← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21536

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق

القرطبي

Полный текст (1 348 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

من العالمين، وعراجين من ذهب وشماريخ من ذهب، وأقماع من ذهب، وثمارها كالقلال ألين لينًا من الزبد وأحلى حلاوة من العسل". وذكر أبو الفرج [بن] (١) الجوزي (٢) عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ : "أنه أخذ عودًا بيده، فقال يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال: فقلت: وأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر". باب الزرع في الجنة (٣) البخاري (٤) عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يومًا يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه [في] (٥) الزرع، فقال له: أو ليست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع فأسرع وبذر، فبادر الطرف نباته [واستواؤه] (٦) واستحصاده وتكويره، أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله: لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله ﷺ ". باب ما جاء في أبواب الجنة وكم هي؟ ولمن هي (٧)؟ وفي تسميتها وسعتها قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، قال

стр. 947

جماعة من أهل العلم: هذه واو الثمانية (١)، فللجنة ثمانية أبواب (٢)، واستدلوا بقوله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"، رواه عمر بن الخطاب ﵁، خرجه مسلم (٣). وجاء تعيين هذه الأبواب لبعض العمال كما في حديث الموطأ (٤) وصحيح البخاري (٥) ومسلم (٦) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من أحد هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه (٧) الأبواب؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم". قال القاضي عياض (٨): وذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره: بقية الثمانية، فذكر (٩) باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. قلت: ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله أبواب الجنة [في نوادر الأصول] (١٠)، فذكر باب محمد ﷺ وهو باب التوبة، فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق، فلم يفتح إلى يوم القيامة، "وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر، فباب منها للصلاة، وباب

стр. 948

للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج والجهاد (١)، وباب للصلة (٢)، وباب للعمرة" (٣)، فزاد باب الحج وباب العمرة وباب الصلة، فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابًا. وقد ذكر الآجري أبو الحسين عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بابًا يقال له: باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة، ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادخلوا"، ذكره في كتاب النصيحة. ولا يبعد أن يكون لها ثالث عشر، على ما ذكره أبو عيسى الترمذي (٤) عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجود (٥) ثلاثًا، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول"، قال الترمذي: سألت محمدًا (٦) عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله. قلت: فقوله: باب أمتي، يدل على أنه لسائر أمته ممن لم يغلب عليه عمل، فيدعي به، وعلى هذا يكون ثالث عشر. ولهذا يدخلون مزدحمين، وقد تقدم أن أكثر أهل الجنة البله، والله أعلم. ومما يدل على أنها أكثر من ثمانية حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله

стр. 949

وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من نفسه أو قلبه، شك، أيهما قال، فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء"، وخرجه الترمذي (١) وغيره (٢). قال [أبو] عمر (٣) بن عبد البر في كتاب التمهيد (٤)] (٥): هكذا قال: فتح له من أبواب الجنة. وذكره أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن سَنْجِر (٨): "فتحت له أبواب الجنة الثمانية"، وليس فيها ذكر "من" فعلى هذا أبواب الجنة ثمانية، كما قالوا. قلت: قد ذكرنا أنها أكثر من ثمانية، وبالله توفيقنا، وأما كون الواو في: وفتحت أبوابها واو الثمانية، وأن أبواب الجنة كذلك ثمانية، فقد جاء ما يدل على أنها ليست كذلك، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] فخلو المتكبر، وهو ثامن اسم من الواو يدل على بطلان ذلك القول، وتضعيفه، والله أعلم. وقد بيناه في سورة براءة والكهف من كتاب أحكام القرآن (٩)، والحمد لله. وقد خرج مسلم (١٠) عن خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرًا على البصرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر الحديث على ما تقدم (١١)، وفيه ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين من مصاريع

стр. 950

الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام"، الحديث. وخرّج (١) عن أنس ﵁ في حديث الشفاعة: "والذي نفس محمد بيده: إنما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما (٢) مكة وهجر، أو كما مكة وبُصْرى". وخرّج (٣) عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلنّ الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف، لا يدري أبو حازم (٤) أيهما قال: متماسكون آخذًا (٥) بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر"، فهذه الأحاديث مع صحتها تدل على أنها أكثر من ثمانية؛ إذ هي غير ما تقدم، فيحصل منها والحمد لله [على هذا] (٦) ستة عشر بابًا، والله أعلم. [وقد ذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتاب التحبير (٧): وقال رسول الله ﷺ : "الخُلُق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها تدخله في ذلك الباب إلى الجنّة، والخلق السوء طوق من سخط الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من عذاب الله، والسلسة مشدودة إلى حلقة من باب النار حيث ما ذهب الخلق السوء جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى النار" (٨).

стр. 951

وذكر صاحب الفردوس (١) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : "للجنة باب يقال له باب الفرح لا يدخل منه إلا من فرّح الصبيان"] (٢). فصل قوله: من أنفق زوجين في سبيل الله، قال الحسن البصري ﵀: يعني اثنين من كل شيء، دينارين، درهمين، ثوبين، خفين (٣). وقيل: يريد شيئين: دينارًا ودرهمًا، وثوبًا وخفًا ولجامًا، ونحو هذا. وقال الباجي: (٤) يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين. قلت: والأول من التفسير أعلا (٥)؛ لأنه مروي عن النبي ﷺ ، ذكر الآجري عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة، ثم قال ﵇: بعيرين، درهمين، ترسين، نعلين" (٦)، وأما ما جاء من سعة أبواب الجنة فيحتمل أن يكون بعضها (٧) سعته كذا [وبعضها سعته كذا] (٨)، كما ورد في الأخبار، ولا تعارض، والحمد لله.

стр. 952

باب روى البخاري (١) ومسلم (٢) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون، فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد (٣) ". قلت: وكذا والله أعلم سائر الأبواب المختصة بالأعمال (٤). وجاء في حديث أبي هريرة ﵁: "أن من الناس من يدعى من جميع الأبواب" (٥)، فقيل: ذلك الدعاء دعاء تنويه وإعطاؤه ثواب العاملين تلك الأعمال؛ إذ [قد] (٦) جمعها ونيله ذلك، ثم يدخل من الباب الذي عليه العمل (٧)، والله أعلم. وفي صحيح مسلم (٨): "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر ﵁: [أنا] (٩)، قال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة". باب خرّج أبو داود الطيالسي (١٠) في مسنده (١١) قال: ثنا جعفر بن الزبير الحنفي عن القاسم مولى يزيد بن معاوية عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "انطلق برجل إلى باب الجنة فرفع رأسه فإذا على باب الجنة مكتوب: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض الواحد بثمانية عشر؛ لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا

стр. 953

وهو محتاج، والصدقة ربما وضعت في غناء"، خرجه ابن ماجه في السنن (١) فقال (٢): حدثنا عبيد الله عبد الكريم حدثنا هشام بن خالد ثنا خالد بن زيد بن أبي مالك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوب: الصدقة بعشر أمثالها والقرض ثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن (٣) السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة"] (٤). باب ما جاء في درج الجنة وما يحصلها للمؤمن الترمذي (٥) عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، وإن أعلاها الفردوس، وأوسطها الفردوس، وإن العرش على الفردوس، منها تفجر أنهار الجنة، إذا سألتم الله فسلوه الفردوس"، قال الترمذي: عطاء لم يدرك معاذ بن جبل. قلت: قد خرجه البخاري من حديث أبي هريرة كما تقدم (٦)، فهو متصل صحيح. وذكر (٧) ابن وهب قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم أنه سمع عتبة بن عبيد الضبي يذكر عمن حدثه أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، "كم الجنة من درجة (٨)؟ قال: مائة درجة، بين كل درجتين ما بين

стр. 954

السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها [وأبوابها] (١) وسررها ومغاليقها من فضة، والدرجة الثانية دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، وسبع وتسعون درجة لا يعلم ما هي إلا الله تعالى (٢) ". الترمذي (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم"، قال: هذا حديث غريب. ابن ماجه (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه". وخرجه [أبو داود (٥)] (٦) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل، كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وذكر أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب الاختيار الملح من الأخبار والآثار (٧) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "درج الجنة على قدر (٨) آي القرآن، لكل آية درجة، فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة عشر آية، بين كل درجتين مقدار ما بين السماء إلى الأرض، فينتهي إلى أعلى

стр. 955

عليين، لها سبعون ألف ركن، وهي ياقوتة تضيء مسيرة أيام وليالي" (١). وقالت عائشة ﵄: إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن (٢)، ذكره مكي (٣) ﵀. فصل قال العلماء [رحمة الله عليهم] (٤): حملة القرآن وقراؤه: هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه، والعاملون بما فيه. وقال مالك (٥): قد يقرأ القرآن من لا خير فيه، وقد تقدم (٦) حديث العباس بن عبد المطلب في أبواب النار، وحديث أبي هريرة فيمن تعلم العلم وقرأ القرآن عجبًا ورياءً بما فيه كفاية لمن تدبر. وروى [أبو] (٧) هدبة إبراهيم بن هدبة قال: ثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم القرآن وعلمه (٨) [وأخذ بما فيه كان له شفيعًا ودليلًا إلى الجنة، ومن تعلم القرآن] (٩) ولم يأخذ بما فيه، وحرّفه، كان له شفيعًا ودليلًا إلى جهنم". وفي البخاري (١٠): "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به [كالأترجَّة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به] (١١) كالتمرة"، وذكر الحديث. وقد أشبعنا القول في قارئ القرآن وأحكامه في كتاب التذكار في أفضل الأذكار (١٢)، وفي مقدمة جامع أحكام القرآن بما فيه كفاية،

стр. 956

والحمد لله. وتقدم (١) أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، فالجهاد يحصل مائة درجة (٢)، وقراءة القرآن تحصل جميع الدرجات، والله المستعان على ذلك والإخلاص فيه بمنه وكرمه. باب ما جاء في غرف الجنة ولمن هي قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآية، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. مسلم (٣) عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، قالوا يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين". وخرج الترمذي الحكيم (٤) قال: ثنا صالح بن محمد قال: ثنا سليمان بن عمرو عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ قال: "الغرفة من ياقوتة حمراء، وزبرجدة خضراء، أو درة بيضاء، ليس فيها قصم ولا وصل، وإن أهل الجنة ليتراؤون الغرفة منها كما يتراؤون الكوكب الشرقي أو الغربي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر ﵄ منهما، وأنعما". وقال (٥): ثنا صالح عن عبد الله وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالوا: ثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث عن

стр. 957

عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن المتحابين في الله تعالى لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود، سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول أهل الجنة بعضهم [لبعض] (١): انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله تعالى فإذا أشرفوا أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا (٢)، عليهم ثياب خضر سندس، مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله تعالى". وذكر الثعلبي من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل عليين (٣) لينظرون إلى الجنة، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال: أشرف رجل من أهل عليين الأبرار، أهل الطاعة والصدق". وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "إن أهل الغرف ليتراؤون عليين كما يتراؤون الكوكب الدري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" ﵄ ذكره الثعلبي. الترمذي (٤) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام إليه أعرابي، فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام". وذكر أبو نعيم (٥) الحافظ من حديث محمد بن واسع عن الحسن عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات فقال: "ألا أخبركم بغرف الجنة، غرفًا من ألوان الجواهر"، يرى ظاهرها من باطنها،

стр. 958

وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا أذنٌ سمعت، ولا عينٌ رأت، فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله لمن تلك؟ قال: لمن أفشى السلام وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وصلى والناس نيام، فقلت: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ فقال: أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم (١) بمن يطيق ذلك، من لقي أخاه المسلم وسلم عليه فقد (٢) أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام (٣) الصيام، ومن صلى العشاء الآخرة في جماعة فقد صلى والناس نيام: اليهود والنصارى والمجوس". فصل اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف (٤) أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع. وقوله: الغابر من المشرق أو المغرب: يروى: بالياء اسم فاعل من غار، وقد روى غير مسلم (٥): الغارب بتقديم الراء، والمعنى واحد. وروي: الغابر (٦): بالباء، بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، فإن غبر من الأضداد، يقال: غبر، إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه، بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بينه بقوله: من المشرق أو المغرب. "وقد روي: العاير، بالعين المهملة والراء: البعيد" (٧)، ومعانيها: كلها متقاربة (٨)، والحمد لله (٩).

стр. 959

وقوله: والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، ولم يذكر (١) عملًا ولا شيئًا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين (٢)؛ ذلك ليعلم (٣) أنه غني عن الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية أو تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جمع الموحدين في أعالي الدرجات وأرفع الغرفات وهذا محال، وقد قال تعالى (٤): ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، والصبر: بذل النفس والثبات له وقوفًا بين يديه بالقلوب عبودة، وهذه صفة المقربين، وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧] فذكر شأن الغرفة [و] (٥) أنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بين لهم جزاء الضعف، وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة، وتعلق قلب به مطمئنًا في كل ما نابه وبجميع أموره وأحكامه، وإذا عمل عملًا صالحًا فلا يخالط (٦) بضده، وهو الفاسد، فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فاسد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دونه. قلت: ذكره الترمذي الحكيم (٧) ﵀ وهو واضح بين، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ [الإنسان: ٥]، وقال: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٧ - ٢٨]، فلما باين [بين الأبرار والمقربين في الشراب على ما يأتي (٨) بيانه، باين] (٩) بينهم في

стр. 960

المنازل والدرجات وأعالي الغرفات حسب ما باين بينهم في الأعمال الصالحات والاجتهاد في الطاعات، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ [المطففين: ١٨]، فيجتهد الإنسان أن يكون من الأبرار المقربين ليكون في عليين، وأصحاب عليين جلساء الرحمن تعالى، وهم أصحاب المنابر من النور في المقعد الصدق. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا (١) مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٢] فأصحاب اليمين في علو الجنات أيضًا وجمعها عوالي، وجنات المقربين جمعها علالي واحدتهن علية. قال: ألا يا عين ويحك أسعديني … بغزر الدمع في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي … بخير الدار في تلك العلالي باب منه روي من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفًا ليس لها مغاليق من فوقها ولا عماد من تحتها، قيل: يا رسول الله وكيف يدخلها أهلها؟ قال: يدخلونها أشباه الطير، قيل: يا رسول الله (٢) لمن؟ هي؟ قال لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى"، خرجه أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشّحّامي (٣) ﵀. باب منه روى الليث بن سعد، حدثني محمد بن عجلان أن واقدًا البصري (٤)

стр. 961

حدثه (١) عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمنازلهم من الله تعالى، يكونون على منابر من نور، قالوا: ومنهم يا رسول الله؟ قال: هم الذين يحببون الله تعالى إلى الناس، ويحببون الناس إلى الله، ويمشون الله في الأرض نصحًا، قلنا يا رسول الله هذا يحببون الله تعالى إلى الناس، فكيف يحببون الناس إلى الله؟ قال: يأمرونهم المعروف وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوهم أحبهم الله تعالى". باب ما جاء في قصور أهل الجنة ودورها وبيوتها (٢) وبم ينال ذلك المؤمن خرَّج الآجري (٣) عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة ﵄ عن تفسير هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة: ٧٢] فقالا: على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: "قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا على كل سرير سبعون فراشًا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من الطعام في كل بيت [سبعون] (٤) وصيفًا ووصيفة، فيعطي الله ﵎ المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله. ذكره في كتاب النصيحة.

стр. 962

وذكر ابن وهب قال: أخبرني ابن يزيد (١) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه ليجاب للرجل الواحد بالقصر من اللؤلؤة الواحدة في ذلك القصر سبعون غرفة، في كل غرفة زوجة من الحور العين، في كل غرفة سبعون بابًا يدخل عليه من كل باب رائحة من رائحة الجنة سوى الرائحة التي تدخل عليه من الباب الآخر، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. الترمذي (٢) عن بريدة بن خصيب (٣) ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالًا فقال: "يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة إلا وسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على (٤) قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل عربي، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، فقلت: أنا، قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد، فقلت أنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب ﵁، فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما (٥) أصابني حدث إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله عليّ ركعتين فقال رسول الله ﷺ : بهما"، قال: حديث حسن صحيح. وخرج الطبراني (٦) أبو القاسم سليمان بن أحمد مختصرًا من حديث أنس (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقلوا: لعمر بن الخطاب ﵁ ".

стр. 963

وذكر الدارمي (١) أبو محمد في مسنده، قال: ثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة (٢) قال: أخبرني أبو عقيل أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ قال: "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] عشر مرات بُني له قصر (٣) في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة، بُني له قصران (٤) في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة، بُني له ثلاثة قصور (٥) في الجنة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إذًا لتكثر قصورنا، فقال رسول الله ﷺ : الله أوسع من ذلك". قال الدارمي: أبو عقيل زهرة بن معبد، وزعموا أنه كان من الأبدال، وقد تقدم (٦) من حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ : "دخل دار الشهداء ودار المؤمنين". وخرج أبو داود الطيالسي (٧) قال: ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنتُ ابني سنانًا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فقال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قبض الله ابن العبد قال للملائكة، ماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك، واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد". باب في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤] الترمذي (٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: "ارتفاعها لكما (٩) بين السماء والأرض مسيرة

стр. 964

خمسمائة سنة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. "وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الخبر: الفرش: الدرجات، وبين الدرجات كما السماء والأرض" (١). قلت: وقيل (٢): إن الفرش كناية عن النساء اللواتي في الجنة، والمعنى: نساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشًا ولباسًا وإزارًا [ونعجة] (٣)، على الاستعارة؛ لأن الفرش محل النساء. وفي الحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٤). قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية [وقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣]] (٥)، والله تعالى أعلم. باب ما جاء في خيام الجنة وأسواقها وتعارف أهل الجنة (٦) وعبادتهم فيها مسلم (٧) عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن". في رواية (٨): قال: "الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين". وخرج مسلم (٩) أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن

стр. 965

في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا [وجمالًا] (١)، فيقول (٢) لهم أهلوهم (٣): والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا". الترمذي (٤) عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة ﵁ فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، وذكر الحديث. وفيه فيأتي سوقًا قد حفت به الملائكة ما لم تنظر (٥) العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا، قال: فيقبل ذو المنزلة المرتفعة، فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يحزن فيها، وذكر الحديث، وفي طريقه أبو العشرين: ضعيف. [خرّجه ابن ماجه (٦) مكمّلًا وفيه بعد قوله: قال نعم أخبرني رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيرون الله، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم

стр. 966

دنيء على كثبان المسك والكافور، ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله هل نرى ربنا؟ قال: نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا، قال: كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله حتى إنه يقول للرجل منكم ألا تذكر يا فلان، يوم عملت كذا وكذا، يذكره بعض غدراته في الدنيا فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، فبينما كذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط، ثم يقول: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، قال فيأتي سوقًا .. الحديث بلفظه ومعناه، إلى أن قال: وكذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، قال ثم نتعرف إلى منازلنا فتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبًا وأهلًا لقد جئت وأن بك من الجمال والطيب أفضل ما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ولحقِّنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا"] (١). وخرج الترمذي (٢) أيضًا عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لسوقًا (٣) ما فيها شراء ولا بيع (٤) إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها"، قال: هذا حديث غريب. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: ثنا أنس بن مالك ﵁ قال: [قال] (٥) رسول الله ﷺ : "إن في الجنة أسواقًا لا شراء فيها ولا بيع، أهل الجنة لما أفضوا إلى روح الجنة جلسوا متكئين على لؤلؤ رطب وترابها مسك يتعارفون في تلك الجنان، كيف كانت الدنيا، وكيف كانت عبادة الرب، وكيف

стр. 967

يحيي الليل، وكيف يصوم النهار كيف كان فقر (١) الدنيا وغناها، وكيف كان الموت، وكيف صرنا بعد طول البلى من أهل الجنة" (٢). باب لا يدخل أحد الجنة (٣) إلا بجواز خرّج أبو بكر الخطيب أحمد بن علي من حديث عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء ء بن يسار عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية" (٤). و (٥) ذكره أحمد بن حنبل ﵁ في مسنده (٦). قلت: لعل هذا فيمن لا يدخل الجنة بغير حساب، وذلك بَيِّنٌ (٧) في الباب بعد هذا. باب أول الناس يسبق إلى الجنة الفقراء ابن المبارك (٨) قال: أخبرنا عبد الوهاب بن الورد قال: قال سعيد بن المسيب ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله تعالى يوم القيامة، قال (٩): "هم الخائفون، الخاضعون، المتواضعون الذاكرون الله كثيرًا، قال: يا رسول الله أفهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: لا، قال فمن أول الناس يدخل الجنة؟ قال: الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة، فيخرج إليهم منها (١٠) ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى

стр. 968

الحساب، فيقولون على ما نحاسب؟ والله ما أفيضت علينا من الأموال في الدنيا فنقبض فيها ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين". [وروي عن النبي ﷺ قال: "اتقوا الله فإنه يقول يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي، فتقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: الفقراء الصابرون الراضون بقدري، أدخلوهم (١) الجنة، قال: فيدخلون الجنة يأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون"] (٢). الترمذي (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم (٤) بخمسمائة عام، خرجه من حديث الأعمش سليمان عن (٥) عطية العوفي عن أبي سعيد، وقال فيه: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسائة عام: نصف يوم" (٦)، قال (٧): هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: "يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام" (٨)، وقال: حديث حسن صحيح. [وروي عن أبي الدرداء قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: سمعت

стр. 969

رسول الله ﷺ يقول: إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة بخمسمائة عام (١) قبل الأغنياء بنصف يوم، قيل له: يا رسول الله، وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (٢)، قيل له: فكم السنة من شهر؟ قال: خمسمائة شهر، فكم الشهر من يوم؟ قال: خمسمائة يوم، فقيل له: فكم اليوم (٣)؟ قال خمسمائة مما تعدون"، ذكره القتبي في عيون الأخبار له] (٤). [الترمذي] (٥) عن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا"، قال: هذا حديث حسن صحيح. وخرجه (٦) من حديث أنس أيضًا، وقال فيه: حديث غريب. وفي صحيح (٧) مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (٨) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء القيامة (٩) إلى الجنة بأربعين خريفًا". فصل اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الأحوال، وكذلك الأغنياء، وقد تقدم (١٠) من حديث أبي بكر بن أبي شيبة: "أول ثلاثة يدخلون الجنة، ولا تعارض والحمد لله، فإن الحديثين مختلفا المعنى، وقد اختلف في

стр. 970

أي الفقراء هم السابقون، وفي مقدار المدة التي بها يسبقون، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيد روايته الأخرى، وكذلك حديث جابر يرد أيضًا إلى حديث عبد الله بن عمرو (١) ويكون المعنى فقراء المسلمين المهاجرين، إذ المدة فيهما أربعين (٢) خريفًا، ويبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام، ووجه الجمع بينهما: أن يقال: إن سُبّاق الفقراء من المهاجرين يسبقون سُبّاق الأغنياء منهم بأربعين خريفًا، وغير سُبّاق الأغنياء بخمسمائة عام. وقد قيل: إن حديث أبي هريرة وجابر يعم جميع فقراء (٣) قرون المسلمين، فيدخل الجنة سُبّاق فقراء كل قرن قبل (٤) غير السبّاق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة ﵁، وقبل السبّاق بأربعين خريفًا على حديث جابر، والله أعلم. فصل قلت: وقد احتج بأحاديث هذا الباب من فَضّل الفقير على الغني (٥)، وقد اختلف الناس في هذا المعنى وطال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبًا وأبوابًا (٦) واحتج كل فريق لمذهبه في ذلك، والأمر قريب في ذلك إن شاء الله تعالى، وقد سئل (٧) أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل؟ الغنى أو (٨) الفقر؟ فقال: الغنى؛ لأنه وصف الحق (٩) سبحانه، [والفقر وصف الخلق، ووصف

стр. 971

الحق] (١) أفضل من وصف الخلق، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]، وبالجملة: فالفقير بالحقيقة العبد وإن كان له مال، وإنما يكون غنيًا إذا عوّل على مولاه، ولم ينظر إلى أحد سواه، فإن تعلق [باله] (٢) بشيء من الدنيا ورأى نفسه أنه فقير إليه فهو عبده، قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار"، الحديث، خرجه البخاري (٣) وغيره (٤)، [وقد كتبناه في كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة (٥)، وتكلمنا عليه وبيناه والحمد لله] (٦)، وإنما شرف العبد افتقاره إلى مولاه وعزه خضوعه له ولقد أحسن من قال: وإذا تذللت الرقاب تواضعًا … منا إليك فعزها في ذلها فالغني المتعلق البال (٧) بالمال الحريص عليه الراغب فيه هو الفقير حقيقة وعادمه الذي يقول: ما أبالي (٨) به ولا لي رغبة فيه، إنما هي ضرورة العيش، فإذا وجدتها فغيرها زيادة يشغل عن الإرادة، فهو الغني حقيقة، قال ﷺ : "ليس الغنى [عن] (٩) كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس"، خرَّجه مسلم (١٠). وأخذ عثمان بن سعدان الموصلي (١١) هذا المعنى فقال: تقنع بما يكفيك واستعمل الرضى … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال إنما … يكون الغنى والفقر من قبل النفس

стр. 972

[وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب قمع الحرص (١)] (٢). قلت: وهنا (٣) درجة ثالثة رفيعة، وهي الكفاف وهي التي سألها رسول الله ﷺ فقال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"، وفي رواية: "كفافًا"، خرجه مسلم (٤). ومعلوم أنه ﵇ لا يسأل إلا أفضل الأحوال وأسنى المقامات والأعمال، وقد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، وفي سنن ابن ماجه (٥) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتًا". [فالكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "خير الأمور أوساطها (٦) " (٧)، وهو (٨) حالة سليمة من آفات الغني المطغي، وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوذ منها النبي ﷺ ، وكانت أفضل منها (٩)، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقر إذ لا يترفه في طيبات الدنيا، ولا في زهرتها فكانت حاله إلى الفقراء (١٠) أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر (١١) وكفي مرارته وآفاته، وعلى هذا فأهل الكفاف هم إن شاء الله صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنهم وسطهم والوسط: العدل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي عدلًا خيارًا، وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا وبالله توفيقنا.

стр. 973

باب الترمذي (١) عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلف، ويشهد الشاهد ولا يُستشهد، أما لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالطاعة، وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلكم المؤمن، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب] (٢). باب ما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنهم وطولهم وشبابهم وعرفهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم (٣) وأزواجهم وفي لسانهم (٤)، وليس في الجنة عزب مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول زمرة يدخلون الجنة"، وفي رواية: "من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة" (٦)، وفي رواية: " [ثم] (٧) هم بعد هذا منازل لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب" (٨)، وفي رواية: "الفضة، ورشحهم المسك، ومجامرهم (٩) الألوة، وأزواجهم الحور العين" (١٠).

стр. 974

وفي رواية: "لكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقيهما (١) من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا" (٢). قال أبو علي: الألوة: هو (٣) العود. وفي رواية: "على صورة أبيهم ستون ذراعًا، السماء" (٤). "وقال أبو كريب: على خلق رجل. فقال أبو هريرة ﵁ حين تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال: لكل رجل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقيها (٥) من وراء اللحم، وما الجنة عزب (٦) " (٧)، الترمذي (٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة من نساء (٩) أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك بأن الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨]، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته"، وروي موقوفًا (١٠). البخاري (١١) عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها".

стр. 975

الترمذي (١) عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم"، قال: حديث غريب. وخرّج (٢) عنه (٣) أيضًا عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة". قال: حديث غريب. "وروي عن قتادة مرسلًا" (٤). وذكر الميانشي من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أهل الجنة مرد إلا موسى [بن عمران] (٥) ﵇، فإن له لحية إلى سرته" (٦). الترمذي (٧) عن سعد (٨) بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلًا من أهل الجنة اطلع فبدت (٩) أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، قال: حديث غريب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها، وكذلك

стр. 976

أهل النار" (١). قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين. فصل في حديث أبي هريرة ﵁: "لكل واحد منهم زوجتان"، وتقدم (٢) من حديث عمران بن حصين: "أن أقل ساكني الجنة النساء". قال علماؤنا: لم يختلفوا في جنس النساء، وإنما اختلفوا في نوع من الجنس، وهو نساء الدنيا، ورجالها أيهما أكثر في الجنة، فإن كن اختلفوا في المعنى الأول وهو جنس النساء مطلقًا فحديث أبي هريرة حجة، وإن كان اختلفوا في نوع من الجنس وهم أهل الدنيا، فالنساء في الجنة أقل. قلت: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار، وأما بعد خروجهن بالشفاعة وبرحمة (٣) الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال: لا إله إلا الله، فالنساء في الجنة أكثر، والله أعلم. وحينئذ يكون لكل واحد زوجتان أي من نساء الدنيا، وأما الحور العين فقد يكون لكل واحد منهم الكثير منهن، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة"، ذكره الترمذي (٤)، وقال: فيه حديث غريب وسيأتي (٥). ومثله حديث أبي أمامة خرجه أبو محمد الدارمي وسيأتي (٦)، والأخبار دالة على هذا.

стр. 977

[فصل] (١) وقوله: "أمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوَّة"، قد يقال هنا: أي حاجة في الجنة للأمشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطييبهم (٢) عن نتن، وإنما هو لذَّات متوالية ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]. وحكمة ذلك: أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به (٣) في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله. قلت: وقد جاء مثل هذا في أهل النار، حيث قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر: ٧١] وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢]، فعذبهم في النار (٤) بنوع ما كانوا يعذبون به في الدنيا. قال الشعبي: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا؟ لا والله، ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استثقلت بهم. ابن المبارك (٥): أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: "لسان أهل الجنة عربي". قلت: ولسانهم إذا خرجوا من القبور سرياني، وقد تقدم (٦). وقال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية، فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.

стр. 978

باب في الحور العين وكلامهن وجواب نساء الآدميات وحسنهن ذكر أن الآدميات في الجنة على سن واحد، وأما الحور العين فأصناف مصنفة، صغار وكبار على ما اشتهت أنفس أهل الجنة. الترمذي (١) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن بأصواتٍ لم يسمع الخلائق بمثلها، قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبؤس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له". وفي (٢) الباب عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد الخدري ﵁ وأنس بن مالك ﵁، قال أبو عيسى: حديث علي حديث غريب. وقالت عائشة ﵂: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة ﵂: فَغُلِبْن (٣)، والله أعلم. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: "والله الذي لا إله إلا هو لو أن امرأة من الحور العين أَطلعت سوارها من العرش لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسورة، وإن خلق الله شيئًا تلبسه إلا (٤) عليه مثل ما عليها من ثياب وحلي". وقال أبو هريرة ﵁: "إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف (٥)، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر" (٦).

стр. 979

[وقال ابن عباس ﵄: إن في الجنة حوراء يقال لها كعبة، لو بزقت في البحر لعذب ماء البحر كله، مكتوب على نحرها: من أحب أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي (١). وروي عن النبي ﷺ أنه وصف حوراء ليلة الإسراء (٢) فقال: "ولقد رأيت جبينها كالهلال من طول البدر منها ألف وثلاثون ذراعًا، في رأسها مائة ضفيرة ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذوائب أضواء من البدر، خلخالها مكلل بالدر وصنوف الجواهر على جبينها سطران مكتوب بالدر والجواهر في السطر الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي السطر الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي ، قال لي جبريل: يا محمد هذه وأمثالها لأمتك فأبشر يا محمد وبشر أمتك وأمرهم بالاجتهاد" (٣). وذكر الختلي أبو القاسم: حدثنا إبراهيم بن أبي كثير، حدثنا أبو إسحاق حدثني محمد بن صالح العيني قال: قال عطاء السلمي (٤) لمالك بن دينار: يا أبا يحيى شوّقنا، قال: يا عطاء إن في الجنة حورًا سامي (٥) لها أهل الجنة أن لا يموتوا من حسنها، لولا أن الله كتب على أهل الجنة أن لا يموتوا لماتوا عن آخرهم من حسنها، قال: فلم يزل عطاء كمدًا من قول مالك أربعين يومًا] (٦). ابن المبارك (٧) أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود ﵁ قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر (٨) في الزجاجة البيضاء".

стр. 980

قال (١): وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حيان بن أبي جبلة (٢) قال: "إن من نساء الدنيا من دخل منهن الجنة فضلن على الحور [العين] (٣) بما عملن في الدنيا". وروي مرفوعًا: "إن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف" (٤). باب ما جاء أن الأعمال الصالحة مهور الحور العين قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. وروى الترمذي [الحكيم] (٥) أبو عبد الله في نوادر الأصول (٦): حدثنا أبو الخطاب قال: حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب قال: حدثنا جرير بن أيوب البجلي قال: حدثنا الشعبي عن نافع بن بردة (٧) عن أبي مسعود الغفاري ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يصوم يومًا من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجوفة مما نعت الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس منها حلة على لون الأخرى، وتعطى سبعون لونًا من الطيب ليس منهن لون (٨) على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعون سريرًا من ياقوتة حمراء موشحة بالدر على كل سرير سبعون فراشًا، على كل فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها، وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيف صحفة من ذهب

стр. 981

فيها لون من طعام يجد لآخر لقمة لذة لم يجد لأوله، ويعطى زوجها (١) مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سواران من ذهب موشح بياقوت أحمر، وهذا بكل يوم صامه من شهر رمضان، سوي ما عمل من الحسنات" (٢). وخرّج أبو عيسى الترمذي (٣) من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد (٤) عند الله تعالى ست خصال: الحديث، وفيه: ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وقد تقدم (٥) في باب في باب ما ينجي من أهوال القبر وفتنته. قلت: وهذا يؤيد ما ذكرناه في حديث أبي هريرة ﵁: "لكل واحد منهم زوجتان، أن ذلك من نساء الدنيا"، والله أعلم. وقال يحيى بن معاذ (٦): ترك الدنيا شديد، وفوت الجنة أشد، وترك الدنيا مهر الآخرة. ويقال: مهور (٧) العين كنس المساجد رفعه الثعلبي من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنس المساجد مهور العين" (٨). وعن أبي قِرْصَافة (٩) أيضًا ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إخراج (١٠)

стр. 982

القمامة من المسجد مهور العين" (١). القُمامة: الكناسة، والجمع قُمَامٌ، قاله الجوهري (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مهور العين قبضات التمر، وفلق الخبز"، ذكره الثعلبي (٣) أيضًا. [وقال أبو هريرة: يتزوج أحدكم بفلانة بنت فلان بالمال الكثير ويدع الحور العين باللقمة والتمرة والكسرة] (٤). وقال محمد النعمان المقرئ: كنت قاعدًا عند الجلا المقرئ بمكة في بن المسجد الحرام، إذ مرّ [بنا] (٥) شيخ طويل نحيل الجسم، عليه أطمار، فقام إليه الجلا ووقف معه ساعة ثم انصرف إلينا، فقال: أتعرفون من هذا الشيخ؟ فقلنا: لا، قال: ابتاع من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما أكملها رآها في المنام في حليها وحللها، فقال: لمن أنت؟ فقالت: أنا الحوراء التي ابتعتني من الله تعالى بأربعة آلاف ختمة هذا الثمن، فما نحلتي أنا منك؟ قال: ألف ختمة، قال: الجلا فهو يعمل فيها [بعد] (٦)، [وروي عن سُحْنُون (٧) أنه قال: كان بمصر رجل يقال له سعيد، وكانت له أم من المتعبدات، وكانت إذا قام (٨) يصلي بالليل تقوم والدته خلفه فإذا غلبه النوم ونعس تناديه والدته يا سعيد إنه لا ينام من يخاف النار، ويخطب الحور الحسان فيقوم مرعوبًا. ويروى عن ثابت أنه قال: كان أبي من القوَّامين الله في سواد الليل،

стр. 983

قال: رأيت ذات ليلة في منامي امرأة لا تشبه النساء، فقلت (١) لها: من أنت؟ فقالت حوراء أمة الله، فقلت لها: زوجيني نفسك فقالت له: اخطبني من عند ربك (٢) وأمهرني، فقلت لها (٣): وما مهرك؟ فقالت: طول التهجد] (٤). وأنشدوا: يا خاطب الحوراء في خدرها … وطالبًا ذاك على قدرها انهض بجد لا تكن وانيًا … وجاهد النفس على صبرها وجانب الناس وارفضهم … وخالف الوحدة في ذكرها وقم إذا الليل بدا وجهه … وصم نهارًا فهو من مهرها فلو رأيت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها وهي تماشي بين أترابها … وعقدها يشرق في نحرها لهان في نفسك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها [وقال مطر القارئ (٥): غلبني النوم ليلة فنمت عن حزبي فرأيت فيما يرى النائم جارية كأن وجهها القمر المستتم، ومعها رق، فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ هذا الكتاب ففتحته فإذا فيه مكتوب: فوالله ما ذكرته قط إلا ذهب عني النوم. ألهتك اللذائذ والأماني … عن الفردوس والطلل الدواني ولذة نوم من خير عيش مع … الخيرات في غرف الجنان تيقظ من منامك إن منامك إن خيرًا … من النوم التهجد بالقرآن وقال مالك بن دينار كان لي أجزاء أقرؤها كل ليلة فنمت ذات ليلة فإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال، وبيدها رقعة، فقالت: أتحسن تقرأ (٦)؟ فقلت: نعم، فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات:

стр. 984

لهاك النوم عن طلب الأمان … وعن تلك (١) الأوانس في الجنان تعيش مخلدًا لاموت فيها … وتلهو في الخيام مع الحسان تنبه من منامك إن خيرًا … من النوم التهجد بالقرآن وروي عن يحيى بن عيسى بن ضرار السعدي وكان قد بكا شوقًا إلى الله ستين عامًا، قال: رأيت كأن ضفة نهر تجري بالمسك الأذفر، حافاته شجر اللؤلؤ وينبت من قصبان الذهب فإذا بِحور مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المُسَبَّح بكل لسان، سبحان الموجود بكل مكان (٢)، سبحان الدائم في كل زمان، سبحانه سبحانه، قال فقلت: من أنتن؟ قلن: خلق من خلق الله سبحانه، فقلت: ما تصنعن هنا؟ فقلن: ذرانا إله العرش رب محمد … لقوم على الأقدام بالليل قُوّم يناجون ربّ العالمين إلههم … وتسري هموم القوم والناس نوّم فقلت: بخٍ بخٍ لهؤلاء من هؤلاء لقد أقر الله أعينهم؟ فقلن: أما تعرفهم؟ فقلت: والله لا أعرفهم قلن (٣): فإن هؤلاء المتهجدون بالليل أصحاب السهر] (٤). باب في الحور العين ومن أي شيء خلقن رُوي أن رسول الله ﷺ سئل عن الحور العين من أي شيء خلقن (٥)؟ فقال: "من ثلاثة أشياء، أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وشعورهن وحواجبهن سواد خط في نور" (٦).

стр. 985

[وروي عنه ﵊ أنه قال: سألت جبريل ﵇ فقلت: أخبرني كيف يخلق الله الحور العين؟ فقال لي: يا محمد يخلقهم من قضبان العنبر والزعفران مضروبات عليهن الخيام، أول ما يخلق منهن: نهدًا من مسك أذفر أبيض عليه يلتام البدن"] (١). روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "خلق الله تعالى الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها نورًا ساطعًا، كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أقبلت يرى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك [الأذفر] (٢)، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها، وهي تنادي هذا ثواب الأولياء جزاءً بما كانوا يعملون" (٣). باب إذا ابتكر رجل امرأة في الدنيا كانت زوجته في الآخرة روى (٤) ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك، قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضربًا شديدًا، وكانت الضرة أحسن اتقاءً، وكانت أسماء لا تتقي، فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر ﵁، فقال: أي بنية اصبري، فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الآخرة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بالمرأة تزوجها في الجنة.
следующие страницы →