← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بما شاء من [الجن] (١) المؤمنين أو غيرهم مما يكون في صورة الناس. ذكر قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي قال: مات عمرو بن قيس الملائي بناحية من فارس فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدًا. قال الرفاعي: سمعت هذا ممن لا أحصي كثرة. وكان سفيان الثوري ﵁ يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا (٢). ولما مات أحمد بن حنبل صلى عليه من المسلمين (٣) ما لا يحصى، فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ألفي ألف وثلاث مائة ألف أو نحوها، ولما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلون على قبره فصلى عليه ما لا يحصى. ولما مات الأوزاعي ﵁ اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى، ويروى أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة: اليهود والنصارى نحو من ثلاثين ألفًا لما رأوا من كثرة الخلق على جنازته ولما رأوا من العجب في ذلك اليوم. ولما مات سهل بن عبد الله التستري ﵀ انكب الناس على جنازته وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله، وكانت في البلد ضجة، فسمع بها يهودي شيخ كبير فخرج، فلما رأى الجنازة صاح وقال: هل ترون ما أرى، قالوا: وما ترى؟ قال: أرى قومًا ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة (٤) ثم أسلم وحسن إسلامه.

стр. 807

ويقال: إن الكعبة لم تخل من طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم (١) ﵀ فإنها خلت لانحسار الناس بجنازته تبركًا بها، ورغبة في الصلاة عليها. وقد شوهد من جنائز الصالحين من يشيعها الطير ويسير معها حيث سارت منهم: أبو الفيض ذو النون المصري (٢)، وأبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي (٣)، حدث بذلك الثقات، قاله أبو محمد عبد الحق في العاقبة له (٤). باب منه في صفة أهل الجنة وأهل النار مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". [قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب ﵁: الرواية بالياء بلا خلاف، وتحكَّم أبو الوليد الكناني رواه "ماثلة"، بالثاء المثلثة، وهي المتشبعة، وهذا خطأ منه وتصحيف] (٦).

стр. 808

وخرج مسلم (١) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ (٢) عن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير". فصل للعلماء في تأويل هذا الحديث وجهان: أحدهما: أنها مثلها في الخوف [والهيبة والطير أكثر الحيوانات خوفًا حتى قالوا: أحذر من غراب، وقد غلب الخوف] (٣) على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا. الثاني: أنها مثلها في الضعف والرقة، كما جاء في (٤) الحديث الآخر في أهل اليمن: "هم أرق قلوبًا، وأضعف أفئدة". قلت: ويحتمل وجهًا ثالثًا: أنها مثلها في أنها عارية (٥) من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، كما روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر أهل الجنة البله" (٦)، وهو حديث صحيح، أي البله عن معاصي الله، والله أعلم. قال الأزهري (٧): الأبله في كلامهم على وجوه يقولون: عيش أبله، إذا كان ناعمًا، ومنه أخذ بلهنية العيش. قال بعضهم: وطال ما عشت في بلهنية. والأبله: الذي لا عقل له، والأبله: الذي طبع على الخير وهو غافل عن الشر لا يعرفه، وقال: هذا هو المراد بالحديث.

стр. 809

وقال العتبي: البله الذين (١) غلبت عليهم سلامة الصدر، وحسن الظن بالناس وأنشد: ولقد لهوت بطفلة ميالة … بلهاء تطلعني على أسرارها يعني: أنها غر لا دهاء فيها (٢). قلت: ونظير ما ذكرناه، وما قاله هؤلاء الأئمة من الكتاب قوله الحق: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩]، وقوله ﵇: وقد سئل: "أي الناس أفضل؟ فقال: الصادق اللسان، المخموم القلب، قالوا: هذا الصادق اللسان قد عرفناه، فما المخموم القلب (٣)؟ قال: هو النقي الذي لا غل فيه ولا حسد (٤) ". ذكره أبو عبيد (٥)، والعرب تقول: خممت البيت: إذا كنسته، ومنه سميت الخمامة، وهي مثل القمامة والكناسة. وقال بعض العلماء (٦): في البله وجه آخر لطيف: وهو أنهم سموا بذلك لقصورهم أي عن كمال المعرفة بحق الله ، ورؤية استحقاقه للعبادة، وإيثار طلبه، والشغف بحبه، وخدمته، وطلب رضاه الذي هو حبه إذ وقفوا بخواطرهم على الجنة ونعيمها وعبدوه وأطاعوه في نيل درجاتها ولذاتها غافلين عن مراقبة عزة جلاله، وملاحظة جلاله (٧) بعكوف هممهم على نيل نعمه وأفضاله، فهم بله أيضًا بالإضافة إلى العقلاء عن الله [ ذوي الألباب المقبلة على شهادة نيل عظمة الله المتوجهين] (٨) بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه، ولهذا قال ﷺ في سياق قوله: أكثر أهل الجنة: البله، وعليون لأولي الألباب. وفي الخبر (٩) أن طائفة من العقلاء بالله تزفها الملائكة إلى الجنة

стр. 810

والناس في الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتحملوننا إلى غير بغيتنا، فيقولون: ما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٥]. ولعل هذا (١) من هذا القبيل من يسأل الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها، بل موافقة لمولاه لما علم أنه يحب أن يسأل ثوابه، ويستعاذ من عقابه، فوافق مولاه في إيثاره، لا لحظ نفسه؛ كما قال ﷺ لأحد أصحابه الذين قالوا أما أنا فأقول في دعائي: "اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ حولها ندندن". قلت: خرجه أبو داود في سننه (٢) وابن ماجه (٣). باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار مسلم (٤) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء". ومن حديث ابن عباس ﵄ في حديث كسوف الشمس: "ورأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٥).

стр. 811

وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أقل ساكني الجنة: النساء" (١). فصل قال علماؤنا: إنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الأخرى فيضعفن عن عمل الآخرة، والتأهب لها لميلهن إلى الدنيا والتزين بها ولها، ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الأخرى؛ لما لهن فيهن من الهوى، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن، صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة (٢) لمن يدعوهن إلى الآخرة وأعمالها من المتقين. [ومن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه: أيها الناس لا تطيعوا للنساء أمرًا ولا تدعوهن يدبرن أمر عشير (٣)؛ فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك وعصينا المالك، وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن، ولا ورع لهن عند شهواتهن، اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن، فعاهرات وأما المعصومات فهن المعدمات، فيهن ثلاث خصال من يهود: يتظلمن وهن ظالمات، ويحلفن وهن كاذبات، ويتمنعن وهن راغبات، فاستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا على حذر من خيارهن (٤)] (٥)، قال ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من

стр. 812

النساء" (١)، وسيأتي (٢). وقال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن يا معشر النساء" (٣)، [وهو معنى قوله ﵊ في الحديث المتقدم: "مائلات مميلات" قال الحافظ ابن دحية: فتحفظوا عباد الله منهن، وتجنبوا عنهن، ولا تثقوا بودهن ولا وثيق عهدهن، ففي نقصان عقلهن ودينهن ما يغني عن الإطناب فيهن] (٤). باب البخاري (٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى". وذكر ابن أبي الدنيا قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق بن الأشعث سمعت فضيل بن عياض يقول: قال ابن عباس ﵄ يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء، زرقاء، أنيابها مشوهة خلقها فتشرف على الخلائق، فيقال: تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تناحرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم، وتباغضتم، واغتررتم، ثم تقذف في جهنم، فتنادي أي رب: أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله تعالى: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها" (٦). باب ما جاء أن العرفاء في النار أبو داود (٧) عن غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده

стр. 813

[الحديث] (١) وفيه: أن أباه أرسله إلى النبي ﷺ قال (٢): إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وأنه يسألك أن يجعل لي العرافة بعده، فقال: "إن العرافة حق ولا بد للناس من عرفاء، ولكن العرفاء في النار". وفي الصحيح (٣) في قصة هوازن: "ارجعوا حتى يرفع إلي عرفائكم أمركم". فصل قال علماؤنا: العريف: القيم بأمر القبيلة والمحلة، يلي أمورهم ويتعرف أخبارهم ويعرف الأمير منه أحوالهم. وقوله: العرافة حق: يريد أن فيها مصلحة للناس، ورفقًا بهم، ألا تراه يقول: لا بد للناس من عرفاء. وقوله: في النار: معناه: التحذير من الرئاسة والتأمر على الناس؛ لما فيه من الفتنة. والله أعلم. [باب منه أبو داود الطيالسي (٤) قال: حدثنا هشام عن عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأمراء، ويل للأمناء، ويل للعرفاء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة (٥) بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يلوا عملًا"] (٦).

стр. 814

باب لا يدخل الجنة صاحب مكس ولا قاطع الرحم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] نزلت في المَكَّاسين والعَشَّارين في قول بعض العلماء. وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] الآية. مسلم (١) عن جبير بن مطعم [عن أبيه] (٢) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع"، قال ابن أبي (٣) عمر قال سفيان: قاطع رحم (٤)، ورواه البخاري (٥). أبو داود (٦) عن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس". فصل قال علماؤنا: صاحب المكس: هو الذي يعشر أموال الناس، ويأخذ من التجار والمختلفين ما لا يجب عليهم إذا مروا [به] (٧) مكسًا باسم العشر أو الزكاة، وليس هو الساعي الذي يأخذ الصدقات والحق الواجب للفقراء، وقد قدمنا أن التبديل إذا كان في الأعمال ليس في العقائد صاحبه في المشيئة إن عذب فإنه يخرج بالشفاعة على ما تقدم (٨)، وهكذا القول في أصحاب الكبائر المتوعد عليها بالنار واللعنة يخرجون بالشفاعة إذا ارتكبوها على غير وجه الاستحلال.

стр. 815

باب ما جاء في أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار أبو بكر (١) بن أبي شيبة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، ورجل عفيف متعفف ذو عيال، وعبد أحسن عبادة ربه وأدى حق مواليه، وأول ثلاثة يدخلون النار: أمير متسلط، وذو ثروة من مال (٢) لا يؤدي حقه، وفقير فخور". باب ما جاء في أول من تسعر بهم جهنم مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت (٤) رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك (٥) قاتلت لأن يقال (٦): جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم (٧)، وقرأت القرآن ليقال: هو (٨) قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن أنفق (٩) فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار"، خرّجه أبو عيسى

стр. 816

الترمذي (١) بمعناه، وقال في آخره: ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة. باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب مسلم (٢) عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألف بغير حساب، قالوا (٣): من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون". الترمذي (٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي"، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٥). أخرجه ابن ماجه (٦) أيضًا. وخرج أبو بكر البزار (٧) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل (٨) الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعون ألفًا".

стр. 817

وخرّج أيضًا (١) وأبو عبد الله الترمذي الحكيم (٢) عن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عمر ﵁: يا رسول الله فهلا استزدته؟ قال: قد استزدته فأعطاني مع كل واحد من السبعين الألف (٣) سبعين ألفًا، فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: قد استزدته (٤) فأعطاني هكذا"، وفتح أبو وهب يديه، قال أبو وهب: قال هشام: هذا من الله لا يدرى ما عدده. وخرج الترمذي الحكيم (٥) أيضًا عن نافع أن أم قيس ﵂ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج آخذًا بيدها في سكة من سكك المدينة حتى انتهى بها إلى بقيع الغرقد فقال: "يبعث منها سبعون ألفًا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب، فقام رجل فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة". قال أبو عبد الله (٦): فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف بسائر مقابر أمته؟ وإنما قال رسول الله ﷺ أنت منهم كأنه رأى فيه أنه منهم، والآخر لم يره بموضع ذلك، فقال: سبقك بها عكاشة، وأم القيس هي بنت محصن أخت عكاشة بن محصن الأسدي. قلت: خرجه مسلم في صحيحه (٧) بمعناه. فصل لا تظن أن من استرقى، واكتوى لا يدخل الجنة بغير حساب، فإن

стр. 818

النبي ﷺ رقى نفسه وأمر بالرقى، وكذلك كوى أصحابه ونفسه فيما ذكره (١) الطبري فيحمل النهي على رقى مخصوص (٢)، بدليل قول رسول الله ﷺ لآل عمرو بن حازم: "أعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (٣)، وكذلك الكي الذي لا يوجد عنه غنى، فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا منقصًا له من فضله. ويجوز أن يكون من السبعين ألفًا، وقد كوى النبي ﷺ نفسه فيما ذكره (٤) الطبري في كتاب آداب النفوس [وذكر الحليمي في كتاب المنهاج في الدين (٥): واختلفت الرواية في الكي، فروي أن النبي ﷺ اكتوى من الكَلِم الذي أصابه في وجهه يوم أحد، وكوى سعد بن زرارة من الشوكة] (٦) وكوى سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز له عرش الرَّحمن وأُبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين وقطع رجلَه عروةُ بنُ الزبير، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى. [باب منه أخبرنا ابن رواج إجازة قال: حدّثني السِّلفي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن بردويه بن فورك بن جعفر قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم الإسندبادي (٧) الهمذاني قراءة عليه في شعبان سنة تسع وأربعمائة قال: أخبرنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن إسحاق الشبني الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد المطيقي قال: ثنا

стр. 819

أبو بكر بن زنجويه قال: ثنا عثمان بن صالح قال: حدثنا ابن لهيعة عن ذراح عن بن حجيرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل غسل ثوبه فلم يجد له خلفًا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعا بشراب فلم يقل له أيهما يريد" (١). وقال ابن مسعود: من احتفر بئرًا بفلاة من الأرض، إيمانًا واحتسابًا دخل الجنة بلا حساب] (٢). باب منه ذكر أبو نعيم (٣) عن علي بن الحسين ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة نادي (٤) منادٍ: أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس، فيقال (٥): انطلقوا إلى الجنة، فتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جُهِلَ علينا حلمنا (٦)، وإذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أُسيء إلينا غفرنا، قالوا: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي منادٍ: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا [أنفسنا] (٧) على طاعة الله وصبرنا عن معاصي الله، قالوا: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العالمين. ثم ينادي منادٍ: ليقم جيران الله، فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة فتلقاهم (٨) الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، قالوا: وبم جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا

стр. 820

نتزاور في الله ونتجالس في الله ونتباذل في الله ، قالوا: ادخلوا (١) الجنة فنعم أجر العاملين. وذكر (٢) من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينادي منادٍ من بطنان العرش: أين أهل المعرفة بالله؟ أين المحسنون؟ قال: فيقوم عنق من الناس حتى يقفوا بين يدي الله تعالى، فيقول: وهم أعلم بذلك ما أنتم؟ فيقولون: نحن أهل المعرفة بك الذين عرَّفتنا إياك وجعلتنا أهلًا لذلك، فيقول: صدقتم، ثم يقول: ما عليكم من سبيل ادخلوا الجنة برحمتي، ثم تبسم رسول الله ﷺ فقال: لقد نجاهم الله من أهوال يوم القيامة". قال أبو نعيم: هذا طريق مرضي لولا الحارث بن منصور الوراق وكثرة وهمه. ابن المبارك (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحامدون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي منادٍ ثانية ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦] قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين كانوا ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، فيقومون فيسرحون إلى الجنة". وروي أنه: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب فيقومون (٤)، كأن وجوههم البدر أو الكوكب الدري

стр. 821

ركبانًا على نجب (١) من نور أزمتها من الياقوت تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم، وأنا أحببتكم، وأنا اخترتكم، اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب فلا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها، ثم إن الخلائق في المحشر موقوفون، فيقول بعضهم: يا قوم أين فلان بن فلان (٢) وذلك؛ حين يسأل بعضهم بعضًا فينادي منادٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ [يس: ٥٥]. باب منه ذكر الميانشي القرشي أبو حفص عمر (٣) من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فيأمر الله جبريل ﵇ أن يأتيهم فيسألهم من هم، [فيأتيهم فيسألهم] (٤) فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبيي (٥) ﷺ ". وخرّج عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من در، ثم ينادي منادٍ أين الفقهاء؟ وأين الأئمة والمؤدبون؟ اجلسوا على هذه فلا روع عليهم (٦) ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب" (٧). وروى يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن [ابن] (٨) أبي

стр. 822

ليلى عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مسألة واحدة يتعلمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، [وأن طالب العلم] (١)، والمرأة المطيعة لزوجها والولد البار بوالديه يدخلون الجنة مع الأنبياء بغير حساب"، نقلته من الزيادات بعد الأربعين لإسماعيل بن عبد الغافر (٢) ﵀، قال: ثنا حسين بن علي قال: ثنا يزيد بن هارون فذكره. باب [منه] (٣) [أبو نعيم عن قتادة] (٤) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة مائة ألف، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله زدنا، قال: وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قال يا رسول الله زدنا، فقال عمر ﵁: إن الله قادر على (٥) أن يدخل الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : صدق عمر" هذا حديث غريب من حديث قتادة عن أنس تفرد به عن قتادة أبو هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي، ثقة بصري. فصل لا يحملنك يا أخي هذا الحديث والذي قبله (٦) ولا ما وقع في صحيح مسلم من قوله ﵇ مخبرًا عن الله تعالى كما تقدم، فيقبض قبضة من النار على

стр. 823

التجسيم (١)، وقد تقدم (٢) القول في هذا المعنى عند قوله: ويطوي الله السماء بيمينه، وإنما المعنى: أن الله تعالى يخرج من النار خلقًا كثيرًا لا يأخذهم عدد، ولا يدخلون تحت حصر فيخرجهم دفعة واحدة بغير شفاعة أحد ولا ترتيب خروج، بل كما يلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده مرة واحدة، ذلك بالحفنة، والحثوة، والقبضة، والله أعلم. باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة وأكثر مسلم (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال (٤): يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ فقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون، قال: فذلك حين يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: فاشتد عليه (٥)، قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال: أبشروا فإن من يأجوج مأجوج ألفًا ومنكم رجل، قال: ثم قال: والذي نفسي بيده إني

стр. 824

لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة، فحمدنا وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة فحمدنا وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو (١) كالرقمة في ذراع الحمار" [خرجه البخاري (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "تكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرون صفًا طول كل صف مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرون ألف سنة، قيل: يا رسول الله كم المؤمنون؟ قال: ثلاثة صفوف، قيل له: والمشركون؟ قال: مائة وتسعة عشر صفًا، قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود"، ذكر هذا الخبر القتبي في عيون الأخبار له، وهو غريب جدًّا مخالف لصفوف المؤمنين الواردة في الأحاديث] (٣). وذكره (٤) أبو بكر بن أبي شيبة (٥) قال: ثنا ابن نمير قال: حدّثني موسى الجهني عن الشعبي قال: سمعته يقول: قال نبي الله ﷺ : "أيسرُّكم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف وإن أمتي من ذلك ثمانون صفًا"، ورواه (٦) مرفوعًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف وأنتم منها ثمانون صفًا"، في إسناده الحارث بن حصيرة ضعفه مسلم في صدر كتابه (٧).

стр. 825

وخرجه ابن ماجه (١) والترمذي (٢) عن بريدة بن خصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. فصل تقدم (٣) من حديث عبد الله بن عمرو وفيه: يقول: أخرجوا بعث النار، وفي هذا يقال لآدم: أخرج بعث النار، فقيل: [إن] (٤) آدم لما أمر أولًا بالإخراج، أمر هؤلاء الملائكة أن يخرجوا ويميزوا أهل النار عن أهل الجنة والله أعلم. [وقول الصحابة رضوان الله عليهم: أينا ذلك الرجل؟ يريدون من هو الواحد الذي لا يدخل النار توهمًا منهم أن القضية واردة فيهم، فقال ﷺ : "إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم رجلًا (٥) "، وأطلق لفظ البشارة وبيَّن أن الألف كلها في النار لكن من غير هذه الأمة المحمدية، ومن هذه الأمة واحد في الجنة (٦) على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ، وإذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد ﷺ فكانوا في الجنة أو أكثرهم؛ لأن يأجوج ومأجوج أمم لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطوف بين يديه من صلبه على ما يأتي (٧) بيانه من ذكرهم آخر الكتاب إن شاء الله تعالى] (٨).

стр. 826

[بسم الله الرَّحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا] (١). أبواب جهنم وما جاء فيها وفي أهلها وأسمائها أجارنا الله منها ذكر الله النار في كتابه ووصفها وأخبر بها على لسان نبيه ﷺ ونعتها، فقال عز من قائل: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج: ١٥ - ١٦] الشوى: جمع شواه وهي جلدة الرأس. وقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٢) مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩] مغيِّرة (٣)، يقال: لاحته الشمس ولوحته: إذا غيرته. وقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٤) مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠ - ١١]. وقال: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي ليرمين فيها، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (٥) مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٤ - ٧]. ذكر ابن المبارك (٦) عن خالد بن أبي عمران بسنده إلى النبي ﷺ قال: إن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم يعود كما كان ثم تستقبله أيضًا فتطلع على فؤاده وهو كذلك أبدًا، فذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾. وقال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ [التكوير: ١٢]: أي أوقدت وأضرمت. وقال: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٧).

стр. 827

وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وسيأتي (١) بيان هذا، فأوعد بها الكافرين، وخوَّف الطغاة المتمردين، والعصاة من الموحدين، لينزجروا عما نهاهم، فقال وقوله الحق: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا (٢)﴾ [النساء: ١٠] الآية. وقال: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]. [والآية في هذا المعنى كثير] (٣). باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها ابن المبارك (٤): أخبرنا معمر عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة وطارت أفئدتها، فلما خلق آدم ﵇ سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يجدون (٥). [وقال ميمون بن مهران (٦): فلما (٧) خلق الله جهنم أمرها فزفرت: زفرة فلم يبق في السموات السبع ملك إلا خرّ على وجهه فقال لهم الجبار ﷻ : ارفعوا رؤوسكم أما علمتم أني خلقتكم لطاعتي، وعبادتي، وخلقتها لأهل معصيتي من خلقي، فقالوا ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها فذلك قوله تعالى: ﴿[إِنَّ الَّذِينَ] (٨) هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] (٩)، فالنار عذاب الله فلا

стр. 828

ينبغي لأحد أن يعذب بها، وقد جاء النهي عن ذلك فقال: "لا تعذبوا بعذاب الله"] (١). باب ما جاء في البكاء عند ذكر النار والخوف منها ابن وهب عن زيد بن أسلم ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ومعه إسرافيل، فسلما على النبي ﷺ وإذا إسرافيل منكسر الطرف، فقال النبي ﷺ : "يا جبريل ما لإسرافيل منكسر الطرف متغير اللون؟ فقال: لاحت له آنفًا حين هبط لمحة من جهنم فذلك الذي ترى كسر طرفه". ابن المبارك (٢): أخبرنا محمد بن مطرف عن الثقة أن فتى من الأنصار دخلته (٣) خشية من النار، فكان يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ فجاءه في البيت، فلما دخل النبي ﷺ اعتنقه الفتى فخر ميتًا، فقال [النبي] (٤) ﷺ : "جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده". وروي أن عيسى ﵇ مر بأربعة آلاف امرأة متغيرات الألوان، وعليهن مدارع الشعر والصوف، فقال عيسى ﵇: ما الذي غيّر ألوانكن معاشر النسوة؟ قلن: ذكر النار غيَّر ألواننا يا ابن مريم، إن من دخل النار لا يذوق فيها بردًا ولا شرابًا، ذكره الخرائطي في كتاب القبور. وروي أن سلمان الفارسي ﵁ لما سمع قوله : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٤٣] فر ثلاثة أيام هاربًا من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى النبي ﷺ فسأله، فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي، فأنزل الله تعالى:

стр. 829

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥] الآية، ذكره الثعلبي [وغيره] (١). باب ما جاء فيمن سأل الله الجنة واستجار به من النار الترمذي (٢) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار قالت النار: اللهم أجره من النار". وروى البيهقي (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أو عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي هريرة ﵁: أن أحدهما حدثه عن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم حار ألقى الله تعالى سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ما أشد هذا اليوم، اللهم أجرني من حر نار جهنم، قال الله : إن عبدًا من عبادي استجار بي منك وإني أشهدك قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله تعالى سمعه وبصره (٤) إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته فقالوا وما زمهرير جهنم؟ قال (٥): جب (٦) يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها بعضه من بعض". باب تقرر من الكتاب والسنة أن الأعمال الصالحة والإخلاص فيها مع الإيمان

стр. 830

موصلة إلى الجنان ومباعدة من النيران وذلك يكثر إيراده والقطع به مع الموافاة على ذلك يغني عن ذكر ذلك، والله الموفق (١). ويكفيك (٢) من ذلك ما ثبت في الصحيحين (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا". الخريف: السنة. خرجه النسائي (٤) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله زحزح وجهه عن النار سبعين خريفًا"، [وخرجه أبو عيسى الترمذي (٥) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين المشرق والمغرب"، ويروى: "كما بين السماء والأرض" (٦)، هذا حديث غريب من حديث أبي أمامة. وخرج الطبراني (٧) سليمان بن أحمد حدثنا عمارة بن وثيمة المصري قال: ثنا أبي وثيمة بن موسى الفرات قال: ثنا إدريس بن يحيى الخولاني عن رجاء بن أبي عطاء عن واهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطعم أخاه حتى أشبعه، وسقاه من الماء حتى يرويه

стр. 831

بعّده الله من النار خنادق، ما بين كل خندق مسيرة مائة عام"] (١). (٢). وثبت (٣) في الصحيحين (٤) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل". لفظ مسلم. وقد تقدم بأكمل من هذا (٥). وفي كتاب أبي داود (٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم بُوعِدَ من جهنم سبعين خريفًا". قلت: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام. باب ما جاء في جهنم وأنها أدراك ولمن هي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فالنار دركات سبعة أي طبقات ومنازل، وإنما قال: أدراك ولم يقل: درجات؛ لاستعمال العرب لكل ما تسافل: أدراك (٧)، ولِمَا تَعَالى: درج، فيقول: للجنة، درج، وللنار: أدراك، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية؛ لغلظ كفره، وكثرة غوائله، وتمكنه من أذى المؤمنين. ابن وهب قال: حدّثني ابن زيد قال: قال كعب الأحبار: إن في النار لبئرًا ما فتحت أبوابها بعد مغلقة، ما جاء على جهنم يوم منذ خلقها الله تعالى إلا تستعيذ بالله من شر ما في تلك البئر؛ مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها عذاب الله ما لا طاقة لها ولا صبر لها (٨) عليه وهي الدرك الأسفل من النار.

стр. 832

وذكر ابن المبارك (١): أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن خيثمة عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: توابيت من حديد مصمتة عليهم في أسفل النار، وأخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال: سمعت حطان (٢) بن عبد الله الرقاشي يقول: سمعت عليًا ﵁ يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قال: قلنا: هي مثل أبوابنا هذه، قال: لا، هي هكذا بعضها فوق بعض. قال العلماء: وأعلى الدركات جهنم وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد ﷺ وهي التي تخلى من أهلها فتصفق الرياح أبوابها، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم (٣)، ثم الهاوية. [وقد يقال للدركات: درجات لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٤). ووقع في كتب الزهد والرقائق أسماء هذه الطبقات وأسماء أهلها من أهل الأديان على ترتيب لم يرد في أثر صحيح. قال الضحاك في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني: النصارى، وفي الثالث: اليهود، وفي الرابع: الصابئون، وفي الخامس: المجوس، وفي السادس: مشركو العرب، وفي السابع: المنافقون، والله أعلم. وقال معاذ بن جبل ﵁: وذكر العلماء السوء: من العلماء من إذا وعظ عنف، وإذا أوعظ أنف، فذلك في أول درك من النار (٥). ومن العلماء من يأخذ علمه بأخذ السلطان فذلك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يخزن علمه فذلك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من يتخير العلم والكلام (٦) لوجوه الناس ولا يرى سفلة الناس له

стр. 833

موضعًا، فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتعلم كلام اليهود والنصارى وأحاديثهم ليكثر حديثهم فذلك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا، يقول للناس: سلوني، فذلك الذي يكتب عند الله متكلفًا (١)، والله لا يحب المتكلفين، فذلك في الدرك السادس من النار، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة وعقلًا، فذلك في الدرك السابع من النار [ذكره غير واحد العلماء] (٢). قلت: ومثل هذا (٣) لا يكون رأيًا، وإنما يدرك توقيفًا، والله أعلم (٤)، ثم من هذه الأسماء ما هو علم للنار كلها بجملتها نحو جهنم وسقر ولظى (٥)، فهذه أعلام ليست لباب دون باب، [فاعلم، وفي التنزيل: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يريد النار بجملتها كما ذكرنا أجارنا الله منها] (٦). باب ما جاء أن جهنم تسعر كل يوم وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة أبو نعيم (٧) قال: ثنا سليمان بن أحمد قال: ثنا الحسين بن إسحاق التستري قال: ثنا علي بن بحر قال: ثنا سوار بن عبد العزيز عن النعمان بن المنذر عن مكحول عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن جهنم تسعر في كل يوم، وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة؛ فإنها لا تسعر يوم الجمعة ولا تفتح أبوابها". غريب من حديث عبد الله ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث النعمان. قلت: ولهذا المعنى والله أعلم كانت النافلة جائزة في يوم الجمعة عند قيام الظهيرة دون غيرها من الأيام والله أعلم.

стр. 834

باب ما جاء في صفة أبواب جهنم وأنها سبعة، وبما أعد الله فيها من العذاب (١) قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]. وعن ابن عمر ﵄ قال: رسول الله: "لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي، أو قال: أمة محمد ﷺ "، خرَّجه الإمامان الترمذيان (٢) أبو عبد الله (٣) وأبو عيسى (٤). وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول. قلت: مالك بن مغول، أبو عبد الله البجلي الكوفي، إمام ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والأئمة. وقال أُبيّ بن كعب: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية (٥). [وذكر أبو نعيم (٦) الحافظ عن عطاء الخراساني قال: إن (٧) لجهنم سبعة أبواب أشدها غمًا، وكربًا، وحرًا، وأنتنها ريحًا للزناة الذين ركبوا بعد العلم. وروي عن (٨) سلام الطويل (٩) عن أبي سفيان عن بن مالك أنس عن النبي ﷺ

стр. 835

في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ "جزء أشركوا بالله، وجزء شَكُّوا في الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء أنزلوا شهواتهم على الله، وجزء شفوا غيظهم بغضب الله، وجزء صيروا رغبتهم بحظهم عن الله، وجزء عتوا على الله" (١). ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج الدين له، وقال: فإن كان ثابتًا فالمشركون بالله: هم (٢) الثنوية، والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلهًا، أو لا إله لهم، أو يشكون في شريعته أنها من عنده أم لا، والغافلون عن الله: الذين يجحدونه أصلًا ولا يثبتونه وهم الدهرية. والمؤثرون شهواتهم على الله: هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه. والشافون غيظهم بغضب الله: هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين له، المعذبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم. والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله تعالى هم المنكرون للبعث والحساب فهم (٣) يعبدون بأي ما يرغبون فيه لهم جميعهم (٤) حظهم من الله تعالى، والعاتون عن الله: الذين لا يسألون بأن يكون ما هم فيه حقًّا أو باطلًا، ولا يتفكرون ولا يعتبرون، ولا يستبدلون والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ إن كان الحديث ثابتًا (٥)، وقال بلال: كان النبي ﷺ يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرت به أعرابية فصلت خلفه، ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾، فخرت الأعرابية مغشيًا عليها، وسمع النبي ﷺ وجبتها فانصرف، ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست، فقال النبي ﷺ : يا هذه ما لكِ؟ فقالت: أهذا شيء من

стр. 836

كتاب الله تعالى؟ أو شيء تقوله من تلقاء نفسك؟ فقال: يا أعرابية بل هو من كتاب الله المنزل، فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها، قال: يا أعرابية بل لكل باب منهم جزء مقسوم، يعذب أهل كل باب على قدر أعمالهم، فقالت: والله إني امرأة مسكينة ما لي مال، وما لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حُرٌّ لوجه الله، فأتاه جبريل فقال: يا رسول الله بشر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها" (١). باب منه وفي بُعْد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعد الله (٢) فيها من العذاب روي عن بعض (٣) أهل العلم في قول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: من الكفار والمنافقين والشياطين، بين الباب والباب خمسمائة عام، فالباب الأول يسمى جهنم؛ لأنه يتجهم في وجوه الرجال والنساء فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابًا من غيرهم، والباب الثاني يقال له: لظى نزاعة للشوى، يقال: أكلة (٤) اليدين والرجلين تدعو من أدبر عن التوحيد وتولى عما جاء (٥) به محمد ﷺ ، والباب الثالث يقال له: سقر، وإنما سمي سقر؛ لأنه يأكل لحم (٦) الرجال والنساء لا يبقي لحمًا على عظم، والباب الرابع يقال له: الحطمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ [الهمزة ٥ - ٦] تحطم العظام، وتحرق الأفئدة، قال الله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى

стр. 837

الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٧] تأخذ النار من قدميه وتطلع إلى فؤاده، وترمي بشرر كالقصر، قال الله تعالى (١): ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ "جمالات" (٢) صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣] يعني سوداء فيطلع الشرر إلى السماء، ثم ينزل فتحرق جلودهم وأيديهم وأبدانهم (٣) فيكون الدمع حتى ينفد، ثم تكون الدماء حتى تنفد، ثم يكون القيح لو أن (٤) السفن لو أرسلت تجري فيما يخرج من أعينهم لجرت. والباب الخامس يقال له: الجحيم، وإنما سمي الجحيم؛ لأنه عظيم الجمر، الواحدة أعظم من الدنيا. والباب السادس يقال له: السعير، وإنما سمى السعير؛ لأنه يسعر لم يطفأ منذ خلق، فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب، وفيه الحيّات والعقارب والقيود والسلاسل والأغلال والأنكال، وفيه "جُب الحزن ليس في النار عذاب أشد منه إذا فتح الجب حزن أهل النار حزنًا شديدًا (٥). والباب السابع يقال له (٦): الهاوية من وقع فيه لم يخرج منه أبدًا، وفيه بئر الهيهات، وذلك (٧) قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] إذا فتح الهيهات يخرج منه نار تستعيذ منه النار، وفيه الذي قال الله : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ [المدثر: ١٧] وهو جبل من نار يوضع أعداء الله، على وجوههم على ذلك الجبل مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم (٨) إلى أقدامهم والزبانية وقوف على

стр. 838

رؤوسهم بأيديهم مقامع من حديد إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة (١) سمع صوتها الثقلان أبواب النيران (٢) حديد، فرشها الشجن، غشاوتها الظلمة، أرضها نحاس ورصاص وزجاج، النار من فوقهم، والنار من تحتهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سواد مدلهمة بظلمة قد مزجت بغضب الله، ذكره العتبي في كتاب عيون الأخبار. وذكر عن ابن عباس: أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها ولا لهب، كما قال الله : ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] على كل باب سبعون ألف جبل، في كل جبل سبعون ألف شعب من نار، وفي كل شعب سبعون ألف شق من نار، في كل شق سبعون ألف وادٍ من نار في كل وادي سبعون ألف قصر من نار، في كل قصر سبعون ألف بيت من نار، في كل بيت سبعون ألف حية، وسبعون ألف عقرب، لكل عقرب سبعون ألف ذنب، لكل ذنب سبعون ألف منقار، لكل منقار سبعون ألف قلة من سم، فإذا كان القيامة كشف عنها الغطاء فتطير منها سرادق عن يمين الثقلين وأخرى عن شمالهم، وسرادق أمامهم وسرادق من فوقهم، وأخرى من ورائهم، فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم وكل ينادي رب سلم سلم]] (٣). وقال وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حرًا من الذي فوقه بسبعين ضعفًا (٤). ويقال: "لجهنم سبعة أبواب لكل باب منها سبعون واديًا، قعر كل واحد منها مسيرة سبعين عامًا، لكل واحد منها سبعون ألف شعب، في كل شعب منها سبعون ألف مغارة، وفي كل مغارة منها سبعون ألف مغارة، في جوف كل مغارة سبعون ألف شق، قعر كل شق منها مسيرة سبعين عامًا، في جوف كل شق منها سبعون ألف ثعبان، في شدق كل ثعبان منها سبعون ألف

стр. 839

عقرب، لكل عقرب منها سبعون ألف فَقَارَة (١)، في كل فَقَارَة منها قلة سم لا ينتهي الكافر ولا المنافق حتى يواقع ذلك كله" (٢) ذكره ابن وهب في كتاب الأهوال [له، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو توقيف؛ لأنه إخبار عن مغيب (٣)، وبالله تعالى التوفيق] (٤). باب ما جاء في عظم جهنم وأزمتها وكثرة ملائكتها وفي عظم خلقهم [وتفلتها من أيديهم وفي قمع النبي ﷺ إياها وردها عن أهل الموقف] (٥) مسلم (٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتي بجهنم يومئذ (٧) لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".

стр. 840

وذكر ابن وهب قال: و (١) حدّثني زيد بن أسلم قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فناجاه، ثم قام النبي ﷺ منكسر الطرف، فأرسلوا إلى علي، فقالوا: يا أبا الحسن ما بال (٢) النبي ﷺ محزونًا منذ خرج عنه جبريل؟ فأتاه علي فوضع يده على عضديه من خلفه وقبل بين كتفيه وقال ما هذا الذي نراه بك يا رسول الله؟ قال: "يا أبا الحسن أتاني جبريل فقال لي: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] وجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينا هم إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها. [وذكر أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة (٣): "أنهم يأتون بها تمشي على أربع قوائم، وتقاد بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف حلقة، لو جمع حديد الدنيا ما عدل منها حلقة واحدة على كل حلقة سبعون (٤) ألف زباني، لو أمر زباني منهم أن يدك الجبال لدكها، وأن يهد الأرض لهدها، وأنها إذا انفلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظيم (٥) شأنها، فيجثوا كل من في الموقف على الركب حتى المرسلين، ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش، هذا قد نسي الذبيح، وهذا قد نسي هارون، وهذا قد نسي مريم ﵈ ويجعل كل واحد منهم يقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم غيرها، وهو الأصح عندي، ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي سلمها ونجها يا رب، وليس في الموقف من تحمله ركبتاه، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨] وعند نقلتها تكبو من الحنق والغيظ، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ [الفرقان: ١٢]، أي

стр. 841

تعظيمًا لغيظها (١) يقوله سبحانه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]، أي تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها، فيقوم رسول الله ﷺ بأمر الله ويأخذ بخطامها ويقول لها: ارجعي مدحورة إلى خلفك حتى يأتيك أفواجك، فتقول: خل سبيل فإنك يا محمد حرام عليّ، فينادي منادٍ من سرادقات العرش: اسمعي منه (٢) وأطيعي له، ثم تجذب وتجعل عن (٣) شمال العرش، ويتحدث أهل الموقف بجذبها، فيخف وجلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وهناك ينصب الميزان" على ما تقدم (٤)] (٥). فصل هذا يبين لك ما قلناه: إن جهنم اسم عَلَمٌ لجميع النار، ومعنى يؤتى بها: يجاء بها من المحل الذي خلقها الله تعالى فيه فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما تقدم. والزمام: ما يزم به (٦) الشيء أي يشد ويربط وهذه الأزمة التي تساق بها جهنم يمنع من خروجها على أهل المحشر فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه (٧) على ما تقدم ويأتي (٨). وملائكتها (٩) كما وصفهم الله تعالى: ﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦]. وقد ذكر ابن وهب قال: وثنا عبد الرَّحمن بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في خزنة جهنم: "ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب".

стр. 842

وقال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم (١). وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠]، فالمراد: رؤساؤهم (٢)، على ما يأتي (٣). وأما جملتهم: فالعبارة عنها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. [[فصل قال العلماء (٤): إنما خُصّ النبي ﷺ بردِّها وقمعها وكفها عن أهل المحشر دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنه رآها في مسراه، وعرضت عليه في صلاته، حسب ما ثبت في الصحيح، قالوا: وفي ذلك فوائد ثمان: الأولى: أن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبون قوله: ويؤذونه أشد الأذى، أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفين به وبأمره تطمينًا لقلبه، وتسكينًا لفؤاده واجتباية (٥). الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيّب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والأسقام فأولى أن يُطَيَّبَ قلبَه في شأن أوليائه بالتحية والشفاعة والإكرام. الفائدة الثالثة: ويحتمل أنه عرضها عليه؛ ليعلم مَنّة الله تعالى عليه حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته. الفائدة الرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه؛ ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، يقول نبينا وشفيعنا محمد ﷺ : أمتي أمتي، وذلك حين

стр. 843

تسجر جهنم؛ قال الحافظ أبو الخطاب: والحكمة في ذلك أنه يفرغ إلى شفاعة أمته، ولو لم يؤمنه لكان مشغولًا بنفسه كغيره من الأنبياء. الفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها فإذا رأوها جزعوا وكفت ألسنتهم عن الخطبة والشفاعة من هولها وشغلتهم أنفسهم عن أممهم، فأما نبينا وشفيعنا محمد ﷺ فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثلما فزعوا ليقدر على الخطبة وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه ﵎ في القرآن، وثبت عنه في صحيح السنة. الفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خلقتا خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ٣٧]، والإعداد دليل على الخلق والإيجاد. الفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر؛ حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسًا بنعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء. الفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله أراد أن لا يكون لأحد كرامة لا تكون لمحمد ﷺ مثلها، ولما كان لإدريس ﵇ كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة أراد الله سبحانه أن يكون ذلك أيضًا لصفيه، ونجيه، وحبيبه، وأمينه على وحيه محمد (١) ﷺ وشرّف، وكرّم، وعظّم، وبجل، ووقر. قال جميعه الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵁ في كتاب الإبهاج (٢) في حديث المعراج]] (٣). باب منه وفي كلام جهنم وذكر أزواجها وأنه لا يجوزها (٤) إلا من عنده جواز روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: نزل

стр. 844

جبريل ﵇ على النبي ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: (٤٨] (١) قال النبي ﷺ : "يا جبريل أين يكون الناس يوم القيامة؟ قال: يا محمد يكونون على أرض بيضاء لم يعمل عليها ذنب، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: ٥]، قال النبي ﷺ : ما العهن المنفوش؟ قال: الصوف، تذوب الجبال من مخافة جهنم يا محمد، إنه ليجاء بجهنم يوم القيامة تزف زفًا عليها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك حتى تقف بين يدي الله تعالى، فيقول لها يا جهنم تكلمي، قال: فتقول: لا إله إلا الله وعزتك وعظمتك، لأنتقمنّ اليوم ممن أكل رزقك وعبد غيرك، لا يجوزني إلا من عنده جواز، قال: يقول (٢) نبي الله ﷺ : يا جبريل ما الجواز يوم القيامة؟ قال: أبشر، أبشر ألا من شهد أن لا إله إلا الله جاز جسر جهنم، قال: فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي ألهم أمتي قول لا إله إلا الله". وخرَّج أبو محمد عبد الغني الحافظ (٣) من حديث سليمان بن عمرو يتيم أبي سعيد الخدري ﵁ عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة أقبلت النار يركب بعضها بعضًا وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي ليخلين بيني وبين أزواجي أو لأغشين الناس عنقًا واحدًا، فيقولون ومن أزواجك؟ فتقول: كل متكبر جبار". باب ما جاء أن التسعة عشر خزنة جهنم قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠]. ابن المبارك (٤) قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن رجل

стр. 845

من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ (١) مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر: ٢٧ - ٣٠]، فقال: ما تسعة عشرة؟ [تسعة عشر] (٢) ألف ملك أو تسعة (٣) عشر ملكًا؟ قال: قلت: لا (٤)، بل تسعة عشر ملكًا (٥)، قال: وأنَّى يعلم ذلك؟ فقلت: لقوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]، قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكًا، بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين (٦) ألفًا. وخرج الترمذي (٧) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب رسول الله (٨) ﷺ : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد غُلِبَ أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غُلِبُوا؟ قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: فماذا قالوا؟ قال قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا، قال: أيغلب (٩) قوم سئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدَّرْمَك (١٠)، فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم: كم عدد خزنة جهنم؟ قال: وهي هكذا هكذا، في مرة عشرة ومرة تسع، قالوا: نعم، قال لهم النبي ﷺ : ما تربة
следующие страницы →