← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقيل: المراد بالأحجار: الأصنام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي حطب، وهو ما يلقى في النار مما تذكى به، وعليه فتكون الحجار والناس (١) وقودًا للنار على التأويل الأول، وعلى التأويل الثاني يكونون معذبين بالنار والحجارة. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مؤذٍ في النار" (٢)، وفي تأويله وجهان: أحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. الثاني: إن كل ما يؤذي في الدنيا من السباع والهوام وغيرهما (٣) في النار معد لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى هذه النار المخصوصة بالحجارة: هي نار الكافرين خاصة [والله أعلم] (٤). باب تعظيم جسد الكافر وأعضائه بحسب اختلاف كفره وتوزيع العذاب على العاصي المؤمن بحسب أعمال (٥) الأعضاء مسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع". الترمذي (٧) عنه (٨) عن النبي ﷺ قال: "إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا

стр. 877

وإن ضرسه مثل أحد وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة". قال: هذا حديث حسن [صحيح] (١) غريب من حديث الأعمش. وفي رواية (٢): "وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة"، أخرجه عن صالح مولى التوأمة (٣) عن أبي هريرة ﵁، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال: مثل (٤) الربذة: يعني به كما بين مكة والمدينة، والبيضاء جبل. ابن المبارك (٥) أخبرنا يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب [عن أبي هريرة] (٦) ﵁ قال: "ضرس الكافر قال: ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد يعظمون لتمتلئ منهم وليذوقوا العذاب". أخبرنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، وجبينه مثل الورقان، ومجلسه من النار كما بيني وبين الربذة، وكثف بصره سبعون ذراعًا وبطنه مثل إضم (٧). إضم: بكسر الهمزة (٨)، قاله الجوهري (٩). قلت: والورقان جبل بالمدينة، كما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة

стр. 878

بمكة: ثور وثبير وحرى، وبالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى" (١). قال ابن المبارك (٢): أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بصر جلد الكافر (٣) يعني غلظ جلده سبعون ذراعًا، وضرسه مثل أحد في سائر خلقه". وذكر عن عمرو بن ميمون: أنه يسمع بين جلد الكافر ولحمه وجسده دوي كدوي الوحش (٤). الترمذي (٥) عن أبي المخارق عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس". مسلم (٦) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم تأخذه [النار] (٧) إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجزته، ومنهم من تأخذه [النار] (٨) إلى ترقوته"، وفي رواية (٩): حقويه مكان حجزته.

стр. 879

فصل هذ الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط ليس ككفر من كفر وطغى وتمرد وعصى، ولا شك أن في النار الكفار في عذاب جهنم (١) متفاوتون، كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم (٢) على القطع والبتات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسدوا في الأرض وكفر مساويًا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي ﷺ إلى ضحضاح لنصرته إياه وذبه عنه وإحسانه إليه، وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب يصح (٣) أن يكون فيمن يعذب من الموحدين إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة حسب ما تقدم بيانه، والله أعلم. وفي خبر كعب الأحبار: يا مالك مُر النار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرؤون القرآن، يا مالك قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقدار استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه (٤) إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، وذكر الحديث، ويأتي (٥) بكماله إن شاء الله تعالى. [وذكره القتبي في عيون الأخبار له (٦) مرفوعًا عن أبي هريرة أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله إذا قضى بين خلقه، وزادت حسنات العبد دخل الجنة، وإن استوت حسناته وسيئاته حبس على الصراط أربعين سنة ثم بعد ذلك يدخل الجنة، وإن زادت سيئاته على حسناته دخل النار من باب التوحيد،

стр. 880

فيعذبون في النار على قدر أعمالهم فمنهم من تنتهي به النار إلى كعبيه، ومنهم من تنتهي (١) إلى ركبتيه، ومنهم من تنتهي النار إلى وسطه .. وذكر الحديث. وذكر الفقيه ابن برّجان: أن حديث مسلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩]، قال: وأرى والله أعلم أن هؤلاء الموصوفين في هذا الحديث أهل التوحيد، فإن الكافر لا تعاف النار منه شيئًا وكما اشتمل في الدنيا على الكفر تشمله النار في الآخرة قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] أي أن ما فوقهم ظلل لهم وما تحتهم ظلل لمن تحتهم] (٢). باب منه ابن ماجه (٣) عن الحارث بن أقيش (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من أمتي من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها". باب ما جاء في شدة عذاب أهل المعاصي وأذيتهم أهل النار بذلك مسلم (٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون". وذكره قاسم بن أصبغ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال

стр. 881

رسول الله ﷺ : "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو قتله نبي أو مصور يصور التماثيل" (١). وذكره أبو عمر بن عبد البر وابن ماجه (٢) وابن وهب من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالمًا لم ينفعه الله بعلمه" (٣) في إسناده عثمان بن مقسم البري، لم يرفعه غيره، وهو ضعيف الحديث، معتزلي المذهب، ليس حديثه بشيء، قاله أبو عمرو. وذكر ابن وهب قال: وحدثنا ابن زيد قال: يقال: إنه ليؤذي أهل النار نتن فروج الزناة يوم القيامة. ابن المبارك (٤) أخبرنا موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يذكر عن بعض من حدث: قال ثلاثة في النار قد آذوا أهل النار، وكل النار في أذى، رجال مغلقة عليهم توابيت من نار وهم في أصل الجحيم فيصيحون حتى تعلو أصواتهم أهل النار، فقال لهم أهل النار ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا متكبرين، ورجال قد شقت بطونهم يسحبون أمعاءهم في النار فقال لهم أهل النار ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نقتطع حقوق الناس بأيماننا وأماناتنا، ورجال يسعون بين الحميم والجحيم (٥) لا يقرون، قيل لهم: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نسعى بين الناس بالنميمة. أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني ثعلب بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شقي بن ماتع الأصبحي ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: أربعة يؤذون أهل النار في النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الجحيم والحميم

стр. 882

يدعون بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ قال: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحًا ودمًا، ورجل يأكل لحمه، قال: فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال: فيقول: إن الأبعد مات (١) وفي عنقه أموال الناس لم يجد قضاءها (٢) أو قال: وفاء، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال: فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم لا يغسله. ثم يقال للذي يسيل فوه قيحًا ودمًا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال: فيقول: إن الأبعد كان ينظر (٣) إلى كل كلمة قذعة خبيثة يستلذها ويستلذ الرفث بها فيذيعها، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال: فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة، [خرجه أبو نعيم الحافظ (٤)، وقال: تفرد به إسماعيل بن عيّاش، وشقي مختلف فيه، فقيل له صحبة] (٥). قلت: وقد تقدم (٦) حديث البخاري الطويل عن سمرة بن جندب وحديث ابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود ﵁ في باب ما يكون منه عذاب القبر، وحديث أبي هريرة في الذين تسعر بهم النار وغير ذلك مما تقدم في معنى هذا الباب فتأمل ذلك. وتقدم (٧) أن من ادّان أموال في غير سفه ولا إسراف (٨) ولم يجد قضاء ونيته الأداء [ومات] (٩) أن الله تعالى لا يحبسه عن الجنة ولا يعذبه، بل يرضي

стр. 883

عنه خصمه إن شاء الله ويكون الجميع في رحمته بكرمه وفضله، فأما من أدانها لينفقها في المعاصي ثم لم يقدر على الأداء فلعله الذي يعذب، والله أعلم (١). باب منه [وفي عذاب من عذب الناس في الدنيا] (٢) أبو داود الطيالسي (٣) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي نجيح عن خالد بن حكيم عن خالد بن الوليد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشدهم عذابًا للناس في الدنيا". خرجه البخاري في التاريخ (٤) فقال: ثنا علي ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي نجيح عن خالد بن حكيم بن حزام أن أبا عبيدة تناول رجلًا من أهل الأرض فكلمه خالد بن الوليد فقالوا: غضب (٥) الأمير، قال: لم أرد غضبك (٦)، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة أشدهم عذابًا للناس في الدنيا" [خرجه مسلم (٧) بمعناه من حديث هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على أناس من الأنباط (٨) بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا حبسوا في الجزية، فقال هشام أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"] (٩). باب في عذاب من أمر بالمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه وذكر الخطباء وفيمن خالف قوله فعله [وفي أعوان الظلمة كلاب النار] (١٠) البخاري (١١) عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 884

"يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه (١)، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله"، خرَّجه مسلم (٢) بمعناه (٣) أسامة (٤) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول، بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنه عن المنكر وآتيه". وخرج أبو نعيم (٥) من حديث مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وَفَتْ (٦)، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك، الذين يقولون ولا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون". وخرجه ابن المبارك (٧) قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: خطباء، أي من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب". قال (٨): وأخبرنا سفيان عن إسماعيل عن الشعبي قال: يطلع قوم من أهل

стр. 885

الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون: ما أدخلكم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله. وذكر أبو نعيم (١): حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵁ قال: حدثني أبي قال: ثنا سيار بن حاتم قال: ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء". هذا (٢) حديث غريب، تفرد به سيار بن حاتم عن جعفر، لم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل. [قال أبو إسحاق بن حمزة: ثنا محمد بن علوش بن الحسين الجرجاني، ثنا علي بن المثنى، ثنا يعقوب بن خليفة أبو يوسف الأعشى، حدثني محمد بن مسلم الطائفي، حدثني (٣) إبراهيم بن ميسرة بن طاووس عن عبد الله بن عمرو (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "الجلاوزة والشرط أعوان الظلمة كلاب النار" (٥) غريب من حديث طاووس (٦) تفرد به محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس، الجلاوزة جمع جلواز، قال الجوهري (٧): الجلواز الشرطي، والجمع الجلاوز (٨)] (٩). فصل قال بعض السادة: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل ملك عبدًا فعلمه شرائع الإسلام فأطاع وأحسن، وعصى السيدُ فإذا كان القيامة أُمر

стр. 886

بالعبد إلى الجنة وأُمر بسيده إلى النار، فيقول عند ذلك: واحسرتاه واغبناه، أما عبدي، أما كنت مالكًا لمهجته وماله، وقادرًا على جميع ماله، فما له سعد وما لي شقيت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنه تأدب وما تأدبت، وأحسن وأسأت، ورجل كسب مالًا فعصى الله تعالى في جمعه ومنعه ولم يقدمه بين يديه حتى صار إلى وارثه فأحسن في إنفاقه وأطاع الله سبحانه في إخراجه وقدمه بين يديه، فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة، وأمر بصاحب المال إلى النار، فيقول: يا (١) حسرتاه واغبناه، أما هذا مالي فما أحسنت (٢) به أحوالي وأعمالي فيناديه الملك الموكل به: لأنه أطاع الله وما أطعت وأنفق لوجهه وما أنفقت، فسعد وشقيت، ورجل علّم قومًا ووعظهم فعملوا بقوله ولم يعمل، فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة وأمر به إلى النار، فيقول: يا (٣) حسرتاه واغبناه، أما هذا علمي فما لهم فازوا به وما فزت؟ وسلموا به وما سلمت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنهم عملوا بما قلت وما عملت، فسعدوا وشقيت، ذكره أبو الفرج [بن] (٤) الجوزي رحمه الله تعالى. فصل قال إبراهيم النخعي (٥): إني لأكره القصص لثلاث آيات وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. قلت: وألفاظ هذه الآيات تدل مع ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالمًا بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه، وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين (٦) بحرمات الله

стр. 887

ومستخف لأحكامه، وهو ممن لم ينتفع بعلمه وقد قال رسول الله ﷺ : "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" (١). وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم (٢)، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى [أنفسنا] (٣) " (٤). وقوله: تندلق أي تخرج، والاندلاق: الخروج بسرعة، يقال: اندلق السيف خرج من غمده، وروينا فتنفلق بدل فتندلق. والأقتاب: الأمعاء، واحدها: قتب [بكسر القاف] (٥). وقال الأصمعي: واحدها قتبة، ويقال لها أيضًا: الأقصاب واحدها قصب، قاله أبو عبيد (٦). وقال ﷺ : "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وهو أول من سيَّب السوائب" (٧). [فصل] (٨) قلت: إن قال قائل: قد تقدم (٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن من ليس من أهل النار إذا دخلوها احترقوا فيها، وماتوا على ما ذكرتموه (١٠) في أصح القولين، وهذه الأحاديث التي جاءت في العصاة بخلافه فكيف الجمع بينهما؟ قيل له: الجمع بينهما ممكن، وذلك والله أعلم أن أهل النار الذين هم أهلها كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].

стр. 888

قال الحسن (١): تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة (٢). والعصاة بخلاف هؤلاء فيعذبون وبعد ذلك يموتون وقد تختلف أحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم. وقد قيل: إنه يجوز أن يكونوا (٣) متألمين حالة موتهم، غير أن الألم يكون أخف من ألم الكفار (٤)؛ لأن آلام المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء، دليله قوله في قصة آل فرعون (٥): ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦] (٦) فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى، ومثله ما جاء في حديث البراء من قول الكافرين: "رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة" (٧)؛ لأنه (٨) يرى أن ما يخلص له من عذاب الآخرة أشد مما هو فيه والله أعلم، وقد يكون ما جاء في الخطباء هو عذابهم في القبور في أعضاء مخصوصة كغيرهم كما في حديث سمرة الطويل على ما تقدم (٩) والله أعلم، [وقد يحتمل أن يُجمع لهم الأمران لعظيم (١٠) ما ارتكبوه من مخالفة قولهم فعلهم فنعوذ بالله من ذلك] (١١). باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ

стр. 889

الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ أي نومًا ﴿وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٦]، وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ (١) وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وقال عز من قائل: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ [الغاشية: ٥ - ٦]، وقال: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٦]، قال الهروي (٢): معناه: صديد أهل النار وما ينغسل ويسيل من أيديهم. قلت: وهو الغساق أيضًا، ذكره ابن المبارك (٣): أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم وأبي رزين في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ [ص: ٥٧] قالا: ما يسيل من صديدهم. وقيل: الغساق (٤): القيح الغليظ المنتن. وذكر ابن وهب عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: الغساق: القيح الغليظ لو أن قطرة منه تهراق [في المغرب أنتنت أهل المشرق، ولو أنها تهراق] (٥) في المشرق أنتنت أهل المغرب (٦). وقيل: الغساق: الذي لا يستطاع من شدة برده وهو الزمهرير (٧). وقال كعب: الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة فتستنقع، ويؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة فيسقط جلده ولحمه عن العظام، فيجر لحمه في كعبيه كما يجر الرجل ثوبه (٨). ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٦] أي وافق أعمالهم الخبيثة. واختلف في الضريع: فقيل (٩): هو نبت ينبت في الربيع، فإذا كان في

стр. 890

الصيف يبس، فاسمه إذا كان عليه ورقه: شبرق، وإذا تساقط ورقه فهو الضريع، فالإبل تأكله خضرًا (١) فإذا يبس لم تذقه. وقيل: هو الشوكة. وقيل: حجارة. وقيل: الزقوم (٢). وقيل: واد في جهنم. والله أعلم. وقال المفسرون: إن (٣) شجرة الزقوم في الباب السادس، وأنها تحيى بلهيب النار كما تحيى الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليها من كان فوقها فيأكلون منها. وقال أبو عمران الجوني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ قال: بلغنا أن ابن آدم لا ينتهش منها نهشة إلا نهشت منه مثلها (٤). والمهل: ما كان ذائبًا من الفضة والنحاس (٥). قيل: المهل، عكر الزيت الشديد السواد (٦). قوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ [الدخان: ٤٥ - ٤٦] يعني الماء الشديد الحر. باب منه وما جاء أن أهل النار يجوعون ويعطشون وفي دعائهم وإجابتهم قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية (٧).

стр. 891

البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربع، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدًا فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، فيجيبهم الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، فيجيبهم الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [السجدة: ١٤]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا (١) إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾، فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، ويقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فيجيبهم الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلا يتكلمون بعدها أبدًا. وخرجه ابن المبارك بأطول من هذا فقال: أخبرنا الحكم بن عمر بن أبي ليلى أحد بني عامر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني أو ذكر [لي] (٢): أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ [غافر: ٤٩] [فسألوا يومًا واحدًا يخفف عنهم فيه العذاب] (٣) فردت عليهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ [١/ ١٦٨] بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ فردت عليهم الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، قال: فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكًا وهو عليهم (٤) وله مجلس في وسطها وجسور تمر عليها ملائكة

стр. 892

العذاب فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] [قال] (١) سألوا الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال: والسنة ستون وثلاثمائة يوم والشهر ثلاثون يومًا واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فلما سمعوا منه ما سمعوا (٢) [وأيسوا] (٣) مما قبله قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قدر ترون فهلم نصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم إلى الصبر فصبروا (٤) فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أي من منجًا، قال: فقام إبليس عند ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] قال: فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، قال: فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١٠ - ١١] قال: فرد عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، قال: فهذه واحدة (٥)، فنادوا الثانية: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ قال: فرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يقول: لو شئت لهديت الناس أجمعين فلم يختلف منهم أحد: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [السجدة: ١٣ - ١٤]، قال: هذه ثنتان فنادوا الثالثة ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا (٦) إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا

стр. 893

لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ قال: هذه الثالثة، قال: ثم نادوا الرابعة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ [المؤمنون: ١٠٥] قال: فلما سمعوا صوته (١) قالوا: الآن يرحمنا فقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي الكتاب الذي كتب (٢) علينا وكنا قومًا ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه (٣) بعض وأطبقت عليهم. قال: فحدثني الأزهر بن [أبي] (٤) الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله تعالى: ﴿[هَذَا] (٥) يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. قال ابن المبارك (٦) وحدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا فلا أربعين عامًا، ثم يرد عليهم ثم يرد عليهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال: هانت والله دعوتهم على مالك ورب مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾، قال: فيسكت (٧) عنهم قدر

стр. 894

الدنيا مرتين، قال: ثم يرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فوالله ما نبس (١) القوم بعدها بكلمة وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بصوت الحمير أولها زفير وآخرها شهيق. ومعنى: ما نبس بكلمة، أي ما تكلم، [قال الجوهري (٢): يقال: ما نبس بكلمة، أي ما تكلم] (٣)، وما نبّس أيضًا بالتشديد قال الراجز: إن كنت غير صايدي فنبِّس (٤) الترمذي (٥) عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء (٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُلقى على أهل النار الجوع مع ما ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ﴿مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ [الغاشية: ٦ - ٧]، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي (٧) غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿أَوَلَمْ [تَكُ] (٨) تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، قال: فيقولون: ادعوا مالكًا فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [قال] (٩) فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال الأعمش: نبئت (١٠) أن بين (١١)

стр. 895

دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام، قال: [فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، قال] (١) فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ قال: فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون (٢) في الزفير والحسرة والويل، رفعه قطبة (٣) بن عبد العزيز عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر [بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قوله، وليس بمرفوع، وقطبة بن عبد العزيز] (٤) وهو ثقة عند أهل الحديث، والناس يوقفونه على أبي الدرداء قوله" (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: "تشويه النار فتقلص شفته العليا (٦) حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (٧). "ولسرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار (٨) مسيرة أربعين سنة ولو أن دلوا من غساق يهرق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (٩). قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وعنه عن النبي ﷺ في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قال: "كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه" (١٠). قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه.

стр. 896

قلت: وقع في هذا الحديث فروة وجهه وهو شاذ، إنما يقال: فروة رأسه أي جلدته، هذا [هو] (١) المشهور عند أهل اللغة [وكذا جاء في حديث أبي أمامة] (٢). وعن ابن حجيرة (٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان" (٤)، قال: حديث حسن صحيح غريب. وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦ - ١٧]، قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه (٥) قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٦) قال: حديث غريب. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه (٧)؟ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، خرجه ابن ماجه (٨) أيضًا.

стр. 897

باب ما جاء في بكاء أهل النار ومن أدناهم عذابًا فيها ابن المبارك (١) أخبرنا عمران بن زيد الثعلبي قال: ثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أنّ سفنًا أجريت فيها لجرت". خرّجه ابن ماجه (٢) من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت". مسلم (٣) عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه". وروي عن أبي موسى الأشعري قال (٤): "إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت فيها السفن لجرت، ثم إنهم يبكون الدم بعد الدموع ولمثل ما هم فيه فليبك" (٥). [قال الشيخ ﵁: وهو يستند من معنى ما تقدم، وفي التنزيل: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨٢]، وفي الترمذي (٦) من

стр. 898

حديث أبي ذر عن النبي ﷺ : "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (١)، فمن كثر بكاؤه خوفًا من الله تعالى وخشية منه ضحك كثيرًا في الآخرة، قال الله تعالى مخبرًا عن أهل الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]، ووصف أهل النار فقال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) (٢)] [المطففين: ٣١]، وقال: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ (٣) تَضْحَكُونَ﴾ وسيأتي (٤)] (٥). باب لكل مسلم فداء من النار (٦) من الكفار ابن ماجه (٧) قال: ثنا جبارة بن المغلس، ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد ﷺ في السجود، فسجدوا طويلًا ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم فقد جعلنا عدتكم فداءكم من النار". حدثنا جبارة بن المغلس ثنا كثير بن سُلَيْم (٨) أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذه الأمة (٩) مرحومة؛ عذابها بأيديها، فإذا [كان يوم القيامة] (١٠) دفع الله (١١) إلى كل رجل من المسلمين رجلًا من المشركين،

стр. 899

فقال: هذا فداؤك من النار" (١). قلت: هذان الحديثان وإن كان إسنادهما ليس بالقوي، قال الدارقطني: جبارة بن المغلس متروك، فإن معناهما صحيح بدليل حديث مسلم (٢) عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار". وفي رواية أخرى (٣): "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه من النار يهوديًا أو نصرانيًا. فاستحلفه عمر بن عبد العزيز ﵁ بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ ، قال: فحلف له" (٤). فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذه الأحاديث ظاهرها الإطلاق والعموم وليست كذلك، فإنما في ناس مذنبين، تفضل الله عليهم برحمته ومغفرته فأعطى كل واحد منهم فكاكًا من النار من الكفار، فاستدلوا بحديث أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى"، خرجه مسلم (٥) عن محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد قال: حدثني حرمي بن عمارة قال: حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي عن غيلان بن جرير عن أبي بردة. قالوا: ومعنى فيغفرها لهم أي يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا.

стр. 900

ومعنى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى: أنه يضاعف (١) عليهم عذاب ذنوبهم حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين لو أخذوا بذلك؛ لأنه تعالى لا يأخذ أحدًا بذنب أحد، كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وله سبحانه أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخفف عمن يشاء بحكم إرادته ومشيئته إذ ﴿لَا يُسْأَلُ (٢) عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قالوا: وقوله في الرواية الأخرى: "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله تعالى مكانه يهوديًا أو نصرانيًا"، فمعنى ذلك: أن المسلم المذنب لما كان يستحق مكانًا من النار بسبب ذنوبه وعفا الله عنه وبقي مكانه خاليًا منه أضاف الله ذلك (٣) المكان إلى يهودي أو نصراني ليعذب فيه زيادة على التعذيب مكانه الذي يستحقه بحسب كفره، ويشهد لهذا قوله ﵇ في حديث أنس للمؤمن الذي يثبت عند السؤال في القبر، فيقال له: "انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به من الجنة". قلت: قد جاءت أحاديث دالة على أن لكل مسلم مذنبًا كان أو غير مذنب منزلين، منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ [المؤمنون: ١٠]، أي يرث المؤمنون (٤) منازل الكفار ويحصل الكفار في منازلهم في النار على ما يأتي (٥) بيانه إن شاء الله تعالى، وهو مقتضى حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أن العبد إذا وضع في قبره الحديث، وقد تقدم (٦)، إلا أن هذه الوراثة تختلف، فمنهم من يرث [ولا حساب عليه، ومنهم من يرث] (٧) بحساب ومناقشة بعد الخروج من النار حسب ما تقدم (٨) من أحوال الناس، والله أعلم. وقد قيل: يحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصلوها

стр. 901

دون غيرهم وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] والله أعلم. باب في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] مسلم (١) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة". في رواية أخرى: من حديث أبي هريرة ﵁: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه عليها رجله فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض [فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا] (٢) " (٣). فصل للعلماء في قول النار: (هل من مزيد) تأويلان: أحدهما: وعدها ليملأها فقال: أوفيتك؟ فقالت: وهل من مسلك؟ أي: قد امتلأت، كما قال: امتلأ الحوض، وقال: قطني مهلًا رويدًا قد ملأت بطني. وهذا تفسير مجاهد (٤)، وغيره، وهو ظاهر الحديث. الثاني: زدني، تقول ذلك غيظًا على أهلها وحنقًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي تنشق، ويبين بعضها من بعض (٥).

стр. 902

وقوله: "حتى يضع فيها قدمه"، وفي رواية أخرى: "حتى يضع عليها قدمه"، وفي رواية أخرى: "رجله"، ولم يذكر فيها ولا عليها، فمعناه: عبارة عمن تأخر دخوله من النار من أهلها وهم جماعات كثيرة؛ لأن أهل النار يلقون فيها فوجًا فوجًا، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك: ٨]، ويؤيده أيضًا قوله في الحديث: "لا يزال يلقى فيها"، فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، كما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما في النار بيت ولا سلسلة، ولا مقمع، ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه" (١)، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه [الذي قد عرف اسمه وصفته] (٢)، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قالت الخزنة: قط قط، أي حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها، وتنطبق إذا لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله جسم من الأجسام (٣)، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، والعرب تعبر عن جماعة الناس والجراد بالرجل، فتقول: جاءنا رِجْلُ من الجراد ورجلٌ من الناس أي جماعة منهم، والجمع أرجل، ويشهد لصحة هذا التأويل (٤) قوله في نفس الحديث: "ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة"، وفي الحديث تأويلات أتينا عليها في الأسماء والصفات (٥) أشبهها ما ذكرناه والله أعلم. وفي التنزيل: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، قال ابن عباس ﵄ المعنى: منزل صدق. وقال الطبري: معنى قدم صدق: عمل صالح (٦)، وقيل: هو السابقة

стр. 903

الحسنة (١)، فدل على أن القدم ليس حقيقة في الجارحة (٢)، والله الموفق. قال ابن فورك: وقال بعضهم: القدم خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدمًا ويضيفه إليه من طريق الفعل يضعه في النار فتمتلئ النار منه. قلت: وهذا نحو ما قلناه في الرِجل. قال الشاعر: فمرَّ بنا رِجلٌ من الناس وانزوى … إليهم من الحي اليماني أرجل قبائل من لخم وعك وحِمْيَر … على ابني نزار بالعداوة أحفل وقال آخر: ترى الناس أفواجًا إلى باب داره … كأنهم رجلًا دبًا وجراد فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى … يوم رقاب بوكرت بحصاد الدبا: الجراد قبل أن يطير. باب ذكر آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وفي تعيينه وتعيين قبيلته واسمه مسلم (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني

стр. 904

لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، رجل يخرج من النار حبوًا فيقول الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، [فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تعالى: اذهب فادخل الجنة] (١)، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول: أتسخر بي، أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة". وعنه (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة؛ فإذا ما جاوزها التفت إليها (٣)، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها، فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها ترفع له شجرة عند باب الجنة أحسن من الأوليين، فيقول مثله: قال فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن ما يَصْرِيني منك (٤)، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها، فيقول: أي رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين،

стр. 905

فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألون مم أضحك؟ فقالوا: تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين، فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر (١) ". وقال ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، يقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين". ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي في كتاب الاختيار في الملح من الأخبار والآثار، ورواه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب من حديث عبد الملك بن الحكم قال: حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين، سلوه هل بقي من الخلائق أحد"، ورواه الدارقطني في كتاب رواة مالك، ذكره السهيلي. وقد قيل: إن اسمه هناد، والله أعلم. فصل قوله: أتستهزئ مني، وفي رواية: أتسخر؟ والهزو والسخرية بمعنى واحد، وفيه هنا تأويلان: أحدهما: أنه صدر منه هذا القول عند غلبة الفرح عليه واستخفافه إياه كما غلط الذي قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، خرَّجه مسلم (٢). الثاني: أن يكون معناه أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلة احتفالي بأعمالي، وعدم مبالاتي بها، فيكون هذا على جهة المقابلة، كما قال تعالى مخبرًا عن المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥] أي ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم.

стр. 906

والاستهزاء في اللغة: الانتقام. قال الشاعر: قد استهزؤوا منهم بألفي مدجج … سَراتهم وسط الضحاضح جثم ومثله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهو كثير، وسيأتي (١) لبيان الاستهزاء من الله مزيد بيان إن شاء الله تعالى، والضحك من الله راجع إلى معنى الرضى عن العبد (٢)، فاعلم ذلك. باب منه، وما جاء في خروج الموحدين من النار وذكر الرجل الذي ينادي: يا حنَّان يا منَّان، وبيان قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ [الهمزة: ٨ - ٩] وفي أحوال أهل النار خرَّج الطبراني (٣) أبو القاسم، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بسام الصيرفي عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ناسًا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يُعيرهم أهل الشرك، فيقولون: ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢] ". وروى أبو ظلال عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن عبدًا في جهنم ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان، فيقول الله تعالى لجبريل: انت عبدي

стр. 907

[فلانًا] (١)، فينطلق جبريل ﵇ فيرى أهل النار منكبين على وجوههم، قال: فيرجع، فيقول: يا رب لم أره، فيقول تعالى: إنه في مكان كذا وكذا، قال: فيأتيه فيجيء به، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: فيقول: شر مكان وشر مقيل، قال: فيقول: ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو أن تردني إذ أخرجتني منها، فيقول الله تعالى: دعوا عبدي". أبو ظلال هذا اسمه: هلال بن أبي مالك القسملي (٢)، يعد في البصريين. [وعن سعيد بن جبير قال: إن في النار لرجلًا أظنه في شعب من شعابها ينادي منذ ألف عام يا حنّان يا منّان، فيقول رب العزة لجبريل: يا جبريل اخرج عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة، فيرجع فيقول: يا رب إنها عليهم موصدة، فيقول: يا جبريل ارجع ففكها وأخرج عبدي من النار، فيفكها فيخرج مثل الخيال فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرًا ولحمًا ودمًا. ذكره أبو نعيم (٣)] (٤). وروى ليث عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي"، الحديث، وقد تقدم (٥). وفيه بعد قوله: "وأطولهم مكثًا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إن الله تعالى إذا أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان، فقالوا لهم: كنا وأنتم (٦) جميعًا في الدنيا فآمنتم وكفرنا، وصدقتم وكذبنا، وأقررتم وجحدنا، فما أغنى ذلك عنكم [نحن] (٧) وأنتم اليوم فيها سواء، تعذبون كما نعذب، وتخلدون كما نخلد،

стр. 908

فيغضب الله تعالى عند ذلك غضبًا لم يغضب في شيء فيما مضى، ولا يغضب من شيء فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والصراط، يقال له: نهر الحياة، فيرش عليهم [من] (١) الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الظل منها أخضر وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة، فيكتب في (٢) جباههم عتقاء الله من النار إلا رجلًا واحدًا يمكث فيها ألف سنة ثم ينادي يا حنان يا منان، فيبعث الله ملكًا فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانًا من النار وإني طلبته في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه، فيقول الله تعالى: انطلق فهو في وادي كذا تحت صخرة، فأخرجه، فيذهب فيخرجه منها، فيدخله الجنة، ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله أن يمحا عنهم ذلك الاسم فيبعث الله ملكًا فيمحاه عن جباههم، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين: اطلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم، فيرى الرجل أباه، ويرى جاره، ويرى صديقه، ويرى العبد مولاه، ثم إن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فيطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد تلك المسامير وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح (٣) ولا يخرج منه غم، وينساهم الرحمن على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها أبدًا وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفير وشهيق، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في عمد أي بعمد، وكذا في مصحفه: إنها عليهم موصدة بعمدٍ (٤). وذكر أبو نعيم الحافظ (٥) عن زاذان قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد [واحد] (٦)، فنزلت

стр. 909

الملائكة فصاروا صفوفًا، فيقول (١): يا جبريل ائت بجهنم، فيأتي بها جبريل تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه (٢)، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر، وتذهل العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله حتى إن إبراهيم الخليل ﵇ يقول: بخلَّتي نفسي (٣) لا أسألك إلا نفسي، [ويقول موسى، بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي] (٤)، وأن عيسى ﵇ يقول: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني، ومحمد ﵇ يقول: أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي، إنما أسألك أمتي [قال] (٥) فيجيبه الجليل تعالى: إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فوعزتي وجلالي لأقرن عينك في أمتك، ثم تقف الملائكة بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون به، فيقول لهم تعالى وتقدس (٦): معاشر الزبانية انطلقوا بالمصرين من أهل الكبائر من أمة محمد ﵇ إلى النار فقد اشتد غضبي عليهم بتهاونهم بأمري في دار الدنيا واستخفافهم بحقي وانتهاكهم حرمتي، يستخفون من الناس ويبارزونني مع كرامتي لهم وتفضيلي إياهم على الأمم ولم يعرفوا فضلي وعظيم نعمتي، فعندها تأخذ الزبانية بلحى الرجال وذوائب النساء فينطلق بهم إلى النار، وما من عبد يساق إلى النار من غير هذه الأمة إلا مسود وجهه قد وضعت الأنكال في قدميه (٧) والأغلال في عنقه إلا من كان من هذه الأمة فإنهم يساقون بألوانهم، فإذا وردوا على مالك قال لهم: معاشر الأشقياء! من أي أمة أنتم؟ فما ورد علي أحسن وجوهًا (٨) منكم، فيقولون: يا مالك نحن من أمة القرآن، فيقول لهم: معاشر الأشقياء أو

стр. 910

ليس القرآن أنزل على محمد ﷺ ؟ قال: فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء، فيقولون: وا محمداه، وا محمداه، اشفع لمن أمر به إلى النار [من أمتك، قال:] (١) فينادي مالك بتهديد (٢) وانتهار: يا مالك من أمرك (٣) بمعاتبة الأشقياء ومحادثتهم والتوقف عن إدخالهم العذاب، يا مالك لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا، يا مالك لا تغلهم بالأغلال فقد كانوا يغتسلون من الجنابة، يا مالك لا تقيدهم بالأنكال فقد طافوا بيتي الحرام، يا مالك لا تلبسهم القطران فقد خلعوا ثيابهم للإحرام، يا مالك مر النار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرؤون القرآن، يا مالك قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، فإذا انتقم الله منهم على قدر كبائرهم وعتوهم (٤) وإصرارهم فتح بينهم وبين المشركين بابًا فرأوهم (٥) في الطبق الأعلى من النار لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا، يبكون، ويقولون: يا محمداه، ارحم من أمتك الأشقياء واشفع لهم، فقد أكلت النار لحومهم ودماءهم وعظامهم، ثم ينادون يا رباه يا سيداه ارحم من لم يشرك بك في دار الدنيا وإن كان قد أساء وأخطأ وتعدى، فعندها (٦) يقول المشركون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم بالله وبمحمد، فيغضب الله تعالى لذلك، فعندها يقول: يا جبريل انطلق، فأخرج من في النار من أمة محمد ﷺ ، فيخرجهم ضبائر قد امتحشوا، فيلقيهم على نهر على باب الجنة، يقال له: نهر الحيوان، فيمكثون حتى يعودوا أنضر ما كانوا، ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوب على جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد ﷺ ، فيعرفون من بين أهل الجنة

стр. 911

بذلك، فيتضرعون إلى الله تعالى أن يمحو عنهم تلك السمة فيمحوها الله عنهم، فلا يعرفون بها بعد ذلك من أهل الجنة. وذكر أبو نعيم (١) الحافظ أيضًا عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان، وكل من يخاف الناس شره في الدنيا فيوثقون بالحديد (٢) ثم أمر بهم إلى النار ثم أوصدها عليهم، أي أطبقها، فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرارها أبدًا، ولا والله لا ينظرون إلى أديم سماء أبدًا، ولا والله لا تلتقي جفونهم (٣) على غمض نوم أبدًا، ولا والله لا يذوقون فيها بردًا (٤)، ولا شرابًا أبدًا. قال: ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة فتحوا اليوم الأبواب فلا تخافوا شيطانًا ولا جبارًا، وكلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية، قال أبو عمران: هي والله يا إخوتاه أيامكم هذه. فصل قوله: فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة من حميل السيل، وجاء في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم (٥) [ثم يقال] (٦): يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء، والمعنى واحد، والنبات معروف، وهو خروج الشيء، والحِبّة بكسر الحاء بذور البقول، وحميل السيل ما احتمله من طين [وغثاء] (٧)، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتًا، فشبه النبي ﷺ سرعة نبات أجسامهم (٨) بسرعة نبات تلك الحبة، وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، [وقوله: "وأطولهم مكثًا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى

стр. 912

يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة"، اختلف في انقضاء هذا العالم ومدة الدنيا. وأكثر المنجمون في ذلك فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة لكل واحد ألف سنة، وقال بعضهم: اثنتا عشر ألف سنة بعدد البرزخ لكل برزخ ألف سنة (١)، وقال بعضهم: ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة، وقوله: "إلا رجلًا واحدًا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنّان يا منّان"، الحنّان: الذي يُقبل على من أعرض عنه، والمنّان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، لا إله إلا هو. روى ذلك عن علي ﵁، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى (٢) مستوفى والحمد لله] (٣)، وتقدم (٤) الكلام في نحو ذلك الاسم [فلا معنى لإعادته] (٥). وقوله: "وينساهم الرحمن على عرشه"، أي يتركهم في العذاب كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٦)﴾ [التوبة: ٦٧]، أي تركوا عبادته وتوحيده فتركهم، والعرش في كلام العرب له محامل كثيرة (٧)، قد أتينا على ذكرها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، منها المُلك كما قال زهير (٨): تداركتما عبسًا وقد ثل عرشها … وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل وقال آخر: بعد ابن جفنة، وابن هاتك (٩) عرشه … والحارثين يؤملون فلاحًا

стр. 913

وتقول العرب: ثل عرش فلان: إذا ذهب ملكه وسلطانه، فالمعنى: وينساهم الرحمن على عرشه، أي ما هو عليه من الملك والسلطان والعظمة والجلال، لا يعبأ بهم ولا يلتفت إليهم لما حكم به في الأزل عليهم من خلودهم في النار، ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وأجمع العلماء: أهل السنة (١) على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها كإبليس وفرعون وهامان وقارون وكل من كفر وتكبر وطغى فإن له جهنم (٢) لا يموت فيها ولا يحيى، وقد أوعدهم الله عذابًا أليمًا. وقال عز من قائل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] (٣). وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها مؤمن ولا يخلد فيها إلا كافر جاحد فاعلمه. قلت: وقد زلّ هنا بعض من ينتمي إلى العلم [والعلماء] (٤) فقال: إنه يخرج من النار كل كافر وجاحد ومبطل ويدخل الجنة وأنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيُعكس عليه فيقال: فكذلك يجوز أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق، و (٥) قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، [وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]] (٦) وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للعقول (٧) فيما

стр. 914

اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. باب في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦] [ذكر] (١) ابن المبارك (٢): أخبرنا الكلبي عن أبي الصالح في قوله تعالى (٣): ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، قال: يقال لأهل النار وهم في النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار وهم في النار (٤)، فإذا رأوها قد فتحت اقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. قال ابن المبارك (٥): وأخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾، قال: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول: إن بين الجنة والنار كُوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى، قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥]، قال: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. أخبرنا معمر عن قتادة ﵁ قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله عرَّفه إياه ما عرفه، لقد تغير حِبره وسِبره، فعند ذلك يقول: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ

стр. 915

لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٦، ٥٧] في النار. الحِبر والسِبر: اللون (١) والهيئة من قولهم جاءت الإبل حسنة الأحبار والأسبار قاله الفراء، وقال الأصمعي: هو الجمال والبهاء وأثر النعمة، يقال: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلًا حسن الهيئة؛ قال ابن أحمر: لبسنا حبرة حتى اقتضينا … لآجال وأعمال قُضينا ويقال أيضًا: فلان حسن الحَبْر والسَبر بالفتح، وهو كأنه مصدر (٢) قولك حَبرته تحبيرًا (٣) والأول اسم وتحبير الخطِّ والشِّعْرِ وغيرهما تحسينه (٤) ". باب منه روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: ثنا أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن المستهزئين بعباد الله في الدنيا يفتح لهم أبواب الجنة يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاؤوا أغلق الباب، ويفتح لهم الثانية فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاؤوا أغلق الباب (٥)، ويفتح لهم الثالثة فيدعون فلا يجيبون قال: فيقول لهم الرب أنتم المتسهزئون بعبادي، أنتم آخر الناس حسابًا، فيقومون حتى يغرقون (٦) في عرقهم، فينادون ربنا إما صرفتنا إلى جهنم وإما إلى رضوانك" (٧)، والله أعلم.
следующие страницы →