← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الوحدة والاعتصام ومقتضياتهما ١٤ - ثم دعا في مقاله الرابع إلى جمع الكلمة بين الفئات الإسلامية وتضافر الجهود ضد أعداء الإسلام، وذكر أن الوقت ليس وقت مهاجمة لأتباع المذاهب ولا للأشاعرة ولا للإخوان حتى ولا للصوفيين. والجواب أن يقال: لا ريب أنه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر والتقوى ضد أعداء الإسلام كما أمرهم الله سبحانه

стр. 1017

بذلك بقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وحذرهم من التفرق بقوله سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) الآية. ولكن لا يلزم من وجوب اتحاد المسلمين وجمع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله ألا ينكروا المنكر على من فعله أو اعتقده من الصوفية أو غيرهم، بل مقتضى الأمر بالاعتصام بحبل الله أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل عنه أو ظن ضده صوابا بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه، وهذا هو مقتضى قوله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) وقوله سبحانه ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) ومتى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين وأغلاط الغالطين لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر وبقاء الغالط على غلطه والمخالف للحق على خطئه وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله ولي التوفيق.

стр. 1018

السلف لا يؤولون الصفات ولا يخوضون بالتجسيم لا نفيا ولا إثباتا لأن ذلك بدعة لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة . ١٥ - ذكر الصابوني في مقاله الخامس ما نصه (ليس مذهب السلف

стр. 1019

الصالح - الذي أسلفنا الحديث عنه في مقالاتنا السابقة في موضوع صفات الباري جل وعلا - هو (التفويض المطلق) كما قد يتوهم البعض من الناس بل هو مسلك آخر يدل على نظر ثاقب وفهم سليم مستقيم لنصوص الكتاب والسنة، ويتلخص هذا المسلك والمنهج في الآتي: أولا: تأويل ما لا بد من تأويله من آيات الصفات وأحاديث الصفات مما لا مندوحة عن تأويله لأسباب لغوية أو شرعية أو اعتقادية. ثانيا: إثبات ما أثبته القرآن الكريم أو السنة المطهرة من صفات الله جل وعلا من السمع والبصر والكلام والمحبة والرضى والاستواء والنزول والإتيان والمجيء وغيرها من الصفات، والإيمان بها على مراد الله بطريق التسليم والتفويض دون تشبيه أو تعطيل أو تجسيم أو تمثيل) أ. هـ. والجواب أن يقال: إن هذه الدعوى على مذهب السلف دعوى لا أساس لها من الصحة فإن السلف الصالح ليس مذهبهم التفويض لأسماء الله وصفاته لا تفويضا عاما ولا خاصا، وإنما يفوضون علم الكيفية كما تقدم بيان ذلك وكما نص على ذلك مالك وأحمد وغيرهما وقبلهما أم سلمة ﵂ وربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رضي الله عن الجميع، وليس من مذهب السلف أيضا تأويل الصفات بل يمرونها كما جاءت ويؤمنون بمعانيها على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما سلف ذكر ذلك غير مرة. وليس من مذهب السلف أيضا نفي التجسيم ولا إثباته لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة كما نص على ذلك غير واحد من أئمة السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد نص على

стр. 1020

ذلك في كتابه ((التدمرية)) حيث قال في القاعدة السادسة: (ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذا الطريق طريقا فاسدا لم يسلكه أحد من السلف أو الأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفيا ولا إثباتا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك لأنها عبارات مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا. ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة) أ. هـ. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في كتابه ((فضل علم السلف على علم الخلف)) بعد كلام سبق: ((والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك ألبتة خصوصا الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئا من ذلك اتباعا لطريقة مقاتل فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح، وقد قال أبو زرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصن علمه احتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه)) أ. هـ. وليس فيما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته ما يجب تأويله بل لا بد أن يوجد في النصوص ما يدل على المعنى المراد الذي يجب إثباته لله على الوجه اللائق به من غير حاجة إلى تأويل يخالف الظاهر من كلام الله

стр. 1021

ومن كلام رسوله ﷺ مع تفويض علم الكيفية إلى الرب كما سبق بيان ذلك في كلام أئمة السنة.

стр. 1022

ليس من أهل العلم من يكفر ابن حجر وغيره ممن وقعوا في التأويل ومذهب العالم هو آخر ما مات عليه . ١٦ - ثم قال الصابوني في مقاله الخامس - هداه الله وألهمه التوفيق - ما نصه (ولكني أربأ بإخواني السلفيين أن يتحملوا في أعناقهم وزر تضليل الأمة وتكفير أئمة المسلمين من أهل الفقه والحديث والتفسير الذين هم على مذهب الأشاعرة، فماذا سنجني إن فرقنا صف المسلمين ونسبنا إلى الضلال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري؟) . وذكر جماعة آخرين ثم قال: (وكل هؤلاء الأئمة الأجلاء وغيرهم من مذهب الإمام الأشعري. . إلخ) أ. هـ. والجواب أن يقال: ليس من أهل العلم السلفيين من يكفر هؤلاء الذين ذكرتهم، وإنما يوضحون أخطاءهم في تأويل الكثير من الصفات ويوضحون أن ذلك خلاف مذهب سلف الأمة، وليس ذلك تكفيرا لهم ولا تمزيقا لشمل الأمة ولا تفريقا لصفهم وإنما في ذلك النصح لله ولعباده وبيان الحق والرد على من خالفه بالأدلة النقلية والعقلية والقيام بما أوجب الله سبحانه على العلماء من بيان الحق وعدم كتمانه والقيام بالدعوة إلى الله والإرشاد إلى سبيله، ولو سكت أهل الحق عن بيانه لاستمر المخطئون على أخطائهم وقلدهم غيرهم في ذلك وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعدهم الله عليه في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١)

стр. 1023

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه وذمهم على نبذه وراء ظهورهم وحذرنا من اتباعهم. فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة شابهوا بذلك أهل الكتاب المغضوب عليهم والضالين. ثم يقال للأخ الصابوني: ليس علماء الأشاعرة من أتباع أبي الحسن الأشعري؛ لأنه رجع عن تأويل الصفات وقال بمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما أوضح ذلك في كتابيه الإبانة والمقالات، فعلم مما ذكرنا أن من أول الصفات من المنتسبين للأشعري فليس على مذهبه الجديد بل هو على مذهبه القديم. ومعلوم أن مذهب العالم هو ما مات عليه معتقدا له لا ما قاله سابقا ثم رجع عنه، فيجب التنبه لذلك والحذر مما يلبس الأمور ويضعها في غير موضعها، والله المستعان.

стр. 1024

الأشاعرة لا يعدون من أهل السنة؛ لأنهم لم يثبوا الصفات: ١٧ - ذكر الصابوني في مقاله السادس الذي بدأه بقوله: (هذا بيان للناس. إن التأويل لبعض آيات وأحاديث الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة فمنه ما هو خطأ ومنه ما هو صواب، وهناك آيات صريحة في التأويل أولها الصحابة والتابعون وعلماء السلف وما يتجرأ أحد أن ينسبهم إلى الضلال أو يخرجهم عن أهل السنة والجماعة، ثم ضرب لذلك أمثلة منها قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) ومنها ما ذكره سبحانه من استهزائه

стр. 1025

بالمسهزئين وسخريته من الساخرين بالمؤمنين ومكره بالماكرين، وكذلك أيضا الحديث الصحيح عن قول الله : «مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني (١) » إلى أن قال. . إذن ليس الأمر كما يظن البعض أن مذهب السلف ليس فيه تأويل مطلقا بل مذهب السلف هو تأويل ما لا بد من تأويله) أ. هـ. والجواب أن يقال: هذا الكلام فيه تفصيل وفيه حق وباطل، فقوله: (إن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة) صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشاعرة لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير الصفات، ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل، فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج أهل السنة والجماعة كما تقدم بيانه في أول هذه التنبيهات، كما أنه لا مانع أن يقال إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان في هذه المسألة تحقيقا للحق وإنكارا للباطل وإنزالا لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها.

стр. 1026

لا يجوز نسبة تأويل الصفات إلى السلف بحال من الأحوال . . ولا يجوز أن ينسب التأويل إلى أهل السنة مطلقا بل هو خلاف مذهبهم

стр. 1027

وإنما ينسب التأويل إلى الأشاعرة وسائر أهل البدع الذين تأولوا النصوص على غير تأويلها. أما الأمثلة التي مثل بها الأخ الصابوني للتأويل عند أهل السنة فلا حجة له فيها وليس كلامهم فيها من باب التأويل بل هو من باب إيضاح المعنى وإزالة اللبس عن بعض الناس في معناها. وهاك الجواب عنها: أما قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) فليس المراد بالنسيان فيها النسيان في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢) وفي قوله تعالى ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٣) بل ذلك له معنى والنسيان المثبت له معنى آخر، فالنسيان المثبت في قوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) هو تركه إياهم في ضلالهم وإعراضه عنهم سبحانه لتركهم أوامره وإعراضهم عن دينه لنفاقهم وتكذيبهم. والنسيان المنفي عن الله سبحانه هو النسيان الذي بمعنى الذهول والغفلة، فالله سبحانه منزه عن ذلك لكمال علمه وكمال بصيرته بأحوال عباده وإحاطته بكل شئونهم، فهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا ينسى ولا يغفل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وبذلك يعلم أن تفسير النسيان بالترك في قوله تعالى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٥) الآية، ليس من باب التأويل ولكنه من باب تفسير النسيان في هذا المقام بمعناها اللغوي لأن كلمة النسيان مشتركة يختلف معناها بحسب مواردها كما بين ذلك علماء

стр. 1028

التفسير ﵏، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في معنى الآية ما نصه: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ (١) أي نسوا ذكر الله، فنسيهم: أي عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (٢) أ. هـ. وهكذا ما ذكره الله سبحانه من استهزائه بالمستهزئين وسخريته بالساخرين ومكره بالماكرين وكيده للكائدين لا يحتاج إلى تأويل لكونه من باب (الجزاء من جنس العمل) لأن السخرية منه سبحانه بالساخرين كانت بحق، وهكذا مكره بالماكرين واستهزاؤه بالمستهزئين وكيده للكائدين كله بحق، وما كان بحق فلا نقص فيه. والله سبحانه يوصف بذلك لأن ذلك وقع منه على وجه يليق بجلاله وعظمته ولا يشابه ما يقع من الخلق لأن أعداءه سبحانه فعلوا هذه الأفعال معاندة للحق وكفرا به وإنكارا له، فعاملهم سبحانه بمثل ما فعلوا على وجه لا يشابه فيه أفعالهم ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ومن كيده لهم ومكره بهم وسخريته بهم واستهزائه بهم إمهالهم وإنظارهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ومن ذلك ما يظهره للمنافقين يوم القيامة من إظهاره لهم بعض النور ثم سلبهم إياه كما قال في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٣) ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤) ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥)

стр. 1029

وهكذا قال علماء التفسير من أهل السنة في هذا المعنى: قال الإمام ابن جرير ﵀ بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (١) والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرا وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر، وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام، وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بذلك بألسنتهم وبضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله بكذبهم، واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا بالآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم، وداخلون مدخلهم، والله ﷻ مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة بهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل، كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه، وهم له

стр. 1030

أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين، إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئا وساخرا ولهم خادعا وبهم ماكرا إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره) أ. هـ. (١) وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٢) الآية، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا ابن المبارك حدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا. وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٣) فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء

стр. 1031

الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (١) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٢) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٣) الآية، إلا أنه يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن. ثم قال: حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا ابن حيوة حدثنا أرطأة بن المنذر حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٤) وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٥) فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور (٦) انتهى ما ذكره الحافظ ابن كثير. وبما ذكرناه عن ابن جرير وابن كثير - رحمة الله عليهما - يتضح للقارئ أن المكر والسخرية بالكافرين والخداع والاستهزاء بالمنافقين والكيد منه سبحانه

стр. 1032

لأعدائه كله على بابه، ولا يحتاج إلى تأويل بل هو حق من الله وعدل وجزاء لهم من جنس عملهم يليق به سبحانه وليس يماثل ما وقع من أعدائه؛ لأن صفة الله سبحانه وأفعاله تليق به وكلها حق وعدل ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وإنما يعلم العباد من ذلك ما أخبرهم به في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.

стр. 1033

يمدح العالم بموافقته للكتاب والسنة ١٨ - نقل الصابوني في مقاله السادس وفي بعض مقالاته السابقة: عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه (العلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين) أ. هـ. وعزاه إلى المجلد الرابع من الفتاوى، وبمراجعة الفتاوى ص ١٦ من المجلد الرابع اتضح أن هذا الكلام من فتوى الفقيه أبي محمد لا من قول شيخ الإسلام، وبذلك يعلم وهم الأخ الصابوني في النقل المذكور، وهذا الكلام على فرض صحته لا يدل على أن الأشاعرة لا ينكر عليهم ما أخطأوا فيه فإن القاعدة الشرعية كما نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره أن العالم يمدح بما وافق فيه الكتاب والسنة ويذم على ما خالف فيه الكتاب والسنة، وهذا الذي قاله ﵀ هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، فالأشاعرة وغيرهم يمدحون على ما قالوه وكتبوه في نصر الحق في أبواب أصول الدين وفي غيرها، ويذمون على ما أخطأوا فيه إحقاقا للحق وردا للباطل حتى لا يشتبه الأمر على من قل علمه، والله المستعان. ١٩ - ذكر الصابوني في مقاله السادس ما نصه: (وفي الحديث الصحيح «ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفر مسلما بذنب، والإيمان بالأقدار (١) » أو كما قال أ. هـ.

стр. 1034

وبمراجعتنا لهذا الحديث في الأصول المعتبرة اتضح أنه ضعيف جدا وقد رمز له السيوطي في الجامع بعلامة الضعف، وأخرجه أبو داود من طريق يزيد بن أبي نشبة عن أنس ﵁ ويزيد هذا مجهول كما في التهذيب والتقريب، قال المناوي في فيض القدير: (يزيد بن أبي نشبة بضم النون لم يخرج له أحد من الستة غير أبي داود وهو مجهول كما قال المزي وغيره) . وبهذا يعلم أن جزم الأخ الصابوني بأنه صحيح ليس في محله والأولى أن يقال في مثل هذا: (وروي عن النبي ﷺ فينقل بصيغة التمريض كما نص عليه أهل العلم في رواية الأحاديث الضعيفة، ولم يسق الأخ الصابوني لفظه كما ورد، وإليك أيها القارئ نصه عند أبي داود لمزيد الفائدة (حدثنا سعيد ابن منصور ثنا أبو معاوية ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي نشبة عن أنس ابن مالك قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار (١) » أ. هـ. وهذا الذي دل عليه الحديث قد جاء في معناه أحاديث أخرى صحيحة والقول بمعناه هو قول أهل السنة والجماعة، فإن أهل السنة يعتقدون أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والتزم بمعناها ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام فإنه يجب الكف عنه وحسابه على الله كما قال النبي ﷺ فيما رواه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (٢) » ومن عقيدة أهل السنة أن المسلم

стр. 1035

لا يكفر بذنب من الذنوب التي دون الشرك، ولا يخرج من الإسلام بعمل من الأعمال التي لا تلحقه بالمشركين خلافا للخوارج لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وكأن الأخ الصابوني ذكر هذا الحديث ليستدل به على وجوب الكف عن الكلام في الأشاعرة وبيان ما أخطأوا فيه، وهكذا ما أخطأ فيه غيرهم من الفرق الإسلامية. وليس الأمر كما زعم فإن الحديث المذكور لو صح لا يدل على شرعية الكف عن من خالف الحق، كما أنه لا يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان ما أخطأ فيه المخطئون وغلط فيه الغالطون من الأشاعرة وغيرهم، بل الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على من خالف الحق وإرشاده إلى طريق الصواب حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، كما بينا ذلك فيما سبق. وإنما المقصود من الحديث لو صح الكف عن قتال من أظهر الإسلام وتكلم بكلمة التوحيد حتى ينظر في أمره بعد ذلك ويعامل بما يستحق حسب الأدلة الشرعية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها آنفا. والله سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا آخر ما تيسر التنبيه عليه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه إمام المجاهدين ورسول رب العالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

стр. 1036

تفسير قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . وبعد: فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ٣١٣٧ في ١١ \ ٧ \ ١٤٠٨ هـ الذي نصه: لقد كنا في حلقة تفسير في مسجد (أبو الهيثم بن التيهان) في منطقة الصليبية في الكويت وقد تعرض إمام المسجد إلى تفسير قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢) فقال: قيل معناها منة الله عليهم، وقيل: قوة الله معهم، وقيل: الله عليم بحالهم ونياتهم، فتكلم أحد الشباب من إخواننا في الله بعد الدرس وقال: تفسيرك هذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة بل هو من كلام الأشاعرة، فغضب الإمام وقال: إن هذا موجود في كتاب الماوردي وابن كثير، فرد الشاب وقال: ليس هذا في ابن كثير وإنما هو عند الماوردي الأشعري، فلما رأى العامة الشيخ غضبان غضبوا له ورمى بعضهم الشاب بكلمة (أنت مسيحي) ، (أنت بوذي) وكادوا أن يضربوه لولا أن بعضهم حماه، والله يعلم أن هذا الشاب لم يتكلم إلا غيرة على عقيدة المسلمين ومن باب أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فأشار الشاب أن يقضي فضيلتكم بينهم فوافق العوام على ذلك، فأفيدونا ونحن بانتظار ردكم وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

стр. 1037

وأفيدك أن ما نعتقده في إثبات صفة اليد لله ﵎ وغيرها في الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه العزيز أو وصفه بها رسوله محمد ﷺ في سنته المطهرة هو إثباتها لله ﵎ إثباتا حقيقيا على ما يليق بجلال الله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. ونؤمن بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفوء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه . فكما أن له سبحانه ذاتا حقيقية لا تشبه ذوات خلقه فكذلك له صفات حقيقية لا تشبه صفات خلقه، ولا يلزم من إثبات الصفة للخالق سبحانه مشابهتها لصفة المخلوق وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم في القرون الثلاثة المفضلة ومن سلك سبيلهم من الخلف إلى يومنا هذا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (حكى غير واحد إجماع السلف أن صفات الباري جل وعلا تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنه، وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية فنقول إن لله سبحانه يدا وسمعا ولا نقول إن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم، ثم استدل ﵀ على إثبات صفة اليد لله سبحانه من القرآن بقول الله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١) وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣)

стр. 1038

وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) ثم قال - رحمه الله تعالى -: فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى وأن يديه مبسوطتان، ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها وتركه يكون ضما لليد إلى العنق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٣) وصار من الحقائق العرفية أنه إذا قيل هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقية، وقال - رحمه الله تعالى -: (إن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة لأن استعمال لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد لا أصل له في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤) لا يجوز أن يراد به القدرة لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. ثم استدل - رحمه الله تعالى - على إثبات صفة اليد لله سبحانه من السنة بقوله ﷺ : «المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (٥) » رواه مسلم وقوله ﷺ : «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق

стр. 1039

السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة (١) » رواه مسلم وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم بيده خبزته في السفر (٢) » ، وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر ﵄ يحكي رسول الله ﷺ قال: «يأخذ الرب سماواته وأرضه بيديه وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول: " أنا الرحمن " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه حتى أني أقول أساقط هو برسول الله ﷺ ؟ (٣) » . وفي رواية «أنه قرأ هذه الآية على المنبر قال يقول الله: " أنا الله أنا الجبار (٥) » وذكره، وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ (٦) » وفي حديث صحيح «أن الله لما خلق آدم قال له (ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت) قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته (٧) » . وفي الصحيح «أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق إن رحمتي تغلب غضبي (٨) » وفي الصحيح «أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: (يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وقد قال موسى: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) (٩) » وفي حديث آخر أنه قال سبحانه: «وعزتي وجلالي لأجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» وفي حديث آخر في السنن «لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه

стр. 1040

فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون (١) » . قال شيخ الإسلام ﵀: (فهذه الأحاديث وغيرها نصوص قاطعة لا تقبل التأويل وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق) ثم قال - رحمه الله تعالى -: فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وأن الله تعالى خلق بيده وأن يديه مبسوطتان وأن الملك بيده وفي الحديث ما لا يحصى، ثم أن رسول الله ﷺ وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره حتى ينشأ جهم بن صفوان بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلكوا سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق، وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا كل شيء حتى (الخرأة) ويقول: ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وإن اعتقاد ظاهره ضلال وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف أن يقولوا أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟ أ. هـ. باختصار من مجموع الفتاوى جـ ٦ ص ٣٥١ إلى ٣٧٣، وبما ذكرنا يتضح للجميع أن ما ذكره الشاب هو الصواب. . ونسأل الله أن يهدي الجميع لإصابة الحق في القول والعمل إنه سميع مجيب. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1041

الإسلام قول وعمل وعقيدة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فقد نشرت صحيفة الندوة في عددها ١٥٩٠ الصادر في ١٧ \ ١٢ \ ٨٣ تحت عنوان: (هذه الصفحات الإسلامية) بقلم المحرر ما نصه: تحرص كل الصحف هنا تقريبا وفي أكثر البلاد الإسلامية على أن تخصص بعض صفحاتها أو بعض أعمدتها للحديث عن الإسلام بين الحين والحين فلماذا؟ أليس الناس مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو باللسان، أليسوا يحملون أسماء إسلامية وتقول شهادات ميلادهم أو حفائظ نفوسهم إنهم مسلمون بل وتقول دساتير دولهم كلها تقريبا إن دينهم هو الإسلام، فلماذا إذن يكثر الحديث عن الإسلام وإلى أي شيء تهدف هذه الصحف أو هذه الصفحات أهي للدعوة إلى الصلاة؟ ما شاء الله المساجد مملوءة بالمصلين الذين يتقنون تسوية الصفوف والرد على الإمام استوينا. أم هي الدعوة إلى الحج مثلا؟ إن أكثر المسلمين يتسابقون إلى الحج والله أعلم بالنيات. أم هي إلى الزكاة؟ وكثيرون منهم يؤدون الزكاة طائعين أو مكرهين. إن الإسلام الذي يكثر الناس الحديث عنه يتضمن كل هذه الأركان لكنه يتضمنها كقواعد يقوم عليها نظام كامل للحياة. الحياة كلها بكل ما فيها من نشاط وبكل ما فيها من قيم وتصورات توضح أن الإسلام في صميمه نظام

стр. 1042

حياة، نظام يقوم على تصور خاص للحياة بكل ما فيها من قيم وعلى أساس هذا التصور الصحيح يقوم نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام التربية ونظام الأخلاق كما تقوم العلاقات الدولية بين الدول المسلمة وسائر الناس، وعلى هذا التصور وحده يجب أن تسير الدعوة إلى الإسلام، وعلى هذا التصور سنحاول أن تكون هذه الصفحة إن شاء الله، وإننا ندعو القراء أن يكتبوا إلينا حين يكتبون على هذا الاعتبار وبهذه النظرة. هذا كله أيها القارئ كلام المحرر في صحيفة الندوة. وأقول وبالله التوفيق. إنه لأمر غريب، وعجب لا ينقضي، أن ينبري كاتب ممن يشار إليه في أم القرى مهبط الوحي ومطلع شمس الرسالة فيسمح لقلمه أن يكتب في صحيفة سيارة مقالا مضمونه: دعوة المسلمين إلى أن يعرضوا عن دينهم فلا ينشروا محاسنه ولا يدعوا إليه ولا يحذروا من مخالفته وأن يتساءل تساؤل المستغرب المستنكر (أليس الناس مسلمين؟) إلخ. . ويدعو الناس أن يكتفوا من دينهم بمجرد اللفظ فقط بل إلى أدنى من ذلك وهو الاكتفاء بمجرد الأسماء الإسلامية كمحمد وعبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك وشهادة الميلاد وحفيظة النفوس أو ما هو أدنى من ذلك وهو الانتساب إلى دولة تزعم أن دستورها الإسلام. سبحان الله! كيف بلغ الجهل بهذا الرجل أو التجاهل للإسلام إلى هذا الحد حتى كتب هذه المقالة، مع أنه يعلم نشاط المبشرين في دعوتهم إلى أديانهم الباطلة ونشاط الدعاة إلى المذاهب الهدامة كالبعثية والاشتراكية والشيوعية وتكريس جهودهم في تحبيذها وإبراز ما يزعمون أنه من محاسنها وإنفاق الأموال الطائلة في هذا السبيل الذي يقود أهله إلى النار؟ أيها المحرر، أين ذهب عقلك حتى قلت هذه المقالة الشنعاء عن دين

стр. 1043

الإسلام الذي هو خير الأديان، وأحبها إلى الله وهو دين ودولة وعبادة وجهاد وسيف ومصحف وثقافة وحكم وهو المشتمل على صلاح أمر الدنيا والآخرة وعلى سعادة الفرد والجماعة في هذه الحياة العاجلة وفي الآخرة. أليس دين هذه بعض محاسنه ومزاياه حقيقا بأن يدعى إليه وتنشر محاسنه على صفحات الصحف السيارة وفي المجلات والنشرات وعلى المنابر وفي سائر الحفلات والاجتماعات؟ أليس خليقا بأن تكرس الجهود والأموال للدعوة إليه والترغيب في اعتناقه وتحكيمه والاستقامة عليه وتزييف ما خالفه من الأديان والمذاهب؟ أليس القرآن الكريم الذي هو أعظم كتاب وأشرف دستور قد أمر بالدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه وحصر الفلاح في الدعاة إليه وحكم بأن أهله هم خير أمة أخرجت للناس لإيمانهم به ودعوتهم إليه، وإن كنت قد نسيت ذلك فاسمع قوله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) الآية. أوضح سبحانه في هذه الآية الكريمة أن أتباع الرسول ﷺ على الحقيقة والكمال هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، وسبيله هو الإسلام الذي أنكرت على أهله الدعوة إليه. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) أمر سبحانه في هذه الآية نبيه ﷺ أن يدعو إلى الإسلام وأن يجادل عليه بالتي هي أحسن، وأنت تعلم وهكذا غيرك من القراء أن كل دين وكل مذهب يهمل ولا يدعى إليه ولا تنشر محاسنه بل يغفل عنه وينسى، مصيره إلى الذهاب والزوال، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على رغبة أهله عنه وقلة اكتراثهم به فكيف سمحت لقلمك، بل كيف سمحت لك مروءتك وعروبتك إن لم يكن هناك غيرة على الإسلام أن تقول هذا المقال

стр. 1044

الذي مقتضاه وخلاصته: الدعوة إلى نبذ الإسلام والإعراض عنه وألا يذكر في الصحف السيارة بين الناس، وأي قيمة لدين هذا شأنه، سبحان الله ما أعظم شأنه والله أكبر وأجل وأعظم من أن تكون قيمة دينه ما ذكرته أيها المحرر. وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقال جل ذكره: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) تأمل أيها المحرر وتأملوا أيها القراء هذه الآيات كيف حكم الرب جل وعلا للدعاة إلى الله بالفلاح وأنهم خير الأمم وأنهم لا أحد أحسن قولا منهم. وصاحب المقال يحذر من طريقهم وينتقد سبيلهم ويتعجب منهم تعجب المستنكر والمستغرب، ثم نتأمل جميعا هل رضي الله سبحانه من أهل الإسلام بمجرد اللفظ أو التسمي بالأسماء الإسلامية أو الانتساب إلى دولة إسلامية، أم طالب المسلمين بالإيمان والعمل اللذين يترتب عليهما الفلاح والخير والسعادة في الدنيا والآخرة؟ ، إن الأمر في غاية الوضوح بل هو أوضح من الشمس في الظهير ولكن الأمر كما قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤) ولولا ما يخشى من اغترار بعض الجهال بهذا المقال وصاحبه لما كان حقيقا بالرد عليه لظهور بطلانه لكل من يطلع عليه من عامة المسلمين فضلا عن مثقفيهم، ونسأل الله أن يهدي كاتبه وأن يردنا وإياه إلى التوبة الصادقة. وأما قوله في آخر المقال بعدما ذكر الصلاة والزكاة والحج ما نصه:

стр. 1045

(إن الإسلام يتضمن كل هذه الأركان لكنه يتضمنها كقواعد يقوم عليها نظام كامل للحياة، الحياة كلها بكل ما فيها من نشاط وبكل ما فيها من قيم وتصورات، إن الإسلام في صميمه نظام حياة نظام يقوم على تصور خاص للحياة بكل ما فيها من قيم وعلى أساس هذا التصور الصحيح يقوم نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام التربية ونظام الأخلاق) إلخ. . فالجواب أن يقال لهذا الكاتب: إذا كان الإسلام دينا يتضمن هذه الأسس ويصلح أن ينظم الحياة في جميع شئونها فكيف تنكر على أهله الدعوة إليه ونشر محاسنه وتقول إن الناس مسلمون ولو باللفظ إذا كان يكفي من الإسلام مجرد اللفظ لم تتحقق هذه المقاصد وهذه الأسس والتي أشرت إليها أخيرا؟ إنه لأمر عجيب وتناقض غريب أو تلبيس وخداع ولماذا لم تذكر أنه دين يترتب عليه صلاح أمر الدنيا والآخرة ويسعد أهله في الدنيا والآخرة وإنما قصرته على هذه الحياة فقط؟ أتظن أن هذا الدين إنما جاء لإصلاح الدنيا فقط وليس له تعلق بالآخرة أم ماذا؟؟ إن المقام واضح لا يحتاج إلى تفصيل وكل من له أدنى علم بالإسلام يعلم أنه نظام صالح شامل لكل ما فيه سعادة البشرية في هذه الدنيا وفي الآخرة، وإنما يجيء الخلل لبعض أهله بسبب جهلهم به أو عدم تطبيقهم لأحكامه، والواقع قديما وحديثا شاهد بذلك لكل من تأمل أحوال المسلمين في صدر الإسلام وفي ما بعد ذلك. فاتق الله أيها الكاتب وحاسب نفسك وتب إلى ربك وارجع عن أخطائك فالرجوع إلى الحق فضيلة. بل واجب لا بد منه وهو خير لك في الدنيا والآخرة من التمادي في الباطل. وأسأل الله لي ولك ولسائر المسلمين التوفيق لما يرضيه والهداية إلى سبيله إنه خير مسئول وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا به وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1046

نصيحة مهمة عامة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وفقني الله وإياهم للفقه في الدين وسلك بي وبهم صراطه المستقيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فهذه نصيحة أردت منها التنبيه على بعض الأمور المنكرة التي وقع فيها كثير من الناس جهلا منهم وتلاعبا من الشيطان بأفكارهم وعقولهم واتباعا للهوى من بعض من فعلها. ومن تلك الأمور ما بلغني أن بعض الناس يدعو إلى عبادة نفسه ويدعي أمورا توهم العامة أن له تصرفا في الكون وأنه يصلح أن يدعى للنفع والضر، وهذا من هؤلاء الضالين تشبه بفرعون وأشباهه من المجرمين الكافرين والله سبحانه هو المستحق للعبادة ولا يستحقها سواه لكمال قدرته وعلمه وغناه عن خلقه. والعبادة لله وحده هي الغاية التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق من أجلها الثقلان وقام سوق الجهاد، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال :

стр. 1047

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) وقال : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٨) وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٩) فعلم من هذه الآيات وغيرها أن عبادة غير الله أو عبادة غيره معه من الأنبياء والأولياء والأصنام والأشجار والأحجار شرك بالله ينافي توحيده الذي من أجله خلق الله الثقلين وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها وهذا هو معنى لا إله إلا الله. فإن معناها لا معبود حق إلا الله. فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده، كما

стр. 1048

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وهذا هو أصل الدين وأساس الملة ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) ومن أجل هذا الأمر العظيم أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان التوحيد والدعوة إليه والتحذير من صرف العبادة لغير الله سبحانه كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) الآية، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥) وقال : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٦) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وفي الصحيحين «عن النبي ﷺ أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) (٩) » والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو عبد غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح أو صرف له شيئا من العبادة فقد اتخذه ندا لله، سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك لأن العبادة

стр. 1049

لله وحده لا يستحقها سواه. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا (١) » . فالله خلق الثقلين لهذا الأمر العظيم وهو توحيده وإفراده بالعبادة ونبذ الشركاء والنظراء والأنداد سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه، ومن دعا إلى عبادة نفسه أو زعم أنه يستحق العبادة فإنه كافر يجب أن يدعى إلى التوبة فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله لقول النبي: «من بدل دينه فاقتلوه (٢) » رواه البخاري. ومن الضلال المبين والجهل العظيم تصديق الكهان والعرافين والرمالين والمنجمين والمشعوذين والدجالين بالأخبار عن المغيبات فإن هذا منكر وشعبة من شعب الكفر لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٣) » رواه مسلم في صحيحه، «وثبت عنه ﷺ أنه نهى عن إتيان الكهان وسؤالهم» . وخرج أهل السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٤) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة والعرافين وسائر المشعوذين والمشتغلين بالأخبار عن المغيبات والمتلاعبين بعقول الجهلة والتلبيس على المسلمين. فالأمور الغيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم ما تكن الصدور ويعلم الخفايا حتى أنبيائه ورسله وملائكته لا يعلمون شيئا من المغيبات إلا ما أخبرهم به سبحانه قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٥) وقال آمرا نبيه أن يبلغ الناس: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦)

стр. 1050

وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وهذه الآيات وغيرها تدل على أن رسول الله ﷺ لا يعلم الغيب وهو خير الأنبياء وأفضلهم فكيف بغيره من المخلوقين. فمن اعتقد أنه يعلم الغيب أو أحدا من المخلوقين فقد أعظم على الله الفرية وأبعد النجعة وضل ضلالا بعيدا وكفر بالله سبحانه، فالأمور المغيبة مما أستأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) قال ابن مسعود: كل شيء أوتي نبيكم ﷺ غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٣) الآية، وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى. ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. فالإيمان بالغيب من أركان الإيمان ومن صفات المؤمنين الصادقين، وادعاء علم الغيب والإخبار بالمغيبات من صفات الكهنة الزائغين عن الهدى ومن صفات الدجالين والمشعوذين والعرافين الذين ضلوا عن الصراط المستقيم وأضلوا غيرهم من جهال المسلمين، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٤) الآية. وصح عن رسول الله ﷺ أنه

стр. 1051

قال: «مفاتيح الغيب خمس ثم قرأ قوله تعالى: (٢) » الآية. فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا على ما يقع فيه الناس من الخطأ العظيم في هذا الباب وغيره؛ لأنهم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) وكذا الاعتقاد أن بني هاشم ذنبهم مغفور ولو فعلوا ما فعلوا وهذا غاية الجهل والضلال. فإن الله لا ينظر إلى الأحساب والأنساب والأموال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فمن امتثل أوأمره واجتنب نواهيه ولازم التقوى وابتعد عن المعاصي والمخالفات فهو الكريم عند الله سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان من بني هاشم أو من غيرهم، فالأحساب والأنساب لا تنفع أحدا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤) وقال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٥) » وقال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (٦) » . وهذا أبو طالب وهو عم رسول الله ﷺ لم ينفعه قربه من رسول الله ﷺ ونسبه العريق، وقد حرص رسول الله على أن يشهد أن لا إله إلا الله حتى يحاج له بها عند الله فلم يفعل لأن الله سبحانه كتب في الأزل أنه يموت على دين الآباء والأجداد وهو الشرك وعبادة الأصنام، ونهى الله نبيه عن الاستغفار له فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٧) وأخبر أن النبي لا يملك هداية أحد إذا لم يهده الله فقال:

стр. 1052

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وهكذا أبو لهب وهو عم النبي ﷺ مات على الكفر وأنزل الله في ذمه سورة تتلى إلى يوم القيامة وهي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) فالمعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي كما قال ﷺ : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٣) » وقال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا (٤) » ، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة. ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء. ومن الأمور المنكرة والاعتقاد الفاسد والضلال المبين ما يعتقده بعض المغفلين والجهال في بعض المخرفين والمشركين الضالين المضلين أنهم يشفون المرضى ويدفعون عنهم الضر ويجلبون النفع، نعوذ بالله من العمى والضلال. وهذا ينافي الإيمان بالله وأنه النافع الضار الرازق المحيي المميت المدبر القادر تعالى الله وتقدس عما يقوله الضالون المفترون، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٥) فمن اعتقد أن أحدا ينفعه أو يضره أو يشفيه من دون الله فقد كفر بالله وبكتابه وبملائكته ورسله، قال تعالى لأكرم خلقه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (٦) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٧) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ (٨) وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٩) وقال رسول الله ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت

стр. 1053

فاستعن بالله (١) » . فالنبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا لغيره، فغيره من باب أولى. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح أو ولي من الأولياء وظن فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا فلان اشفني أو انصرني أو ارزقني أو أغنني ونحو ذلك فإن هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم فإنه يكفر إجماعا، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو جني أو روح أو غير ذلك تأثيرا في كشف كربة أو قضاء حاجة أو رفع مرض أو دفع بلاء دون الله سبحانه فقد وقع في ضلال كبير وفي واد من الجهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير لكونه قد أشرك بالله العظيم، وهكذا من ذكر أحدا من الصالحين والأولياء وغيرهم على وجه طلب الإمداد منه فقد أشركه مع الله إذ لا قادر على الدفع والنفع غيره . أما دعاء الحي الحاضر القادر والاستعانة به فيما يقدر عليه مما يجوز شرعا فلا حرج في ذلك وليس داخلا في أنواع الشرك بإجماع المسلمين لقول الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) ولأدلة أخرى من الكتاب والسنة في هذا المعنى، والله ولي التوفيق. ومن الأمور المنكرة أن بعض من يدعي أنه من بني هاشم يقولون إنه لا يكافئهم أحد فهم لا يزوجون غيرهم ولا يتزوجون من غيرهم، وهذا خطأ عظيم وجهل كبير وظلم للمرأة وتشريع لم يشرعه الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣)

стр. 1054

وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) وقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب (٤) » وقال ﷺ : «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين (٥) » متفق عليه. وقال النبي ﷺ : «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (٦) » خرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن، وقد زوج النبي ﷺ زينب بنت جحش الأسدية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس القرشية من أسامة بن زيد وهو وأبوه عتيقان. وتزوج بلال بن رباح الحبشي بأخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية القرشية. وزوج أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة القرشي ابنة أخيه الوليد سالما مولاه وهو عتيق لامرأة من الأنصار. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٧) وكذا زوج النبي ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم عثمان وزوج أبا العاص ابن الربيع ابنته زينب وهما من بني عبد شمس وليسا من بني هاشم، وزوج علي عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم وهو عدوي لا هاشمي، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي وهو أموي لا هاشمي، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة وليس هاشميا بل أسدي من

стр. 1055

أسد قريش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب الهاشمية ابنة عم النبي ﷺ وهو كندي لا هاشمي، وهذا شيء كثير. والمقصود بيان بطلان ما يدعيه بعض الهاشميين من تحريم تزويج الهاشمية بغير الهاشمي أو كراهة ذلك، وإنما الواجب في ذلك اعتبار كفاءته في الدين. فالذي أبعد أبا طالب وأبا لهب عدم الإسلام والذي قرب سلمان الفارسي وصهيبا الرومي وبلالا الحبشي إنما هو الإيمان والصلاح والتقوى واتباع الشرع والسير على النهج المستقيم، ومما ينجم عن هذا الجهل والتصرف الباطل حبس النساء الهاشميات وتعطيلهن من الزواج أو تأخيره فيحصل ما لا تحمد عقباه من الفساد وتعطيل النسل أو تقليله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فأمر بإنكاح الأيامى أمرا مطلقا ليعم الغني والفقير وسائر أصناف المسلمين. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد رغبت في الزواج وحثت عليه فإن على المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمر الله وأمر رسوله، حيث قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) » متفق على صحته، فعلى الأولياء أن يتقوا الله في مولياتهم فإنهن أمانة في أعناقهم وأن الله سائلهم عن هذه الأمانة فعليهم أن يبادروا إلى تزويج بناتهم وأخواتهم وأبنائهم حتى يؤدي كل دوره في هذه الحياة ويقل الفساد والجرائم. ومن المعلوم أن حبس النساء عن الزواج أو تأخيره سبب في فشو الجرائم الأخلاقية وانتشارها التي هي من معاول الهدم والدمار، فيا عباد الله اتقوا الله في أنفسكم وفيمن ولاكم الله عليهم من البنات والأخوات وغيرهن وفي إخوانكم المسلمين واسعوا جميعا إلى تحقيق الخير والسعادة في
следующие страницы →