← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقوله: "فإنكم ترونه كذلك"، هذا تشبيه للرؤية وبحالة الرائي لا المرئي لأن الله سبحانه لا يحاط به وليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء. وقوله: "فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون"، هذا موضع الامتحان لتمييز (١) المحق من المبطل، "وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون متلبسين (٢) بالمؤمنين والمخلصين زاعمين (٣) أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله (٤) بأن أتاهم بصورة قال (٥) للجميع: أنا ربكم، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك، والتعوذ منه لما سبق لهم من معرفتهم بالله في ديار الدنيا (٦)، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، إذ سماتها سمات المحدثات، ولهذا قال في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا، مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب" (٧). قال بعض علماؤنا (٨): "وهذا (٩) لم يكن له رسوخ العلماء، ولعلهم (١٠) الذين اعتقدوا الحق وجزموا عليه (١١) من غير تبصرة، ولذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب (١٢) "، والله أعلم. قلت: ويحتمل أن يكون (١٣) المنافقون والمراءون، وهو أشبه والله أعلم؛ لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك، لأن في حديث أبي

стр. 737

سعيد ﵁ بعد قوله: "حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد الله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما (١) أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة (٢)، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة" الحديث (٣) وسيأتي (٤). وقوله: "فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون"، أي يتجلى لهم في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد أن رفع الموانع عن أبصارهم. وقوله: "فيتبعونه"، "أي يتبعون أمره، أو ملائكته ورسله (٥) الذين (٦) يسوقونهم إلى الجنة" (٧)، والله أعلم. والدعوى: الدعاء، قال سبحانه: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٨)﴾ [يونس: ١٠]، أي دعاويهم. والكلاليب: جمع كَلُّوب، والسعدان: نبت كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والمحاجن، ترعاه الإبل فيطيب لبنها، تقول العرب: مرعى ولا كالسعدان.

стр. 738

والموبق: المهلك، أوبقه ذنبه (١): أهلكه، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الزخرف: ٣٤]، ومنه الحديث: "اجتنبوا السبع الموبقات" (٢). (٣). والمجازي (٤): الذي جوزي بعمله. وكشف الساق: عبارة عن معظم (٥) الأمر وشدته. ذكر ابن المبارك (٦): أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يوم كرب وشدة. قال: وأخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده (٧). قال مجاهد: وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة القيامة (٨). وقيل: غير هذا، والله أعلم (٩). وقال أبو عبيدة (١٠): إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عنها (١١) في موضع الشدة، وكذا قال العتبي، قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هذا من الاستعارة فسمى الشدة ساقًا، لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة (١٢).

стр. 739

قال: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة … أشمر حتى ينصف الساق مئزري (١) وقال آخر (٢): فتى الحرب إن عضَّت به الحرب عضَّها … وإن شمَّرت عن ساقها الحرب شمَّرا وقال آخر يصف سنة شديدة: في سنة قد شمرت عن ساقها (٣). وقال آخر (٤): كشفت لهم عن ساق ساقها (٥) … وبدا من الشر الصراح (٦) وقال آخر (٧): أيسر بحقاق أنه شرٌّ باق قد سن لي قومك ضرب الأعناق (٨) وقامت الحرب بنا على ساق (٩) والشعر في هذا المعنى كثير. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. فأما ما روي أن الله تعالى: "يكشف عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل

стр. 740

مؤمن ومؤمنة" كما في صحيح البخاري (١)، فإنه يتعالى عن التبعيض والأعضاء، وأن ينكشف ويتغطى، ومعناه: أن يكشف عن العظيم من أمره (٢).

стр. 741

وقال الخطابي (١): "إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة، فيحتمل أن يكون معنى الحديث: أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها لما (٢) يرتفع معه سواتر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص، فيؤذن لهم في السجود ويكشف (٣) الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقًا واحدًا لا يستطيعون السجود. قال: وقد تأوله بعض الناس فقال: لا ينكر أن يكون الله سبحانه قد يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوقين من ملائكته (٤) أو غيرهم فيجعل ذلك سببًا لما شاء في حكمه (٥) في أهل الإيمان والنفاق". قال الخطابي (٦): "وفيه وجه آخر لم أسمعه من قدوة وقد يحتمله معنى اللغة: سمعت أبا عمر يذكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي فيما عده

стр. 742

من المعاني المختلفة الواقعة تحت هذا الاسم، قال: والساق: النفس، ومنه قول علي ﵁ حين راجعه أصحابه في قتال الخوارج: (فقال: والله لأقاتلنهم ولو تلفت ساقي) يريد نفسه". قال أبي سليمان (١): "فقد يحتمل على هذا أن يكون المراد: التجلي لهم وكشف الحجب عن أبصارهم حتى إذا رأوه سجدوا له، قال: ولست أقطع به القول، ولا أراه واجبًا فيما أذهب إليه من ذلك". قال المؤلف: هذا القول (٢) أحسن الأقوال إن شاء الله، وقد جاء فيه حديث حسن (٣) ذكره أبو الليث السمرقندي (٤) في تفسير سورة ن والقلم (٥) فقال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن منيع قال: حدثنا هدبة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة بن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة مُثِّل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا ربًا كنا نعبده في الدنيا ولم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدًا ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾، فيقول الله تعالى: عبادي (٦) ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم من اليهود والنصارى في النار" (٧).

стр. 743

قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو فحدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاث أيمان فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثًا هو أحب إلي من هذا. قال المؤلف: فهذا الحديث يبين لك معنى كشف الساق وأنه عبارة عن رؤيته سبحانه وهو معنى ما في صحيح مسلم، والحديث يفسر بعضه بعضًا، فلا إشكال والحمد لله. وقد ذكر البيهقي (١) عن روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة بن أبي موسى (٢) عن أبيه عن النبي ﷺ قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن نور عظيم يخرون له سجدًا، تفرد به روح بن جناح، وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها وموالي (٣) عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة. قال المؤلف: الحديث الذي قبله أبين وأصح إسنادًا فليعول عليه. وقد هاب الإمام أبو حامد القول فيه وأشفق من تأويله، فقال في كتاب كشف علم الآخرة (٤): "يكشف الجليل عن ساقه فيسجد الناس كلهم تعظيمًا له وتواضعًا إلا الكفار الذين أشركوا به أيام حياتهم وعبدوا الحجارة والخشب وما لم ينزل به سلطانًا، فإن صياصي أصلابهم تعود حديدًا فلا يقدرون على السجود، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾. وروى (٥).

стр. 744

البخاري في تفسيره مسندًا إلى رسول الله ﷺ قال: "يكشف الله ساقه يوم القيامة فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة" (١)، وقد أشفقت من تأويل الحديث، وعدلت عن منكريه، وكذا أشفقت من صفة الميزان وزيفت قول واصفيه وجعلته متحيزًا إلى العالم الملكوتي، فإن الحسنات والسيئات أعراض ولا يصح وزن الأعراض إلا بميزان ملكوتي". [قال المؤلف] (٢): قد ذكرنا الميزان وبينا القول فيه، وفي الأعمال الموزونة غاية البيان بالأخبار الصحيحة والحسان، وبينا القول هنا في كشف الساق بحيث لم يبق فيه لأحد ريب ولا مخالفة ولا شقاق. والحمد لله (٣) على ما به أنعم وفهَّم وعلَّم. باب (٤) كيفية (٥) الجواز على الصراط وصفته ومن يحبس عليه ويزل وفي شفقة النبي ﷺ على أمته عند ذلك، وفي ذكر القناطر قبله والسؤال عليها وبيان قوله تعالى (٦): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] روي عن بعض أهل العلم (٧) أنه قال: "لن يجوز أحد الصراط حتى يسأل في سبع قناطر، فأما القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصًا - والإخلاص قول وعمل - جاز، ثم يسأل على (٨) القنطرة الثانية عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل على القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تامًّا جاز، ثم يسأل في الرابعة عن

стр. 745

الزكاة فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامتين جاز إلى القنطرة السادسة فيسأل عن الغسل والوضوء فإن جاء بهما تامتين جاز، ثم يسأل في السابعة وليس في القناطر أصعب منها فيسأل عن ظلامات الناس". وذكر أبو حامد في كتاب (١) كشف علم الآخرة (٢): "أنه إذا لم يبق في الموقف إلا المؤمنون، والمسلمون، والمحسنون، والعارفون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، والمرسلون، ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق، فيقول الله تعالى: يا أهل الموقف، من ربكم؟ فيقولون: الله، فيقول لهم: أتعرفونه؟ فيقولون: نعم، فيتجلى لهم ملك عن يسار العرش لو جعلت البحار السبع في نقرة إبهامه ما ظهرت فيقول لهم بأمر الله أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم ملك عن يمين العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه لما ظهرت، فيقول لهم: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم الرب في صورة غير صورته [التي يعرفونه عليها] (٣) [فيقول لهم أنا ربكم فيتعوذون بالله منه (٤) ثم يتجلى لهم الرب ﷻ (٥) في الصورة] (٦) التي كانوا يعرفونه [فيها] (٧) ويسمعونه (٨) وهو يضحك فيسجدون له جميعهم، فيقول أهلًا بكم ثم ينطلق بهم سبحانه إلى الجنة، فيتبعونه، فيمر بهم على الصراط والناس أفواج، المرسلون، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم المحسنون، ثم الشهداء، ثم المؤمنون، ثم العارفون ويبقى (٩) المسلمون منهم المكبوب على وجهه (١٠) ومنهم المحبوس في الأعراف ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان

стр. 746

فمنهم من يجوز على الصراط على مائة عام وآخر يجوزه على ألف عام [و] (١) مع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانًا لا يضام في رؤيته". فتوهم نفسك يا أخي إذا صرت على الصراط ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مدلهمة، قد لظى سعيرها وعلا لهيبها، وأنت تمشي أحيانًا وترجف أخرى. قال (٢): أبت نفسي تتوب فما احتيالي … إذا برز العباد لذي الجلال وقاموا من قبورهم سكاري … بأوزار كأمثال الجبال وقد نُصب الصراط لكي يجوزوا … فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن … تلقاه العرائس بالغوال يقول له المهيمن يا وليي … غفرت لك الذنوب فلا تبالي وقال آخر (٣): إذا مُد الصراط على جحيم … تصول على العصاة وتستطيل فقوم في الجحيم لهم ثبور … وقوم في الجنان لهم مقيل وبان الحق وانكشف الغطا (٤) … وطال الويل واتصل العويل ذكر مسلم (٥) من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان بجنبتي الصراط يمينًا وشمالًا فيمر أولهم كالبرق الخاطف قال: قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تر إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ القائم على الصراط يقول: رب (٦)

стр. 747

سلِّم، سلِّم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا (١) يستطيع السير إلا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج ومكردس (٢) في النار، والذي نفس محمد بيده: إن قعر جهنم لسبعين خريفًا". وروي أيضًا من حديث حذيفة (٣). وذكر مسلم (٤) أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة ويقولون: الله سلم اللهم سلم [سلم] (٥)، وقيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس في نار جهنم .. " الحديث، وسيأتي (٦) تمامه إن شاء الله تعالى. وفي رواية قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحدّ من السيف (٧). وفي رواية: "أرق من الشعر"، رواها مسلم (٨). وخرّج ابن ماجه (٩) حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت

стр. 748

رسول الله ﷺ يقول: "يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوج (١) به ثم ناج، ومحتبس به ومنكوس فيها". وذكر ابن المبارك (٢) قال: حدثنا هشام بن حسان عن موسى بن أنس عن عبيد بن عمير: "إن الصراط مثل السيف على جسر جهنم وأن لجنبيه كلاليب وحسكًا، والذي نفسي بيده إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر". قال (٣): وأخبرنا رشدين بن سعد (٤) عن عمر بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر وعلى بعض مثل الوادي الواسع. قال (٥): وأخبرنا عوف عن عبد الله بن سفيان العقيلي قال: يجوز الناس يوم القيامة الصراط على قدر إيمانهم وأعمالهم، فيجوز الرجل كالطرف في السرعة وكالسهم المرمي وكالطير السريع الطيران وكالفرس الجواد المضمر، ويجوز الرجل يعدو عدوًا، والرجل يمشي مشيًا، حتى يكون آخر من ينجو (٦) يحبو حبوًا. وذكر هناد بن السري (٧) قال: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا سفيان، قال: حدثنا سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم [قال] (٨) فيمر الناس على قدر أعمالهم، أولهم كلمح البرق ثم كمر الريح، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيًا، حتى يمر الرجل ماشيًا، ثم يكون آخرهم يتلبط (٩) على بطنه، ثم يقول:

стр. 749

يا رب لِمَ أبطأتَ بي؟ فيقول: لم أبطئ بك إنما أبطأ بك عملك. قال (١): وثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن (٢) مسلم عن قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود: تجوزون على الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم. أبو داود (٣) عن معاذ بن أنس الجهني صلي الله عن النبي ﷺ قال: "من حمى مؤمنًا من منافق - أراه قال - بعث الله ملكًا لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلمًا (٤) بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال". وقال رسول الله ﷺ : "الزالون على الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء". وذكره أبو الفرج الجوزي" (٥). وقال المصطفى ﷺ : "فإذا صار الناس على طرف الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف كل عاص منكم وظالم، فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حرها، يتقدم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا ويتأخر عنها من كان في الدنيا عظيمًا مكينًا، ثم يؤذن لهم بعد ذلك بالجواز على الصراط على قدر أعمالهم في ظلمتهم وأنوارهم، فإذا عصف الصراط بأمتي نادوا وا محمداه وا محمداه (٦)،

стр. 750

فأبادر من شدة إشفاقي عليهم وجبريل آخذ بحجزتي فأنادي رافعًا صوتي: يا رب أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي، والملائكة قيام على يمين الصراط ويساره وهم ينادون (١): رب سلم سلم، وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال وينادونهم: أما نهيتم عن كسب الأوزار؟ أما خوفتم من عذاب النار (٢)؟ أما أنذرتم كل الإنذار؟ أما جاءكم النبي المختار"، ذكره أبو الفرج الجوزي (٣) أيضًا في كتاب روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق (٤). فتفكر الآن فيما يحل بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ثم وقع بصرك على جهنم من تحته ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أنك تمشي على الصراط مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض فضلًا على حدة الصراط، وكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون وتتناولهم زبانية النار (٥) بالخطاطيف والكلاليب وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فتستفل (٦) إلى جهة النار وجوههم (٧)، وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجازًا ما أضيقه. فصل ذهب بعض من تكلم على أحاديث هذا (٨) الباب في وصف الصراط بأنه

стр. 751

أدق من الشعر وأحد من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي ولا يعلم حدود (١) ذلك إلا الله تعالى لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا، وضرب المثل له (٢) لدقة الشعر فهذا والله أعلم من هذا الباب. ومعنى قوله: وأحد من السيف: أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعًا منهم إلى طاعته وامتثاله. ولا يكون له مرد، كما أن السيف إذا نفذ بحدةٍ وقوةٍ ضاربةٍ في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد. وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر، فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه وأن فيه كلاليب وحسكًا، وأن من يمر عليه يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم، وفيه: أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه وفي ذلك إشارة: أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن دقة الشعر لا يحتمل هذا كله. وقال بعض الحفاظ (٣): إن هذه اللفظة ليست بثابتة. قال المؤلف: ما ذكره هذا القائل مردود بما ذكرناه من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك، وأن القادر على إمساك الطير في الهوى (٤) قادر على أن يمسك عليه المؤمن (٥) فيجريه أو يمشيه ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة (٦)، ولا استحالة في ذلك للآثار الواردة في ذلك، وثباتها بنقل الأئمة العدول، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

стр. 752

وعن يحيى بن اليمان (١) أنه قال (٢): رأيت رجلًا نام وهو أسود الرأس واللحية شاب يملأ العين، فرأى في منامه كأن الناس قد حشروا وإذا بنهر من نار وبجسر (٣) يمر الناس عليه فدعي فدخل الجسر فإذا هو كحد السيف يمور به يمينًا وشمالًا فأصبح أبيض الرأس واللحية". فصل أحاديث هذا الباب تبين لك معنى الورود المذكور في القرآن في قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. روي عن ابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) وكعب الأحبار (٦) أنهم قالوا: الورود: الممر على الصراط. ورواه السدي عن ابن مسعود (٧) ﵁ عن النبي ﷺ . وذكره (٨) أبو بكر النجاد سليمان قال: ثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبده السليطي قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي قال: حدثنا سليم بن منصور بن عمار قال: حدثني منصور بن عمار (٩) قال: حدثني بشير بن طلحة الحزامي عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منبه عن رسول الله ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن (١٠) يوم القيامة: جُز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" (١١).

стр. 753

وقيل: الورود: الدخول، روي عن ابن عباس (١) وابن مسعود (٢) أيضًا وخالد بن معدان (٣) وابن جريج (٤) وغيرهم. وحديث أبي سعيد المذكور نص في ذلك على ما يأتي (٥)، فيدخلها العصاة بجرائمهم، والأولياء بشفاعتهم (٦). وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢] " (٧). وذكر ابن المبارك (٨) قال: أخبرنا سفيان عن رجل عن خالد بن معدان قال: قالوا ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟ فقال: إنكم مررتم بها وهي خامدة. قال ابن المبارك (٩) وأخبرنا سعيد الجريري عن أبي السليل عن غنيم عن أبي العوام عن كعب أنه تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال: هل تدرون ما ورودها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن ورودها أن يجاء بجهنم وتمسك للناس كأنها متن إهالة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلق برهم وفاجرهم ناداها منادٍ (١٠): أن خذي أصحابك وذري أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. لهي أعلم بهم من الوالد بولده وينجو المؤمنون (١١). وقال مجاهد (١٢): ورود المؤمنين هو الحمى التي (١٣) تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها.

стр. 754

وأسند أبو عمر بن عبد البر في ذلك حديثًا في التمهيد (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله الله عاد مريضًا من وَعَكٍ به، فقال النبي ﷺ : "أبشر؛ فإن الله ﵎ يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار". وقالت فرقة (٢): الورود: النظر إليها في القبر فينجي منها الفائز، ويصلاها من قدر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من ﵀، واحتجوا بحديث ابن عمر ﵁: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي" الحديث (٣). وقيل (٤): المراد بالورود: الإشراف على جهنم والاطلاع عليها والقرب منها، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب، وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة ونذر الظالمين أي يؤمر بهم إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٢٣] أي أشرف عليه (٥) لا أنه دخله. وروت حفصة ﵂ من أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية، قالت: فقلت: يا رسول الله وأين قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : [وقد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾] (٦)، أخرجه مسلم (٧) من حدث أم مبشر (٨) ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة الحديث.

стр. 755

وقيل: الخطاب للكفار في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١). روى وكيع عن شعبة عن عبد الله بن السائب عن رجل عن ابن عبس ﵄: أنه قال في قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هذا خطاب للكفار (٢). وروي عنه أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ (٣) ردًا على الآيات التي قبلها في الكفار قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] و ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم: ٧٠] ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ وكذلك قرأ عكرمة وجماعة (٤). قالت فرقة (٥): المراد منكم الكفرة، والمعنى: قل لهم يا محمد ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ وقال الجمهور (٦): المخاطب العالم كله، ولا بد من ورود الجميع، وعليه نشأ الخلاف في الورود كما ذكرنا. والصحيح: أن الورود الدخول (٧)؛ لحديث أبي سعيد كما ذكرنا. في مسند الدارمي (٨) أبي محمد عن عبد الله بن مسعود به ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يرد الناس النار (٩) ثم يصدرون (١٠) عنها بأعمالهم

стр. 756

أولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كَحُضْرِ الفَرَسِ (١)، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجل في مشيه". وقال ﷺ : "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم"، خرجه الأئمة (٢). قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده (٣). وهذا بيِّن لما ذكرناه (٤)؛ لأن المسيس حقيقة في اللغة المماسة، إلا أنها تكون بردًا وسلامًا على المؤمنين وينجون منها سالمين. قال خالد بن معدان (٥): إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا إنا نرد النار؟ فيقال: قد وردتموها فألفيتموها رمادًا (٦). قلت: والذي يجمع شتات الأقوال أن يقال: إن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أُبعد عنها ونُجي منها، نجانا الله منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها (٧) سالمًا، وخرج منها غانمًا. وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري لابن عباس ﵁: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، فقال له (٨) ابن عباس: أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] وقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، ولقد كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة فائزًا (٩). وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود، والجهل بالصدر،

стр. 757

[و] (١) كان [أبو ميسرة] (٢) إذا أوى إلى فراشه يقول: ليت أمي لم تلدني، فتقول له امرأته: يا أبا ميسرة، إن الله أحسن إليك، وهداك للإسلام، قال: أجل، ولكن الله قد بين لنا أنّا واردو النار ولم يبين لنا أنّا صادرون (٣). وعن الحسن قال: قال رجل لأخيه أي، أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك إذًا؟ قال: فما رؤي ضاحكًا حتى مات (٤). وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه المسألة لنافع الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك (٥). وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بكى ابن رواحة فبكت امرأته فقال لها ما يبكيك؟ قالت: بكيت حين رأيتك تبكي. فقال عبد الله: إني قد علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا (٦)؟. وفي معناه قيل: وقد أتانا ورود النار صاحبه (٧) … حقًّا يقينًا ولم يأتنا الصدر [[باب ما جاء في شعار المؤمنين على الصراط (٨) الترمذي (٩) عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "شعار

стр. 758

المؤمنين (١) على الصراط: سلِّم، سلِّم". قال: حديث غريب. وفي صحيح مسلم: ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: "رب (٢) سلم، سلم. وقد تقدم (٣). باب فيمن لا يوقف على الصراط طرفة عين ذكر الوائلي أبو نصر في كتاب الإبانة: أخبرنا محمد بن محمد ابن الحاج قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الربعي، حدثنا علي بن الحسين أبو عبيد قال: حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين قال: حدثني عبد الله بن صالح الهماني قال: حدثني أبو همام القرشي عن سليمان بن المغيرة عن قيس بن مسلم عن طاووس عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "عَلّمِ الناس سنتي وإن كرهوا ذلك"، وإن أحببت أن لا توقف (٤) على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حديثًا برأيك. قال: وهذا غريب الإسناد والمتن حسن. باب منه أبو نعيم (٥) قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا حر بن عرفة قال: حدثنا هانئ بن المتوكل قال: حدثنا أبو ربيعة سليمان بن ربيعة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أحسن الصدقة في الدنيا جاز على الصراط ألا ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته. قال هذا حديث غريب من حديث محمد، تفرد به سليمان عن موسى. وذكر الختلي أبو القاسم: حدثنا عثمان بن سعيد أبو عمرو الأنطاكي، حدثنا علي بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثني شيخ يكنى أبا جعفر قال: رأيت في منامي كأني واقف على قناطر جهنم فنظرت إلى هول عظيم

стр. 759

فجعلت أفكر في نفسي كيف العبور على هذه فإذا قائل يقول من خلفي: يا عبد الله ضع حملك واعبر، فقلت: وما حملي؟ قال: دع الدنيا واعبر. قال: وحدثني أبو بكر خليفة بن الحارث بن خليفة قال: حدثنا عمرو بن جرير، حدثني: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا الدرداء يقول لابنه: يا بني لا يكن بيتك إلا المسجد، فإن المساجد بيوت المتقين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يكن المسجد بيته ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة" (١). قال الشيخ ﵀: وهذا الحديث يصحح ما ذكرناه من الرؤيا، فإن من سكن المسجد واتخذه بيتًا أعرض عن الدنيا وأهلها وأقبل على الآخرة وعمل لها. باب ثلاثة مواطن لا يخطئها النبي ﷺ لعظم الأمر فيها وشدته (٢) الترمذي (٣) عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة قال: أنا فاعل إن شاء الله تعالى قال: فأين أطلبك؟ قال: "أول ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن. قال هذا حديث حسن وقد تقدم (٤) من حديث عائشة أنه ﵊ قال: "أما ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا، عند الميزان وعند تطاير الصحف وعند الصراط".

стр. 760

باب في تلقي الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام (١) وأممهم بعد الصراط وفي هلاك أعدائهم ابن المبارك (٢) عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأنبياء نبيًا نبيًا، وأمة أمة، حتى يكون آخرهم مركزًا محمد وأمته، ويضرب الجسر على جهنم وينادي مناد: أين محمد (٣) وأمته؟ فيقوم نبي الله ﷺ وتتبعه أمته برها وفاجرها، حتى إذا كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فتهافتوا في النار يمينًا وشمالًا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه، فتلقاهم (٤) الملائكة رتبًا فيدلونهم على طريق الجنة على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه فيوضع له كرسي عن يمين، الرحمن ثم يتبعه عيسى ﵇ على مثل سبيله ويتبعه برها وفاجرها حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فتهافتوا في النار يمينًا وشمالًا ويمضي النبي ﷺ والصالحون فتلقاهم الملائكة رتبًا يدلونهم على طريق الجنة على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي من الجانب الآخر ثم يدعى نبي نبي وأمة وأمة حتى يكون آخرهم نوحًا ﵇، رحم الله نوحًا. باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين]] (٥) الجنة والنار اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين، أحدهما: مجاز لأهل المحشر (٦) كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم، حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن

стр. 761

شاء الله؛ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب (١) على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه (٢). روى البخاري (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة بمنزله كان في الدنيا". فصل قلت: معنى يخلص المؤمنون من النار: أي يخلصون من الصراط المضروب على النار، ودل هذا (٤) على أن المؤمنين في الآخرة مختلفو الحال. قال مقاتل (٥): إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا (٦) قال لهم رضوان وأصحابه: سلام عليكم بمعنى التحية: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد ذكر الدارقطني (٧) حديثًا ذكر فيه أن الجنة بعد الصراط. قلت: ولعله أراد بعد القنطرة بدليل حديث البخاري والله أعلم، أو يكون ذلك في حق من دخل النار وخرج بالشفاعة فهؤلاء لا يحبسون بل إذا أخرجوا (٨) بثوا على أنهار الجنة على ما يأتي (٩) بيانه في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: أصحاب الجنة محبوسون على قنطرة (١٠) بين

стр. 762

الجنة والنار يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم. ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث البخاري؛ فإن الحديثين مختلفا (١) المعنى لاختلاف أحوال الناس، وكذلك لا تعارض بين قوله ﵇: لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة وبين قول عبد الله بن سلام: إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينًا وشمالًا، فإن هذا يكون فيمن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع فإذا وصلت بهم الملائكة إلى باب الجنة كان كل أحد (٢) منهم أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها بمنزله كان في الدنيا والله أعلم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٦]، قال أكثر أهل التفسير (٣): إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا (٤) إلى منازلكم فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل وهو أن (٥) الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه وحديث أبي سعيد الخدري يرده، والله أعلم. باب من دخل النار من الموحدين مات واحترق ثم يخرجون بالشفاعة مسلم (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس (٧) أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن لهم في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل

стр. 763

الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل"، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان يرعى (١) بالبادية. فصل هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية؛ لأنه (٢) أكدها بالمصدر وذلك تكريمًا لهم حتى لا يحسوا ألم العذاب بعد الاحتراق بخلاف الحي الذي هو من أهلها ومخلد فيها: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وقد قيل: يجوز أن يكون أماتهم (٣) عبارة عن تغيبه إياهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتًا على الحقيقة، فإن النوم قد يغيب عن كثير من الآلام والملاذ، وقد سماه الله تعالى موتًا (٤)، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فهو وفاة وليس بالموت على الحقيقة الذي هو خروج الروح من البدن، فكذلك الصعقة، وقد عبر الله عنها بالموت في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وأخبر عن موسى ﵇ أنه خرّ صعقًا، ولم يكن ذلك موتًا على الحقيقة غير أنه لما غيب عن أحوال المشاهدة من الملاذ والآلام جاز أن يكون (٥) موتًا، فكذلك يجوز أن يكون أماتهم غيبهم عن الآلام وهم أحياء بلطيفة يحدثها الله فيهم كما غيب النسوة (٦) اللاتي قطعن أيديهن بشاهد ظهر لهن فغيبن فيه عن آلامهن، والتأويل الأول أصح لما ذكرناه من تأكيده بالمصدر ولقوله في نفس الحديث: حتى إذا كانوا فحمًا فهم أموات على الحقيقة، كما أن أهلها أحياء على الحقيقة وليسوا بأموات. فإن قيل: فما معنى إدخالهم النار وهم فيها غير عالمين؟

стр. 764

قيل: يجوز أن يدخلهم تأديبًا لهم وإن لم يعذبهم فيها، ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم (١) فيها عقوبة لهم كالمحبوس (٢) في السجون، فإن الحبس عقوبة لهم (٣) وإن لم يكن معه غل ولا قيد، والله أعلم، وسيأتي (٤) لهذا مزيد بيان في أبواب النار إن شاء الله تعالى. وقوله: ضبائر، ضبائر: معناه، جماعات جماعات، الواحدة: ضبارة بكسر الضاد وهي الجماعة من الناس. وبثوا: فرقوا. والحِبة: بكسر الحاء، بذر (٥) البقول (٦). وحميل السيل: ما احتمله من غثاء وطين. وسيأتي (٧) بيانه إن شاء الله تعالى. باب فيمن يُشْفع لهم قبل دخولهم (٨) النار من أجل أعمالهم الصالحة للصالحين (٩) وهم أهل الفضل في الدنيا ذكر أبو عبد الله محمد بن مرة الحيلي القرطبي (١٠) في كتاب التبيين له، روى أبي وابن وضاح من حديث أنس يرفعه قال: "يصف أهل النار فيقربون، فيمر بهم الرجل من أهل الجنة، فيقول الرجل منهم: يا فلان أما تذكر رجلًا سقاك شربة ماء يوم (١١) كذا وكذا؟ فيقول: إنك لأنت هو، قال: فيقول: نعم،

стр. 765

قال: فيشفع فيه فيشفع، ويقول الرجل منهم: يا فلان - لرجل من أهل الجنة - أما تذكر رجلًا وهب لك وضوءًا يوم كذ وكذا، فيقول: نعم فيشفع له ويشفع فيه". قلت: خرّجه ابن ماجه في سننه (١) بمعناه قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد قالا: حدثنا الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يصف الناس يوم القيامة (٢) صفوفًا، وقال ابن نمير: أهل الجنة، فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيتني فسقيتك شربة (٣)؟ قال: فيشفع له، ويمر الرجل على الرجل فيقول (٤): أما تذكر يوم ناولتك طهورًا؟ فيشفع له، قال ابن نمير: ويقول: يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له"؟. وخرج أبو نعيم (٥) الحافظ بإسناده عن الثوري: ثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله (٦): الشفاعة لمن وجبت له (٧) النار ممن صنع إليه المعروف (٨) في الدنيا". وذكر أبو جعفر الطحاوي (٩) أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الجنة صفوفًا وأهل النار صفوفًا، فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى الرجل من صفوف أهل

стр. 766

الجنة فيقول له: يا فلان تذكر يوم اصطنعتك معروفًا إليك (١)؟ فيقول: اللهم هذا (٢) اصطنع إلي في الدنيا معروفًا، قال: فيقال له: خذ بيده وأدخله الجنة برحمة الله " (٣). قال أنس ﵁: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله. قال أبو عبد الله محمد بن ميسرة (٤): رأيت في الكتاب الذي يذكر أنه الزبور: إني أدعو عبادي الزاهدين يوم القيامة فأقول لهم عبادي: إني لم أزو عنكم الدنيا لهوانكم علي، ولكن أردت أن تستوفوا نصيبكم موفرًا اليوم، فتخللوا الصفوف، فمن أحببتموه في الدنيا أو قضى لكم حاجة أو رد عنكم غيبة أو أطعمكم لقمة ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي فخذوا بيده وأدخلوه الجنة. فصل وذكر أبو حامد في كتاب الإحياء (٥): قال أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار ويقول: يا فلان هل تعرفني؟ فيقول: لا والله ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في الدنيا يومًا فاستسقيتني شربة ماء فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي بها عند ربك، فيسأل الله تعالى ويقول: إني أشرفت على النار فناداني رجل من أهلها، فقال هل تعرفني؟ فقلت: لا، من أنت؟ قال: أنا الذي استسقيتني في الدنيا، فسقيتك فاشفع لي بها، فشفعني، فيشفعه الله فيؤمر به فيخرج من النار.

стр. 767

باب في الشافعين لمن دخل النار وما جاء أن النبي ﷺ يشفع رابع أربعة وذِكْر من يبقى في جهنم بعد ذلك ابن ماجه (١) عثمان عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يشفع يوم القيامة ثلاثة، الأنبياء العلماء ثم الشهداء". وذكر ابن السَّمَّاك أبو عمرو عثمان بن أحمد (٢) قال: ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان قال: أخبرنا علي بن عاصم قال: ثنا خالد الحذاء عن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: يشفع نبيكم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم ﷺ ، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فهؤلاء الذين يبقون في جهنم. قال المؤلف ﵁: وقيل: إن هذا هو المقام المحمود لنبينا ﷺ ، خرجه أبو داود الطيالسي (٣) قال: ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: ثم يأذن الله في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل ﵇ ثم يقوم إبراهيم خليل الله (٤) ﷺ ثم يقوم عيسى ﵇. قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال، ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعًا فيشفع، لا يشفع لأحد بعده في أكثر مما يشفع وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (٥).

стр. 768

ابن ماجه (١) عن عبد الله بن أبي الجدعاء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: يا رسول الله، سواك؟ قال: سواي"، قلت أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا سمعته. أخرجه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح غريب (٣)، ولا يعرف لابن أبي الجدعاء غير هذا الحديث الواحد. قال المؤلف ﵁: وخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤)، وقال في آخره: قال عبد الوهاب الثقفي: قال هشام بن حيان: كان الحسن يقول: إنه أويس القرني. وخرَّج ابن السَّمَّاك قال: ثنا يحيى بن جعفر قال: ثنا شبابة بن سوار قال: ثنا جرير بن عثمان عن عبد الله بن ميسرة (٥) وحبيب بن عدي الرحبي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل أحد الحيين: ربيعة ومضر، قال: قيل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟ قال: إنما أقول ما أقول" (٦). قال: فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان ﵁. الترمذي (٧) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "من أمتي (٨) من يشفع للفئام، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة"، قال: حديث حسن.

стр. 769

وذكر البزار في مسنده (١) عن ثابت: أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة". وذكر القاضي عياض في الشفاء (٢): [عن كعب] (٣): أن لكل رجل من الصحابة ﵃ الشفاعة. وذكر ابن المبارك (٤) قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في أمتي رجل يقال له صلة (٥) بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا". فصل إن قال قائل: كيف تكون الشفاعة لمن دخل النار والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢] وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦] ومن ارتضاه الله لا يخزيه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ (٦)﴾ الآية [التحريم: ٨]. قلنا: هذا مذهب أهل الوعيد الذين ضلوا عن الطريق وحادوا عن التحقيق (٧)، وأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة، فإن

стр. 770

الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة حتى لا يبقى منهم أحد إلا دخل الجنة، والجواب عن الآية الأولى ما قاله أنس بن مالك ﵁ أن معنى من يدخل النار: من يخلد. وقال قتادة: يدخل مقلوب يخلد (١)، ولا تقل (٢) كما قال أهل حروراء فيكون قوله على هذا: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، على بابه من الهلاك أي أهلكته وأبعدته ومقته، ولهذا قال سعيد بن المسيب: الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار، ودليله قوله في الآية: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أي الكفار. وإن قدرنا الآية في العصاة من الموحدين فيحتمل أن يكون الخزي بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزي خزاية: إذا استحيا، فهو خزيان، وامرأة خزياء، كذا قال أهل المعاني، فخزي المؤمنين يومئذ: استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها، والخزي للكافرين هو هلاكهم (٣) فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون فافترقوا في الخزي والهوان، ثم يخرجون بشفاعة من أذن الله له (٤) في الشفاعة، وبرحمة الرحمن، وشفاعته على ما يأتي (٥) في الباب بعد هذا، وعند ذلك يكونون مرضيين قد رضي عنهم ثم لا يأتي الإذن في أحد حتى لا يبقى عليه من قصاص ذنبه إلا ما تجيزه الشفاعة فيؤذن فيه فيلحق بالفائزين الراضين، والحمد لله رب العالمين. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٦) فمعناه: لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا وإن عذب العصاة وأماتهم فإنه يخرجهم بالشفاعة وبرحمته على ما يأتي (٧) بيانه في الباب بعد هذا (٨).

стр. 771

باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين ذكر ابن المبارك (١) قال: أخبرنا رشدين بن سعد عن حي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام رب منعته الطعام والشراب (٢) والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان". وذكر مسلم (٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه بعد قوله: "في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما أحد من منكم بأشد مناشدة الله في استيفاء (٤) الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا (٥)، فيقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا (٦) أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: إن لم تصدقوني بهذ الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع

стр. 772

المؤمنون (١) ولم يبق إلا أرحم الراحمين في البخاري (٢): "بقيت (٣) شفاعتي"، بدل قوله: ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا فيلقيهم في نهر على أفواه (٤) الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصفر وأخضر (٥)، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله (٦) الذي أدخلهم الله (٧) الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: يا ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". [وخرَّجه ابن ماجه (٨) بلفظه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "إذا خلص الله المؤمنين من النار، وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه من الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين أدخلوا النار قال: يقولون: ربنا كانوا إخواننا"، فذكره بمعناه] (٩). وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب الديباج له: ثنا أحمد بن أبي الحارث قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد

стр. 773

عن معمر بن راشد عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ الله من القضاء (١) بين خلقه أخرج كتابًا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال: مثلي أهل الجنة، قال: وأكثر ظني أنه قال: مثلي (٢) أهل الجنة مكتوب بين أعينهم عتقاء الله". فصل هذا الحديث بين في أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيناه في آخر سورة آل عمران من كتاب جامع أحكام القرآن (٣)، فإن قوله: "أخرجوا من في قلبه مثقال دينار، نصف دينار، ذرة"، يدل على ذلك، وقوله: "من خير": يريد من إيمان، وكذلك ما جاء ذكره [من حديث قتادة عن أنس "وكان في قلبه] (٤) من الخير ما يزن برة، ما يزن شعيرة (٥)، ما يزن ذرة"، أي من الإيمان بدليل الرواية الآخرة (٦) التي رواها معبد بن هلال العنزي عن أنس، وفيها: "فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل"، الحديث بطوله خرّجه مسلم (٧)، فقوله: من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم. وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث: أعمال القلوب، كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملًا بنية من قلبه، كقوله: الأعمال بالنيات.

стр. 774

وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي (١) ذكره آنفًا (٢) إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يراد به رحمةً على مسلم، رأفةً على يتيم، خوفًا من الله، رجاءً له، توكلًا عليه، ثقة به، مما هي أفعال القلوب (٣) دون الجوارح. وسماها إيمانًا؛ لأنها في محل الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد مجرد الإيمان وهو التوحيد له (٤) ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله ما في الحديث نفسه من قوله: أخرجوا، أخرجوا، ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض (٥) قبضة فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط، يريد إلا التوحيد المجرد عن الأعمال (٦). وقد جاء هذا مبينًا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، قال: فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع (٧) وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك (٨) لك، أو قال: ليس ذلك إليك، وعزتي، وكبريائي، وعظمتي، وجبروتي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله" (٩). وذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول (١٠) عن محمد بن كعب [القرظي] (١١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكتب على جباههم عتقاء الرحمن، فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه". وفي رواية: "فيبعث الله ملكًا فيمحاه عن جباههم"، الحديث، وسيأتي (١٢).

стр. 775

يقال: "محا لوحه محوه محوًا، ويمحيه محيًا، ومحاه أيضًا فهو ممحو وممحي، صارت الواو ياء لكسرة ما قبله فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل. وأنشد الأصمعي: كما رأيت الورق الممحيا وانمحى انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة"، قاله الجوهري (١). وذكر أبو بكر البزار في مسنده (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها فيلقون على نهر الحياة فيرسل عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ويدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، فيدعون الله تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم". البخاري (٣) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بعد ما مستهم (٤) منها سفع (٥)، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين". الترمذي (٦) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "ليخرجن قوم من النار بشفاعتي (٧) يسمون الجهنميين"، قال: حديث حسن صحيح. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من
следующие страницы →