← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بذلك، فيتضرعون إلى الله تعالى أن يمحو عنهم تلك السمة فيمحوها الله عنهم، فلا يعرفون بها بعد ذلك من أهل الجنة. وذكر أبو نعيم (١) الحافظ أيضًا عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان، وكل من يخاف الناس شره في الدنيا فيوثقون بالحديد (٢) ثم أمر بهم إلى النار ثم أوصدها عليهم، أي أطبقها، فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرارها أبدًا، ولا والله لا ينظرون إلى أديم سماء أبدًا، ولا والله لا تلتقي جفونهم (٣) على غمض نوم أبدًا، ولا والله لا يذوقون فيها بردًا (٤)، ولا شرابًا أبدًا. قال: ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة فتحوا اليوم الأبواب فلا تخافوا شيطانًا ولا جبارًا، وكلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية، قال أبو عمران: هي والله يا إخوتاه أيامكم هذه. فصل قوله: فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة من حميل السيل، وجاء في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم (٥) [ثم يقال] (٦): يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء، والمعنى واحد، والنبات معروف، وهو خروج الشيء، والحِبّة بكسر الحاء بذور البقول، وحميل السيل ما احتمله من طين [وغثاء] (٧)، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتًا، فشبه النبي ﷺ سرعة نبات أجسامهم (٨) بسرعة نبات تلك الحبة، وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، [وقوله: "وأطولهم مكثًا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى

стр. 912

يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة"، اختلف في انقضاء هذا العالم ومدة الدنيا. وأكثر المنجمون في ذلك فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة لكل واحد ألف سنة، وقال بعضهم: اثنتا عشر ألف سنة بعدد البرزخ لكل برزخ ألف سنة (١)، وقال بعضهم: ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة، وقوله: "إلا رجلًا واحدًا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنّان يا منّان"، الحنّان: الذي يُقبل على من أعرض عنه، والمنّان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، لا إله إلا هو. روى ذلك عن علي ﵁، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى (٢) مستوفى والحمد لله] (٣)، وتقدم (٤) الكلام في نحو ذلك الاسم [فلا معنى لإعادته] (٥). وقوله: "وينساهم الرحمن على عرشه"، أي يتركهم في العذاب كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٦)﴾ [التوبة: ٦٧]، أي تركوا عبادته وتوحيده فتركهم، والعرش في كلام العرب له محامل كثيرة (٧)، قد أتينا على ذكرها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، منها المُلك كما قال زهير (٨): تداركتما عبسًا وقد ثل عرشها … وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل وقال آخر: بعد ابن جفنة، وابن هاتك (٩) عرشه … والحارثين يؤملون فلاحًا

стр. 913

وتقول العرب: ثل عرش فلان: إذا ذهب ملكه وسلطانه، فالمعنى: وينساهم الرحمن على عرشه، أي ما هو عليه من الملك والسلطان والعظمة والجلال، لا يعبأ بهم ولا يلتفت إليهم لما حكم به في الأزل عليهم من خلودهم في النار، ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وأجمع العلماء: أهل السنة (١) على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها كإبليس وفرعون وهامان وقارون وكل من كفر وتكبر وطغى فإن له جهنم (٢) لا يموت فيها ولا يحيى، وقد أوعدهم الله عذابًا أليمًا. وقال عز من قائل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] (٣). وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها مؤمن ولا يخلد فيها إلا كافر جاحد فاعلمه. قلت: وقد زلّ هنا بعض من ينتمي إلى العلم [والعلماء] (٤) فقال: إنه يخرج من النار كل كافر وجاحد ومبطل ويدخل الجنة وأنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيُعكس عليه فيقال: فكذلك يجوز أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق، و (٥) قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، [وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]] (٦) وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للعقول (٧) فيما

стр. 914

اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. باب في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦] [ذكر] (١) ابن المبارك (٢): أخبرنا الكلبي عن أبي الصالح في قوله تعالى (٣): ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، قال: يقال لأهل النار وهم في النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار وهم في النار (٤)، فإذا رأوها قد فتحت اقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. قال ابن المبارك (٥): وأخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾، قال: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول: إن بين الجنة والنار كُوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى، قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥]، قال: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. أخبرنا معمر عن قتادة ﵁ قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله عرَّفه إياه ما عرفه، لقد تغير حِبره وسِبره، فعند ذلك يقول: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ

стр. 915

لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٦، ٥٧] في النار. الحِبر والسِبر: اللون (١) والهيئة من قولهم جاءت الإبل حسنة الأحبار والأسبار قاله الفراء، وقال الأصمعي: هو الجمال والبهاء وأثر النعمة، يقال: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلًا حسن الهيئة؛ قال ابن أحمر: لبسنا حبرة حتى اقتضينا … لآجال وأعمال قُضينا ويقال أيضًا: فلان حسن الحَبْر والسَبر بالفتح، وهو كأنه مصدر (٢) قولك حَبرته تحبيرًا (٣) والأول اسم وتحبير الخطِّ والشِّعْرِ وغيرهما تحسينه (٤) ". باب منه روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: ثنا أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن المستهزئين بعباد الله في الدنيا يفتح لهم أبواب الجنة يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاؤوا أغلق الباب، ويفتح لهم الثانية فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاؤوا أغلق الباب (٥)، ويفتح لهم الثالثة فيدعون فلا يجيبون قال: فيقول لهم الرب أنتم المتسهزئون بعبادي، أنتم آخر الناس حسابًا، فيقومون حتى يغرقون (٦) في عرقهم، فينادون ربنا إما صرفتنا إلى جهنم وإما إلى رضوانك" (٧)، والله أعلم.

стр. 916

[باب وقال رسول الله ﷺ : "يؤمر يوم القيامة بأناس إلى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت لأوليائك كان أهون علينا، قال ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثواب. ذكره أبو حامد (١)] (٢). باب ما جاء في ميراث أهل الجنة منازل أهل النار جاء في الخبر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار يجعل الكفار في منازلهم في النار"، خرَّجه ابن ماجه (٣) بمعناه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد (٤) إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار وورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ [المؤمنون: ١٠] إسناد صحيح. قلت: وهذا بيِّن في أن لكل إنسان منزلًا في النار ومنزلًا في الجنة كما

стр. 917

تقدم (١) وقد قال هنا (٢): "ما منكم" فخاطب أصحابه الكرام المنزهون عن الذنوب العظام [الموجبة للنيران] (٣) ﵃ وسيأتي (٤) لهذا مزيد بيان في أبواب الجنة إن شاء الله. باب ما جاء في خلود أهل الدارين وذبح الموت على الصراط ومن يذبحه البخاري (٥) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا صار] (٦) أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادي مناديًا: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم وأهل النار حزنًا إلى حزنهم". مسلم (٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا (٨)؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، قال: ثم يقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا (٩)؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت فيها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وأشار بيده إلى الدنيا". وأخرجه أبو عيسى الترمذي (١٠) عن أبي سعيد يرفعه قال: "إذا كان يوم

стр. 918

القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار فيذبح وهم ينظرون (١)، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار، قال [أبو عيسى] (٢): هذا حديث حسن صحيح. وذكر ابن ماجه (٣) في حديث فيه طول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء (٤) بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (٥)، ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم به، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدًا"، خرجه الترمذي (٦) بمعناه عن أبي هريرة مطولًا أيضًا وفيه: "إذا أدخل الله أهل الجنة الجنةَ وأهل النار النار أتي بالموت ملببًا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنةَ وأهل النار (٧) ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: تعرفون هذا؟ فيقولون هؤلاء وهؤلاء عرفناه هو الموت الذي وُكِّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحًا على السور ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت، قال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 919

فصل قلت: هذه الأحاديث مع صحتها نص في خلود أهل الدارين فيها لا إلى غاية ولا أمد معين، على الدوام والسرمد من غير موت، ولا حياة، ولا راحة، ولا نجاة (١) كما قال في كتابه الكريم وأوضح فيه من عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] (٢)، وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]. وقد تقدمت (٣) هذه المعاني كلها، فمن قال إنهم يخرجون منها وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتهلك فهو خارج عن مقتضى العقول ومخالف لما جاء به الرسول ﷺ وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وإنما تُخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهو الذي ينبت على شفيرها فيما يقال الجرجير. قال فضل بن صالح المعافري: كنا عند مالك بن أنس ﵁ ذات يوم فقال لنا انصرفوا، فلما كان العيشة رجعنا إليه فقال: إنما قلت لكم انصرفوا لأنه جاءني رجل يستأذن عليّ يزعم (٤) أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير فإنه متحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به، فقال: أستودعك الله وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀. وذكر أبو بكر البزار (٥) عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عمرو بن

стр. 920

العاص قال: "يأتي على النار زمان تخفق أبوابها (١) ليس فيها أحد، يعني من الموحدين، هكذا رواه موقوفًا من قول عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي ﷺ [ومثله لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، والله أعلم] (٢). فصل قد تقدم (٣) أن الموت معنى والكلام في ذلك وفي الأعمال وأنها لا تنقلب جوهرًا بل يخلق الله أشخاصًا من ثواب الأعمال، وكذلك الموت يخلق الله كبشًا يسميه الموت ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت ويكون ذبحه دليلًا على الخلود في الدارين (٤)، وقال الترمذي (٥): والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك وابن عيينة ووكيع، وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء وقالوا: تروى هذه الأحاديث ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء، ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف؟ وهذا أمرُ أهلٍ العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه (٦). [قال المؤلف ﵁: وإنما يؤتى بالموت كالكبش والله أعلم لما جاء أن ملك الموت ﵇ أتى آدم ﵇ في صورة كبش أملح قد نشر أجنحته أربعة آلاف جناح على ما تقدم (٧) أول الكتاب في باب ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر وفي التفسير في سورة الملك عن ابن عباس

стр. 921

ومقاتل والكلبي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فإن الموت والحياة جسمان فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس بَلْقاء (١)، وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها، خطوها مد البصر، فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي، حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس والماوردي (٢) عن مقاتل والكلبي] (٣). ومعنى يشرئبون: يرفعون رؤوسهم. والأملح من الكباش الذي يكون فيه بياض وسواد والبياض أكثر قاله الكسائي، وقال ابن الأعرابي (٤): هو النقي البياض، وذكر صاحب خلع النعلين أن هذا الكبش المذبوح بين الجنة والنار أن الذي يتولى ذبحه يحيى بن زكريا ﵇ (٥) بين يدي النبي ﷺ وبأمره الأكرم، وذكر في ذبحه كلامًا مناسبًا لحياة أهل الجنة وحياة أهل النار، وذكر صاحب كتاب العروس (٦) أن الذي يذبحه جبريل ﵇، والله أعلم؛ تم كتاب النار، بحمد الله العزيز الغفار، أجارنا الله منها بمنه وفضله وكرمه لا رب غيره (٧).

стр. 922

بسم الله الرحمن الرحيم (١) أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها وصف الله تعالى الجنة (٢) في كتابه وصفًا يقوم مقام العيان، في غير ما سورة من القرآن، وأكثر ذلك في سورة الواقعة والرحمن (٣)، وهل أتاك حديث الغاشية وسورة الإنسان، وبيَّن ذلك أيضًا نبينا ﷺ بأوضح بيان، فنذكر من ذلك ما بلغنا في الأخبار الصحاح والحسان، وعن السلف الصالح أهل الفضل والإحسان، ﵃ وحشرنا معهم آمين. ذكر ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: إن رسول الله ﷺ ليقرأ (٤) هل أتى على الإنسان حين من الدهر وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود قد كان يسأل النبي ﷺ فقال له عمر بن الخطاب ﵁: حسبك لا تثقل على النبي ﷺ ، قال: "دعه يا ابن الخطاب، قال فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله ﷺ : أخرج نفس صاحبكم أو أخيكم الشوقُ إلى الجنة" (٥). [[باب منه وهل تَفْضُلُ جنَّةٌ جنَّةً قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم وصفهما فقال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]، وعن ابن عباس في تأويل قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [جَنَّتَانِ] (٦)﴾ أي بعد أداء الفرائض جنتان، قيل على

стр. 923

حده فلكل خائف جنتان، وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر. قال (١) الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته، والمقام الموضح أي خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية (٢). وقيل: خاف قيام ربه عليه، أي إشرافه واطلاعه عليه بيانه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال مجاهد (٣) والنخعي (٤): هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه. وروي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "الجنتان بستانان في عرض الجنة" (٥) كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان داران، نور علي نور، وليس منها شيء إلا يهتز نعمةً وخضرةً قرارها ثابت وشجرها نابت (٦) "، ذكره المهدوي والثعلبي أيضًا من حديث أبي هريرة. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم (٧). وقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، قال ابن عباس: أي وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخرتان، قاله ابن عباس: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي في الدرج (٨). والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين النخل والشجر، وفي الأخريين الزرع والنبات وما انبسط، الماوردي (٩)، ويحتمل أن يكون: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلة إحداهما للحور العين،

стр. 924

والأخرى للولدان المخلدين ليتميز فيهما الذكور من الإناث. وقال ابن جريج هي أربع: جنتان منهما للسابقين المقربين، فيهما من كل فاكهة زوجان، وعينان تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين، فيهما فاكهة ونخل ورمان، وفيهما عينان نضاختان. قال ابن زيد: الأوليان من ذَهَبٍ للمقربين، والأخريان من وَرِقٍ لأصحاب اليمين (١). قال الشيخ ﵁: إلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج الدين له (٢) واحتج لما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ إلى قوله ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾، قال: تانك (٣) للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين، وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك. ولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما فقال في الأوليين: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ [الرحمن: ٥٠]، وفي الأخريين ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦] أي فوّارتان بالماء، ولكنهما ليستا كالجاريتين؛ لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢] فعمّ ولم يخص، في الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨] ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين (٤): ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦] والعبقري: الوشي، ولا شك أن ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف: كسر الخباء (٥)، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء، وقال في الأوليين في صفة (٦) الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨]، وفي الأخريين: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾

стр. 925

[الرحمن: ٧٠] وليس [كل حسن] (١) كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين] (٢): ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] وفي الأخريين: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرحمن: ٦٤]، أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق المعنى الذي عضدنا بقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله تعالى. قال الشيخ ﵁: فهذا قول، والقول الثاني أن الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أعلى وأفضل من الأوليين ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة والأخريين من ياقوت وزمرد، وقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي من أمامهما ومن قبلهما وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في نوادر الأصول (٣)، وقال: ومعنى ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ دون هاتين إلى العرش، أي أقرب وأدنى إلى العرش. وقال مقاتل: الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان: جنة الفردوس وجنة المأوى (٤). قال الشيخ ﵁: ويدل على هذا قوله ﵊: "إذا

стр. 926

سألتم الله فسألوه "الفردوس" الحديث (١)، وسيأتي (٢). قال الترمذي: وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾، أي ألوان الفاكهة والنعيم والجواري المزينات والدواب المسرجات والثياب الملونات، وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري (٣). قال الشيخ ﵁: على هذا القول تدل أقوال المفسرين، روي عن ابن عباس: نضاختان أي فوّارتان بالماء (٤)، والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء، وعنه أيضًا أن المعنى: نضاختان بالخير والبركة، وقاله الحسن (٥) ومجاهد (٦). وعن ابن عباس وابن مسعود أيضًا: ينضح على أولياء الله بالمسك والعنبر (٧) والكافور في دروب أهل الجنة، كما ينضح رش طش المطر. وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء (٨). وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾، قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وهذا ظاهر الكلام. وقال الجمهور (٩): هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفاكهة كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: إنما كررها؛ لأن النخيل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت

стр. 927

بمنزلة البُر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، وكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليه، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر (١) النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ يعني النساء الواحدة خَيْرة. قال الترمذي: فالواحدة خيرة ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال: ﴿حِسَانٌ﴾ فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الشيء شيئًا بالحسن فانظر ما هنالك، فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن، وفي الأوليين ذكر بأنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ و ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة الله وبين قاصرات الطرف ثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ وقال في الأوليين: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ فقصر طرفهن على الأزواج ولم يذكر أنهن مقصورات فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل، وقد بلغنا في الرواية أن سحابة قطرت من العرش، فخلقهن من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلًا وليس لها باب، حتى إذا حلّ ولي الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها فهي مقصورة، قد قصر بها عن أبصار المخلوقين، والله أعلم. ثم قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ اختلف في الرفرف ما هو، فقيل: كسر الخباء وجوانب الزرع، وما تدلى منها، الواحدة رفرفة، وقيل: الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح (٢) يمينًا وشمالًا ورفعًا وخفضًا، يتلذذ به مع أنيسته، فاشتقاقه على هذا من رفّ يرف إذا ارتفع، ومنه

стр. 928

رفرفة الطائر لتحريك جناحيه في الهواء وربما سمي الظَلِيم (١) رفرافًا بذلك؛ لأنه يرفرف بجناحيه ثم يعدو، ويرفرف الطائر أيضًا إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه. قال الترمذي الحكيم (٢): فالرفرف أعظم خطرًا من الفرش، فذكر في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. وقال هناد (٣): ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾، فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به أي طار به هكذا، وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح. وروي لنا في حديث المعراج أن رسول الله ﷺ لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى ستر العرش، فذكر أنه طار بي يحتضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي، ثم لما حان الانصراف، تناوله فطار به خفضًا ورفعًا يهوي به حتى إذا أتى إلى جبريل صلوات الله عليهما وجبريل يبكي ورفع صوته بالتمجيد، فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى، له خواص الأمور في محل الدنو والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما يرفرف بالولي على جانبات تلك الأزهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان. ثم قال: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾، والعبقري: ثياب منقوشة منبسطة، فإذا قال خالق النقوش بأنها حسان فما ظنك بتلك العباقر، والعبقر قرية بناحية اليمن فيما بلغنا ينسج بها بسط منقوشة، فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الجنان والرفرف الخضر، وإنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا، فبان تفاوت هاتين الجنتين.

стр. 929

وقد روي عن بعض المفسرين: فإذا هو يشير إلى أن هاتين الجنتين من دونهما أي أسفل منهما وأدون، فكيف تكون مع هذه الصفة أدون، فحسبته لم يفهم الصفة، وهذا كله في الأصل التاسع والثلاثين في كتاب نوادر الأصول (١). فصل لما قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، دل على أن الجنان أربع لا سبع، على ما يأتي (٢) بيانه إن شاء الله تعالى]] (٣). باب صفة أهل الجنة في الدنيا قال ابن وهب: وسمعت ابن زيد يقول: وصف الله تعالى أهل الجنة بالمخافة [والحزن] (٤) والبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله : ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]، قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) [بَلَى] (٥)﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٤]، وقد تقدم (٦) من صفة أهلها ما فيه كفاية. والحمد لله. باب صفة الجنة ونعيمها وما أعد الله تعالى لأهلها فيها مسلم (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله :

стр. 930

أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرًا بله ما أطلعكم (١) عليه، ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] بله معناه غير، وقيل: اسم من أسماء الأفعال بمعنى دَع. ابن ماجه (٢) أسامة عن بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: "ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيحة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام آبد، في حبرة ونضرة في دار عالية سليمة بهية قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: قولوا إن شاء الله، قالوا إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه". الترمذي (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: "يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: الماء، قلت (٤) الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من دخلها ينعم ولا يبأس. ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم"، وذكر الحديث وقال (٥): "ليس إسناده بذلك القوي وليس هو عندي بمتصل، وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ". [قال الشيخ ﵁: خرّج هذا أبو داود الطيالسي في مسنده (٦) قال: حدثنا إبراهيم بن معاوية عن سعد الطائي قال: حدثني أبو المدلة مولى أمير المؤمنين أنه سمع أبا هريرة يقول: قلنا يا رسول الله، أما إذا كنا عندك رقت قلوبنا،

стр. 931

وكنا من أهل الجنة، فإذا فارقناك، وشممنا النساء والأولاد أعجبتنا الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : "لو أنكم تكونون إذا فارقتموني كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم، ولو كنتم لا تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون كي يستغفروا فيغفر لهم، قلنا: يا رسول الله أخبرنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها الدر والياقوت، وترابها الزعفران، من دخلها يبقى ولا يبأس (١)، ويخلد ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه"] (٢). مسلم (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لابن صياد: "ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال: صدقت". وعنه (٤) أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة فقال: درمكة بيضاء مسك خالص. ابن المبارك (٥) أخبرنا معمر عن قتادة العلاء بن يزيد عن أبي هريرة ﵁ قال: حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة ودرجها اللؤلؤ والياقوت، قال: كنا نحدث أن رضراضها اللؤلؤ وترابها الزعفران. قلت: كل هذا مرفوع (٦) حسب ما تقدم في [هذا] (٧) الباب ويأتي (٨). باب ما جاء في أنهار الجنة وجبالها وما في الدنيا منها قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. وروي أنها: "تجري في غير أخدود" (٩)، منضبطة بالقدرة.

стр. 932

ويروى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أنهار في الجنة تخرج من تحت تلال أو جبال (١) مسك"، ذكره العقيلي (٢). وذكر إسماعيل بن إسحاق قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة جبال من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة، قيل: فما الأجبل؟ قال: جبل أُحد يحبنا ونحبه، والطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، والأنهار النيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم بدر وأحد والخندق وخيبر" (٣) [و] (٤) بالسند المذكور قال: غزونا مع رسول الله ﷺ أول غزوة غزاها بالأبواء حتى إذا جاء بالروحاء نزل بعرق الظُبية (٥) فصلى بهم ثم قال: هل تدرون ما اسم هذا الجبل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: هذا حصيب جبل من جبال الجنة، اللهم فبارك فيه وبارك لأهله، وقال للروحاء: هذه سَجَاسِجُ (٦) واديًا من أودية الجنة، لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيًا، ولقد مرّ بها موسى ﵇ عباءتان قَطَوانيتان (٧) على ناقة وِرْدًا في سبعين ألفًا من بني إسرائيل حتى جاء البيت العتيق (٨) الحديث، وسيأتي (٩) تمامه إن شاء الله تعالى.

стр. 933

الترمذي (١) عن حكيم بن معاوية عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد (٢) "، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحكيم بن معاوية والد بهز بن حكيم. مسلم (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة". وقال كعب: دجلة نهر ماء الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة من (٤) نهر الكوثر. وذكر البخاري (٥) من طريق شريك عن أنس ﵁ في حديث الإسراء: "فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطَّردان فقال: ما هذان (٦) يا جبريل؟ قال: النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا النهر الذي خبأ لك ربك". باب منه وما جاء في رفع هذه الأنهار آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج والقرآن والعلم ذكر أبو جعفر النحاس (٧) قرأ على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة قال: ثنا سعيد بن سابق قال: ثنا مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 934

أنزل الله (١) خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل ﵇ فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل ﷺ رفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا" (٢). قلت (٣): رفع القرآن عند خروج يأجوج ومأجوج فيه نظر، وسيأتي (٤) بيانه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. [وروى المسعودي (٥) أنه قال: مد الفرات على عهد ابن مسعود، فكره الناس مده، فقال ابن مسعود: لا تكرهوا مده، فإنه سيأتي زمان يلتمس فيه طست مملوء من الماء فلا يجدوه، فذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره فيكون بقية الماء والعيون بالشام، وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى] (٦). باب من أين تفجر أنهار الجنة البخاري (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة

стр. 935

جاهد (١) في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا (٢) نبشر الناس؟ قال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس فإنه في أوسط الجنة وأعلا الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة"، خرجه ابن ماجه (٣) أيضًا وغيره (٤). وقال أبو حاتم البُسْتي (٥): "معنى قوله: أوسط الجنة، يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض، وهو أعلى الجنة يريد في الارتفاع" (٦). وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها (٧). [وقد قيل: إن الفردوس اسم يشمل جميع الجنة، كما أن جهنم اسم لجميع النيران كلها؛ لأن الله تعالى مدح في أول سورة المؤمنين أقوامًا وصفهم، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١١] ثم أعاد ذكرهم في سورة المعارج فقال: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ [المعارج: ٣٥]، فعلمنا أن الفردوس جنات لا جنة واحدة، قاله وهب بن منبه] (٨). باب ما جاء أن الخمر شراب أهل الجنة ومن شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة وفي لباس أهل الجنة وآنيتهم النسائي (٩) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لبس الحرير في

стр. 936

الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال رسول الله ﷺ : لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة". فصل قلت: إن قال قائل قد سوّى النبي ﷺ بين الأشياء الثلاثة وأنها يحرمها في الآخرة، فهل يحرمها إذا دخل الجنة؟ قلنا نعم، إذا لم يتب منها، لقوله ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة"، خرَّجه مالك (١) عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ وكذلك لابس الحرير، ومن أكل في آنية الذهب والفضة أو شرب فيها (٢) لاستعجاله ما أخَّر الله له في الآخرة وارتكاب ما حرم عليه في الدنيا. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده (٣): حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو، وهذا نص صريح، وإسناده صحيح، فإن كان وإن (٤) دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه من قول النبي ﷺ فهو الغاية في البيان، وإن كان من قول الراوي على ما ذكرناه موقوف (٥)، فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وسيأتي (٦) لهذا [الباب] (٧) مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

стр. 937

باب ما جاء في أشجار الجنة وثمارها وما يشبه ثمر الجنة في الدنيا الترمذي (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم (٢): ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام (٣) لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]، وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ابن المبارك (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير (٥) الراكب في ظلها سبعين أو قال مائة سنة (٦)، وهي شجرة الخلد". قال (٧): وأخبرنا ابن أبي خالد (٨) عن زياد مولى بني مخزوم سمع أبا هريرة ﵁ يقول: [إن] (٩) في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة (١٠)، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ فبلغ ذلك كعبًا، فقال: صدق، والذي

стр. 938

أنزل التوراة على لسان موسى ﵇، والفرقان على محمد ﷺ ، لو أن رجلًا ركب حقة أو جذعة ثم دار في أصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرمًا، إن الله تعالى غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وأن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا ويخرج من أصل تلك الشجرة. الترمذي (١) عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وذكر له سدرة المنتهى، قال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة، أو يستظل بظلها مائة، راكب شك يحيى، فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال". قال أبو عيسى هذا حديث صحيح (٢). وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لما رفعت لي سدرة المنتهى نبقها مثل قلال هجر (٣) وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". قلت: هذا كله لفظ مسلم (٤) إلا قوله: نبقها مثل قلال هجر. أخرجه الدارقطني [في سننه] (٥) قال: ثنا أبو بكر النيسابوري قال: ثنا محمد بن يحيى قال: ثنا عبد الرزاق فذكره. [وخرّجه البخاري (٦) أيضًا من حديث قتادة حدثنا أنس بن مالك عن

стр. 939

مالك بن صعصعة قال النبي ﷺ الحديث حديث الإسراء، وفيه: "ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان" وذكر الحديث] (١). وفي حديث ابن مسعود ﵁: سدرة المنتهى صُبْرُ (٢) الجنة، قال أبو عبيدة (٣): صُبْرُها (٤) أعلاها، وكذلك صُبْرُ (٥) كل شيء أعلاه (٦)، والجمع أصْبَار (٧). قال النمر بن تولب (٨) يصف روضة: غُرِستْ (٩) وباكرها الربيع بديمة وطفاء يملأها (١٠) إلى أصبارها (١١). يعني أعاليها، وهي جماعة الصُبْر (١٢)، وقال الأحمر: الصُبْرُ جانب

стр. 940

الشيء (١) وفيه لغتان: صُبْرٌ وبُصْرُ (٢)، كما قالوا: جبذ وجذب، قال أبو عبيد (٣): وقول أبي عبيدة (٤) أعجب إليّ (٥) أن يكون في أعلاها من أن يكون في جانبها. ابن المبارك (٦) ثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون (٧): إنه لتنفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، قال رسول الله ﷺ : "وما هي؟ قال: السدر (٨)، فإن له (٩) شوكًا مؤذيًا، فقال رسول الله ﷺ : "أو ليس يقول: ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ (١٠) خضد الله تعالى شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرًا، تفتق من الثمر (١١) منها على اثنين وسبعين لون طعام ما فيه لون يشبه الآخر"، ويروى: "تمرًا"، بالتاء باثنتين فيها كلها [قاله أبو محمد عبد الحق (١٢)] (١٣). وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن يزيد البكالي عن عتبة بن عبد السلمي قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن

стр. 941

الجنة وذكر [له] (١) الحوض فقال: فيها فاكهة (٢)؟ قال: نعم، شجرة تدعى طوبي، قال: يا رسول الله أي شجر (٣) أرضنا تشبه؟ قال: لا تشبه شيئًا من شجر أرضك، أأتيت الشام؟ هناك شجرة تدعى الجوزة تنبت على ساق ويفرش أعلاها، قال: يا رسول الله فما عظم أصلها: قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها (٤) هومًا، قال: هل فيها عنب؟ قال: نعم، قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: مسيرة الغراب شهرًا لا يقع ولا يفتر، قال: فما عظم الحبة؟ قال: [أ] (٥) ما عمد أبواك وأهلك إلى جذعة فذبحها وسلخ إهابها فقال: افروا لنا منها دلوًا؟ فقال: يا رسول الله [إن] (٦) تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي؟ قال: نعم، وعامة عشيرتك. ذكره أبو عمر في التمهيد (٧) بإسناده وهو إسناد صحيح. وخرَّج مسلم (٨) من حديث ابن عباس ﵄ في صلاة الكسوف قالوا: يا رسول الله (٩)، رأيناك تناولت في مقامك شيئًا ثم رأيناك تكعكعت، قال: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا". تكعكعت: معناه: تأخرت فيقال منه: كع يكع كعوعًا: تأخر، والكع: الضعيف العاجز. قال الشاعر (١٠):

стр. 942

ولكنني أمضي على (١) ذاك مُقْدِمًا … إذا بعض من لاقى (٢) الخطوبَ تكعكعا وذكر ابن المبارك (٣): ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نُزعت ثمرة عادت مكانها أخرى (٤)، وإن ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعًا، ثم أتى على الشيخ (٥)، فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: مسروق. وذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي قال: طوبى شجرة في الجنة ليس منها دار إلا فيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، ولا ثمرة إلا هي فيها. وذكر الخطيب أبو بكر عن إبراهيم بن نوح قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ليس في الدنيا من ثمارها شيء يشبه ثمار الجنة إلا الموز؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]، وأنت تجد الموز في الصيف والشتاء (٦). وذكر الثعلبي بإسناده من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: ثنا الثقة عن أبي ذر قال: "أهدي للنبي ﷺ طبق من تين، فأكل منه، وقال لأصحابه: كلوا، فلو قلت: أن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه؛ لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس" (٧)، [وذكره أبو نصر القشيري، وهذا أتم] (٨).

стр. 943

قلت: ورأيت بخط الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف الكوفي أبي شيخنا أبي القاسم عبد الله وجدت حديثًا عليه سماع جماعة على أبي الفرج محمد بن [أبي] (١) حاتم محمود بن الحسن القزويني في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن زيد الجعفري في شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة قال: حدثنا يحيى بن الحسين، ثنا عقيل بن سمرة، حدثنا علي بن حماد الغازي، ثنا العباس بن أحمد، ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي تفكهوا بالبطيخ وعظموه فإن ماءه من الجنة وحلاوته من حلاوة الجنة، وما من عبد أكل منها لقمة إلا أدخل الله جوفه سبعين دواءً، وأخرج سبعين داء، وكتب الله تعالى له بكل لقمة عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات: ١٤٦] قال: الدباء والبطيخ من الجنة" (٢). [بابٌ في كسوة أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وقال: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. هناد بن السري (٣) قال: ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: "أهدي لرسول الله ﷺ (٤) سَرَقَة (٥) من حرير فجعلوا يتداولونها بينهم، فقال رسول الله ﷺ : [أ] (٦) تعجبون منها؟ فقالوا: نعم يا رسول الله،

стр. 944

قال: والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها". قال هناد: وثنا قبيصة عن حماد سلمة عن محمد بن عمرو بن سعد بن بن معاذ [أن] (١) عطارد بن حاجب أهدى إلى رسول الله ﷺ ثوبًا من ديباج كساه إياه كسرى، فاجتمع إليه الناس يلمسونه ويعجبون، ويقولون: يا رسول الله، أنزل إليك من السماء؟ فقال: ما تعجبون (٢) فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، يا غلام اذهب بهذا إلى أبي جهم وجئنا بأنبجانيته (٣) " (٤)] (٥). باب ما جاء إن شجر الجنة وثمارها تتفتق عن ثياب الجنة وخيلها ونجبها ابن المبارك (٦) قال: أخبرنا معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي (٧) هريرة ﵁ قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، وتتفتق عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء، وعن النجائب والثياب. النسائي (٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله أخبرنا عن ثياب الجنة أخلقًا تخلق أو نسجًا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال: لم تضحكون إن جاهلًا يسأل عالمًا، فجلس يسيرًا أو قليلًا فقال رسول الله ﷺ : أين السائل عن ثياب

стр. 945

الجنة؟ فقال: ها هو ذا (١) يا رسول الله، قال: بل تشقق عنها ثمر الجنة قالها ثلاثًا". باب ليس في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب الترمذي (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب"، قال حديث حسن غريب، [وسيأتي (٣) له مزيد بيان أيضًا في الباب بعد هذا] (٤). باب ما جاء في نخيل الجنة وثمرها (٥) ابن المبارك (٦) قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكَرَبها (٧) ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة (٨)، منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس فيها عجم. ابن وهب قال: ثنا ابن زيد قال قال: رجل يا رسول الله هل في الجنة من نخل؟ فإني أحب النخل، قال: "إي والذي نفسي بيده، لها جذوع من ذهب، وكرانيف (٩) من ذهب، وجريد من ذهب وسعف كأحسن حلل يراها أحد

стр. 946

من العالمين، وعراجين من ذهب وشماريخ من ذهب، وأقماع من ذهب، وثمارها كالقلال ألين لينًا من الزبد وأحلى حلاوة من العسل". وذكر أبو الفرج [بن] (١) الجوزي (٢) عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ : "أنه أخذ عودًا بيده، فقال يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال: فقلت: وأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر". باب الزرع في الجنة (٣) البخاري (٤) عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يومًا يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه [في] (٥) الزرع، فقال له: أو ليست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع فأسرع وبذر، فبادر الطرف نباته [واستواؤه] (٦) واستحصاده وتكويره، أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله: لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله ﷺ ". باب ما جاء في أبواب الجنة وكم هي؟ ولمن هي (٧)؟ وفي تسميتها وسعتها قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، قال

стр. 947

جماعة من أهل العلم: هذه واو الثمانية (١)، فللجنة ثمانية أبواب (٢)، واستدلوا بقوله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"، رواه عمر بن الخطاب ﵁، خرجه مسلم (٣). وجاء تعيين هذه الأبواب لبعض العمال كما في حديث الموطأ (٤) وصحيح البخاري (٥) ومسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من أحد هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه (٧) الأبواب؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم". قال القاضي عياض (٨): وذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره: بقية الثمانية، فذكر (٩) باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. قلت: ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله أبواب الجنة [في نوادر الأصول] (١٠)، فذكر باب محمد ﷺ وهو باب التوبة، فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق، فلم يفتح إلى يوم القيامة، "وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر، فباب منها للصلاة، وباب

стр. 948

للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج والجهاد (١)، وباب للصلة (٢)، وباب للعمرة" (٣)، فزاد باب الحج وباب العمرة وباب الصلة، فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابًا. وقد ذكر الآجري أبو الحسين عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بابًا يقال له: باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة، ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادخلوا"، ذكره في كتاب النصيحة. ولا يبعد أن يكون لها ثالث عشر، على ما ذكره أبو عيسى الترمذي (٤) عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجود (٥) ثلاثًا، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول"، قال الترمذي: سألت محمدًا (٦) عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله. قلت: فقوله: باب أمتي، يدل على أنه لسائر أمته ممن لم يغلب عليه عمل، فيدعي به، وعلى هذا يكون ثالث عشر. ولهذا يدخلون مزدحمين، وقد تقدم أن أكثر أهل الجنة البله، والله أعلم. ومما يدل على أنها أكثر من ثمانية حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله

стр. 949

وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من نفسه أو قلبه، شك، أيهما قال، فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء"، وخرجه الترمذي (١) وغيره (٢). قال [أبو] عمر (٣) بن عبد البر في كتاب التمهيد (٤)] (٥): هكذا قال: فتح له من أبواب الجنة. وذكره أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن سَنْجِر (٨): "فتحت له أبواب الجنة الثمانية"، وليس فيها ذكر "من" فعلى هذا أبواب الجنة ثمانية، كما قالوا. قلت: قد ذكرنا أنها أكثر من ثمانية، وبالله توفيقنا، وأما كون الواو في: وفتحت أبوابها واو الثمانية، وأن أبواب الجنة كذلك ثمانية، فقد جاء ما يدل على أنها ليست كذلك، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] فخلو المتكبر، وهو ثامن اسم من الواو يدل على بطلان ذلك القول، وتضعيفه، والله أعلم. وقد بيناه في سورة براءة والكهف من كتاب أحكام القرآن (٩)، والحمد لله. وقد خرج مسلم (١٠) عن خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرًا على البصرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر الحديث على ما تقدم (١١)، وفيه ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين من مصاريع

стр. 950

الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام"، الحديث. وخرّج (١) عن أنس ﵁ في حديث الشفاعة: "والذي نفس محمد بيده: إنما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما (٢) مكة وهجر، أو كما مكة وبُصْرى". وخرّج (٣) عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلنّ الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف، لا يدري أبو حازم (٤) أيهما قال: متماسكون آخذًا (٥) بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر"، فهذه الأحاديث مع صحتها تدل على أنها أكثر من ثمانية؛ إذ هي غير ما تقدم، فيحصل منها والحمد لله [على هذا] (٦) ستة عشر بابًا، والله أعلم. [وقد ذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتاب التحبير (٧): وقال رسول الله ﷺ : "الخُلُق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها تدخله في ذلك الباب إلى الجنّة، والخلق السوء طوق من سخط الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من عذاب الله، والسلسة مشدودة إلى حلقة من باب النار حيث ما ذهب الخلق السوء جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى النار" (٨).
следующие страницы →