← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين ذكر ابن المبارك (١) قال: أخبرنا رشدين بن سعد عن حي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام رب منعته الطعام والشراب (٢) والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان". وذكر مسلم (٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه بعد قوله: "في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما أحد من منكم بأشد مناشدة الله في استيفاء (٤) الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا (٥)، فيقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا (٦) أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: إن لم تصدقوني بهذ الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع

стр. 772

المؤمنون (١) ولم يبق إلا أرحم الراحمين في البخاري (٢): "بقيت (٣) شفاعتي"، بدل قوله: ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا فيلقيهم في نهر على أفواه (٤) الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصفر وأخضر (٥)، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله (٦) الذي أدخلهم الله (٧) الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: يا ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". [وخرَّجه ابن ماجه (٨) بلفظه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "إذا خلص الله المؤمنين من النار، وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه من الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين أدخلوا النار قال: يقولون: ربنا كانوا إخواننا"، فذكره بمعناه] (٩). وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب الديباج له: ثنا أحمد بن أبي الحارث قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد

стр. 773

عن معمر بن راشد عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ الله من القضاء (١) بين خلقه أخرج كتابًا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال: مثلي أهل الجنة، قال: وأكثر ظني أنه قال: مثلي (٢) أهل الجنة مكتوب بين أعينهم عتقاء الله". فصل هذا الحديث بين في أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيناه في آخر سورة آل عمران من كتاب جامع أحكام القرآن (٣)، فإن قوله: "أخرجوا من في قلبه مثقال دينار، نصف دينار، ذرة"، يدل على ذلك، وقوله: "من خير": يريد من إيمان، وكذلك ما جاء ذكره [من حديث قتادة عن أنس "وكان في قلبه] (٤) من الخير ما يزن برة، ما يزن شعيرة (٥)، ما يزن ذرة"، أي من الإيمان بدليل الرواية الآخرة (٦) التي رواها معبد بن هلال العنزي عن أنس، وفيها: "فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل"، الحديث بطوله خرّجه مسلم (٧)، فقوله: من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم. وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث: أعمال القلوب، كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملًا بنية من قلبه، كقوله: الأعمال بالنيات.

стр. 774

وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي (١) ذكره آنفًا (٢) إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يراد به رحمةً على مسلم، رأفةً على يتيم، خوفًا من الله، رجاءً له، توكلًا عليه، ثقة به، مما هي أفعال القلوب (٣) دون الجوارح. وسماها إيمانًا؛ لأنها في محل الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد مجرد الإيمان وهو التوحيد له (٤) ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله ما في الحديث نفسه من قوله: أخرجوا، أخرجوا، ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض (٥) قبضة فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط، يريد إلا التوحيد المجرد عن الأعمال (٦). وقد جاء هذا مبينًا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، قال: فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع (٧) وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك (٨) لك، أو قال: ليس ذلك إليك، وعزتي، وكبريائي، وعظمتي، وجبروتي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله" (٩). وذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول (١٠) عن محمد بن كعب [القرظي] (١١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكتب على جباههم عتقاء الرحمن، فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه". وفي رواية: "فيبعث الله ملكًا فيمحاه عن جباههم"، الحديث، وسيأتي (١٢).

стр. 775

يقال: "محا لوحه محوه محوًا، ويمحيه محيًا، ومحاه أيضًا فهو ممحو وممحي، صارت الواو ياء لكسرة ما قبله فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل. وأنشد الأصمعي: كما رأيت الورق الممحيا وانمحى انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة"، قاله الجوهري (١). وذكر أبو بكر البزار في مسنده (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها فيلقون على نهر الحياة فيرسل عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ويدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، فيدعون الله تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم". البخاري (٣) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بعد ما مستهم (٤) منها سفع (٥)، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين". الترمذي (٦) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "ليخرجن قوم من النار بشفاعتي (٧) يسمون الجهنميين"، قال: حديث حسن صحيح. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من

стр. 776

أمتي"، خرجه الترمذي (١) أيضًا، وصححه أبو محمد عبد الحق (٢). وخرجه أبو داود الطيالسي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي زاد الطيالسي قال: فقال لي جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة"؟ قال أبو داود (٥): حدثناه محمد بن ثابت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وذكر أبو الحسن الدارقطني (٦) عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نعم أنا لشرار أمتي، قالوا: فكيف أنت لخيارها؟ قال: أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرارهم فيدخلون الجنة بشفاعتي". وخرج ابن ماجه (٧): حدثنا إسماعيل بن أسد قال: حدثنا أبو بدر (٨) عن زياد بن خيثمة عن نعيم بن أبي هند ربعي بن حراش عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرت بين الشفاعة أن وبين يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين المصفين لا، ولكنها للمذنبين الخاطئين (٩) المتلوثين". قلت: وأنبأناه الشيخ الفقيه الإمام أبو القاسم عبد الله بن علي بن خلف

стр. 777

الكوفي (١) قال: قرئ على الشيخة الصالحة فخر النساء: خديجة بنت أحمد بن الحسين بن عبد الكريم النهرواني في منزلها وأنا حاضر أسمع، قيل لها: أخبرك (٢) الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد الغالي فأقرت به وقالت: نعم، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن زرقويه البزاز، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار (٣)، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، حدثنا أبو بدر شجاع بن بدر بن الوليد السكوني عن زياد بن خيثمة عن نعيم بن أبي هند عن ربعي بن حِراش عن النبي ﷺ قال: "خيرت بين الشفاعة ونصف أمتي فاخترت الشفاعة، أترونها للمتقين؟ (٤)، لا، لكنه للخاطئين المتلوثين (٥) ". وخرج ابن ماجه (٦) قال: ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد حدثنا أبو جابر قال: سمعت سليم بن عامر يقول: سمعت عوف بن مالك الأشجعي يقول: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما خيرني ربي الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة، قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها، قال: هي لكل مسلم". وأما الخبر العجيب الذي وعدنا بذكره فذكره الكلاباذي أبو بكر محمد بن إبراهيم في بحر الفوائد له (٧): حدثنا أبو النضر محمد بن إسحاق الرشادي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن يزيد الطرطوسي قال: ثنا نعيم بن

стр. 778

حماد قال: ثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن أبي قلابة قال كان لي ابن أخ (١) يتعاطى الشراب فمرض، فبعث إلي ليلًا أن ألحق فأتيته، فرأيت أسودين قد دنيا من ابن أخي، فقلت: إنا لله هلك ابن أخي، فاطلع أبيضان من الكوة التي في البيت، فقال أحدهما لصاحبه: انزل إليه، فلما نزل تنحى الأسودان، فجاء فشم فاه، فقال: ما أرى فيه (٢) ذكرًا، ثم شم بطنه فقال: ما أرى فيها صومًا، ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيها صلاة، فقال له صاحبه: إنا لله وإنا إليه راجعون (٣)، رجل من أمة محمد ﷺ ليس له من الخير شيء، ويحك (٤) عبد فانظر فعاد فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرًا، ثم عاد فشم بطنه فقال: ما أرى فيه صومًا، ثم عاد فشم رجليه، فقال: ما أرى فيه صلاة، فقال (٥): ويحك رجل من أمة محمد ﷺ ليس معه من الخير شيء، اصعد حتى أنزل أنا فنزل الآخر فشم فاه (٦)، فقال: ما أرى فيه ذكرًا، ثم شم بطنه فقال: ما أرى فيه صومًا، ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة، قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فقال: الله أكبر، قد كبر تكبيرة في سبيل الله يريد بها وجه الله بإنتاكية، قال: ثم فاضت نفسه وشممت في البيت رائحة المسك فلما صليت الغداة قلت لأهل المسجد: هل لكم في رجل من أهل الجنة وحدثتهم حديث ابن أخي، فلما بلغت ذكر إنتاكية قالوا: ليست (٧) بإنتاكية هي أنطاكية (٨)، قلت: لا والله لا أسميها إلا كما سماها (٩) الملك. قال علماؤنا (١٠): فهذا أنجته تكبيرة أراد بها وجه الله تعالى، وهذه

стр. 779

التكبيرة سوى الشهادة التي هي شهادة الحق التي هي الإيمان بالله تعالى كما قررناه، فشفاعة النبي ﷺ والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زايد على مجرد التصديق ومن لم يكن معه من الإيمان خير، من الذين يتفضل الله عليهم فيخرجهم من النار فضلًا وكرمًا وعدًا حقًّا منه وكلمة صدقًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فسبحان الرؤوف بعباده الموفي (١) بعهده. فصل قلت: جاء في حديث أبي سعيد قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: يكتب على جباههم عتقاء الرحمن"، وهذا تعارضٌ. ووجه الجمع بين الحديثين: أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم وبعضهم سيماهم في رقابهم. وقد جاء من حديث جابر وفيه: بعد إخراج الشافعين: ثم يقول الله ﵎: "أنا الله أُخرج بعلمي ورحمتي، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم ويكتب في رقابهم: عتقاء الله ، فيدخلون الجنة فيسمون فيها بالجهنميين (٢) " (٣). قلت: وقد يعبر بالرقبة عن جملة الشخوص (٤)، قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال ﵇: "ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها" (٥). وقد تعبر العرب بالرقاب عن جملة المال كما قال الشاعر: عمر الردى إذا تبسم ضاحكا … علقت لضحكته رقاب المال

стр. 780

فيحتمل أن يكون (١) في حديث أبي سعيد وجابر ﵄: فيخرجون مثل اللؤلؤ يعرف أهل الجنة أشخاصهم (٢) بالخواتيم المكتوبة على جباههم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ولا تعارض على هذا، والله أعلم. فصل إن قال قائل: لِمَ سألوا محو ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف؛ لأنه سبحانه أضافهم إليه كما أضاف الأشياء الشريفة فقال: نبيي، وبيتي، وعرشي، وملائكتي، وقد جاء في الخبر أن المتحابين في الله مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله ولم يسألوا محوه؟ قيل له: إنما سألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في الله تعالى؛ لأنهم أنِفُوا أن ينسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما مَنَّ عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم. وقد روي مرفوعًا أنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة: "هؤلاء الجهنميون، فعند ذلك يقولون: إلهنا لو تُرِكْنَا في النار كان أحب إلينا من العار، فيرسل الله ريحًا من تحت العرش، يقال لها: المثيرة، فتهب على وجوههم، فتمحى الكتابة ويزيدهم بهجة وجمالًا وحسنًا" (٣). أخبرنا الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب عُرف بابن رواج (٤) قراءة عليه، قال: قرئ على الحافظ السِلفي وأنا أسمع قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن العلاف، أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا الآجري أبو بكر محمد بن الحسين (٥)، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن شعيب الأنصاري، أخبرنا علي بن مسلم الطوسي، أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثني

стр. 781

عمرو بن رفاعة الربعي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهلها الذين يخرجون منها إذا سقطوا فيها كانوا حممًا (١) حتى يأذن الله فيخرجهم فيلقيهم على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون ثم يدخلون الجنة يسمون الجهنميين، ثم يطلبون إلى الرحيم (٢) فيذهب ذلك الاسم عنهم، فيلحقون بأهل الجنة، وأما سيماء المتحابين فعلامة شريفة ونسبة رفيعة، فلذلك لم يسألوا زوالها ولا طلبوا إزالتها" (٣)، والله أعلم. فإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من دخل الجنة قد يلحقه تنغيص ما والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد. قيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك، وأن ذلك يلحقهم عند دخولهم الجنة، ثم يزول بزوال ذلك الاسم عنهم. وقد مثل بعض علمائنا هذا الذي أصاب هؤلاء بالبحر تقع فيه النجاسة أنه لا حكم لها، فكذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة وهو تشبيه حسن. قلت: وقد يلحق الجميع خوف ما عند ذبح الموت على الصراط على ما يأتي (٤)، وبعده يكونون آمنين مسرورين، قد زال عنهم كل متوقع، والله أعلم. فصل إن قال قائل: كيف يشفع القرآن والصيام وإنما ذلك عمل العاملين؟ قيل له: قد تقدم (٥) هذا المعنى ونزيده وضوحًا فنقول: قال: "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك". أخرجه ابن ماجه في سننه (٦) من حديث بريدة وإسناده

стр. 782

صحيح، فقوله: يجيء القرآن أي ثواب قارئ القرآن، وقد جاء في صحيح مسلم (١) من حديث النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تتقدمه سورة البقرة وآل عمران. وضرب لهما (٢) رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما". قال العلماء (٣): فقوله: تحاجان عن صاحبهما (٤) أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة، كما في بعض الحديث (٥): "أن من قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق الله سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة" (٦). قلت: وكذلك يخلق الله من ثواب القرآن والصيام ملكين كريمين فيشفعان له، وكذلك إن شاء الله سائر الأعمال الصالحة كما ذكر ابن المبارك (٧) قال: أخبرنا رجل عن زيد بن أسلم قال: بلغني أن المؤمن يمثل له عمله يوم القيامة في أحسن صورة وأحسن ما خلق الله وجهًا وثيابًا وأطيبه ريحًا، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمنه، وكلما تخوف شيئًا هون عليه، فيقول له: جزاك الله من صاحب خيرًا، من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ وقد صحبتك في قبرك وفي دنياك أنا عملك كان والله حسنًا. فكذلك تراني حسنًا،، وكان طيبًا، فكذلك تراني طيبًا. تعال فاركبني فطال ما ركبتك في الدنيا وهو قوله سبحانه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] حتى يأتي به إلى ربه فيقول: يا رب

стр. 783

إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله وكل صاحب تجارة وصانع قد أصاب في تجارته غير صاحبي قد شغل فيّ نفسه، فيقول له الرب تعالى: فما تسأل؟ فيقول: المغفرة والرحمة ونحو هذا، فيقول: فإني قد غفرت له، ثم يكسى حلة الكرامة ويجعل عليه تاج الوقار فيه لؤلؤة تضيء (١) من مسيرة يومين، ثم يقول: يا رب إن أبويه قد كان شغل عنهما، وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يدخل على أبويه (٢) من عمله فيعطيان مثل ما أعطى. ويتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجهًا وأنتنه ريحًا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده وكلما تخوف شيئًا (٣) زاده خوفًا، فيقول: بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك، كان قبيحًا فكذلك تراني قبيحًا، وكان منتنًا فكذلك تراني منتنًا، فطأطئ رأسك أركبك، فطال ما ركبتني في الدنيا، وهو قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ٢٥]. قلت: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي، ومعناه يستند (٤) من حديث قيس بن عاصم المنقري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: إنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك، وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريمًا أكرمك، وإن كان لئيمًا أسلمك ثم لا يحشر إلا معك، ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحًا، فإنه إن كان صالحًا لم تأنس إلا به، وإن كان فاحشًا لم تستوحش إلا منه، وهو فعلك. وذكر أبو الفرج الجوزي (٥) في كتاب روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى يوم القيامة بالتوبة في صورة حسنة ورائحة طيبة ولا يجد رائحتها ولا يرى صورتها إلا مؤمن، فيجدون لها رائحة وأنسًا،

стр. 784

فيقول الكافر والعاصي المصر: ما لنا ما وجدنا ما وجدتم ولا رأينا ما رأيتم، فتقول لهم التوبة: طال ما تعرضت لكم في الدنيا فما أردتموني، فلو كنتم قبلتموني لكنتم اليوم وجدتموني، فيقولون: فنحن اليوم نتوب، فينادي منادٍ من تحت العرش: هيهات هيهات، ذهبت أيام المهلة وانقضى زمن التوبة، فلو جئتم بالدنيا وما اشتملت عليه ما قبلت توبتكم ولا رحمت عبرتكم، فعند ذلك تنأى التوبة عنهم وتبعد ملائكة الرحمة عنهم، وينادي منادٍ من تحت العرش: يا خزنة النار هلموا إلى أعداء الجبار، وهذا بين فيما ذكرنا، وبالله توفيقنا. باب يعرف المشفوع فيهم بأثر السجود وبياض الوجوه قد تقدم (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن المؤمنين يقولون: "ربنا إخواننا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم"، وذكر الحديث. وذكر (٢) مسلم (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: "ومنهم المجازى حتى ينجا، حتى إذا فرغ الله القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان (٤) لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود (٥)، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبة في حمل السيل وذكر الحديث. وخرج (٦) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن قومًا (٧) يخرجون

стр. 785

من النار يحترقون فيها إلا دارات (١) وجوههم حتى يدخلوا الجنة". فصل هذا الحديث أدل (٢) دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد، لا يسود لهم وجه ولا تزرق لهم عين، ولا يغلون بخلاف الكفار، وقد جاء هذا المعنى (٣) منصوصًا في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم، لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم ولا يغلون بأغلال (٤) ولا يقرنون مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك، منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يومًا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة، ثم يخرج، وأطولهم مكثًا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة (٥)، الحديث بطوله، وسيأتي (٦) تمامه إن شاء الله تعالى، خرجه الترمذي أبو عبد الله الحكيم في نوادر الأصول (٧). قال أبو حامد في كتاب (٨) كشف علم الآخرة (٩): "أنه يؤتى بأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ شيوخًا وعجائز وكهولًا ونساءً وشبابًا، فإذا نظر إليهم مالك خازن النار قال: من أنتم معشر الأشقياء؟ ما لي أرى أيديكم لا تغل، ولم توضع عليكم الأغلال والسلاسل ولم تسود وجوهكم، وما ورد علي أحسن منكم، فيقولون: يا مالك نحن أشقياء أمة محمد ﷺ دعنا نبكي على ذنوبنا، فيقول لهم: ابكوا فلن ينفعكم البكاء.

стр. 786

فكم من شيخ وضع يده على لحيته ويقول: واشيبتاه واطول حسرتاه، وأضعف قوتاه، وكم من كل ينادي: وامصيبتاه، وأطول مقاماه، وكم من شاب ينادي واأسفاه (١) واشباباه على تغيير حسناه (٢)، وكم من امرأة قبضت على ناصيتها وشعرها وهي تنادي واسوأتاها واهتك (٣) ستراها، فيبكون ألف عام، فإذا النداء من قبل الله تعالى: يا مالك: أدخلهم النار الباب الأول فيها، فإذا همت النار أن تأخذهم (٤) يقولون بأجمعهم (٥): لا إله إلا الله، فتفر النار خمسمائة عام (٦)، ثم يأخذون في البكاء فتشتد أصواتهم، وإذا النداء من قبل الله تعالى: يا نار خذيهم، يا مالك أدخلهم الباب الأول من النار، فعند ذلك يسمع لها صلصلة كالرعد القاصف، فإذا همت النار أن تحرق القلوب زجرها مالك، وجعل يقول: لا تحرقي قلبًا فيه القرآن، وكان وعاء الإيمان، فإذا بالزبانية قد جاءوا بالحميم ليصبوه في بطونهم، فيزجرهم مالك فيقول: لا تدخلوا الحميم بطونًا أخمصها رمضان، ولا تحرق النار جباهًا سجدت الله تعالى فيعودون فيها حممًا كالغاسق (٧) المحلولك (٨) والإيمان يتلألأ في القلوب" (٩)، وسيأتي (١٠) لهذا مزيد بيان في آخر أبواب النار إن شاء الله تعالى، نجانا الله منها ولا جعلنا ممن يدخلها فيحترق فيها بفضله وكرمه.

стр. 787

فصل قوله: إذا فرغ الله، مشكل (١)، وفي التنزيل: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١] ومعناه: المبالغة في التهديد والوعيد من الله لعباده، كقول القائل: سأفرغ لك وإن لم يكن مشغولًا عنك بشغل، وليس بالله تعالى شغل، تعالى عن ذلك. وقيل: المعنى (٢) سنقصد لمجازاتكم وعقوبتكم، كما يقول القائل لمن أريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي أقصد قصدك. وفرغ بمعنى: قصد وأحكم، وأنشد ابن الأنباري في هذا الجرير (٣): (٤) الآن وقد فرغت إلى نمير … فهذا حين كنت لها عذابًا يريد: وقد قصدت نحوه، فمعنى فرغ الله القضاء من بين العباد أي تمم عليهم حسابهم وفصل بينهم، لا أنه يشغله شأن عن شأن، عن ذلك. باب ما يرجى من رحمة الله تعالى ومغفرته وعفوه يوم القيامة قال الحسن: يقول الله تعالى يوم القيامة: جوزوا الصراط بعفوي وأدخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم (٥). وقال ﵇: "ينادي منادٍ من تحت العرش، يا أمة محمد أما ما كان لي

стр. 788

قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها فيما (١) بينكم وادخلوا الجنة برحمتي" (٢). وروي أن أعرابيًا سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس ﵄: خذوها من غير فقيه. وقال الصنابحي: دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلًا، لِمَ تبكي؟ فوالله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثًا واحدًا، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار"، خرّجه مسلم (٣). والأخبار بهذا المعنى كثيرة، خرجها البخاري (٤) ومسلم وغيرهما من الأئمة (٥). وخرج مسلم (٦) عن سلمان (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة واحدة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، وإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة"، أخرجه ابن ماجه (٨) من حديث أبي سعيد ﵁. وفي بعض طرق أبي هريرة ﵁: "فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة (٩)

стр. 789

على تلك التسعة والتسعين فأكملها مائة رحمة، فرحم بها عباده يوم القيامة" (١). [وفي بعض الروايات: "فإذا كان يوم القيامة جمعت الواحدة إلى التسعة والتسعين فأكملهن (٢) مائة رحمة حتى إن إبليس ليتطاول إليها رجاء أن ينال منها شيئًا" (٣). وقال ابن مسعود (٤): لن تزال الرحمة بالناس حتى إن إبليس ليهتز صدره يوم القيامة مما يرى من رحمة الله تعالى وشفاعة الشافعين. وقال الأصمعي (٥): كان رجل يحدث بأهوال يوم القيامة، وأعرابي جالس يسمع فقال: يا هذا من يلي هذا من العباد؟ قال: الله تعالى، قال الأعرابي: إن الكريم إذا قَدِرَ غفر] (٦). قلت (٧): أخبرنا عاليًا الشيخ الإمام الحافظ المسند أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁ قراءة عليه بالمنصورة بالديار المصرية في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة سبع وأربعين وستمائة قال: حدثنا الشيخ المسند أبو حفص عمر بن محمد بن معمر الدارقري قدم علينا دمشق، قال: أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الكاتب ببغداد، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، أخبرنا موسى بن سهل الوشا، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أبي ديب، قال: سمعت أبا عثمان الهندي يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "لما خلق الله تعالى السموات والأرض أنزل مائة رحمة كل رحمة طباقهما، فقسم رحمة واحدة منها بين جميع الخلائق،

стр. 790

فمنها يتعاطفون فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على التسعة والتسعين فأكلمها مائة يرحم الله بها عباده يوم القيامة" (١). وروى ابن ماجه (٢) عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: فقال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى فلا تجعل معي إلهًا آخر، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا آخر فأنا أهل أن أغفر له". وخرجه أبو عيسى الترمذي (٣) بمعناه، وقال: حديث حسن غريب. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده الله أرحم بعبده من الوالدة الشفيقة بولدها (٤)، رواه مسلم (٥) عن عمر بن الخطاب ﵁. الترمذي (٦) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما، فقال الرب ﵎: أخرجوهما، فلما أخرجا قال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: إن رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، فينطلقان، فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردًا وسلامًا، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب ﵎: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني لأرجو (٧) أن لا تعيدني (٨) فيها بعد ما أخرجتني، فيقول الرب ﵎: لك رجاؤك، فيدخلان الجنة جميعًا برحمة الله"، قال أبو عيسى: إسناد هذا الحديث ضعيف، لأنه عن رشدين بن سعد ورشدين ضعيف عن ابن أنعم وهو الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث.

стр. 791

وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: يقول الله: أخرجوا من النار من ذكرني يومًا أو خافني في مقام" (١)، قال: حديث حسن غريب. وذكر أبو نعيم (٢) عن إسحاق بن سويد قال: صحبت مسلم بن يسار عامًا إلى مكة فلم أسمعه تكلم بكلمة حتى بلغنا ذات عرق، قال: ثم حدثنا قال: بلغني أنه يؤتى بالعبد يوم القيامة ويقف بين يدي الله فيقول: "انظروا في (٣) حسناته، فينظر في حسناته فلا يوجد له حسنة، فيقول: انظروا في سيئاته فتوجد له سيئات كثيرة، فيؤمر به إلى النار، فيذهب به إلى النار وهو يلتفت، فيقول: ردوه إلي، ما تلتفت؟ فيقول: أي رب لم يكن هذا ظني أو رجائي فيك، شك إبراهيم، فيقول: صدقت، فيؤمر به إلى الجنة". قلت: وهذا الحديث رفعه ابن المبارك (٤) فقال: أنبأ رشدين بن سعد قال: ثنا أبو هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك الجنبي أن فضالة بن عبيد وعبادة بن الصامت حدثاه أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة وفرغ الله من قضاء الخلق فيبقى رجلان فيؤمر بهما إلى النار، فيلتفت أحدهما، فيقول الجبار ﵎ (٥): ردوه، فيردوه، فيقال له: لم التفت؟ فيقول (٦): كنت أرجو أن تدخلني الجنة فيؤمر به إلى الجنة قال: فيقول: لقد أعطاني ربي حتى لو أني (٧) أطعمت أهل الجنة ما نقص ذلك مما عندي شيئًا"، قالا: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكره يرى السرور في وجهه. [قال الشيخ ﵁: وفي هذا المعنى خبر الرجل الذي ترفع له شجرة بعد

стр. 792

أخرى حين يخرج من النار إلى أن يدخل الجنة، خرجه مسلم في الصحيح وسيأتي (١)] (٢). باب منه، وفي أول ما يقول الله تعالى (٣) للمؤمنين وأول ما يقولون له أبو داود الطيالسي (٤) قال: ثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثني يحيى بن أيوب عن عبيد الله (٥) بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول للمؤمنين يوم القيامة، وبأول ما يقولون له (٦)، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: كان الله تعالى يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، قال: وما حملكم على ذلك فيقولون: عفوك، ورحمتك، ورضوانك، فيقول: فإني قد أوجبت لكم رحمتي"، والله أعلم. [باب ذكر أبو نعيم (٧) الحافظ قال: ثنا سليمان بن أحمد قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن رجلًا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة ويشدد على نفسه ويقنط الناس من رحمة الله، ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟ فقال (٨): النار، فقال: يا رب فأين (٩) عبادتي واجتهادي؟ فقيل له: إنك كنت تقنط الناس من رحمة الله (١٠) في الدنيا، وأنا أقنطك اليوم من رحمتي.

стр. 793

وقال مقاتل: قال علي بن أبي طالب: الفقيه من لم يُيئس الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله ] (١). باب حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات مسلم (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، خرجه البخاري (٣) أيضًا، وقال الترمذي (٤): حديث حسن غريب. الترمذي (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل ﵇ إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، [قال] (٦): فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 794

فصل المكاره: كل ما يشق على النفس فعله، ويصعب عليها عمله كالطهارة (١) في السّبْرات (٢) وغيرها من أعمال الطاعات، والصبر على المصائب والمصيبات [وجميع المكروهات] (٣). والشهوات: كل ما يوافق النفس (٤) ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها. وأصل الحفاف: الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يُتَخطى، فمثل النبي ﷺ المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تُنَال إلا بقطع مفاوز (٥) المكاره والصبر عليها، والنار لا يُنَجا منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روي عنه أنه ﷺ مثل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر، فقال: "طريق الجنة: حَزَن بربوة، وطريق النار: سهل بسهوة"، ذكره صاحب الشهاب (٦). والحَزَن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: هو المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي، والسهوة بالسين المهملة: هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي [في سراج المريدين] (٧): ومعنى قوله ﷺ : حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، أي جعلت على حفافها (٨) وهي جوانبها، وتوهم الناس أنها ضرب فيها المثل فجعلها في

стр. 795

جوانبها من خارج ولو كان ذلك ما كان مثلًا صحيحًا وإنما هي من (١) داخل، وهذه صورتها: وعن هذا عبر ابن مسعود بقوله: الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه (٤) وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى هذا الحديث عن حقيقة الحال. فإن قيل: فقد قال: حجبت النار بالشهوات. قلنا: المعنى واحد؛ لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت سمعه وبصره الشهوات يراها ولا يرى النار التي هي فيها، وإن كانت باستيلاء الجهالة ورين الغفلة على قلبه كالطائر يرى الحبة من داخل الفخ وهي محجوبة به (٥)، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه، وتعلق باله بها، وجهله بما جعلت فيه وحجبت. باب احتجاج الجنة والنار وصفة أهلهما (٦) البخاري (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجت النار والجنة، فقالت هذه (٨): يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال الله لهذه: أنتِ عذابي، أعذب بك من أشاء، وقال لهذه: أنتِ رحمتي، أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها"، خرجه مسلم (٩) والترمذي. (١٠) وقال (١١): حديث حسن صحيح.

стр. 796

فصل قال الحاكم أبو عبد الله: في علوم الحديث (١): "سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي ﷺ : تحاجت الجنة (٢) والنار، فقالت هذه: يدخلني الضعفاء، مَنْ الضعيف؟ قال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة، يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة". [وقال الشيخ ﵁: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع والله أعلم، وأما المساكين فالمراد بهم المتواضعون وهم المشار إليهم في قوله ﵊: "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" (٣). ولقد أحسن من قال (٤): إذا أردت شريف الناس كلهم … فانظر إلى ملك في زي مسكين ذاك الذي عظمت في الله رغبته … وذاك يصلح للدنيا وللدين] (٥) قلت: ومعنى احتجت النار والجنة أي حجت كل واحدة صاحبتها وخاصمتها (٦)، وسيأتي (٧) بيانه عند قوله: اشتكت النار إلى ربها، إن شاء الله تعالى. باب منه في صفة أهل الجنة، وأهل النار، وفي شرار الناس من هم (٨)؟ مسلم (٩) عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات

стр. 797

يوم في خطبته: "أهل الجنة ثلاثة، ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربي ومسلم [و] (١) عفيف متعفف ذو عيال. قل: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه (٢)، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب والشنظير الفحاش". وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر" (٣). وفي رواية (٤): "زنيم متكبر"، خرجه ابن ماجه (٥) أيضًا. أبو داود (٦) عنه قال: قال رسول الله ﷺ (٧): "لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري". قال (٨): والجواظ: الفظ الغليظ. ابن ماجه (٩) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله قال: "إن الله لا يعذب من عبده إلا المارد المتمرد الذي يتمرد على الله، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل النار إلا

стр. 798

شقي، قيل: يا رسول الله ومن الشقي؟ قال: من لم يعمل لله بطاعة ولم يترك لله (١) معصية" (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة مَنْ ملأ الله أذنيه مِن ثناء الناس خيرًا وهو يسمع، وأهل النار مَنْ ملأ الله أذنيه مِن ثناء الناس شرًا وهو يسمع" (٣). مسلم (٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر بجنازة فأثني عليها (٥) خير، فقال النبي ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت (٦)، ومر بجنازة فأثني عليها شر، فقال النبي ﷺ ، وجبت، وجبت، وجبت، فقال عمر ﵁ فداك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: وجبت، وجبت، [وجبت] (٧)، فقال رسول الله ﷺ : "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض" (٨). [وقالت عائشة ﵂: الجنة دار الأسخياء، والنار دار البخلاء (٩).

стр. 799

وقال زيد بن أسلم: أمرك الله تعالى أن تكون كريمًا فتدخل الجنة، ونهاك أن تكون لئيمًا فتدخل النار. وذكر أبو نعيم (١) من حديث محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: من أكل وحده ومنع رفده، وجلد عبده، أفأنبئكم بشر من هذا (٢)؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه، قال: أفأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبًا، قال: أفأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل خطيبًا فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها (٣)، وقال مرة: فتظلموهم، ولا تظلموا ظالمًا، ولا تكافؤا ظالمًا فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بني إسرائيل الأمر ثلاث: أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردوه إلى الله. قال أبو نعيم: هذا الحديث لا يحفظ بهذا السياق عن النبي ﷺ إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس]. فصل قوله: ذو سلطان (٤) مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات لذو (٥) وهو بمعنى صاحب، والمقسط: العادل، والمتصدق: المعطي للصدقات،

стр. 800

والموافق: المسدد لفعل الخيرات، رقيق القلب: لينه عند التذكر والموعظة، ويصح أن يكون بمعنى الشفيق. وقوله: وضعيف متضعف: يعني ضعيفًا في أمور الدنيا قويًا (١) في أمر (٢) دينه، كما قال ﵇: "المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"، الحديث (٣) خرجه مسلم (٤). فأما من كان ضعيفًا في أمور دينه لا يعبأ بها فمذموم، وذلك من صفات أهل النار، كما قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له أي لا عقل له، ومن لا عقل له ينكف به عن المفاسد ولا ينزجر عنها فحسبك به ضعفًا وخسارة في الدين. وقد قيل في الزبر: أنه المال، وليس بشيء؛ لأن النبي ﷺ فسر ذلك بقوله: الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلًا ولا مالًا. قال شخينا أبو العباس (٥) ﵀: فيعني بذلك أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية ولا فضيلة نفسية ولا دينية، بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنية هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية (٦). وقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير راوي الحديث: والله لقد أدركتهم الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها (٧). ويخفي بمعنى: يظهر، وهو من الأضداد.

стр. 801

"وقوله: "وذكر البخل والكذب"، هكذا الرواية المشهورة بالواو الجامعة، "والكذب"، فقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بـ "أو" التي للشك. قال القاضي عياض: ولعله الصواب، وبه تصح القسمة لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذي وصف، والخائن الذي وصف، [والرجل المخادع الذي وصف] (١)، قال: وذكر البخل والكذب ثم قال: الشنظير الفاحش، فرأى هذا القائل: أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين (٢)، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف، كما جمعها في الشنظير الفاحش. وكذلك قوله: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربي، ومسلمٍ، وعفيف متعفف ذو عيال. قال القاضي عياض (٣): كذا قيدناه بخفض (٤) "مسلمٍ" عطفًا على ما قبله، وفي رواية: "ومسلمٌ عفيفٌ" بالرفع، وحذف الواو، وقال (٥) شيخنا (٦): انتهى كلام القاضي ﵀. والعفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش وعن ما لا يليق. والمتعفف: المتكلف للعفة. "والشنظير: السيء الخلق، ويقال: شنظيرة أيضًا، قاله الجوهري (٧)، وأنشده (٨): شنظيرة زوجنيه أهلي … من حمقه يحسب رأسي رجلي

стр. 802

كأنه لم يرى أنثى (١) قبلي وربما قالوا: شنذيرة، بالذال المعجمة لقربها من الظاء لغة أو لثغة". والفحاش: الكثير الفحش، وقيل: الشنظير: هو الفاحش. قال صاحب العين (٢): يقال: شنظر بالقوم: شتم أعراضهم والشنظير: الفحاش من الرجال الغلق (٣)، وكذلك من الإبل. والجوَّاظ: الجَموع المنوع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ [المعارج: ١٨]. وقيل: الجواظ الكثير اللحم المختال. وقيل: الجافي القلب. والعتل: الجافي (٤) الشديد الخصومة وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم. [قال الشيخ ﵁: ويقال: إنه الفظ الغليظ الذي لا ينقاد للخير (٥)، والجعظري: الفظ الغليظ القصير، وجاء تفسيره في بعض الأحاديث: "هم الذين لا تصدع (٦) رؤوسهم" (٧)، قال شيخنا] (٨): والزنيم: المعروف بالشر، وقيل: اللئيم، وأما الزنيم المذكور في القرآن فرجل معين له زنمة كزنمة التيس، وقيل: هو الوليد (٩)، وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم،

стр. 803

وقيل: هو الأخنس بن شريق (١) " (٢). [فصل] (٣) وقوله: من أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار يعارضه قوله ﵇: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا"، أخرجه البخاري (٤). والثناء بالشر: سب، فقيل: ذلك خاص بالمنافقين الذين شهدت الصحابة فيهم بما ظهر لهم، ولذلك قال ﵇: وجبت له النار، والمسلم لا تجب له النار، واختار هذا القول القاضي عياض (٥). وقيل: ذلك جائز فيمن كان يظهر الشر ويعلن فيه (٦) فيكون ذلك من باب: لا غيبة لفاسق (٧). وقيل: إن النهي إنما هو فيما بعد الدفن وأما قبله: فممنوع، لقوله ﵇: "لا تسبوا الأموات" والنهي عن سب الأموات متأخر، فيكون ناسخًا، والله أعلم. وقوله: "أنتم شهداء الله في الأرض"، معناه عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق والعدالة، لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث. وكذلك لو كان القائل فيه عدوًا له وإن كان فضلًا؛ لأن شهادته في حياته له كانت غير مقبولة، وكذلك الحكم في الآخرة على ما تقدم، والله أعلم.

стр. 804

وقد قيل: إن تكرار أنتم شهداء الله في الأرض ثلاثًا إشارة إلى القرون الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١). قلت: والأول أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الله سبحانه مدح هذه الأمة بالفضل والعدالة إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدلًا خيارًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني في الآخرة كما تقدم، ولا يشهد إلا العدول. وقد خرج البخاري (٢) عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: "مر على النبي ﷺ بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: وجبت، ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرًا، أو قال غير ذلك، فقال: وجبت فقيل: يا رسول الله قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت، قال: شهادة القوم (٣)، والمؤمنون شهداء الله في الأرض". وخرجه ابن ماجه (٤) بهذا الإسناد وقال: "شهادة القوم، والمؤمنون شهداء الله في الأرض". وفي بعض طرق البخاري (٥) أيضًا عن عمر ﵁ قال النبي ﷺ : "من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثًا؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان ثم لم نسأله عن (٦) الواحد". قال أبو محمد عبد الحق (٧): "وهذا الحديث مخصوص، والله أعلم،

стр. 805

والذي قبله يعطي العموم، وأن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة، والله أعلم". [قال الشيخ ﵁: ومن هذا المعنى ما ذكر هناد بن السري (١)، حدثنا إسحاق الرازي (٢) عن أبي سنان عن عبد الله بن السَّائب قال: مرت جنازة على عبد الله بن مسعود فقال لرجل: قم فانظر أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، قال الرجل: [و] (٣) ما يدريني أمن أهل الجنة هو أو من أهل النار، قال: انظر (٤) ما ثناء (٥) الناس عليه فإنهم شهداء الله في الأرض. قال أبو محمد (٦):] (٧) وغير مستنكر إذا أحب الله عبدًا أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]، وقال ﵇: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله يحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل ﵇، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وذكر في البغضاء مثل ذلك". وهذا حديث صحيح. خرجه البخاري (٨) ومسلم (٩). قال أبو محمد (١٠): "قد شوهد رجال من المسلمين علماء وصالحون (١١): كثر الثناء عليهم، وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم، ومنهم من كثر المشيعون لجنازته، وكثر الحاملون لها، والمشتغلون بها، وربما كثّر الله

стр. 806

بما شاء من [الجن] (١) المؤمنين أو غيرهم مما يكون في صورة الناس. ذكر قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي قال: مات عمرو بن قيس الملائي بناحية من فارس فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدًا. قال الرفاعي: سمعت هذا ممن لا أحصي كثرة. وكان سفيان الثوري ﵁ يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا (٢). ولما مات أحمد بن حنبل صلى عليه من المسلمين (٣) ما لا يحصى، فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ألفي ألف وثلاث مائة ألف أو نحوها، ولما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلون على قبره فصلى عليه ما لا يحصى. ولما مات الأوزاعي ﵁ اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى، ويروى أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة: اليهود والنصارى نحو من ثلاثين ألفًا لما رأوا من كثرة الخلق على جنازته ولما رأوا من العجب في ذلك اليوم. ولما مات سهل بن عبد الله التستري ﵀ انكب الناس على جنازته وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله، وكانت في البلد ضجة، فسمع بها يهودي شيخ كبير فخرج، فلما رأى الجنازة صاح وقال: هل ترون ما أرى، قالوا: وما ترى؟ قال: أرى قومًا ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة (٤) ثم أسلم وحسن إسلامه.

стр. 807

ويقال: إن الكعبة لم تخل من طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم (١) ﵀ فإنها خلت لانحسار الناس بجنازته تبركًا بها، ورغبة في الصلاة عليها. وقد شوهد من جنائز الصالحين من يشيعها الطير ويسير معها حيث سارت منهم: أبو الفيض ذو النون المصري (٢)، وأبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي (٣)، حدث بذلك الثقات، قاله أبو محمد عبد الحق في العاقبة له (٤). باب منه في صفة أهل الجنة وأهل النار مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". [قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب ﵁: الرواية بالياء بلا خلاف، وتحكَّم أبو الوليد الكناني رواه "ماثلة"، بالثاء المثلثة، وهي المتشبعة، وهذا خطأ منه وتصحيف] (٦).

стр. 808

وخرج مسلم (١) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ (٢) عن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير". فصل للعلماء في تأويل هذا الحديث وجهان: أحدهما: أنها مثلها في الخوف [والهيبة والطير أكثر الحيوانات خوفًا حتى قالوا: أحذر من غراب، وقد غلب الخوف] (٣) على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا. الثاني: أنها مثلها في الضعف والرقة، كما جاء في (٤) الحديث الآخر في أهل اليمن: "هم أرق قلوبًا، وأضعف أفئدة". قلت: ويحتمل وجهًا ثالثًا: أنها مثلها في أنها عارية (٥) من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، كما روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر أهل الجنة البله" (٦)، وهو حديث صحيح، أي البله عن معاصي الله، والله أعلم. قال الأزهري (٧): الأبله في كلامهم على وجوه يقولون: عيش أبله، إذا كان ناعمًا، ومنه أخذ بلهنية العيش. قال بعضهم: وطال ما عشت في بلهنية. والأبله: الذي لا عقل له، والأبله: الذي طبع على الخير وهو غافل عن الشر لا يعرفه، وقال: هذا هو المراد بالحديث.

стр. 809

وقال العتبي: البله الذين (١) غلبت عليهم سلامة الصدر، وحسن الظن بالناس وأنشد: ولقد لهوت بطفلة ميالة … بلهاء تطلعني على أسرارها يعني: أنها غر لا دهاء فيها (٢). قلت: ونظير ما ذكرناه، وما قاله هؤلاء الأئمة من الكتاب قوله الحق: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩]، وقوله ﵇: وقد سئل: "أي الناس أفضل؟ فقال: الصادق اللسان، المخموم القلب، قالوا: هذا الصادق اللسان قد عرفناه، فما المخموم القلب (٣)؟ قال: هو النقي الذي لا غل فيه ولا حسد (٤) ". ذكره أبو عبيد (٥)، والعرب تقول: خممت البيت: إذا كنسته، ومنه سميت الخمامة، وهي مثل القمامة والكناسة. وقال بعض العلماء (٦): في البله وجه آخر لطيف: وهو أنهم سموا بذلك لقصورهم أي عن كمال المعرفة بحق الله ، ورؤية استحقاقه للعبادة، وإيثار طلبه، والشغف بحبه، وخدمته، وطلب رضاه الذي هو حبه إذ وقفوا بخواطرهم على الجنة ونعيمها وعبدوه وأطاعوه في نيل درجاتها ولذاتها غافلين عن مراقبة عزة جلاله، وملاحظة جلاله (٧) بعكوف هممهم على نيل نعمه وأفضاله، فهم بله أيضًا بالإضافة إلى العقلاء عن الله [ ذوي الألباب المقبلة على شهادة نيل عظمة الله المتوجهين] (٨) بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه، ولهذا قال ﷺ في سياق قوله: أكثر أهل الجنة: البله، وعليون لأولي الألباب. وفي الخبر (٩) أن طائفة من العقلاء بالله تزفها الملائكة إلى الجنة

стр. 810

والناس في الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتحملوننا إلى غير بغيتنا، فيقولون: ما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٥]. ولعل هذا (١) من هذا القبيل من يسأل الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها، بل موافقة لمولاه لما علم أنه يحب أن يسأل ثوابه، ويستعاذ من عقابه، فوافق مولاه في إيثاره، لا لحظ نفسه؛ كما قال ﷺ لأحد أصحابه الذين قالوا أما أنا فأقول في دعائي: "اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ حولها ندندن". قلت: خرجه أبو داود في سننه (٢) وابن ماجه (٣). باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار مسلم (٤) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء". ومن حديث ابن عباس ﵄ في حديث كسوف الشمس: "ورأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٥).
следующие страницы →