← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

الرابع: ما ذكره القرطبي وهو أن ابن مسعود لم يكن حين يقول هذا القول قد بلغه الناسخ ثم بلغه، فرجع بعد، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج ٩ ص ١١٩ (في باب ما يكره من التبتل والخصاء) قال - أي الإسماعيلي -: (وفي رواية لابن عيينة عن إسماعيل، ثم جاء تحريمها بعده، وفي رواية معمر عن إسماعيل ثم نسخ) وممن مال إلى القول بأن ابن مسعود حين كان يقول هذا القول لم يبلغه النسخ، الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، قال: (وقوله أي ابن مسعود في حديثه المذكور ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) فيه إشارة إلى أنه كان يعتقد إباحتها، كقول ابن عباس، وأنه لم يبلغه نسخها) اهـ. الجواب عن دعوى ابن حزم ثبوت عدد من الصحابة على إباحة المتعة بعد رسول الله ﷺ ، وإباحة عدد من التابعين: أما ما نقله الحافظ في الفتح عن ابن حزم أنه قال: ثبت على إباحتها - أي متعة النساء - بعد رسول الله ﷺ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، وجابر وعمرو بن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس

стр. 10957

وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة، فقد تعقبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في ج ٩ من فتح الباري ص ١٧٤ بقوله: قلت: وفي جميع ما أطلقه نظر. أما ابن مسعود فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح. وقد بينت فيه ما نقله الإسماعيلي من الزيادة فيه المصرحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من طريق أبي معاوية عن إسماعيل ابن أبي خالد، وفي آخره ففعلنا ثم ترك ذلك، وأما معاوية فأخرجه عبد الرزاق من طريق صفوان بن يعلى بن أمية، أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزبير عن جابر عند عبد الرزاق أيضا أن ذلك كان قديما ولفظه: استمتع معاوية

стр. 10958

مقدمه الطائف بمولاة لبني الحضرمي، يقال لها: معانة، قال جابر: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية فكان يرسل إليها بجائزة كل عام، وقد كان معاوية متبعا لعمر مقتديا به، فلا يشك أنه عمل بقوله بعد النهي، ومن ثم قال الطحاوي: (خطب عمر فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبي ﷺ فلم ينكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه. وأما أبو سعيد فأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أن عطاء قال: أخبرني من شئت عن أبي سعيد قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقا، وهذا مع كونه ضعيفا للجهل بأحد رواته، ليس فيه التصريح بأنه كان بعد النبي ﷺ . وأما ابن عباس فتقدم النقل عنه والاختلاف هل رجع أم لا؟) . وأما سلمة ومعبد فقصتهما واحدة اختلف فيها هل وقعت لهذا أو لهذا؟ فروى عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: " لم يرع عمر إلا أم أراكة قد خرجت وهي حبلى، فسألها عمر، فقالت: استمتع بي سلمة بن أمية وأخرج من طريق أبي الزبير عن طاوس فسماه معبد بن أمية، وأما جابر فمستنده قوله: " فعلناها " وقد بينته قبل، ووقع في رواية أبي نضرة عن جابر عند مسلم " فنهانا عمر فلم نفعله بعد " فإن كان قوله: " فعلنا " يعم

стр. 10959

جميع الصحابة فقوله: " ثم لم نعد " يعم جميع الصحابة فيكون إجماعا، وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيناها، وأما عمرو بن حريث، وكذلك قوله: " رواه جابر عن جميع الصحابة " فعجيب وإنما قال جابر: " فعلناها " وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة بل يصدق على فعل نفسه وحده. وأما ما ذكره عن التابعين فهو عند عبد الرزاق عنهم بأسانيد صحيحة، وقد ثبت عن جابر عند مسلم " فعلناها " مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عمر فلم نعد لها فهذا يرد، عده جابرا فيمن ثبت على تحليلها، وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها لثبوت قوله ﷺ : «إنها حرام إلى يوم القيامة (١) » قاله فأمنا بهذا القول نسخ التحريم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ في فتح الباري. وقد ذكر ابن حزم في المحلى ج ٩ ص ٥١٩: أسماء

стр. 10960

بنت أبي بكر ﵄ ضمن أولئك الصحابة الذين ثبتوا بعد رسول الله ﷺ على تحليل متعة النساء، وذكر أيضا رواية أخرى عن عمر بن الخطاب بأنه أنكر متعة النساء إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وأباحها بشهادة عدلين، ولم يتعرض لأي واحد من الأمرين، وإنما ذكرهما في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وأفرد ما ذكره عن أسماء بالتخريج، حيث قال ج ٣ ص ٥٩: وأما ما ذكره - أي ابن حزم - عن أسماء فأخرجه النسائي من طريق مسلم القرى قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يجب عن هذه الرواية؛ فلذلك أذكر مستند ابن حزم في دعواه أن هناك رواية أخرى عن عمر بن الخطاب أنكر فيها متعة النساء إذا لم يشهد عليها عدلان، وأباحها بشهادة عدلين ثم أجيب عن الروايتين. فأقول: أما الرواية عن عمر بذلك فعند عبد الرزاق في مصنفه ج ٧ ص ٥٠٠، ٥٠١ روي عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن عمر بن حوشب استمتع بجارية بكر من بني عامر بن لؤي، فذكرت ذلك لعمر، فسألها فقالت: استمتع منها عمر بن حوشب، فسأله فاعترف، فقال عمر: من أشهدت؟ قال: لا أدري قال أمها أو أختها، أو

стр. 10961

أخاها وأمها. فقام عمر على المنبر فقال: " ما بال رجال يعملون بالمتعة ولا يشهدون عدولا ولم يبنها إلا حددته " قال: أخبرني هذا القول من تحت منبره سمعه حين يقوله، قال: فتلقاه الناس منه " اهـ. وفي سندها محمد بن الأسود ابن خلف، قال فيه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٣ ص ٤٨٥: لا يعرف هو ولا أبوه تفرد عنه عبد الله بن عثمان بن خثيم. وأما الرواية عن أسماء فقد أجاب عنها الحسين بن أحمد السياغي في الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ج ٤ ص ٢١٨ بقوله: ليس فيها زيادة على حكاية ما وقع في وقته ﷺ ، ولا يدل السياق على أنها تقول بجوازها. اهـ كلامه، وقد قال مسلم في صحيحه: " حدثنا محمد بن حاتم حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن مسلم القرى قال: «سألت ابن عباس ﵄ عن متعة الحج،

стр. 10962

فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله ﷺ رخص فيها فادخلوا عليها فاسألوها، قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها (١) » وحدثناه ابن المثنى حدثنا عبد الرحمن (ح) وحدثناه ابن بشار حدثنا محمد يعني ابن جعفر جميعا عن شعبة بهذا الإسناد فأما عبد الرحمن ففي حديثه المتعة ولم يقل متعة الحج. وأما ابن جعفر فقال: قال شعبة: قال مسلم القرى: لا أدري متعة الحج أو متعة النساء! وما دام الأمر هكذا ففي كون لفظ " متعة النساء " في رواية النساء من طريق مسلم القرى محفوظا نظر. ومن غرائب ابن حزم دعواه في تلك العبارة التي في المحلى الاختلاف في المتعة عن علي وعمر وابن الزبير بدون مستند صالح، ورغم النصوص الصحيحة الصريحة عنهم بالتحريم.

стр. 10963

١٦٤ - الجواب عما عزي إلى عطاء وابن جريج ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وابن جرير من إباحة المتعة: أما ما روي عن عطاء أنه يجيز المتعة فقد قال الباجي في المنتقى ج ٣ ص ٣٣٤ في كلامه على المتعة ما نصه: قد روى ابن حبيب أن ابن عباس وعطاء كانا يجيزان المتعة ثم رجعا عن ذلك. وأما حكاية الخطاب عن ابن جريج إباحة متعة النساء

стр. 10964

فقد روى أبو عوانة في صحيحه كما في تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ج ٣ ص ١٦٠، روي عن ابن عوانة أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا أني قد رجعت عنها بعد أن حدثهم بثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها، ولو لم يرجع فالأمر ما قاله الأوزاعي. . . فقد قال الحاكم في النوع الثاني والعشرين من الأنواع المشتمل عليها كتابه: معرفة علوم الحديث ص ٦٥: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب قال: أخبرنا العباس بن الوليد البيروني قال: حدثنا أبو عبد الله بن بحر قال: سمعت الأوزاعي يقول: يجتنب أو يترك من قول أهل العراق خمس، ومن قول أهل الحجاز خمس. من قول أهل العراق: شرب المسكر، والأكل عند الفجر في رمضان، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، وتأخير صلاة العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله، والفرار يوم الزحف. ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، والمتعة بالنساء والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين يدا بيد، وإتيان النساء في أدبارهن، وممن أجاب عن إباحة ابن جريج متعة النساء بهذا، الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير قال أيضا: ومن المشهورين بإباحتها - متعة النساء - ابن جريج فقيه مكة؛ ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم في علوم الحديث: ويترك من قول أهل الحجاز خمس فذكر فيها متعة النساء من قول أهل مكة وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل المدينة. اهـ.

стр. 10965

وأما ما حكاه بعض الحنفية عن مالك بن أنس من إباحة متعة النساء، فقد تعقبه الإمام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، بعد أن جزم بأن فقهاء الأمصار كلهم على المنع قال ج ٤ ص ١٩٤: " وما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز فهو خطأ قطعا، وأكثر الفقهاء على الاقتصار على التحريم على العقد المؤقت، وعداه مالك إلى توقيت الحل وإن لم يكن في عقد، فقال: إذا علق طلاق امرأته بوقت لا بد من مجيئه وقع عليها الآن. وعلله أصحابه بأن ذلك توقيت للحل وجعلوه في معنى نكاح المتعة " اهـ كلام ابن دقيق العيد، ولخصه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج ٩ ص ١٧٣ حيث قال: " قال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز خطأ، فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه، فقالوا: لو علق على وقت لا بد من مجيئه وقع الطلاق الآن؛ لأنه توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة " اهـ. وأما ما نقل عن الشافعي من إباحة متعة النساء فقد قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية ج ٥ ص ١٩٤: " حاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الإمام الشافعي بمثل ذلك أي ما روي عن ابن عباس في إباحة المتعة ولا يصح والله أعلم ".

стр. 10966

وأما رواية ابن منصور أنه سأل أحمد بن حنبل عن متعة النساء، قال: يجتنبها أحب إلي، وقوله: ظاهر هذا الكراهة دون التحريم، فقد قال ابن عقيل فيها: رجع عنها الإمام أحمد، وقال تقي الدين: توقف الإمام أحمد ﵀ أي في تلك العبارة عن لفظ الحرام ولم ينفه، وقال صاحب المحرر: يتخرج أن يصح النكاح ويلغو التوقيت، وأجاب عنها ابن قدامة في (المغني) ج ٦ ص ٦٤٤ حيث قال: " وغير أبي بكر من أصحابنا يمنع هذا، ويقول في المسألة رواية واحدة في تحريمها، وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء، وممن روي عنه القول بتحريمها عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير، قال ابن عبد البر: وعلى تحريم المتعة مالك وأهل المدينة، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، والأوزاعي من أهل الشام، والليث من أهل مصر، والشافعي وأصحاب الآثار " اهـ. وأجاب الإمام ابن كثير في البداية والنهاية عن نقل الإمام أحمد بقوله ج ٤ ص ١٩٤: " وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس وهي ضعيفة " اهـ. وأما قول الشوكاني في نيل الأوطار ج ٦ ص ١٣٠٦ الطبعة العثمانية بمصر: " وروي أيضا عن ابن جرير جوازه " فغلط والصواب " ابن جريج " كما هو نص الاعتبار للحازمي الذي نقل عنه الشوكاني العبارة التي وقع فيها هذا الخطأ،

стр. 10967

وممن تنبه لهذا الخطأ الشيخ محمد نجيب المطيعي في الجزء الخامس عشر من شرح المهذب وهو الجزء الرابع من تكملته لهذا الشرح قال ص ١٤١: " قد ورد اسم ابن جريج خطأ في نيل الأوطار بابن جرير، والصواب ما ذكرنا أي ابن جريج " لكن فات المطيعي أن يذكر أن ذلك الخطأ إنما وقع في العبارة المذكورة.

стр. 10968

١٦٥ - تعريف المتعة: قال الشيخ علي القاري في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) ج ٣ ص ٤٢٢ طبعة بومباي: " المتعة أن تقول لامرأة: أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال ". قال الباجي في المنتقى في شرح حديث ابن أبي طالب «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (١) » . والمتعة المذكورة في هذا الحديث هي النكاح المؤقت مثل أن يتزوج الرجل المرأة سنة أو شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا انقضت المدة فقد بطل حكم النكاح وكمل أمره، قاله ابن المواز وابن حبيب، زاد ابن حبيب أو مثل أن يقول المسافر يدخل البلد: أتزوجك ما أقمت حتى أقفل.

стр. 10969

ثم قال الباجي (١) بعد ذلك: " ومن تزوج امرأة لا يريد إمساكها إلا أنه يريد أن يستمتع بها مدة ثم يفارقها فقد روى محمد عن مالك أن ذلك جائز وليس من الجميل ولا من أخلاق الناس، ومعنى ذلك ما قاله ابن حبيب: إن النكاح وقع على وجهه ولم يشترط شيئا وإنما نكاح المتعة ما شرطت فيه الفرقة بعد انقضاء مدة. قال مالك: وقد يتزوج الرجل المرأة على غير إمساك فيسره أمرها فيمسكها وقد يتزوجها يريد إمساكها ثم يرى منها ضد الموافقة فيفارقها، يريد أن هذا لا ينافي النكاح فإن للرجل الإمساك أو المفارقة، وإنما ينافي النكاح التوقيت " اهـ. وقال ابن عبد البر في الكافي ج ٢ ص ٥٣٣: " ونكاح المتعة باطل مفسوخ وهو أن يتزوج الرجل المرأة بشيء مسمى إلى أجل معلوم يوما أو شهرا أو مدة من الزمان معلومة على أن الزوجية تنقضي بانقضاء الأجل ". وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كلامه على الآية الكريمة: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢) قال في الجامع لأحكام القرآن (٣) : " قال

стр. 10970

أبو عمر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق ". وقال ابن عطية: " وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين، وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى ألا ميراث بينهما ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها؛ لأن الولد لاحق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره، وفي كتاب النحاس في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة. قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس، فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول لها أتزوجك يوما، أو ما أشبه ذلك على أنه لا عدة عليك، ولا ميراث بيننا، ولا طلاق، ولا شاهدين على ذلك، وهذا هو الزنا بعينه ولم يبح قط في الإسلام؛ ولذلك قال عمر: " لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة ". وقال الشافعي في (الأم) (١) تحت عنوان: (نكاح المحلل ونكاح المتعة) : " جماع نكاح المتعة المنهي عنه كل نكاح كان إلى أجل من الآجال قرب أو بعد، وذلك أن يقول الرجل للمرأة: نكحتك يوما أو عشرا أو شهرا، أو نكحتك

стр. 10971

حتى أخرج من هذا البلد، أو نكحتك حتى أصيبك، فتحلين لزوج فارقك ثلاثا أو ما أشبه هذا، مما لا يكون فيه النكاح مطلقا لازما على الأبد، أو يحدث لها فرقة. ونكاح المحلل الذي يروى أن النبي ﷺ لعنه عندنا والله تعالى أعلم ضرب من نكاح المتعة؛ لأنه غير مطلق إذا شرط أن ينكحها حتى تكون الإصابة فقد يستأخر ذلك أو يتقدم " وأصل ذلك: أنه عقد عليها النكاح إلى أن يصيبها، فإذا أصابها فلا نكاح له عليها، مثل أنكحها عشرا ففي عقد أنكحك عشرا ألا نكاح بيني وبينك بعد عشر، كما في عقد أنكحك لأحللك إني إذا أصبتك فلا نكاح بيني وبينك بعد أن أصبتك، كما يقال: أتكارى منك هذا المنزل عشرا، أو أستأجر هذا العبد شهرا، وفي عقد شهر أنه إذا مضى فلا كراء ولا إجارة لي عليك، وكما يقال: أتكارى هذا المنزل مقامي في البلد، وفي هذا العقد أنه إذا خرج من هذا البلد فلا كراء له، وهذا يفسد في الكراء، فإذا عقد النكاح على واحد مما وصفت فهو داخل في نكاح المتعة، وكذلك كل نكاح إلى وقت معلوم أو مجهول، فالنكاح مفسوخ لا ميراث بين الزوجين، وليس بين الزوجين شيء من أحكام الأزواج لا طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا لعان إلا بولد. وإن كان لم يصبها فلا مهر لها، وإن كان أصابها فلها مهر مثلها إلا ما سمى لها، وعليها العدة، ولا نفقة لها في العدة وإن كانت

стр. 10972

حاملا، وإن نكحها بعد هذا نكاحا صحيحا فهي عنده على ثلاث. قال الشافعي: وإن قدم رجل بلدا وأحب أن ينكح امرأة، ونيته ونيتها ألا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يوما أو اثنين أو ثلاثة، كانت على هذا نيته دون نيتها، أو نيتها دون نيته أو نيتهما معا ونية الولي، غير أنهما إذا عقد النكاح مطلقا لا شرط فيه، فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا؛ لأن النية حديث نفس، وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم، وقد ينوي الشيء ولا يفعله وينويه ويفعله، فيكون الفعل حادثا غير النية، وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدهما دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ما يصيبها، فيحللها لزوجها ثبت النكاح، وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره والوالي والولي في هذا لا معنى له يفسد شيئا ما لم يقع النكاح بشرط يفسده. قال الشافعي: " ولو كانت بينهما مراوضة فوعدها إن نكحها أن لا يمسكها إلا أياما أو مدة مقامه بالبلد، أو إلا بقدر ما يصيبها، كان ذلك بيمين أو غير يمين فسواء، وأكره له المراوضة على هذا، ونظرت إلى العقد، فإن كان العقد مطلقا لا شرط فيه فهو ثابت؛ لأنه انعقد لكل واحد منهما على صاحبه ما للزوجين، وإن انعقد على ذلك الشرط فسد، وكان

стр. 10973

كنكاح المتعة، وأي نكاح كان صحيحا وكانت فيه الإصابة أحصنت الرجل والمرأة إذا كانت حرة، وأحلت المرأة للزوج الذي طلقها ثلاثا، وأوجبت المهر كله، وأقل ما يكون من الإصابة حتى تكون هذه الأحكام أن تغيب الحشفة في القبل نفسه. قال الشافعي: وأي نكاح كان فاسدا لم يحصن الرجل ولا المرأة ولم يحللها لزوجها، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها " اهـ. وقال الموفق بن قدامة في (المغني) ج ٦ ص ٦٤٤: " معنى نكاح المتعة: أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهرا أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو قدوم الحاج وشبهه سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة " اهـ. وقال ابن حزم في المحلى ج ٩ ص ٥١٩ في تعريف نكاح المتعة: " هو النكاح إلى أجل ". وقال الحسن بن أحمد السياغي في الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ج ٤ ص ٢١٤ في تعريف نكاح المتعة: " هو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوما. ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر ولا نفقة ولا توارث ولا عدة، إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به، إلا أن

стр. 10974

يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه. ثم قال السياغي هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية " اهـ. قال القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ ج ٣ ص ٣٣٥: " روى ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن يحيى بن يحيى عن ابن نافع أنه يرجم من فعل ذلك - أي متعة النساء - اليوم إن كان محصنا ويجلد من لم يحصن، وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ عن ابن القاسم: لا رجم فيه، وإن دخل على معرفته منه بمكروه ذلك، ولكن يعاقب عقوبة موجعة لا يبلغ بها الحد. وروي عن مالك أنه يدرأ فيه الحد ويعاقب إن كان عالما بمكروه ذلك. وجه قول عيسى بن دينار: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك للناس وخطبهم به، وخطبه تنتشر وقضاياه تنتقل، ولم ينكر عليه ذلك أحد ولا حفظ له مخالف. ووجه القول الثاني: ما احتج به أصبغ من رواية ابن مزين عنه أن كل نكاح حرمته السنة، ولم يحرمه القرآن فلا حد على من أتاه عالما عامدا، وإنما فيه النكال، وكل نكاح حرمه القرآن أتاه رجل عالما عامدا فعليه الحد - قال -: وهذا الأصل الذي عليه ابن القاسم. قال القاضي أبو الوليد ﵁: وعندي أن ما حرمته السنة ووقع الإجماع والإنكار على تحريمه يثبت فيه الحد كما يثبت فيما حرمه القرآن - قال -: والذي عندي في

стр. 10975

ذلك أن الخلاف إذا انقطع ووقع الإجماع على أحد أقواله بعد موت قائله وقبل رجوعه عنه فإن الناس مختلفون فيه. فذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا ينعقد الإجماع بموت المخالف، فعلى هذا حكم الخلاف باق، هذا في حكم قضية المتعة، وبذلك لا يحد فاعله. وقال جماعة: إنه ينعقد الإجماع بموت إحدى الطائفتين، فعلى هذا قد وقع الإجماع على تحريم المتعة؛ لأنه لم يبق قائل به. فعندي هذا يحد فاعله، وهذا على قولنا: إنه لم يصح رجوع عبد الله بن عباس عنه، ومما يدل على أنه لم ينعقد الإجماع على تحريمه أنه يلحق به الولد، ولو انعقد الإجماع بتحريمه، وأتاه أحد عالما بالتحريم لوجب ألا يلحق به الولد والله أعلم. ذكر الباجي هذا في شرح ما رواه مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: " أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ﵁، فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه، فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت ". وقال الباجي قبل ذلك: " إن وقع - نكاح المتعة - يفسخ، زاد الشيخ أبو القاسم قبل البناء وبعده. ووجه ذلك أن النبي ﷺ نهى عنها، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. ومن جهة المعنى أنه عقد نكاح فسد بعقده،

стр. 10976

فوجب أن يفسخ قبل البناء وبعده كالنكاح بغير ولي " اهـ. وقال ابن عبد البر في الكافي ج ٢ ص ٥٣٣: " نكاح المتعة باطل مفسوخ، وهو: أن يتزوج الرجل المرأة بشيء مسمى إلى أجل معلوم يوما أو شهرا، أو مدة من الزمان معلومة، على أن الزوجية تنقضي بانقضاء الأجل، والفرقة في ذلك فسخ بغير طلاق، قبل الدخول وبعده، ويجب في المهر المسمى بالدخول عند مالك، فإن لم يسم شيئا أو سمى ما لا يكون صداقا عنده وجب فيه صداق المثل يسقط فيه الحد، ويلحق الولد، وعليها العدة كاملة، وكذلك عند مالك نكاح النهارية حكمه عنده حكم المتعة في لزوم المهر ولحوق الولد ووجوب العدة مع الفسخ، وهي: التي تنكح على أنها تأتي زوجها نهارا ولا تأتيه ليلا " وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣٢، ١٣٣: " قد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا يلحق به الولد، أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد؟ على قولين، ولكن يعزر ويعاقب إذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح، فدل على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح، ويفارقه في الأجل والميراث. وحكى المهدوي عن ابن عباس: أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود، وفيما حكاه ضعف لما

стр. 10977

ذكرنا. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب، وفي رواية أخرى عن مالك: " لا يرجم؛ لا لأن نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء، وهو: أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك: أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف " اهـ. وقال ابن قدامة في المغني ج ٨ ص ١٨٣، ١٨٤: " ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة - قال -: وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبه. . . " اهـ. والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10978

١٦٦ - الترغيب في الزواج من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. ع. م. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: (١) فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم (١٧٩٠) وتاريخ ١١ \ ٥ \ ١٤٠٧ هـ، الذي تسأل فيه عن عدد من الأسئلة. وأفيدك بأن الصلاة بدون إقامة صحيحة؛ لأنها من فروض الكفاية، ولكن لا ينبغي تعمد تركها. ونوصيك بالمبادرة بالزواج؛ لما فيه من إحصان الفرج وغض البصر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) » ، وما عللت به والدتك من عدم قدرتك على

стр. 10979

المسئولية ولا تقدر على الصرف على زوجتك لا يعتبر مبررا للامتناع عن الزواج؛ لأن الأرزاق بيد الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) والمبلغ الذي ذكرت أنك تحصل عليه شهريا فيه خير وبركة إن شاء الله، وعليك أن تحاول إقناع والدتك وإرضاءها، وإذا أصرت على الامتناع فلا يلزمك طاعتها في ترك الزواج مع الحاجة إليه؛ لأن الطاعة في المعروف. وما ذكره الأستاذ من أن اشتراط الطهارة لمس المصحف لا يشمل طلاب المدارس غير صحيح؛ لأن الأمر باشتراط الطهارة جاء مطلقا، فيعم حكمه كل من أراد مس المصحف، وسبق أن صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتاوى في بعض ما سألت عنه، فنرفق لك نسخا منها وفيها الكفاية إن شاء الله. وفق الله الجميع لما فيه رضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 10980

نصيحة لمن يريد الزواج ولم يقدر عليه س ١٦٧: أنا شاب في المرحلة الثانوية، وأحاول قدر المستطاع أن أحافظ على الفرائض، وما يأمر به الدين، ولكنني أعاني من مشكلة، وهي أني لا أستطيع الزواج، نظرا للظروف المادية في هذا العصر، وأخاف أن أقع فيما حرمه الله. فهل من نصائح وتوجيهات خاصة للشباب مثلي؟ (١) ج: أوصيك وإخوانك في الله من الشباب بما قاله النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) » ، متفق على صحته. فعليك يا أخي بتقوى الله، والاستقامة على دينه، والإكثار من

стр. 10981

الصوم حتى يتيسر لك الزواج، وسل ربك العافية والثبات على الحق، وأن يسهل أمرك، وأبشر بالخير، والعاقبة الحميدة؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) الآية. يسر الله أمرك وأمر كل مسلم إنه سميع قريب.

стр. 10982

١٦٨ - لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ب. أ. ح. هـ سلمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: اطلعت على كتابكم الموجه إلى أ. م. خ. المتضمن أمره بسؤال أهل العلم عن حكم تزوج الإنسان بامرأة من غير قبيلته. . إلخ. وقد طلب مني المذكور بواسطة أ. ح. ب. الإجابة عن هذا السؤال. ولما أوجب الله من بيان الحق ونشر العلم، رأيت الإجابة عن ذلك فأقول: (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد: فقد أجمع علماء الإسلام على جواز نكاح الرجل امرأة من غير قبيلته إذا اتحد الدين. وأجمعوا أيضا على جواز نكاح المسلم للمحصنة من أهل الكتاب ولو كانت من غير العرب، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة كثيرة، منها: قوله تعالى:

стр. 10983

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) فأوضح الله في هذه الآية الكريمة لعباده أنه لا ميزة لأحد على أحد ولا فضل لأحد على أحد عند الله سبحانه إلا بالتقوى، فأكرم الناس عند الله أتقاهم، «وسئل النبي ﷺ عن أكرم الناس، فقال: " أتقاهم (٢) » . فدلت الآية المذكورة، والحديث المذكور على أن القبائل فيما بينها متكافئة، وأنه يجوز للقرشي والهاشمي أن ينكح من تميم وقحطان وغيرهما من القبائل وهكذا عكس ذلك. وقد تزوج النبي ﷺ وهو أفضل بني هاشم زينب بنت جحش وهي من بني أسد بن خزيمة وليست قرشية، وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وحفصة بنت عمر وجويرية بنت الحارث وسودة بنت زمعة وأم سلمة وعائشة وهن لسن من بني هاشم، وتزوج ﵊ صفية بنت حيي وهي من بني إسرائيل. وتزوج عمر بن الخطاب ﵁ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ وهو من بني عدي وهي من بني هاشم، وتزوج عثمان ﵁ رقية وأم كلثوم ابنتي الرسول ﷺ وهو من بني أمية وهما ابنتا رسول الله ﷺ ومن بني هاشم،

стр. 10984

والوقائع في هذا الباب كثيرة جدا وكلها تدل على أن الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ لم يكونوا يبالون بأمر النسب إذا استقام أمر الدين. ومما يدل على ذلك أيضا أن النبي ﷺ زوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي قرشية وأسامة مولى من بني كلب، وهكذا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس زوج ابنة أخيه الوليد على مولاه سالم وهي قرشية وسالم مولى. وهكذا أبو بكر الصديق ﵁ زوج أخته الأشعث بن قيس وهو تيمي قرشي والأشعث كندي يمني من قحطان، وهكذا عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ زوج أخته بلال بن رباح المؤذن وهي زهرية قرشية وبلال من الحبش. وهذا كله يدل طالب العلم على جواز نكاح الإنسان من غير قبيلته إذا استقام الدين، وفيما ذكرناه من الأدلة والوقائع كفاية إن شاء الله، وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في الدين والتمسك بشريعة سيد المرسلين، والسير على سيرته وسيرة أصحابه المرضيين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 10985

اختيار الزوجة الصالحة س ١٦٩: ما الطريقة المثلى في اختيار الزوجة الصالحة؟ (١) ج: سؤال أهل العلم والأمانة عنها وعن أهلها حتى يثبت لدى الخاطب أنها من ذوات الدين؛ لقول النبي ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك (٢) » ، متفق على صحته. وقوله ﷺ : «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة (٣) » ، وقوله ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (٤) » ، وقوله ﵊: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فإن حامل المسك إما أن يحذيك

стр. 10986

وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثا (١) » . والله ولي التوفيق.

стр. 10987

تقديم الزواج على الحج إذا خيف العنت س ١٧٠: هل لي أن أتزوج أو لا أم أساعد أمي وأنفق عليها لأداء العمرة هي بنفسها وأنا معها محرم؟ (١) ج: إذا كنت تستطيع هذا وهذا أحسن إلى أمك وتزوج، وأما إذا كنت لا تستطيع إلا أحدهما فالزواج أهم وأمك ليس عليها شيء حتى تستطيع. تزوج إلا إذا كنت لا تخشى على نفسك، وليس عندك مبالاة بالزواج، وما عندك شهوة تخشى منها وأردت تقديم أمك لا بأس. أما إذا كنت تخشى على نفسك فوات الزواج فقدم الزواج، واعتذر لأمك عن الحج حتى تستطيعا جميعا.

стр. 10988

لا يجوز للمحرم عقد النكاح له أو لغيره س ١٧١: ما صحة عقد النكاح للمحرم وهو في الحج، هل يجوز، وهل يصح هذا العقد أم لا؟ (١) ج: النبي ﷺ يقول: «لا ينكح المحرم ولا ينكح (٢) » - يعني لا ينكح لا يتزوج، ولا ينكح لا يزوج غيره ما دام محرما؛ لأن عقده غير صحيح لا لنفسه ولا لبناته أو غيرهن من مولياته ما دام محرما؛ لأن هذا أصل النهي، أصل النهي التحريم والإبطال.

стр. 10989

جواز رفض الزواج إذا وجد عذر شرعي س ١٧٢: ما حكم الشرع في فتاة ترفض الزواج وهي فتاة مسلمة ملتزمة صائنة لعفافها ولذلك فهي ترى لا حاجة لها

стр. 10990

للزواج بالإضافة إلى أنها تعيش في مجتمع يهزأ بالدين ويسخر من الملتزمين به؛ لذلك فهي تحرص ألا تكون أسرة في مثل هذا المجتمع خوفا من الانحراف والضياع؟ (١) ج: المشروع للمرأة والرجل هو الزواج، لما فيه من إحصان الفرج وغض البصر وتكثير النسل وتكثير الأمة، وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وقال النبي ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٣) » . وكان ﷺ ينهى عن التبتل ويأمر بالزواج فيقول: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة (٤) » . فالمشروع

стр. 10991

للشباب والشابات المبادرة إلى الزواج والحرص على الزواج كما أرشد النبي ﵊ وأمر به، وللمصالح التي سبق ذكرها، والجلوس بدون زواج فيه خطر عظيم فلا يليق بالشاب وهو قادر أن يتأخر في الزواج، ولا يليق بالفتاة التأخر عن الزواج إذا خطبها الشخص المناسب. لكن إذا كان لها عذر لا تحب أن تبديه للناس فهي أعلم بنفسها، بأن كان لا شهوة لها أو كان بها عيب يمنع الزواج من سدد في الفرج أو ما أشبه ذلك، فالمقصود هي أعلم بنفسها إذا كان لها عذر شرعي لا ترغب في الزواج ولا تريده فهي أعلم بنفسها، لكن ما دام ليس بها مانع فإن السنة والمشروع لها أن تبادر بالزواج إذا كان الخاطب كفئا مناسبا في دينه، أما إذا لم يتيسر لها الكفء فهي معذورة، إذا خطبها الأشرار المعروفون بالفساد وترك الصلوات أو السكر أو بغير هذا من المعاصي فهؤلاء لا يرغب فيهم، والكافر التارك للصلاة لا يجوز له نكاح المسلمة. المقصود إذا خطبها كفء فالمشروع لها أن تبادر وأن ترحب بذلك، ولا تبقى عانسة بدون زواج؛ لما فيه من الخطر، ولما في ذلك من مخالفة السنة. أما إن كان لها عذر شرعي تعرفه من نفسها فهي أعلم بنفسها، أو لم يتيسر لها خاطب يصلح لها والمجتمع مجتمع فاسد لم تجد فيه من يصلح لأن تتزوجه فهي معذورة.

стр. 10992

النهي عن تزويج النساء إلا بإذنهن س ١٧٣: إن والدي عقد نكاح شقيقتي البالغة من العمر ست عشرة سنة إجباريا على رجل لا ترغبه، وأنها تحاول قتل نفسها بكل طريقة وتقول الموت أحب إلي منه (١) . ج: مثل هذا الزواج منكر لا يجوز ولا يصح في أصح أقوال العلماء؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن تزويج النساء إلا بإذنهن» وأخبر أن البكر إذنها سكوتها، ولما أخبرته ﷺ جارية أن أباها زوجها وهي كارهة خيرها النبي ﷺ بين البقاء معه أو الترك، وما اعتاده بعض البادية وغيرهم من تزويج الأبكار دون مشاورتهن فهي عادة سيئة باطلة، والغصب لا يأتي بخير، بل يضر الجميع. والذي أرى أن توسطوا أهل الخير في فسخ هذا النكاح، فإن أجدت الوساطة فذلك المطلوب وإلا فاعرضوا الموضوع على المحكمة وهي إن شاء الله تحل المشكل، وفق الله الجميع.

стр. 10993

لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن س ١٧٤: ما قولكم في امرأة زوجت قبل بلوغها، وبعد بلوغها رفضت قبول هذا الزواج، هل يجوز لها أن تتزوج بدون طلاق الزوج، أم لا بد من الطلاق، وما هو الدليل في هذه المسألة إن كان معلوما؟ (١) ج: إذا كانت المرأة قد زوجت بإذنها فعليها السمع والطاعة للزوج وتنفيذ مقتضى النكاح، وليس لها أن تتزوج سوى زوجها الذي تم له العقد عليها قبل بلوغها والمزوج لها أبوها؛ لقول النبي ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله كيف إذنها؟ قال: أن تسكت (٢) » متفق على صحته، وهو يعم البالغة ومن دونها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الأيم أحق

стр. 10994

بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها (١) » ، وخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد بلفظ: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها (٢) » ، وهذا صريح في صحة نكاح غير البالغة إذا أذنت ولو بالسكوت. أما إذا كانت لم تستأذن والمزوج لها غير أبيها فالنكاح فاسد في أصح قولي العلماء، لكن ليس لها أن تتزوج إلا بعد تطليقه لها، أو فسخ نكاحها منه بواسطة الحاكم الشرعي؛ خروجا من خلاف من قال إن النكاح صحيح، ولها الخيار بعد البلوغ وحسما لتعلقه بها، وليس لها أيضا نكاح غيره حتى تستبرئ بحيضة إن كان قد وطئها، أما إذا كان المزوج لها بدون إذنها هو أبوها فهذه المسألة فيها خلاف أيضا بين العلماء، فكثير منهم يصحح هذا النكاح إذا كانت البنت بكرا؛ لمفهوم قوله ﷺ : «واليتيمة تستأمر (٣) » قالوا: فهذا يدل على أن غير اليتيمة لا تستأمر، بل يستقل أبوها بتزويجها بدون إذنها، وذهب جمع من أهل العلم إلى أن الأب ليس له إجبار ابنته البكر، ولا تزويجها بدون إذنها إذا كانت قد بلغت

стр. 10995

تسع سنين. كما أنه ليس له إجبار الثيب، ولا تزويجها بغير إذنها؛ للحديث السابق وهو قوله ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن (١) » ، وهو يعم اليتيمة وغيرها، وهو أصح من الحديث الذي احتجوا به على عدم استئذان غير اليتيمة، وهو منطوق وحديث اليتيمة مفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم؛ ولأنه ﵊ صرح في رواية ثابتة عنه ﷺ بقوله: «والبكر يستأذنها أبوها (٢) » ، وهذا اللفظ لا يبقي شبهة في الموضوع؛ ولأن ذلك هو الموافق لسائر ما ورد في الباب من الأحاديث، وهو الموافق للقواعد الشرعية في الاحتياط للفروج، وعدم التساهل بشأنها، وهذا القول هو الصواب؛ لوضوح أدلته. وعلى هذا القول يجب على الزوج الذي عمد له والد البكر عليها بدون إذنها أن يطلقها طلقة واحدة؛ خروجا من خلاف العلماء وحسما لتعلقه بها بسبب الخلاف المذكور، وهذه الطلقة تكون بائنة ليس فيها رجعة؛ لأن المقصود منها قطع تعلق المعقود له بها والتفريق بينه وبينها، ولا يتم
следующие страницы →