: "نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح" (١١)، "ولولا

стр. 715

أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (١). وما قاله ﵇ في ابن جدعان وحاتم (٢) إنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا يتنعمان بشيء من نعيمها، والله أعلم. فصل وأصل ميزان موزان قلب الواو بالكسرة ما قبلها. قال ابن فورك (٣): وقد أنكرت المعتزلة الميزان (٤) بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها، ومن المتكلمين من يقوله، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄ إن الله يقلب الأعراض أجسامًا فيزنها يوم القيامة، وقد تقدم (٥) هذا المعنى. والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها يخف كما دل عليها الحديث والكتاب العزيز، قال الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] وهذا نص. قال ابن عمر ﵄: توزن صحائف الأعمال (٦). وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى رجحان إحدى الكفتين على الآخر دليلًا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار (٧).

стр. 716

وروي عن مجاهد (١) والضحاك والأعمش (٢) أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما تقول هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه (٣): أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. قلت: وهذا القول مجاز، وليس بشيء وإن كان سائغًا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفة (٤) ولسان، وإن كل كفة منها طباق

стр. 717

السموات والأرض، وقد (١) جاء أن كفة الحسنات (٢) من نور والأخرى من ظلام، فالكفة النيرة للحسنات والكفة المظلمة للسيئات، وجاء في الخبر أن الجنة توضع عن يمين العرش والنار عن يسار العرش ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله تعالى، كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار، ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٣). وروي عن سلمان الفارسي أنه قال: "توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضعت فيهن السموات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا رب (٤) ما هذا؟ فيقول: أزن به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك" (٥). وقال ابن عباس ﵄: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان (٦). قال علماؤنا (٧): ولو جاز حمل الميزان على ما ذكره (٨) لجاز حمل الميزان على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد (٩) من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد؛ لما جاء به الصادق (١٠).

стр. 718

وفي الصحيحين (١): "فيعطى صحيفة حسناته". وقوله: "فيخرج له بطاقة". وذلك يدل على الميزان الحقيقي (٢)، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله توفيقنا. ولقد أحسن من قال (٣): تذكر يوم (٤) تأتي الله فردًا … وقد نصبت موازين القضاء وهتكت (٥) الستور عن المعاصي … وجاء الذنب مكشوف الغطاء فصل (٦) قال علماؤنا (٧) رحمة الله عليهم: الناس في الآخرة ثلاث طبقات (٨): متقون (٩) لا كبائر لهم، ومخلِّطون وهم الذين يوافون (١٠) بالفواحش والكبائر، والثالث: الكفار. "فأما المتقون فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة وصغائرهم إن كانت لهم (١١) في الكفة الأخرى فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا وتثقل الكفة النيرة

стр. 719

حتى لا تبرح وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي" (١). وأما المخلّطون فحسناتهم توضع في الكفة النيرة وسيئاتهم في الكفة المظلمة فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة (٢) دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يعفو الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي (٣)، هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله تعالى، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات لكثرة ما عليه من التبعات فيحمل عليه من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع هذا (٤) ما تقتضيه الأخبار على ما تقدم ويأتي (٥). وقال أحمد بن حرب (٦): "يبعث الناس يوم القيامة على ثلاث فرق، فرقة: أغنياء بالأعمال الصالحة، وفرقة: فقراء، وفرقة أغنياء ثم يصيرون فقراء مفاليس في شأن التبعات" (٧). وقال سفيان الثوري: إنك أن تلقى الله بسبعين ذنبًا فيما بينك وبين الله (٨) أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد (٩). قلت: هذا (١٠) صحيح، لأن الله غني كريم، وابن آدم فقير مسكين يحتاج في ذلك اليوم إلى حسنة يدفع بها سيئة إن كانت عليه حتى يرجح ميزانه فيكثر خيره وثوابه.

стр. 720

وأما الكافر فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة لفراغها وخلوها عن الخير، فيأمر الله تعالى بهم إلى النار، ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره وآثامه (١). وأما المتقون فإن صغائرهم تكفر باجتنابهم الكبائر ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعاته، فهذان الصنفان هم المذكوران في القرآن في آيات الوزن؛ لأن الله تعالى لم يذكر إلا من ثقلت موزاينه ومن خفت موزاينه وقطع لمن ثقلت موازينه بالإفلاح والعيشة الراضية، ومن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر، وبقي الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، بينهم (٢) النبي ﷺ حسب ما ذكرنا. وإنما توزن أعمال المؤمن التقي (٣) لإظهار فضله كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن تبكيتًا له على فراغه وخلوه عن كل خير، فكذلك توزن أعمال التقي تحسينًا لحاله وإشارة [لخلوه] (٤) من كل شيء، وتزيينًا لأمره على رؤوس الأشهاد، وأما المخلط السيء بالصالح؛ فإن دخل النار فيخرج بالشفاعة على ما يأتي (٥). فصل فإن قيل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم محاسبون مجزيون وأخبر أنه يملأ جهنم من الجِنّة والناس أجمعين ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم؟ وهل توزن أعمالهم؟ فالجواب: إنه قد قيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ (٦) آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 721

الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الإنس والجن، فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية ما ثبت للإنس. وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ [الأحقاف: ١٨]، ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، وإنما أراد: ولكل من الجن والإنس، فقد ذكروا في الوعد والوعيد مع الإنس وأخبر تعالى أن الجن يسألون، فقال خبرًا عما يقال لهم: ? ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية (١). وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، وقد تقدم (٢) هذا، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله (٣): ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]، وهذا يدل صريحًا على أن حكمهم في الآخرة كالمؤمنين، وقال حكاية عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ﴾ [الجن: ١٤] الآيتين، ولما جعل النبي (٤) ﷺ زادهم (٥) كل عظم وعلف دوابهم كل روثة قال: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" (٦)، فجعلهم إخواننا، وإذا كان كذلك فحكمهم حكمنا في الآخرة سواء، والله أعلم. وقد تقدمت (٧) الإشارة إلى هذا في باب ما جاء أن الله يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان. فصل قوله (٨): "فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، ليست هذه شهادة التوحيد؛ لأن من شأن الميزان أن يوضع في

стр. 722

كفه (١) شيء وفي الأخرى (٢) ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة (٣)، فهذا غير مستحيل؛ لأن العبد قد يأتي بهما جميعًا (٤)، ويستحيل أن يأتي بالكفر والإيمان جميعًا، عبد واحد، حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة، فكذلك استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان، وأما بعد ما آمن العبد فإن النطق منه بلا إله إلا الله حسنة توضع في الميزان، مع سائر الحسنات، قاله الترمذي الحكيم (٥) ﵀. قال غيره: إن النطق بها زيادة ذكر على حسن نية وتكون طاعة مقبولة قالها على خلوة وخفية من المخلوقين فتكون له عند الله ﵎ وديعة يردها عليه في ذلك اليوم فعظم قدرها، ويحل موقعها وترجح بخطاياه وإن كثرت، وبذنوبه وإن عظمت، والله الفضل على عباده ويتفضل على من يشاء بما شاء (٦). قلت: ويدل على هذا قوله في الحديث فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، ولم يقل: إن لك عندنا إيمانًا، وقد سئل رسول الله ﷺ عن لا إله إلا الله أمن الحسنات هي؟ فقال: "من أعظم الحسنات"، خرجه البيهقي (٧) وغيره (٨). ويجوز أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله

стр. 723

وجبت له الجنة"، رواه صالح بن أبي غريب عن كثير بن مرة عن معاذ، وقد تقدم أول الكتاب (١). وقد قيل: إنه (٢) يجوز حمل هذه الشهادة على الشهادة التي هي الإيمان ويكون ذلك في كل مؤمن، وكل مؤمن ترجح حسناته ويوزن إيمانه كما توزن سائر (٣) حسناته، وإيمانه يرجح بسيئاته كما في هذا الحديث ويدخله النار بعد ذلك فيطهره من ذنوبه، ويدخله الجنة بعد ذلك. وهذا مذهب قوم يقولون إن كل مؤمن يعطى كتابه بيمينه، وكل مؤمن يثقل ميزانه ويتأولون قوله تعالى (٤): ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، أي الناجون من الخلود، وفي قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ يومًا ما، وكذلك في قول النبي ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة" (٥)، أنه صائر إليها لا (٦) محالة أصابه قبل ذلك ما أصابه. قلت: هذا تأويل فيه نظر، يحتاج إلى دليل من خارج ينص عليه، والذي يدل (٧) عليه الآي والأخبار إن من ثقل ميزانه فقد نجا وسلم، وبالجنة أيقن، وعلم أنه لا (٨) يدخل النار بعد ذلك والله أعلم. وقال ﵇ ما شيء يوضع في الميزان أثقل من خلق حسن، خرجه الترمذي (٩) عن أبي الدرداء وقال (١٠): حديث حسن صحيح، وقد تقدم (١١) من حديث سمرة بن جندب ﵁ قوله ﵇: "ورأيت رجلًا من أمتي قد خف ميزانه

стр. 724

فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه"، وكذلك الأعمال الصالحة إن شاء الله، دليله (١) على فضل الصلاة على النبي ﷺ وذكر القشيري في التحبير له: "يحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعضهم في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات، فجاء صرة من السماء وسقطت في كفة الحسنات فرجحت فحللت الصرة فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم". وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم (٢) بإسناده عن حماد بن زيد عن أبي حنيفة عن حماد بن (٣) إبراهيم في قوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه [يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء أمثال الغمام أو قال مثل السحاب فيوضع في ميزانه] (٤) فيرجح فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقولون (٥) له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه (٦) الناس أو نحو هذا. باب منه الترمذي (٧) عن عائشة ﵂ أن رجلًا قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم، وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: "بحسب (٨) ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل"، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي

стр. 725

ويهتف، فقال رسول الله ﷺ أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجدني (١) ولهؤلاء خيرًا من مفارقتهم (٢)، أشهدك أنهم أحرار كلهم، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان. وقد روي أحمد بن حنبل (٣) عن عبد الرحمن بن غزوان (٤) هذا الحديث. وعن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيهما، وإذا أراد الله بعبد خيرًا ختم له بخير، وإذا أراد الله به شرًا (٥) ختم له بشر عمله، ذكره أبو نعيم (٦). قال المؤلف: هذا صحيح، يدل عليه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالخواتيم" (٧). باب منه وذكر أصحاب الأعراف ذكر خيثمة (٨) بن سليمان في مسنده (٩) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات،

стр. 726

فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة (١) دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ " [الأعراف: ٤٦]. وذكر ابن المبارك (٢) قال: أخبرنا أبو بكر الهذلي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف وذكر الحديث. وقال كعب الأحبار (٣): "إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجوا بها مما أرى وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف، قال: فيأمر الله بهما جميعًا فيدخلان الجنة". وذكر أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٤): "أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدلت بالسوية، فيقول الله تعالى (٥) رحمة منه: اذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فيصير يجوس خلال العالمين (٦)، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلا يقول له: خِفْتُ أن يخف ميزاني فأنا أحوج إليك منك إليها، فييأس (٧)،

стр. 727

فيقول له رجل: ما الذي تطلب؟ فيقول: حسنة واحدة فلقد مررت بقوم لهم منها آلاف، فبخلوا علي، فيقول له الرجل: لقد لقيت الله تعالى فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظنها تغني (١) عني شيئًا، خذها هبة مني إليك، فينطلق بها فرحًا مسرورًا، فيقول المَلِكُ (٢) له: ما بالك؟ وهو أعلم، فيقول: يا رب أنفق من أمري كيت وكيت (٣)، ثم ينادي سبحانه بصاحبه الذي وهبه الحسنة فيقول له سبحانه: كرمي أوسع من كرمك، خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة، وكذا تسوى كفتا الميزان لرجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي المَلك بصحيفته فيضعها في كفة الميزان فيه مكتوب "أفٍ" فترجح على الحسنات؛ لأنها كلمة عقوق ترجح بها جبال الدنيا، فيؤمر به إلى النار، قال: فيطلب الرجل أن يرده الله تعالى، فيقول: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق: لأي شيء تطلب الرد إليّ؟ فيقول: إلهي رأيت أني سائر إلى النار، وإذ لا بد لي منها وكنت عاقًا لأبي وهو سائر إلى النار مثلي، فضعِّف علي به عذابي وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة، خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة" (٤). فصل ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع، فقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل

стр. 728

ميزان منها صنف من أعماله كما قال مالك (١): تقوم الحادثات بعدله … فكل (٢) حادثة لها ميزان تنصرف الأشياء في ملكوته … فلكل شيء مدة وأوان ويمكن أن يكون ميزانًا واحدًا عبر عنه بلفظ الجمع، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥] (٣)، وإنما هو رسول واحد. وقيل: أراد بالموازين: جمع موزون، أي الأعمال الموزونة لا جمع ميزان. وخرَّج اللالكائي في سننه (٤) عن أنس ﵁ رفعه: "أن ملكًا موكل بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي (٥) الميزان، فإن رجح نادى الملك بصوت يُسْمِعُ الخلائقَ كلها: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف (٦) نادى الملك: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا (٧) " (٨). وخرّج عن حذيفة قال: "صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇ " (٩). فصل وأما أصحاب الأعراف فيقال: إنهم مساكين أهل الجنة.

стр. 729

ذكر هناد بن السري (١) قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن مجاهد عن حبيب عن عبد الله بن الحارث قال: "أصحاب الأعراف ينتهي بهم إلى نهر يقال له الحياة، حافتاه قصب الذهب، قال: أراه مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالة، فيبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون، كلما اغتسلوا زادت بياضًا، فقال لهم: تمنوا فيتمنون ما شاؤوا. قال: فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعين ضعفًا، قالوا (٢): فهم مساكين أهل الجنة". في رواية (٣): "فإذا دخلوا الجنة وفي نحورهم تلك الشامة البيضاء فيعرفون بها. قال: فهم يسمون في الجنة مساكين أهل الجنة". واختلف العلماء في تعيينهم على اثني عشر قولًا: الأولى: ما تقدم ذكره في الحديث، وهو قول ابن مسعود وكعب الأحبار كما ذكرنا، وذكره ابن وهب عن بن عباس. الثاني: قوم صالحون فقهاء علماء، قاله مجاهد (٤). الثالث: هم الشهداء، ذكره المهدوي (٥). الرابع: هم فضلاء المؤمنين والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري (٦). الخامس: المستشهدون (٧) في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، قاله شرحبيل بن سعد (٨)، وذكر الطبري (٩) في ذلك حديثًا عن النبي ﷺ وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم.

стр. 730

السادس: هم العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين ﵃ يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه (١)، ذكره الثعلبي عن ابن عباس ﵃. السابع: هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة، ذكره الزهراوي (٢) واختاره النحاس (٣). الثامن: هم قوم أنبياء، قاله الزجاج (٤). التاسع: هم قوم كانت لهم صغائر، لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم، فيقع في مقابلة صغائرهم، حكاه ابن عطية (٥) في تفسيره (٦). العاشر: ذكر (٧) ابن وهب عن ابن عباس ﵄ قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة (٨). وذكر (٩) ابن المبارك (١٠) قال: ثنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵁ قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان جسيم أمرهم الله (١١)، فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، قالوا ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه.

стр. 731

وقال ابن عباس (١) ﵄: أدخل أصحاب الأعراف الجنة. وفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود ﵁: وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (٢). قال ابن عطية (٣): "وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون". الحادي عشر: أنهم أولاد الزنا، ذكره القشيري أبو نصر عن ابن عباس ﵄. الثاني عشر: هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، قاله أبو مجلز لاحق بن حميد (٤)، فقيل له: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وقع على الجن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٥). والأعراف: سور بين الجنة والنار، قيل: هو جبل أحد يوضع هناك، روي عن النبي ﷺ من طريق أنس وغيره فيما (٦) ذكره ابن عبد البر (٧) وغيره حسب ما ذكرناه في كتاب جامع أحكام القرآن (٨) من سورة الأعراف (٩). حكاية عن (١٠) بعض الصالحين أنه قال: أخذتني ذات ليلة سنة، فنمت،

стр. 732

فرأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يحاسبون، فقوم يُمضى بهم إلى الجنة، وقوم يمضى بهم إلى النار، قال: فأتيت إلى الجنة فناديت: يا أهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنان في محل الرضوان؟ فقالوا لي: بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان، ثم أتيت إلى باب النار فناديت: يا أهل النار بماذا نلتم النار؟ قالوا: بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمن، قال: فنظرت فإذا قوم موقوفون بين الجنة والنار فقلت لهم: ما بالكم (١) موقوفون بين الجنة والنار، فقالوا لي: لنا ذنوب جَلّتْ وحسنات قلَّتْ، فالسيئات تمنعنا من دخول الجنة والحسنات تمنعنا دخول النار، وأنشدوا (٢): نحن قوم لنا ذنوب كبار … منعتنا من الوصول إليه تركتنا مذبذبين حياري … مسكتنا من القدوم عليه باب إذا كان يوم القيامة تتبع كل أمة ما كانت تعبد فإذا بقي في هذه الأمة منافقوها امتحنوا وضرب الصراط الترمذي (٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين (٤) فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون. ."، وذكر الحديث بطوله. وخرّج مسلم (٥) عنه أنا ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟

стр. 733

قالوا: لا يا رسول الله، قال (١): هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت (٢)، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى يُنَجّا"، وذكر الحديث وسيأتي (٣). فصل ذكر الفقيه أبو بكر بن برَّجان في كتاب الإرشاد بعد قوله: ويلهم رؤوس المحشر لطلب من يشفع لهم ويريحهم مما هم فيه، وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون (٤) ذلك، ثم يؤمر آدم ﵇ بأن يخرج بعث النار من ذريته، وهم سبعة أصناف، البعثان الأولان يلتقطهم عنق النار من بين الخلائق (٥) لقط الحمام حب (٦) السمسم، وهم أهل الكفر بالله جحدًا وعتوًا وأهل الكفر بالله إعراضًا وجهلًا، ثم يقال لهم (٧): أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ لتتبع كل أمة ما

стр. 734

كانت تعبد، فمن كان يعبد من دون الله شيئًا اتبعه، حتى يقذف في جهنم (١). قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ [يونس: ٣٠]، فقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. قال رسول الله ﷺ : "تمد الأرض مد الأديم يوم القيامة لعظمة الله ثم (٢) لا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدميه ثم أدعى أنا أول الناس فأخر ساجدًا ثم يؤذن لي فأقول: يا رب خبرني هذا جبريل ﷺ وهو عن يمين الرحمن (٣) ﵎، أنك أرسلته إليّ وجبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله صدق، ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول يا رب عبادك عبدوك في أقطار الأرض فذلك المقام المحمود" (٤)، ثم يبعث البعث الرابع وهم قوم وحدوا الله وكذبوا المرسلين جهلوا صفات الله ﷻ وردوا عليه كتبه ورسله، ثم يبعث البعث الخامس والسادس وهم أهل الكتابين يأتون (٢) بهم (٥) عطاشًا يقال لهم: ما لكم ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيقال لهم: ألا تردون فيسار بهم إلى جهنم، كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيردونها سقوطًا فيها ثم تقع المحنة بالمنافقين والمؤمنين في معرفة ربهم وتمييزه من المعبودات من دونه فيذهب الله المنافقين ويثبت المؤمنين، ثم ينصب الصراط مجازًا (٦) على (٣) متن جهنم أعاذنا الله منها أرق من الشعر (٧) وأحدّ من الموسى كما وصفه (٤) رسول الله ﷺ فيسقط أهل البدع في الباب السادس منه أو الخامس، (٥) وأهل الكتاب (٨) في السابع أو السادس، وإنما يسقط الساقط بعد ما يعجز عمله

стр. 735

ويخلص المؤمنين (١) على درجاتهم في تفاوتهم في التجاوز (٢) ويحبسون على قنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا صُفُّوا وهُذبوا أدخلوا الجنة، ومن ذلك المقام يوقف أصحاب الأعراف. قال المؤلف: هكذا (٣) ذكر (٤) هذا الترتيب وهو ترتيب حسن، وسيأتي (٥) له مزيد بيان والحمد لله تعالى (٦). فصل قوله: لا تضارون، يروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وتخفيفها، وضم التاء وتشديد الراء أكثر، وأصله: تضاررون (٧): أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية، وماضيه: ضورر (٨) على ما لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون مبنيًا للفاعل بمعنى تضاررون (٩) بكسر الراء إلا أنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره مخففًا. والمعنى: أن أهل الجنة إذا امتن الله تعالى عليهم برؤيته تجلى لهم ظاهرًا بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا، ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الهلال (١٠) بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه. وقد روي: تضامون من المضامة، وهي الازدحام أيضًا: أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة، وروي تضامون بتخفيف الميم من الضيم الذي هو الذل أي لا يذل بعضكم (١١) بعضًا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة، وسيأتي (١٢) هذا المعنى مرفوعًا إلى النبي ﷺ في أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.

стр. 736

وقوله: "فإنكم ترونه كذلك"، هذا تشبيه للرؤية وبحالة الرائي لا المرئي لأن الله سبحانه لا يحاط به وليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء. وقوله: "فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون"، هذا موضع الامتحان لتمييز (١) المحق من المبطل، "وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون متلبسين (٢) بالمؤمنين والمخلصين زاعمين (٣) أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله (٤) بأن أتاهم بصورة قال (٥) للجميع: أنا ربكم، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك، والتعوذ منه لما سبق لهم من معرفتهم بالله في ديار الدنيا (٦)، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، إذ سماتها سمات المحدثات، ولهذا قال في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا، مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب" (٧). قال بعض علماؤنا (٨): "وهذا (٩) لم يكن له رسوخ العلماء، ولعلهم (١٠) الذين اعتقدوا الحق وجزموا عليه (١١) من غير تبصرة، ولذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب (١٢) "، والله أعلم. قلت: ويحتمل أن يكون (١٣) المنافقون والمراءون، وهو أشبه والله أعلم؛ لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك، لأن في حديث أبي

стр. 737

سعيد ﵁ بعد قوله: "حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد الله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما (١) أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة (٢)، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة" الحديث (٣) وسيأتي (٤). وقوله: "فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون"، أي يتجلى لهم في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد أن رفع الموانع عن أبصارهم. وقوله: "فيتبعونه"، "أي يتبعون أمره، أو ملائكته ورسله (٥) الذين (٦) يسوقونهم إلى الجنة" (٧)، والله أعلم. والدعوى: الدعاء، قال سبحانه: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٨)﴾ [يونس: ١٠]، أي دعاويهم. والكلاليب: جمع كَلُّوب، والسعدان: نبت كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والمحاجن، ترعاه الإبل فيطيب لبنها، تقول العرب: مرعى ولا كالسعدان.

стр. 738

والموبق: المهلك، أوبقه ذنبه (١): أهلكه، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الزخرف: ٣٤]، ومنه الحديث: "اجتنبوا السبع الموبقات" (٢). (٣). والمجازي (٤): الذي جوزي بعمله. وكشف الساق: عبارة عن معظم (٥) الأمر وشدته. ذكر ابن المبارك (٦): أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يوم كرب وشدة. قال: وأخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده (٧). قال مجاهد: وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة القيامة (٨). وقيل: غير هذا، والله أعلم (٩). وقال أبو عبيدة (١٠): إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عنها (١١) في موضع الشدة، وكذا قال العتبي، قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هذا من الاستعارة فسمى الشدة ساقًا، لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة (١٢).

стр. 739

قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة … أشمر حتى ينصف الساق مئزري (١) وقال آخر (٢): فتى الحرب إن عضَّت به الحرب عضَّها … وإن شمَّرت عن ساقها الحرب شمَّرا وقال آخر يصف سنة شديدة: في سنة قد شمرت عن ساقها (٣). وقال آخر (٤): كشفت لهم عن ساق ساقها (٥) … وبدا من الشر الصراح (٦) وقال آخر (٧): أيسر بحقاق أنه شرٌّ باق قد سن لي قومك ضرب الأعناق (٨) وقامت الحرب بنا على ساق (٩) والشعر في هذا المعنى كثير. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. فأما ما روي أن الله تعالى: "يكشف عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل

стр. 740

مؤمن ومؤمنة" كما في صحيح البخاري (١)، فإنه يتعالى عن التبعيض والأعضاء، وأن ينكشف ويتغطى، ومعناه: أن يكشف عن العظيم من أمره (٢).
следующие страницы →