الأول ولم تنجح إلا في الدور الثاني فليس عليك شيء، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وهكذا نذرك إذا نجحت من المتوسط للثانوي عليك أن توفي به إذا نجحت، لحديث عائشة المتقدم، فإن كنت نويت بنذرك الأول أو الثاني أن تذبح الذبيحة لأهل بيتك وأقاربك وجيرانك فأنت على ما نويت، لحديث عمر المذكور آنفا.
وينبغي لك يا أخي ألا تعود إلى النذر لأنه لا يرد من قدر الله شيئا وليس هو من أسباب النجاح، وقد نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل (٢) » كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق.
стр. 12322
١٠٢ - حكم الوفاء بالنذر
فور حصول ما كان وعدا على الشرط
س: لقد نذرت لله نذرا، وهو أن أصلي ١٠ ركعات إذا خفت رجلي من الألم، والآن لا أدري أيجوز أن أصلي العشر ركعات كل يوم ركعتين، إلى أن أتمها، فيصبح إتمامها بخمسة أيام؟ أم يجب أن أصلي العشر في وقت واحد بمعنى في يوم واحد؟ أفيدوني أفادكم الله (١)
ج: إذا وجد الشرط المذكور وهو خفة الألم، فالواجب عليك الوفاء بالنذر فورا فتصلي عشر ركعات في غير وقت النهي، تسلم من كل ركعتين؛ لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى (٢) » . ولقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٣) » رواه البخاري في صحيحه.
стр. 12323
١٠٣ - نذر الطاعة يجب الوفاء به
س: لي أخت متزوجة، ولديها ثلاثة أطفال، وهي على خلاف دائم مع زوجها، وكانت أيضا على خلاف مع والدها، والسبب زوجها الذي كان يعاملها معاملة قاسية جدا، مما اضطرها إلى ترك البيت، وذهبت إلى بيت أمها المطلقة والمتزوجة من إنسان آخر، وزوج أمها يعاملها هو الآخر معاملة سيئة. فقمت أنا - أخوها - وأخذت لها شقة لتسكن فيها معي وكانت كثيرا ما تذهب إلى أمها، ومرة أجبرها زوج أمها أن تذهب وترمي أولادها عند زوجها ففعلت ذلك إرضاء لأمها. وفي أحد الأيام حصل خلاف بينها وبين زوج أمها وخرجت إلى شقتها متأثرة جدا بما مر بها من مصائب وبعد أولادها عنها، فقامت وأخذت حبوبا من الثلاجة وأكلتها جميعا، تريد أن تقضي على حياتها، فأخذتها إلى المستشفى وأعطيت العلاج اللازم، وقبل وفاتها أحست أنها في أيامها الأخيرة، فتابت وأخذت تستغفر كثيرا عما فعلته، وكانت تطلب منا أن ندعوا لها بالمغفرة، وأراد الله وتوفيت، فماذا يكون حالها بعد ذلك؟
стр. 12324
وهل يجوز لي أن أقوم بالصدقة والحج عنها، علما أنني نذرت أن أقوم بهذه الأعمال طيلة حياتي إن شاء الله؟ (١)
ج: ما دامت أختك المذكورة قد تابت إلى الله سبحانه وندمت على ما فعلته من أسباب الانتحار فإنه يرجى لها المغفرة، والتوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ، وإذا تصدقت عنها، أو استغفرت لها ودعوت لها، يكون ذلك حسنا، وذلك ينفعها وتؤجر عليه أنت.
وما نذرته من الطاعات فعليك أن توفي به لأن الله سبحانه مدح الموفين بالنذور في قوله في مدح الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٣) » . رواه الإمام البخاري في صحيحه، والله ولي التوفيق.
стр. 12325
١٠٤ - ماذا يلزم من عجز عن الوفاء بنذره
س: إنني شاب أبلغ من العمر السادسة والعشرين عاما، قدر الله علي بحصول غمامة من غمامات الدهر التي تعترض كل شاب متزوج ولي ثلاثة من الأبناء يعيشون تحت رعايتي بعد الله ووالدتي طاعنة في السن، وحجبتني الأقدار الإلهية عن رؤيتهم ما يقارب سنة وستة أشهر، فنذرت لله أنه عند عودتي لمنزلي وأطفالي - الذين أصبحوا بعد فترة غيابي تحت بر المتصدقين - أن أصوم لله تعالى ستة أيام وأذبح اثنتين من الذبائح لله تعالى وأزور مكة والمدينة أنا ووالدي وأقوم بحمل والدتي على أكتافي وأطوف بها وأسعى، وعندما انجلت تلك الغمامة ولسوء حالتي المادية وحالة أسرتي قمت بذبح ذبيحة واحدة ولم أستطع إحضار الأخرى، كذلك لم أستطع الذهاب بأسرتي أو والدتي لمكة والمدينة وفاء بنذري. وذلك لسوء حالتي المادية، حتى الصيام لم أستطع القيام به وخوفا من وقوعي في الذنب والوزر بعثت برسالتي لأجد الحل بما يرضي الله (١) . .
стр. 12326
ج: الحمد لله الذي يسر لك الاجتماع بوالديك وأولادك ونسأله جل وعلا أن يصلح حالكم جميعا وأن يعينك على ما يحبه ويرضاه، أما النذر فالواجب عليك الوفاء به حسب الطاقة وقد مدح الله المؤمنين الموفين بالنذر في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١)
وقال النبي: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٢) » أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂، فعليك أن تؤدي الذبيحة الثانية عند القدرة لقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣) وقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)
فمتى استطعت وتيسر لك ما تشتري به الذبيحة الثانية فافعل واذبحها وتصدق بها على الفقراء إلا أن تكون نويت أن تأكلها مع أهلك فأنت على نيتك لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٥) » متفق عليه، أما إن كنت نذرت الذبح ولم تقصد أن تأكلها مع أهلك فإنك تعطيها
стр. 12327
الفقراء، وعليك أن تصوم ستة أيام لأنها طاعة لله فعليك أن تصومها متى استطعت ولو متفرقة، إلا إن كنت نويت أن تصومها متتابعة فأنت على نيتك؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات (١) » إن كنت نويت صيامها متتابعة فصمها متتابعة.
وعليك أيضا أن تحج بوالديك وتذهب بوالديك إلى مكة والمدينة كما نذرت إن كنت أردت العمرة فعمرة وإن كنت أردت الحج فحج على حسب نيتك متى استطعت، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وعليك أن تذهب بهما إلى المدينة أيضا؛ لأن شد الرحال إلى المدينة للصلاة في مسجد النبي ﷺ سنة وقربة، وإذا زرت المدينة فسلم على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه، وهذا هو الأفضل لك، فإن زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه لمن كان في المدينة مشروعة.
وهكذا من وفد إليها من الرجال، إنما الذي ينهى عنه شد الرحال لمجرد زيارة قبره ﷺ فقط، أما شد الرحل للمسجد والزيارة داخلة في ذلك فلا بأس بذلك، وتسلم على النبي ﷺ وعلى
стр. 12328
صاحبيه ﵄، أما النساء فلا يزرن القبور لكن أنت وأبوك ومن معك من الرجال، أما النساء فلا يزرن القبور ولكن يصلين في مسجد الرسول ﷺ ويصلين عليه في المسجد وفي البيوت وفي الطريق (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) .
ويشرع لك أنت ومن معك من الرجال زيارة البقيع وزيارة الشهداء، كل هذا مشروع للرجال، ويستحب أيضا لك ومن معك من الرجال والنساء زيارة مسجد قباء والصلاة فيه؛ لأنه مسجد فاضل تستحب الزيارة له والصلاة فيه لمن كان في المدينة ولمن وفد إليها.
أما حملك لأمك أو لأبيك حين تحج بهما وقت الطواف والسعي فلا حرج عليك في ذلك إذا كانا عاجزين عن المشي في الطواف والسعي وأنت قادر على ذلك، أما إن قدرا فعليهما أن يطوفا ويسعيا بأنفسهما ولا حرج أن يسعيا راكبين كغيرهما من الحجاج والعمار، والأمر في ذلك واسع والحمد لله، أما حملك لهما فلا يجب عليك حملهما لما فيه من المشقة ولعدم الدليل على شرعيته، وعليك أن تكفر عن نذرك هذا كفارة يمين إذا لم تحملهما. وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم تعطي كل واحد نصف صاع من التمر أو البر أو الأرز أو تكسو كل واحد كسوة تجزئه في الصلاة كالقميص أو إزار ورداء، وليس عليك
стр. 12329
حملهما، بل يطوفان ويسعيان بأنفسهما - كما تقدم - إذا كانا قادرين، أما إن كانا عاجزين فيطاف بهما ويسعى بهما، والحمد لله.
ونسأل الله أن يعينك على الوفاء بنذرك وأن يتقبل منا ومنك ومن سائر المسلمين ونوصيك بعدم النذر في المستقبل؛ لأن الرسول ﵊ قال: «لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا وإنما يستخرج به من البخيل (١) » فنوصيك في المستقبل أن لا تنذر أبدا متى حصلت لك نعم فاشكر الله عليها وأطعه واحمده ولا حاجة إلى النذر وقد قلت في سؤالك: (ولكن حجبتني الأقدار) فالأفضل أن تقول في مثل هذا: (ولكن قدر الله كذا وكذا) ؛ لأن الأقدار ليس لها تصرف إنما التصرف لله وحده فتقول في مثل هذا: (قدر الله علي كذا) أو (شاء الله كذا) فتنسب الأمر إلى الله ، والله ولي التوفيق.
стр. 12330
١٠٥ - حكم من نذر ما ليس بقربة
س: سؤال من: أم عايض - الرياض تقول: نذرت في حالة غضب أن أضرب بني حتى يسيل دمه، ولكني لم أفعل. فماذا علي جزاكم الله خيرا؟ . (١)
ج: بسم الله، والحمد لله. عليك كفارة يمين؛ لأن هذا الضرب ليس قربة إلى الله، بل هو محل اجتهاد ونظر، فإذا لم تفعلي فعليك كفارة يمين، ولأن ضربه حتى يسيل دمه لا يجوز.
فيكون والحال ما ذكر من نذر المعصية، ونذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وكفارته كفارة يمين وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة مؤمنة، فمن عجز عن الأمور الثلاثة صام ثلاثة أيام.
والإطعام يكون نصف صاع من قوت أهل البلد من تمر أو بر أو أرز أو غيرها، ومقداره: كيلو جرام ونصف على سبيل التقريب. والله ولي التوفيق
стр. 12331
١٠٦ - ما حكم إذا نذر وهو لم يبلغ سن التكليف
س: تقول السائلة: عندما كنت في المرحلة المتوسطة وفي الكفاءة بالأخص نذرت وقلت بالحرف الواحد: إن نجحني ربي سوف أصوم كل يوم اثنين وخميس، ولكني كنت غير مبالية، ولم أف بنذري، وأنا الآن على أبواب الجامعة، وقد تبت إلى الله واستغفرت لذنبي، فأصبحت أصوم الاثنين والخميس، فهل علي إثم فيما فرطت في السابق، وهل هناك كفارة؟ أرجو توضيح ذلك (١) .
ج: إذا كنت حين النذر قد بلغت الحلم بالحيض، أو بإتمام خمس عشرة سنة أو بإنبات الشعر الخشن حول القبل، أو بإنزال بشهوة بالاحتلام أو غيره، فإنه يلزمك هذا النذر، لأن المرأة تبلغ الحلم بأربعة أمور: بإكمال خمس عشرة سنة، أو بإنزال المني عن شهوة ليلا أو نهارا ولو بالاحتلام، أو بإنبات الشعر الخشن حول الفرج، أو بالحيض، والرجل مثلها، سواء بسواء، ماعدا الحيض
стр. 12332
فهو من خصائص النساء، فإذا كنت حين النذر قد بلغت الحلم بواحد من هذه الأمور، فعليك أن توفي بنذرك، وأن تصومي الاثنين والخميس كما نذرت، لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (١) » رواه البخاري في الصحيح. وعليك أن تقضي الأيام التي فرطت فيها فلم تصومي.
стр. 12333
١٠٧ - حكم صرف النذر
لغير الجهة التي نواها الناذر
س: إذا كنت نذرت مبلغ خمسة آلاف جنيه لله، وهذا المبلغ يمكن أن يكفي في بناء مسجد صغير في قريتي فهل لي ثواب في بناء هذا المسجد أم أن الثواب لوفاء النذر فقط؟ (١)
ج: إذا نذرت نذرا لله دراهم أو غيرها فعليك أن توفي به على ما نذرت أو ما نويت لا تغير فإن قلت لله علي أن أتصدق بخمسة آلاف، وقصدك الفقراء فأعطه للفقراء، وإذا كان قصدك
стр. 12334
أن تبني مسجدا وهذه نيتك فابن بها مسجدا، أو شارك بها في تعميره، وإن كان قصدك أن تعمر بها مدرسة لتعليم القرآن وتدريس الحديث الشريف فكذلك، وإن كان قصدك أن تنفقها على المجاهدين في سبيل الله فافعل، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » متفق على صحته. فالواجب عليك أن تصرف النذر للجهة التي نويتها أو صرحت بها للحديث المذكور ولقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٢) » أخرجه الإمام مسلم في الصحيح. وقد مدح الله الذين يوفون بالنذر في القرآن في سورة الإنسان فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٤) أي فيجازيكم عليه فالواجب على كل من نذر نذرا، نذر طاعة أن يوفي به سواء كان في إنشاء مدرسة أو مسجد أو صدقة في غير ذلك من الأعمال الخيرية.
стр. 12335
١٠٨ - حكم من لم يستطع
الوفاء بالنذر لكبر ونحوه
س: لي قريبة تزوجت برجل لا تحبه وكانت مغصوبة، ثم نذرت إن طلقها أن تصوم شهرين متتابعين، ثم طلقها، فماذا تعمل، وإذا كانت لا تستطيع الصوم؟ (١)
ج: يبقى هذا الصيام في ذمتها حتى تستطيع، يقول النبي ﵊: «من نذر أن يطيع الله فليطعه (٢) » فإذا استطاعت تصوم، وإلا يبقى في ذمتها دينا، فإذا عجزت، كأن كبرت في سنها أو عجزت ذاك الوقت عليها أن تطعم عن كل يوم مسكينا كما هو الحكم لمن لم يستطع صيام شهر رمضان، أو أيام منه بسبب العجز لكبر السن، أو المرض المزمن الذي لا يرجى برؤه.
стр. 12336
١٠٩ - حكم الوفاء بالنذر في غير المحل الذي صرح به الناذر
س: نذرت إن أخرج الله تعالى الروس الشيوعين من بلاد أفغانستان المسلمة أن أبني لله مسجدا فيها، وقد تم انسحابهم منها بفضل الله تعالى، ولكنى لا أستطيع في الوقت الحاضر أن أوفي بنذري، والسبب كثرة المشاكل، وأحداث الفتنة، والقتال القائم هناك منذ توقف الحرب إلى الآن. والمطلوب يا شيخ هل يجوز تبديل المكان لبناء المسجد في محل آخر من بلاد المسلمين، أو أنتظر حتى يهدأ الوضع في أفغانستان وأوفي بنذري في محله؟ وجزاكم الله خيرا (١) .
ج: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: يلزمك الوفاء بالنذر في محله إذا استطعت لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٣) »
стр. 12337
رواه مسلم في صحيحه. يسر الله أمرك وأبرأ ذمتك إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 12338
١١٠ - ما حكم من نذر أن يحج فمات قبل أن يحج
س: من نذر على نفسه الحج ومات وليس وراءه تركة. هل يكون القضاء استحبابا أو وجوبا؟ (١)
ج: إن تيسر من بعض الورثة أو غيرهم أن يحج عنه، فذلك مستحب، وفاعله مأجور، وإلا فليس عليه شيء لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) مثل الدين إذا قضوا عنه فقد أحسنوا وإلا فلا حرج، إذا لم يخلف تركة.
стр. 12339
١١١ - هل يلزم النائب عمن نذر الحج الإحرام من ميقات الناذر
س: إذا كان النائب من نذر الحج في بلد آخر غير بلد الناذر أقرب من بلد الناذر نفسه. هل يلزمه أن يأتي بالحج من بلد الناذر؟ (١)
ج: لا يلزمه ذلك، بل يكفيه الإحرام من الميقات، ولو كان في مكة فأحرم منها بالحج كفى ذلك، لأن مكة ميقات أهلها للحج.
стр. 12340
١١٢ - ليس في أداء الواجب نذر
س: امرأة أصابها مرض فقالت: صدقة لوجه الله إن عافاني فلن أترك الصلاة فشفيت، ولم تحقق ما قالت، ولا تدري صدقة لوجه الله ما معناها؟ هل هو قسم أو نذر، وبعد مدة تابت وتسأل ما كفارة ذلك؟ (١)
ج: ما دامت تابت فالحمد لله؛ لأن الصلاة فرض عليها، وإن لم تنذر وهي عمود الإسلام، وتركها كفر، لقول النبي صلى
стр. 12341
الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (١) » ، وقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » والنذر يزيد المقام تأكيدا، فإذا كانت تركت الصلاة ثم تابت فالتوبة تجب ما قبلها كما قال النبي ﷺ : «التوبة تجب ما قبلها» فعليها أن تستقيم، وأن تستمر على طاعة الله، وأن تحافظ على الصلاة التي أوجبها الله عليها، وأن تحذر نزغات الشيطان، وجلساء السوء، ونسأل الله لنا ولها الثبات على الحق، وليس عليها قضاء ما فات؛ لأن ترك الصلاة كفر، وليس على الكافر إذا أسلم قضاء ما فات لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣) الآية، وقول النبي ﷺ : «الإسلام يجب ما قبله (٤) » أخرجه مسلم في صحيحه.
стр. 12342
١١٣ - حكم قول إذا نجحت في الامتحان سوف أحفظ القرآن
س: منذ (١٥) سنة نذرت لوجه الله أن أحفظ القرآن الكريم كاملا والصيغة التي نذرت بها هي: كالتالي " إذا نجحت في الامتحان سوف أحفظ القرآن كله " ولقد نجحت ومنذ تلك الفترة إلى الآن وأنا أحاول أن أحفظه وأجتهد في ذلك، والسؤال: إذا لم أتمكن من حفظ كتاب الله. . هل علي كفارة، وأي شيء أعمله حتى أفي بنذري؟ (١)
ج: إذا كان الواقع منك هو ما ذكرته في السؤال فليس ذلك نذرا، وإنما هو عزم ووعد فيشرع لك أن تجتهد في حفظ القرآن، وليس عليك كفارة، يسر الله أمرك وأمر كل مسلم.
стр. 12343
١١٤ - النذر حسب النية
س: أعمل مدرسا للقرآن الكريم في إحدى الجمعيات، وفي شهر رمضان صليت بالجماعة وقلت في نفسي: إن جاءني شيء من المال في هذا الشهر الكريم من أهل الخير فهو صدقة للأيتام، ولكن جاءني مبلغ ٦٠٠ ريال ولم أدفعه للأيتام حسب ما نذرت لاحتياجي لهذا المبلغ. فهل علي شيء؟ (١)
ج: إن كان ذلك وقع منك حديث نفس من غير نذر، فلا حرج عليك، أما إن كنت نذرت لله الصدقة بما جاءك للأيتام فعليك الوفاء بذلك، لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٢) » والله الموفق.
стр. 12344
كتاب القضاء
стр. 12345
صفحة فارغة
стр. 12346
١١٥ - من رحمة الله وإحسانه أن وفق حكام هذه البلاد من عهد الإمام محمد بن سعود إلى عهد خادم الحرمين إلى تحكيم شريعة الله وهذا من نعم الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين (١) .
أما بعد فإني أشكر الله على ما من به علينا من هذا اللقاء لإخوة في الله، وهم أصحاب الفضيلة رؤساء المحاكم الشرعية في المملكة العربية السعودية، أسأل الله جل وعلا أن يجعله لقاء مباركا وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يوفقنا جميعا لما يرضيه وأن يعيذنا جميعا من أسباب غضبه وأليم عقابه وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ثم أشكر الأخ الكريم صاحب الفضيلة الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ على جمع إخوانه ودعوتهم
стр. 12347
لهذه الندوة رؤساء المحاكم، وأسأل الله أن يجعله مباركا وأن يعينه على كل خير وأن يغفر لوالده وأن يجعلنا وإياه في دار الكرامة.
أيها العلماء: إن من أعظم نعم الله على هذه الدولة وعلى هذه البلاد أن وفق حكامها لتحكيم الشريعة من أول ما قامت الدعوة الإسلامية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وعلى يد الإمام محمد بن سعود رحمة الله عليه.
وإن من نعم الله العظيمة أن وفق الله هذين الإمامين لتحكيم شريعة الله والدعوة إلى سبيله والعناية بتوجيه الناس لتوحيد الله وبالإخلاص له ومحاربة الشرك ووسائله وذرائعه وتحكيم شريعة الله بين الناس في مدن هذه المملكة وقراها.. هذا من أعظم نعم الله العظيمة أن جمع الإمامان وأتباعهما وأنصارهما بين الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى توحيد الله، وتعليمهم ما أوجب الله عليهم وتحذيرهم مما حرم الله عليهم من الشرك ووسائله وذرائعه، مع الحكم بينهم بما أنزل الله فيما يتنازعون فيه وفيما يقع بينهم من المسائل التي تشتبه عليهم، وهذه من نعم الله العظيمة سابقا ولاحقا، ثم تتابع ملوك هذه الدولة وحكامها على هذا الأمر العظيم والسبيل القويم في تحكيم شريعة الله والدعوة إلى
стр. 12348
سبيل الله، وإرشاد الناس إلى توحيد الله وطاعته وتحذيرهم من الشرك بالله ومعصيته والحكم بينهم بشرع الله، كما قال جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١)
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣)
وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥)
ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦)
стр. 12349
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)
فالحكم بما أنزل الله أهم الفرائض ومن أعظم الواجب ولا سبيل إلى استقامة العباد على طاعة الله وتوحيده ولا سبيل إلى توحيدهم لله وقيامهم بحقه ولا سبيل إلى إنصاف مظلومهم وظالمهم إلا بالله ثم بحكم الشرع. . بتحكيم القرآن والسنة، على الصغير والكبير وعلى الخاص والعام في جميع الأمور.
ومن رحمة الله وإحسانه أن وفق حكام هذه البلاد من عهد الإمام محمد إلى يومنا هذا إلى حكم خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز إلى تحكيم شريعة الله وإلزام الناس بذلك وافتتاح المحاكم الشرعية وتعين القضاة والرؤساء كل هذا من نعم الله العظيمة ونسأل الله أن يديم هذه النعمة وأن يوفق المسئولين جميعا لما يرضيه وأن يعين رؤساء المحاكم والقضاة جميعا، نسأل الله أن
стр. 12350
يعينهم على تحكيم شريعة الله والحكم بها، وأن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلنا وإياهم هداة مهتدين وصالحين ومصلحين حاكمين بشرع الله متواصين بذلك متعاونين عليه.
أيها الإخوة في الله لا يخفى على الجميع شدة الضرورة إلى الحكم بشريعة الله وأن هذا من أهم الواجبات على الدولة وعلى جميع المسلمين وعلى العلماء بوجه أخص لأن الضرورة ماسة إلى ذلك والواجب يقضي بذلك فالواجب على رؤساء المحاكم وعلى القضاة جميعا أن يتقوا الله وأن يستعينوا بالله في حل مشاكل المسلمين على كتاب الله وسنة رسوله والتواصي بهذا والتعاون في هذا، والواجب على القاضي وعلى رئيس المحكمة أن يتقي الله في كل شيء وأن يجتهد لمعرفة الحكم بدليله وينصح في ذلك وأن يغار أينما كان، وأن يجتهد في إيصال الحكم والحق إلى أهله على ضوء الدليل كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) ولا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى عناية
стр. 12351
وجهاد وبذل جهود كبيرة في معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها وفي إنصاف المظلوم من الظالم، وفي العناية بالخصمين والحكم بينهما بالعدل، والعناية بمعرفة ما لدى المدعي والمدعى عليه على وجه الطمأنينة والإنصاف، وتحري الحق وانشراح الصدر حتى يسمع الحاكم ما لدى هذا وما لدى هذا وحتى يحكم على بينة وعلى بصيرة، بينة شرعية أو باليمين المطلوب من المدعي ومن المدعى عليه، أو بالدلائل الأخرى التي تعين على معرفة الحق والحكم به بين الناس عند فقد البينة، المقصود أن الواجب على الحكام رؤساء وقضاة، الواجب عليهم العناية بهذا الأمر والحرص على إنصاف المظلوم من الظالم، والحرص على معرفة الأدلة الشرعية والحكم بها بين الناس، والحرص على قمع المفسدين والقضاء على أسباب الفساد، في كل وسيلة يرضاها الله ويبينها رسوله ﵊؛ لأن الناس في أشد الحاجة إلى قمع المبطل ونصر الحق، ونصر المظلوم والقضاء على الظالم ولا سيما في هذا العصر، الذي اشتدت فيه غربة الإسلام وكثر فيه دعاة الباطل، وانتشرت فيه أنواع الإفساد في غالب المعمورة، واختلط الحابل بالنابل والظالم بالمظلوم، والمفسد بالمصلح والجاهل بالعالم.
стр. 12352
فإن هذا العصر شديد الغربة شديد الاختلاط شديد البلاء إلا من عصم الله ووفقه، وإلا فإن الخطر عظيم، فالواجب على الدعاة إلى الله وعلى القضاة، وعلى الرؤساء ورؤساء المحاكم العناية العظيمة لمعرفة الحق بدليله، وإيصال الحق إلى أهله وردع الظالم عن ظلمه وإعانة كل صاحب حق على الحصول على حقه حسب طاقته والإمكان؛ يرجو ما عند الله ويخاف عقابه والواجب على المسئولين في الدولة العناية بتنفيذ الأحكام الشرعية، والتعاون مع القضاة في كل ما ينفع الناس ويصلحهم، وينفذ فيهم أحكام الله، وأن ذلك هو الطريق إلى أمن البلاد وإلى إنصاف المظلومين وإلى السلامة من كل شر، وهو أيضا السبيل إلى نصر الله لعباده وتأييده لهم ورعايته لهم من شر الأعداء وخصوم الإسلام، فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم جميعا وجميع الدعاة إليه وجميع العلماء في كل مكان نسأل الله أن يوفق الجميع لمعرفة الحق واتباعه، كما أسأله سبحانه أن يمنحنا جميعا الفقه في ديننا والثبات عليه وأن يجعلنا جميعا من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان
стр. 12353
في الخير والحق والهدى وأن يمنحنا الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين، نسأل الله أن يوفقهم جميعا لما يرضيه وأن يعينهم على كل خير، وأن ينصر بهم الحق وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين، كما أسأله أن يوفق جميع قضاتنا وجميع قضاة المسلمين وجميع رؤساء المحاكم نسأل الله أن يوفق الجميع إلى الحق واتباعه، والحكم بين الناس والصبر على ذلك والمصابرة، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
стр. 12354
١١٦ - نصيحة لطلاب المعهد العالي للقضاء
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه (١) .
أما بعد: فإني أشكر الله على هذا اللقاء بإخوتي في الله وأبنائي الكرام، أسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه وأن يعيذنا وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه سبحانه خير مسئول. ثم أشكر إخواني القائمين على هذا المعهد على دعوتهم لي لهذا اللقاء أسأل الله أن يبارك فيهم جميعا وأن يعينهم على مهمتهم وأن يجعلهم هداة مهتدين وصالحين مصلحين إنه جل وعلا سميع قريب.
أيها الإخوة في الله. . لا يخفى فضل العلم وأن الله سبحانه جعله من أوصاف الرسل والملائكة وخيرة الناس من عباد الله وبه
стр. 12355
يعرف الله وبه يعبد سبحانه وبه تعلم أحكامه التي أنزل بها كتبه وأرسل بها رسله، كما لا يخفى أن العلماء هم ورثة الأنبياء وهم خلفاؤهم، ويكفي في فضلهم أنه سبحانه استشهد بهم مع ملائكته بوحدانيته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) ومعلوم أن العلماء إذا أطلقوا في كتاب الله وفي كلام رسوله ﷺ فإنما هم العلماء في الله وبشريعة الله، وهم الذين أخذوا العلم عن كتابه وسنة رسوله وعما أوضحته الشريعة من القواعد المتبعة، هؤلاء هم العلماء عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله ﵊ وكلام علماء الشريعة، وهناك علماء آخرون في الطب والجغرافيا وغير ذلك من حاجة الناس، لهم فضلهم على حسب نياتهم ونفعهم للناس، لكن العلماء عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله وعلماء الشريعة هم العلماء بكتابه وسنة رسوله، وهم الدعاة إليه، هم المحسنون إلى عباده بالتوجيه والإرشاد والتعليم، والقضاء بينهم فيما أشكل عليهم، فهم طبقات في علم الله وعملهم وفضلهم على حسب ما أعطاهم الله من العلم وعلى
стр. 12356
حسب نفعهم للعباد، فمنهم العلماء المعلمون للناس ومنهم الوعاظ والمذكرون والمرشدون والمنذرون، ومنهم القضاة الذين ينظرون في مشاكل الخلق ويحلونها. مما أعطاهم الله من علم الشريعة، فللعلماء فضلهم فهم ورثة الأنبياء وللقضاة مع ذلك فضل خاص لما يتولونه من النظر في مصالح العباد وحل المشاكل وردع الظالم وإنصاف المظلوم إلى غير هذا مما يتولاه القضاة، فلهم مع فضل العلم فضل النظر في مصالح المسلمين وفي مشاكل المسلمين وفي حل ما يعرض لهم من قضايا يجب النظر فيها لحل المشاكل وردع الظالم وإقامة الحق وأنتم أيها الإخوة طلاب هذا المعهد "المعهد العالي للقضاء" لكم مستقبل، نسأل الله أن يعينكم على ما فيه من تعب ومن جهاد فنسأل الله أن يمنحكم فيه الصبر والتوفيق لإصابة الحق وردع الظالم ونصر المظلوم وإقامة العدالة بين المسلمين.
ولا يخفى أيضا ما للقاضي من الفضل العظيم والخير الكثير والأجر المضاعف إذا أخلص النية وأصاب الحق فالقضاة في الحقيقة عليهم مسئوليات كبيرة، ولهم أجور عظيمة والعباد في أشد الضرورة إلى القضاة لحل المشاكل وإقامة الحق.. فأبشروا بالخير وأسسوا النية الصالحة وأعدوا كل ما تستطيعون لهذا الأمر العظيم
стр. 12357
من صبر وعلم ورحابة صدر وحرص على إقامة الحق وإنصاف المظلوم وردع الظلمة على ضوء حكم الله وما جاءت به شريعته المطهرة.
وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (١) » ، فهو على خير عظيم بين أجر وأجرين مع ما قد يحصل له من أجور أخرى في حرصه على معرفة الحق وطلبه ذلك وتفتيشه عن ذلك ومراجعة إخوانه وغير ذلك من الجهود التي يبذلها القاضي قبل الحكم، له فيها أجر عظيم وله فيها ثواب جزيل والله يزيده بها علما وهدى وتقوى على حسب نيته واجتهاده وإخلاصه له سبحانه وقصده الحق، فكم من فائدة وكم من أجر يحصل في سبيل التفتيش عن حكم الله في أي مسألة فيحصل له من أجر التفتيش عن ذلك وطلب ذلك أجور متنوعة مع ما يحصل له من الفوائد في تفتيشه، فقد يوفق للعثور على مسألة عظيمة هو في
стр. 12358
حاجة إليها أعظم من الحاجة إلى التي يفتش عنها ويطلبها، فهو على خير عظيم في مذاكرته مع زملائه ومشايخه، وهو على خير عظيم في تفتيشه عن المسألة في بطون الكتب وعن التفتيش عنها في كتاب الله وفي أحاديث الرسول ﵊، كل ذلك له فيه أجر عظيم على حسب نيته وصدقه وإخلاصه، يضاف إلى ذلك ما يحصل للمسلمين من الخير العظيم واستتباب الأمن ومحبة الشريعة والرضا بها إذا رأوا من القضاة الحرص العظيم على إنصاف المظلوم وردع الظالم والحرص على إصابة الحق ونشر العدالة ودفع الظالمين وإيقافهم عند حدودهم، يحصل للمسلمين بذلك من الطمأنينة والثبات على اتباع الحق ومحبه الإسلام والرضا به ما لا يقدر قدره إلا الله .
ثم أمر آخر وهو أيضا ما يحصل للضعفاء والمنكوبين والمظلومين في حقوقهم، فيحصل لهم من الراحة والطمأنينة وانشراح الصدور في إنصافهم وإعطائهم حقوقهم واطمئنانهم إلى عدالة الشريعة وأنها تنصف المظلوم وتردع الظالم وأنها توقف المعتدي عند حده، وأن هناك رجالا من أبناء الإسلام ومن علماء المسلمين يبذلون جهودهم ووسعهم في هذا الأمر حتى يصل الأمر
стр. 12359
إلى مستحقه، وحتى يردع الظالم والمتعدي عن عدوانه وظلمه.
كل ذلك من فوائد القضاء ومن فوائد القضاة الذين يوفقون لإنصاف المظلوم ونصرة الحق على بصيرة وهدى، لكن هناك أمور أخرى فيها خطر على القاضي لا بد أن يحسب لها حسابها وهي التساهل. في بذل الأسباب في معرفة الحكم الشرعي، أو التساهل في عدم معرفة ما عند الخصمين أو عدم الصبر في سماع كلام هذا وكلام هذا، أو ما قد يقع من ميول إلى أحد الخصمين ومحبة كونه ينتصر على غيره إلى غير هذا من الأخطاء.
فعلى القاضي أن يحذر هذه الأمور وأن تكون على باله ليبتعد عن الخطر الذي قد يحصل له بسببها فيجب عليه أن يعطي القضية حقها من النظر والعناية حتى يطمئن إلى دليلها وإلى الحكم فيها، وعليه أيضا أن يصبر على الاستماع للخصمين فيما يتعلق في أمر الدعوى، وفيما يتعلق بظهور الحق، أما الجدال الذي لا خير فيه فليس من اللازم سماعه، لكن المقصود سماع ما عند المدعي والمدعى عليه من الحجج والبيان لدعوى هذا وجواب هذا حتى يكون على بينة كيف يحكم بعدما يسمع من هذا ومن هذا، مع إخلاصه لله، وعدم تحيزه إلى أحد الطرفين، وأن يكون في غاية من
стр. 12360
العدالة والبعد عن التحيز لأحد الطرفين بغير حق لا لقرابة ولا صداقة ولا وجاهة ولا غير ذلك، بل هدفه أن يصيب الحق وأن يوصله إلى أهله وأن يردع الظالم عن ظلمه بالحكمة والكلام الطيب والأسلوب الحسن.
والخطر الآخر هو أن يحكم على جهالة أو يجور في الحكم ومعلوم أن القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة. أما اللذان في النار فقد أوضح النبي ﷺ صفتهما، وهما الذي يقضي على جهل أو يجور في الحكم، أما القاضي الذي في الجنة فهو الذي عرف الحق فقضى به. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذا الصنف، وأن يعيذنا من سوء النفس وسيئات الأعمال، وخلاصة الكلام: أن الواجب على القاضي أمور:
١ - بذل الوسع فيما يستحق بدليله وأن يصبر على ذلك وأن يسأل ربه التوفيق والإعانة وأن يخلص له في ذلك وأن يصبر حتى يطمئن.
٢ - أن تكون أعماله وأقواله وسيرته على الوجه الشرعي أينما كان، في محل القضاء وفي الطريق وفي المسجد وفي بيته، يتحرى الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة التي يتخلق بها