← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.

стр. 12566

على المأموم لكن إذا لم يدرك القيام وإنما أدرك الركوع فإنها تسقط عنه على كلا القولين، وممن يرى وجوب الفاتحة على المأموم الإمام الشافعي ومع ذلك يسقطها عنه إذا لم يدرك القيام، وذهب بعض السلف إلى أنه يعيد الركعة ولكنه قول ضعيف مرجوح، لأنه مخالف مخالفة صريحة لحديث أبي بكرة المذكور. . وبهذا تعرف أن الخوض في مثل هذا والتشويش به ليس من شأن أهل العلم. سادسا: أما إلزامهم الناس بجلسة الاستراحة، فهو قول ساقط ولا أعلم به قائلا من أهل العلم، وإنما الخلاف في استحبابها أو عدمه، والصواب أنها مستحبة وليست واجبة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها إنما تستحب عند الحاجة كالمرض وكبر السن، وقالوا: إن الرسول ﷺ إنما فعلها في آخر حياته لما بدن وثقل، وهذا القول ليس بجيد لعدم الدليل عليه، والصواب أنها من سنن الصلاة لا من واجباتها، ولهذا اختلف الناقلون لصلاته ﵊، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها، والسبب في ذلك والله أعلم أن النبي ﷺ لم يواظب عليها، ولهذا خفيت على بعض النقلة، واستحبها بعض الصحابة ﵃، وبعضهم لم يستحبها لما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 12567

سابعا: أما قولهم إن الجمعة لا شروط لها، وأنها تصلى في البادية، فهذا قول باطل مخالف لسنة الرسول ﷺ وعمله وعمل أصحابه، ومخالف لإجماع أهل العلم المعتبرين، فقد كانت البوادي في عهد النبي ﷺ وفيما حول المدينة، ولم يكونوا يصلون الجمعة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بصلاة الجمعة، ولم يأمر من لم يصل معه من المرضى والنساء بأن يصلوا الجمعة، بل كل هؤلاء يصلون ظهرا، وهكذا المسافرون يصلون ظهرا، ومما يدل على ذلك ما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه في حجة الوداع صادفت حجته يوم الجمعة، فخطب الناس وذكرهم، ثم أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين جمعا وقصرا في وادي عرنة ثم ذهب إلى الموقف، وكان ذلك في يوم الجمعة، ولم يصل بالناس جمعة، ولو صلى بهم جمعة لنقله الصحابة ﵃، ويدل على ذلك أن الصحابة سموا صلاته ظهرا ولم يجهر بالقراءة، ولم يجعل الخطبة بعد الأذان ولم يخطب خطبتين، بل خطب خطبة واحدة قبل الأذان، ولو كان صلى الجمعة لسماها الصحابة جمعة ولم يسموها ظهرا، ولجهر فيها بالقراءة، وجعل الخطبة بعد الأذان وخطب خطبتين كعادته صلى

стр. 12568

الله عليه وسلم حين كان في المدينة، ولم يحفظ عنه ﷺ في جميع أسفاره أنه صلى الجمعة، ولو فعل ذلك ولو مرة واحدة لنقل ذلك أصحابه ﵃ فقد نقلوا عنه من السنة ما هو أقل من ذلك، ومن الدليل على ذلك أيضا ما ثبت عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته (١) » وهذا يدل على أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، وأن من أدرك أقل من ذلك لا يصلي جمعة، بل يصلي ظهرا. ثامنا: وأما قولهم إن الدعاء بعد الأذان بقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة (٢) » بدعة، فهو قول باطل، ولا أدرى كيف شبه عليهم في ذلك مع أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة (٣) » وفي صحيح

стр. 12569

مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (١) » . تاسعا: أما زعمهم أن كلمة (الصلاة خير من النوم) إنما تقال في الأذان الأول فهذا محل تفصيل؛ لأن كثيرا من أهل العلم قد اعتقد أن المراد بالأذان الأول هو الأذان الذي ينادى به قبل الصبح، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد به فيما نرى الأذان الذي قبل الإقامة، وهو الذي ينادى به عند طلوع الفجر، فيقال له وللإقامة الأذانان كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة (٢) » الحديث، فإن المراد بالأذانين هنا الأذان والإقامة، وهو واضح لمن تأمل السنة الواردة في ذلك؛ لأن أبا محذورة كان يؤذن بذلك في أذان الصبح في مكة، وقد أخبر أن النبي ﷺ أمره

стр. 12570

أن ينادي بذلك في أذان الصبح، وسماه أبو محذورة الأذان الأول فعلم أن المراد بذلك هو الأذان الذي قبل الإقامة، ولا نعلم في شيء من طرق حديث أبي محذورة أنه كان يؤذن للصبح أذانا آخر قبل الصبح، وإنما هذا معروف من حديث بلال في رمضان خاصة، قال فيه النبي ﷺ : «ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم (١) » ولا نعلم أن بلالا كان ينادي قبل الصبح بأذان غير أذانه للصبح في غير رمضان، بل كان يؤذن للصبح إذا طلع الفجر، أما في رمضان فكان يتعاون مع ابن أم مكتوم فيؤذن قبل الصبح بقليل، ثم يؤذن ابن أم مكتوم على الصبح. وعلى فرض أنه نادى به بلال في أذانه قبل الصبح ونادى به أبو محذورة في أذانه للصبح يكون من باب اختلاف التنوع فلا حرج في ذلك، ولكن ينبغي أن يترك ذلك في أحدهما إذا كان المؤذن واحدا حتى لا يشتبه الأمر على أهل البلد، فإذا اصطلح أهل البلد على جعله في أذان الصبح فلا حرج في ذلك كما عليه العمل الآن في هذه المملكة، وقد درج عليه علماء الدعوة، ولم يكن عندهم في ذلك إشكال، وهم من العلماء المعروفين بتعظيم السنة والمحافظة عليها والدعوة إلى ترك ما خالفها، ولو اصطلح بعض

стр. 12571

الناس على جعله في الأول دون الآخر لم يكن في ذلك محذور من حيث المعنى؛ لعدم الاشتباه، ولأن كل واحد منهما يسمى أذان الفجر، ولكن العمل بظاهر السنة يقتضي أن جعله في الأذان الذي ينادى به بعد طلوع الفجر أولى وأوفق للأحاديث الواردة في ذلك عند من تأملها، وعرف أن الإقامة تسمى أذانا ثانيا وأن الأذان يسمى أذانا أولا، وقد جاء في بعض الأحاديث تسمية الأذان الذي ينادى به يوم الجمعة بعد جلوس الإمام على المنبر بالأذان الأول؛ لأن بعده الإقامة وهي الأذان الثاني، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ ما يدل على أن أذان الصبح يسمى الأذان الأول والإقامة تسمى الأذان الثاني كما تقدم. . وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يصلح أعمالنا وقلوبنا جميعا، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من القول عليه بغير علم إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 12572

١٤٣ - أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واتبع هداهم إلى يوم الدين. وبعد: فإني أحييكم أيها الإخوة وأيها الأبناء بتحية الإسلام فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم إني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء، وأسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا ومفيدا لنا جميعا، وموصلا لما يرضيه ويقرب لديه، قاضيا على كثير من أسباب الفساد والبلاء، وعونا على ظهور الحق ودرء الباطل، ثم إني أشكر القائمين على هذا المشروع على دعوتهم لي للتحدث إليكم، والإجابة عن أسئلتكم، وأسأله سبحانه أن يجزيهم على عملهم خيرا، وأن يجعلنا وإياهم من الهداة المهتدين، وأن يوفقنا

стр. 12573

جميعا لما فيه إظهار الحق وإدحاض الباطل، وإجابة السائلين بما يوافق الصواب للحق الذي يرضي المولى . والعنوان كما سمعتم (أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة) ، هذا هو عنوان كلمتي التي ألقيها بين أيدي إخواني وأبنائي. ولا ريب أن العلم هو مفتاح كل خير، وهو الوسيلة إلى أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله، فإن العمل نتيجة العلم لمن وفقه الله، وهو مما يؤكد العزم على كل خير، فلا إيمان ولا عمل ولا كفاح ولا جهاد إلا بالعلم، فالأقوال والأعمال التي بغير علم لا قيمة لها، ولا نفع فيها بل تكون لها عواقب وخيمة، وقد تجر إلى فساد كبير. وإنما يعبد الله ويؤدى حقه وينشر دينه وتحارب الأفكار الهدامة والدعوات المضللة والأنشطة المنحرفة بالعلم النافع، المتلقى عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهكذا إنما تؤدى الفرائض بالعلم، ويتقى الله بالعلم، وبه تكشف الحقائق الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊، قال جل وعلا في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١)

стр. 12574

فجميع ما يقدمه أهل الباطل وما يلبسون به في دعواتهم المضللة وفي توجيهاتهم لغيرهم بأنواع الباطل وفي تشكيكهم غيرهم فيما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ كله يندحض ويكشف بما جاء عن الله ورسوله بعبارة أوضح، وبيان أكمل، وبحجة قيمة تملأ القلوب وتؤيد الحق، وما ذاك إلا لأن العلم المأخوذ من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، علم صدر عن حكيم عليم، يعلم أحوال العباد ويعلم مشكلاتهم ويعلم ما في نفوسهم من أفكار خبيثة أو سليمة، ويعلم بما يأتي به أهل الباطل فيما يأتي من الزمان، كل ذلك يعلمه سبحانه، وقد أنزل كتابه لإيضاح الحق وكشف الباطل، وإقامة الحجج على ما دعت إليه رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه الكريم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وإنما يعمل أهل الباطل وينشطون عند اختفاء العلم وظهور الجهل، وخلو الميدان ممن يقول: قال الله وقال الرسول، فعند ذلك يستأسدون ضد غيرهم وينشطون في باطلهم؛ لعدم وجود من يخشونهم من أهل الحق والإيمان وأهل البصيرة، وقد ذكر الله في كتابه كل شيء إجمالا في مواضع، وتفصيلا في مواضع أخرى قال :

стр. 12575

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) هذا كلام الحكيم العليم الذي لا أصدق منه. . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢) وأوضح سبحانه في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) أنه مع كونه تبيانا لكل شيء فيه هدى ورحمة وبشرى؛ فهو بيان للحق وإيضاح لسبله ومناهجه ودعوة إليه بأوضح عبارة وأبين إشارة، ومع ذلك فهو هدى للعالمين في كل ما يحتاجون إليه في ذكر ربهم والتوجه إلى ما يرضيه، والبعد عن مساخطه، ويبين لهم طريق النجاح وسبيل السعادة مع كونه رحمة في بيانه وإرشاده، وهدى وإحسانا وبشرى، وتطمينا للقلوب بما يوضح من الحقائق ويرشد إليه من البصائر التي تخضع لها القلوب وتطمئن إليها النفوس، وتنشرح لها الصدور، بوضوحها وظهورها، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥)

стр. 12576

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١) ولولا أن كتابه وسنة نبيه ﷺ فيهما الهداية والكفاية لما رد الناس إليهما، ولكان رده إليهما غير مفيد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما رد الناس إليهما عند التنازع والخلاف لما فيهما من الهداية، والبيان الواضح، وحل المشكلات والقضاء على الباطل، ثم ذكر أن هذا شرط للإيمان فقال سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) ثم ذكر أنه خير للعباد في العاجل والآجل وأحسن عاقبة، يعني أن ردهم ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول خير لهم في الدنيا والآخرة وأحسن لهم في العاقبة. ومن هذا يعلم أن في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الأمين حلا لجميع المشكلات، وبيانا لكل ما يحتاجه الناس في دينهم، وفي القضاء على خصوماتهم، كما أن في ذلك النصر للداعي إلى الحق والقضاء على خصمه بالحجة الواضحة؛ ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣) والمثل يعم كل ما يقدمون

стр. 12577

من شبهة يزعمونها حجه، ومن مذهب يدعونه صحيحا، ومن دعوة يزعمون أنها مفيدة، كل ذلك يكشفه هذا الكتاب وما جاءت به سنة رسوله ﵊. فجميع ما يقدمونه من مشكلات وشبهات ودعوات مضللة ومذاهب هدامة، كل ذلك يكشفه العلم بهذا الكتاب وسنة الرسول ﵊، ومعلوم أن الأفكار الهدامة والمبادئ الضالة والمذاهب المنحرفة كثيرة، والملبسون للحق بالباطل لا يحصون، وكذلك دعاة الباطل والمؤلفون في الصد عن سبيل الله لا يحصيهم إلا الله، وهم يلبسون على الناس باطلهم بما يحرفون من الكلم، ولقد كثر الخطباء والمتكلمون في الإذاعات وفي التلفاز وفي كل مجال: في الصحافة والمجتمعات وفي كل نافذة، كل يدعو إلى نحلته، وينادي إلى فكرته، ويمني غيره ويدعوه إلى الباطل، ولا مخرج من هذه المحن، ولا طريق للتخلص منها والقضاء عليها إلا بعرضها على هذا الميزان العظيم الكتاب والسنة، ففي عرضها على هذا الميزان العظيم تمحيصها وبيان حقها من باطلها، ورشدها من غيها، وهداها من ضلالها، وبذلك ينتصر الحق وأهله، ويندحر الباطل وأهله، فإذا تقدم دعاة الشيوعية والاشتراكية المنكرون لوجود الله والقائلون: (لا إله والحياة مادة) المكذبون بالحق والمنكرون لكتاب الله وما ورد فيه من الأدلة النقلية والعقلية على وجود الباري وقدرته العظيمة وعلمه الشامل، فارجعوا إلى كتاب الله واقرءوا من آياته

стр. 12578

ما يرشد إلى دلائل وجوده سبحانه، وأنه الصانع الحكيم لهذه الأشياء والموجد لها والخالق لها سبحانه. وقد أرشد سبحانه في كتابه الكريم إلى ذلك، وبين أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه خالق كل شيء وأنه ينصر الحق، ويقيم الأدلة على ذلك في مواضع كثيرة من كتابه، ليعتمد عليها طالب الحق، يقول سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ثم يقول سبحانه بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ويقول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥) ويقول

стр. 12579

سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) إلى آيات كثيرة يرشد بها سبحانه أنه رب العباد، وأنه رب العالمين، وأن الرسل جاءت بهذا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿فتاوى ابن باز body ﴿font-family: verdana, arial, helvetica, sans-serif; font-size: ١٤px;﴾ h١ ﴿font-size:١٨px﴾ a:link ﴿color:#٣٣c﴾ a:visited ﴿color:#٣٣٩﴾ /* This is where you can customize the appearance of the tooltip */ div#tipDiv ﴿position:absolute; visibility:hidden; left:٠; top:٠; z-index:١٠٠٠٠; background-color:AntiqueWhite; border:١px solid #٣٣٦; padding:٤px; color:#٠٠٠; font-size:١١px; line-height:١.٢;﴾ /* These are optional. They demonstrate how you can individually format tooltip content */ div.tp١ ﴿font-size:١٢px; color:#٣٣٦; font-style:italic﴾ div.tp٢ ﴿font-weight:bolder; color:#٣٣٧; padding-top:٤px﴾ فتاوى ابن باز (٤) تصفح برقم المجلد > المجلد الثالث والعشرون > كتاب العلم > أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة

стр. 12580

١٤٣ - أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واتبع هداهم إلى يوم الدين. وبعد: فإني أحييكم أيها الإخوة وأيها الأبناء بتحية الإسلام فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم إني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء، وأسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا ومفيدا لنا جميعا، وموصلا لما يرضيه ويقرب لديه، قاضيا على كثير من أسباب الفساد والبلاء، وعونا على ظهور الحق ودرء الباطل، ثم إني أشكر القائمين على هذا المشروع على دعوتهم لي للتحدث إليكم، والإجابة عن أسئلتكم، وأسأله سبحانه أن يجزيهم على عملهم خيرا، وأن يجعلنا وإياهم من الهداة المهتدين، وأن يوفقنا

стр. 12581

جميعا لما فيه إظهار الحق وإدحاض الباطل، وإجابة السائلين بما يوافق الصواب للحق الذي يرضي المولى . والعنوان كما سمعتم (أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة) ، هذا هو عنوان كلمتي التي ألقيها بين أيدي إخواني وأبنائي. ولا ريب أن العلم هو مفتاح كل خير، وهو الوسيلة إلى أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله، فإن العمل نتيجة العلم لمن وفقه الله، وهو مما يؤكد العزم على كل خير، فلا إيمان ولا عمل ولا كفاح ولا جهاد إلا بالعلم، فالأقوال والأعمال التي بغير علم لا قيمة لها، ولا نفع فيها بل تكون لها عواقب وخيمة، وقد تجر إلى فساد كبير. وإنما يعبد الله ويؤدى حقه وينشر دينه وتحارب الأفكار الهدامة والدعوات المضللة والأنشطة المنحرفة بالعلم النافع، المتلقى عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهكذا إنما تؤدى الفرائض بالعلم، ويتقى الله بالعلم، وبه تكشف الحقائق الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊، قال جل وعلا في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١)

стр. 12582

فجميع ما يقدمه أهل الباطل وما يلبسون به في دعواتهم المضللة وفي توجيهاتهم لغيرهم بأنواع الباطل وفي تشكيكهم غيرهم فيما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ كله يندحض ويكشف بما جاء عن الله ورسوله بعبارة أوضح، وبيان أكمل، وبحجة قيمة تملأ القلوب وتؤيد الحق، وما ذاك إلا لأن العلم المأخوذ من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، علم صدر عن حكيم عليم، يعلم أحوال العباد ويعلم مشكلاتهم ويعلم ما في نفوسهم من أفكار خبيثة أو سليمة، ويعلم بما يأتي به أهل الباطل فيما يأتي من الزمان، كل ذلك يعلمه سبحانه، وقد أنزل كتابه لإيضاح الحق وكشف الباطل، وإقامة الحجج على ما دعت إليه رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه الكريم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وإنما يعمل أهل الباطل وينشطون عند اختفاء العلم وظهور الجهل، وخلو الميدان ممن يقول: قال الله وقال الرسول، فعند ذلك يستأسدون ضد غيرهم وينشطون في باطلهم؛ لعدم وجود من يخشونهم من أهل الحق والإيمان وأهل البصيرة، وقد ذكر الله في كتابه كل شيء إجمالا في مواضع، وتفصيلا في مواضع أخرى قال :

стр. 12583

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) هذا كلام الحكيم العليم الذي لا أصدق منه. . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢) وأوضح سبحانه في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) أنه مع كونه تبيانا لكل شيء فيه هدى ورحمة وبشرى؛ فهو بيان للحق وإيضاح لسبله ومناهجه ودعوة إليه بأوضح عبارة وأبين إشارة، ومع ذلك فهو هدى للعالمين في كل ما يحتاجون إليه في ذكر ربهم والتوجه إلى ما يرضيه، والبعد عن مساخطه، ويبين لهم طريق النجاح وسبيل السعادة مع كونه رحمة في بيانه وإرشاده، وهدى وإحسانا وبشرى، وتطمينا للقلوب بما يوضح من الحقائق ويرشد إليه من البصائر التي تخضع لها القلوب وتطمئن إليها النفوس، وتنشرح لها الصدور، بوضوحها وظهورها، يقول سبحانه: (٤) تصفح برقم المجلد > المجلد الثالث والعشرون > كتاب العلم > أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة

стр. 12584

١٤٣ - أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واتبع هداهم إلى يوم الدين. وبعد: فإني أحييكم أيها الإخوة وأيها الأبناء بتحية الإسلام فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم إني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء، وأسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا ومفيدا لنا جميعا، وموصلا لما يرضيه ويقرب لديه، قاضيا على كثير من أسباب الفساد والبلاء، وعونا على ظهور الحق ودرء الباطل، ثم إني أشكر القائمين على هذا المشروع على دعوتهم لي للتحدث إليكم، والإجابة عن أسئلتكم، وأسأله سبحانه أن يجزيهم على عملهم خيرا، وأن يجعلنا وإياهم من الهداة المهتدين، وأن يوفقنا

стр. 12585

جميعا لما فيه إظهار الحق وإدحاض الباطل، وإجابة السائلين بما يوافق الصواب للحق الذي يرضي المولى . والعنوان كما سمعتم (أهمية العلم في محاربة الأفكار الهدامة) ، هذا هو عنوان كلمتي التي ألقيها بين أيدي إخواني وأبنائي. ولا ريب أن العلم هو مفتاح كل خير، وهو الوسيلة إلى أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله، فإن العمل نتيجة العلم لمن وفقه الله، وهو مما يؤكد العزم على كل خير، فلا إيمان ولا عمل ولا كفاح ولا جهاد إلا بالعلم، فالأقوال والأعمال التي بغير علم لا قيمة لها، ولا نفع فيها بل تكون لها عواقب وخيمة، وقد تجر إلى فساد كبير. وإنما يعبد الله ويؤدى حقه وينشر دينه وتحارب الأفكار الهدامة والدعوات المضللة والأنشطة المنحرفة بالعلم النافع، المتلقى عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهكذا إنما تؤدى الفرائض بالعلم، ويتقى الله بالعلم، وبه تكشف الحقائق الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊، قال جل وعلا في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١)

стр. 12586

فجميع ما يقدمه أهل الباطل وما يلبسون به في دعواتهم المضللة وفي توجيهاتهم لغيرهم بأنواع الباطل وفي تشكيكهم غيرهم فيما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ كله يندحض ويكشف بما جاء عن الله ورسوله بعبارة أوضح، وبيان أكمل، وبحجة قيمة تملأ القلوب وتؤيد الحق، وما ذاك إلا لأن العلم المأخوذ من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، علم صدر عن حكيم عليم، يعلم أحوال العباد ويعلم مشكلاتهم ويعلم ما في نفوسهم من أفكار خبيثة أو سليمة، ويعلم بما يأتي به أهل الباطل فيما يأتي من الزمان، كل ذلك يعلمه سبحانه، وقد أنزل كتابه لإيضاح الحق وكشف الباطل، وإقامة الحجج على ما دعت إليه رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه الكريم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وإنما يعمل أهل الباطل وينشطون عند اختفاء العلم وظهور الجهل، وخلو الميدان ممن يقول: قال الله وقال الرسول، فعند ذلك يستأسدون ضد غيرهم وينشطون في باطلهم؛ لعدم وجود من يخشونهم من أهل الحق والإيمان وأهل البصيرة، وقد ذكر الله في كتابه كل شيء إجمالا في مواضع، وتفصيلا في مواضع أخرى قال :

стр. 12587

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) هذا كلام الحكيم العليم الذي لا أصدق منه. . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢) وأوضح سبحانه في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) أنه مع كونه تبيانا لكل شيء فيه هدى ورحمة وبشرى؛ فهو بيان للحق وإيضاح لسبله ومناهجه ودعوة إليه بأوضح عبارة وأبين إشارة، ومع ذلك فهو هدى للعالمين في كل ما يحتاجون إليه في ذكر ربهم والتوجه إلى ما يرضيه، والبعد عن مساخطه، ويبين لهم طريق النجاح وسبيل السعادة مع كونه رحمة في بيانه وإرشاده، وهدى وإحسانا وبشرى، وتطمينا للقلوب بما يوضح من الحقائق ويرشد إليه من البصائر التي تخضع لها القلوب وتطمئن إليها النفوس، وتنشرح لها الصدور، بوضوحها وظهورها، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥)

стр. 12588

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١) ولولا أن كتابه وسنة نبيه ﷺ فيهما الهداية والكفاية لما رد الناس إليهما، ولكان رده إليهما غير مفيد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما رد الناس إليهما عند التنازع والخلاف لما فيهما من الهداية، والبيان الواضح، وحل المشكلات والقضاء على الباطل، ثم ذكر أن هذا شرط للإيمان فقال سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) ثم ذكر أنه خير للعباد في العاجل والآجل وأحسن عاقبة، يعني أن ردهم ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول خير لهم في الدنيا والآخرة وأحسن لهم في العاقبة. ومن هذا يعلم أن في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الأمين حلا لجميع المشكلات، وبيانا لكل ما يحتاجه الناس في دينهم، وفي القضاء على خصوماتهم، كما أن في ذلك النصر للداعي إلى الحق والقضاء على خصمه بالحجة الواضحة؛ ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣) والمثل يعم كل ما يقدمون

стр. 12589

من شبهة يزعمونها حجه، ومن مذهب يدعونه صحيحا، ومن دعوة يزعمون أنها مفيدة، كل ذلك يكشفه هذا الكتاب وما جاءت به سنة رسوله ﵊. فجميع ما يقدمونه من مشكلات وشبهات ودعوات مضللة ومذاهب هدامة، كل ذلك يكشفه العلم بهذا الكتاب وسنة الرسول ﵊، ومعلوم أن الأفكار الهدامة والمبادئ الضالة والمذاهب المنحرفة كثيرة، والملبسون للحق بالباطل لا يحصون، وكذلك دعاة الباطل والمؤلفون في الصد عن سبيل الله لا يحصيهم إلا الله، وهم يلبسون على الناس باطلهم بما يحرفون من الكلم، ولقد كثر الخطباء والمتكلمون في الإذاعات وفي التلفاز وفي كل مجال: في الصحافة والمجتمعات وفي كل نافذة، كل يدعو إلى نحلته، وينادي إلى فكرته، ويمني غيره ويدعوه إلى الباطل، ولا مخرج من هذه المحن، ولا طريق للتخلص منها والقضاء عليها إلا بعرضها على هذا الميزان العظيم الكتاب والسنة، ففي عرضها على هذا الميزان العظيم تمحيصها وبيان حقها من باطلها، ورشدها من غيها، وهداها من ضلالها، وبذلك ينتصر الحق وأهله، ويندحر الباطل وأهله، فإذا تقدم دعاة الشيوعية والاشتراكية المنكرون لوجود الله والقائلون: (لا إله والحياة مادة) المكذبون بالحق والمنكرون لكتاب الله وما ورد فيه من الأدلة النقلية والعقلية على وجود الباري وقدرته العظيمة وعلمه الشامل، فارجعوا إلى كتاب الله واقرءوا من آياته

стр. 12590

ما يرشد إلى دلائل وجوده سبحانه، وأنه الصانع الحكيم لهذه الأشياء والموجد لها والخالق لها سبحانه. وقد أرشد سبحانه في كتابه الكريم إلى ذلك، وبين أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه خالق كل شيء وأنه ينصر الحق، ويقيم الأدلة على ذلك في مواضع كثيرة من كتابه، ليعتمد عليها طالب الحق، يقول سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ثم يقول سبحانه بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ويقول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥) ويقول

стр. 12591

سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) إلى آيات كثيرة يرشد بها سبحانه أنه رب العباد، وأنه رب العالمين، وأن الرسل جاءت بهذا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٥) ويقول جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٧) ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٨) ويقول سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٩) ثم يبين الأدلة في مواضع كثيرة، عندما يتأملها المؤمن يعرف أن الدليل النقلي مؤيد بالدليل العقلي المشاهد المحسوس، ولهذا ذكر

стр. 12592

سبحانه بعد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١) الحجة على ذلك فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) والمعنى أن هذا الخالق لنا هو المستحق أن نعبده لكونه خلقنا، ولأنه يرعى مصالح العباد، وهذا أمر معلوم بالفطر السليمة والعقول الصحيحة، فهم لم يخلقوا أنفسهم فقد خلقهم بارئهم، فالله هو الخالق بالأدلة النقلية والعقلية، ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) بين كيف تدرك هذه الأشياء المشاهدة المخلوقة التي يدركها العقل ويدركها كل إنسان، فجعل الأرض فراشا لنا ننام عليها، ونسير عليها، ونرعى المواشي عليها، ونحمل عليها، نزرع عليها الأشجار، ونأخذ منها المعادن إلى غير ذلك، ثم أنزل من السماء ماء من السحاب، أنزل المطر فأخرج به الثمرات لنا، من الذي أنزل المطر؟ من الذي أخرج هذه الثمار التي يأكلها الناس والدواب؟ مما زرعوا ومن غير ما زرعوا؟ كلها من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته العظيمة، وأنه رب العالمين.

стр. 12593

أرض مستقرة أرساها ربنا بالجبال التي جعلها أوتادا لها، وجعلها ممهدة ساكنة نعيش عليها، ونطمئن نحن ودوابنا وسياراتنا فوقها، وتطير في فضائها طائراتنا، ونتمتع بجميع ما خلق فيها، والسماء كذلك خلقها فوقنا، وزينها بالكواكب السيارات والثوابت، وجعل فيها الشمس والقمر ليعلم العباد قدرة الخالق العظيم، والعلي الكبير الذي لا شريك له في ذلك ، ثم هذه المزروعات الكثيرة، والثمار المنوعة التي فيها المنافع الكثيرة، والمصالح العظيمة، مع اختلاف أشكالها وألوانها، وأحجامها وطعومها، ومنافعها إلى غير ذلك، هنا تظهر قدرة الله سبحانه واستحقاقه للعبادة كما قال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) فهو سبحانه يبين لنا في هذه الآيات التي نشاهدها ونراها ونحس بها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣) هذه السماوات مع اتساعها وارتفاعها وما فيها من عجائب وغرائب، وهذه الأرض مع سعتها

стр. 12594

وانبساطها وما فيها من أنهار وجبال وغير ذلك، ثم اختلاف الليل والنهار وما أنزل من السماء من ماء وما أخرج من البحر من أشياء تنفع الناس، وما يحمله ماؤها من البواخر التي أمسكها على ظهر هذا الماء، تحمل حاجات الناس، وتحملهم أيضا من بلاد إلى بلاد. ثم أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض. هذه الآيات العظيمة لمن تدبرها ترشده إلى وجود بارئها وخالقها الذي خلقه وأوجده من العدم، وأنه رب العالمين ، وأن هذه المخلوقات لا قوام لها إلا به سبحانه كما قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) فهذه الآيات التي نشاهدها والدلائل التي نقرؤها ونعلمها إنما ينتفع بها ذوو العقول السليمة والبصائر المستقيمة، ولهذا قال سبحانه في آخر الآية: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) والرسل عليهم الصلاة والسلام، هم أصدق الناس، وقد أقاموا الأدلة والمعجزات على صدقهم، وقد أخبرونا بهذا وأن هذا صنع الله، وأنه ربنا وخالقنا، وأنه الرحمن، وأنه الرحيم، وأنه

стр. 12595

السلام، وأنه القدوس، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى ، كما أخبر جل وعلا في كتابه العظيم أنه الحكيم العليم القادر على كل شيء جل وعلا، وفي هذا أبلغ رد على دعاة الشيوعية والدهرية والاشتراكية وغيرهم ممن أنكروا وجود الله، فهل هذه المخلوقات وهل هذه الموجودات تخلق نفسها وتنشئ نفسها؟ هل يقول هذا عاقل؟ بل كوب الماء لو قلت لعاقل إنه خلق نفسه لقال إنك مجنون، وهكذا كوب الشاي وكوب القهوة والملعقة والعصا، كلها معروف من صنعها فكيف بهذا العالم العظيم الذي أنشأه الخالق سبحانه من العدم، وجعل فيه من الآيات والمنافع ما لا يحصى، فهو المبدع سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم هذا الخالق قد بين أسماء تليق بذاته، وبينت الرسل صفاته وأسماءه ودلوا عليه وأرشدوا إليه، وقامت الدلائل على صدقهم، وعلى رأسهم نبينا محمد ﵊، أصدق الأنبياء وأفضلهم، قد بعثه الله بكتابه العظيم، والرسالة العامة التي أوضح بها كل شيء، ثم يأتي دعاة الماسونية الذين يريدون أن يردوا الناس إلى الأحوال البهيمية، والمساواة في كل شيء ويحاربوا مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ليجعلوهم كالبهائم لا يميزون حقا من باطل ولا خيرا من شر، وهذا كله

стр. 12596

خلاف ما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، وخلاف ما دل عليه القرآن الكريم المعجز، وهو أيضا خلاف ما دلت عليه العقول الصحيحة، والفطر السليمة التي فطر الله العباد عليها، فإن الله سبحانه فطر الناس على الاعتراف بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال والعدل والحق، وكراهة الظلم والعدوان والأذى. لقد فطر الله العباد على تمييز الأب من الابن، والأخ من الأخت، والزوجة من الزوج، حتى البهائم ميزوا هذا عن هذا. كذلك من ادعى الإباحية، وأنه لا حرج على الإنسان في أي حال أن يعمل ما يشاء ويستبيح ما يشاء من مهازل ومساوئ، كلهم ملحدون وضالون، وقد أبطل الله هذا المذهب، وبين أنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيان حقه على عباده، وما أحل من الطيبات، وما حرم من الخبائث، وما أوصى به عباده من التمسك بما جاءت به الرسل، ونبذ ما خالفه. ولقد أوضح سبحانه في الكتب المنزلة من السماء تفصيل الحلال من الحرام، والهدى من الضلال، والمعروف من المنكر، والخير من الشر. فالإباحيون والماسونيون قد أعرضوا عن ذلك كله، ونبذوه وراء ظهورهم، فلا خلقا كريما استقاموا عليه، ولا عقلا صحيحا

стр. 12597

تمسكوا به، فلم يأخذوا بما جاءت به الرسل من الهدى، والتمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ومن تأمل كتاب الله ، وسنة نبيه ﵊، وتأمل أحوال العالم: عرف أن الحق كله فيما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، من بيان ما أباح الله وبيان ما حرمه سبحانه، وأنهم بعثوا ليميزوا بين الطيب والخبيث، وبين الحلال والحرام، بما شرع الله، حتى تسير المجتمعات على هدى وبيان، وعلى خير ورشاد، وعلى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، التي تحفظ للإنسان عقله ودينه، وماله ونفسه، وذريته وزوجته وغير ذلك. . ولا يتعدى عليه غيره فيأمن المجتمع، وتستقيم الأحوال والأخلاق، ويأمن الناس، وتحصل لكل إنسان حريته، في أخذه وعطائه، وبيعه وشرائه، وتعاطي ما يسر الله له من الحلال وتملكه ما كسب بالطرق الشرعية، وتصرفه بما ينفعه ولا يضره. وأما من دعا إلى أفكار أخرى كدعوة القاديانية وأشباههم، ممن دعا إلى اتباع نبي جديد، أو رسول جديد، فدعواه باطلة وأفكاره مضللة زائفة؛ لأن الله بين في كتابه المبين أن محمدا ﵊ خاتم النبيين، وقد جاء ذلك في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ ، وبشرت به النبوات السابقة، قال تعالى:

стр. 12598

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ولكن هناك أشباه الأنعام، تلتبس عليهم كل دعوى، ويخفى عليهم كل شيء، ولا يميزون بين حق وباطل، ولا يفرقون بين هدى وضلال. فكل ما يدعيه الداعون وينعق به الناعقون يلتبس عليهم؛ لعدم العلم والبصيرة، ولهذا ارتفع صوت هذا الرجل، أعني مرزا غلام أحمد بدعواه الباطلة، فاتبعه من الناس من هم أشباه الأنعام، وصدقوا بما قاله، وما كتبه في هذا الباب، مما يخالف نص الكتاب العزيز، وما تواترت به السنة عن المصطفى ﵊، من كونه خاتم الأنبياء والمرسلين. كيف يحدث مثل هذا، وكيف يشتبه على من هم من بني آدم، الذين هم من أصحاب العقول، والذين يقرؤون ويكتبون، وبطلانه من أوضح الأشياء وأظهرها، ولكن الله يري عباده من العجائب والعبر ما فيه عظة وذكرى لكل ذي لب، قال : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) وهكذا البهائية والبابية وأشباههم، ممن ادعوا دعاوى باطلة، وضلوا في هذا السبيل، ولبسوا على أشباه الأنعام

стр. 12599

من البشر ما يدعون إليه من باطلهم، فزعم كبيرهم أنه نبي، ثم ادعى أنه رب العالمين. ومع ظهور باطلهم، نجد لهم أتباعا ودعاة وأندية تروج باطلهم، وتدعو إليه، وربما كان الكثير منهم يعرف الحق ويعلم أنه مبطل في دعواه، ولكنه يتظاهر بتأييد الباطل، لما له من غرض في ذلك في هذه الحياة الدنيا، فتابعهم في طريق الباطل، وهم أشبه بالأنعام، بل هم أضل منها، كما قال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) وقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢) لقد ضل هؤلاء بعيدا، كما ضل أصحاب فرعون بفرعون، وأصحاب النمرود بالنمرود. فهذا المسكين الذي يتبول ويتغوط، ويأكل ويشرب، ويتألم من كل شيء، كيف يكون ربا، وكيف يكون إلها، وكيف يجوز هذا عليه، وعلى أتباعه؟ ولكن الأمر كما قال الله سبحانه:

стр. 12600

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) وكما قال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ (٢) وكما قال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) الآية. وهكذا الدجال الذي يأتي في آخر الزمان يتبعه جم كثير من كل جاهل، وأعمى بصيرة لما يروجه من الباطل، ويأتي به من خوارق العادات التي تشتبه على أشباه الأنعام. وكل نحلة، وكل دعوة باطلة تجد لها أتباعا وأنصارا بغير قلوب، ولا هدى، أما طريق السلف الصالح فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار؛ لما قام عليه من البراهين الساطعة، والحجج النيرة، والأدلة القاطعة، لكل من عنده أدنى بصيرة ورغبة في طلب الحق، وقد بين الله في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين أن الخير والفلاح يكونان في التمسك بكتاب الله العظيم، وسنة المصطفى ﵊، وما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم، وأتباعهم بإحسان، فيرد دعاة الحق على هؤلاء المنحرفين بما علموا من كتاب الله، وسنة رسوله عليه

стр. 12601

الصلاة والسلام، وبما علموا بعقولهم الصحيحة، وبصائرهم النافذة، وفطرهم السليمة على هدى ما علموه من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وما علموه من مخلوقات الله ، من الدلالة على قدرته، وعظمته، واستحقاقه للعبادة، وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام، وأن ما أتوا به هو الحق، وهو ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، من بيان الحلال والحرام والهدى والضلال، وما شرع الله لعباده، وما نهى عنه، وما أخبر به من الجنة والنار، إلى غير ذلك. وأن ما أنكره هؤلاء وغيرهم من الشيوعيين وسائر الملاحدة من البعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك من شئون اليوم الآخر: كله باطل ومخالف للأدلة القطعية. وهم جميعا حجتهم داحضة وباطلهم واضح، فإن الأدلة الدالة على بعث الموتى ووقوفهم أمام رب العالمين كثيرة لا تحصى، وأن كل ما خلقه الله في هذه الدنيا شاهد على قدرته سبحانه، ووجوب الاعتراف بألوهيته وحده، فالأرض الميتة ينزل الله عليهم المطر فيخرج منها النبات بعد موتها، ويخرج منها جل وعلا ما شاء من الثمار. فالذي أخرج هذا النبات، وأنعم علينا بهذه الثمار، هو الله ، الذي أنزل هذا المطر وأحيا به الأرض الميتة التي

стр. 12602

أخرجت النبات والثمار، هو الذي سيحيي الموتى، ويبعثهم من قبورهم، ويقف كل واحد أمامه للحساب على ما عمل، وما اكتسبت يداه في هذه الدنيا. وهكذا الإنسان: خلق الله أبانا آدم من تراب، ثم جاءت منه الذرية خلقهم سبحانه من ماء مهين، ثم تحولوا إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى إنسان سوي له سمع وبصر، وعقل وإدراك وجوارح، ثم يتدرج ويكبر، حتى يصير إنسانا عظيما، فيأخذ ويعطي ويفكر ويتعلم وينتج. وإن هذه الآيات العظيمة كلها تدل على قدرة الله ، وتدل على صدق الرسل وإخبارهم بأن هناك - أي في الآخرة - مجتمعا لديه سبحانه، يؤيد فيه الحق، ويجزي أهله بأحسن الجزاء ويدخلهم الجنة ويقيهم عذاب النار، ويذل أعداءه ويخلدهم في النار أبد الآباد. ثم إن كل عاقل في هذه الدار يشاهد من يظلم، ومن تؤخذ حقوقه، ومن يعتدى عليه في ماله وبدنه وغير ذلك، ثم يموت الظالم ولم يرد الحقوق، ولم ينصف المظلوم، فهل يضيع ذلك الحق على المظلومين المساكين المستضعفين؟ ! كلا. . فإن الخالق العظيم الحكيم العليم حدد للإنصاف موعدا، ذلك الموعد هو يوم القيامة

стр. 12603

ينصف فيه المظلوم الذي لم يعط حقه في الدنيا كاملا من الظالم، فينتقم منه ويعاقبه بما يستحق. إن هذه الدار ليست دار جزاء ولكنها دار امتحان وابتلاء، وعمل وسرور وأحزان، وقد ينصف فيها المظلوم فيأخذ حقه فيها، وقد يؤجل أمره إلى يوم القيامة لحكمة عظيمة، فينتقم الله من هؤلاء الظالمين، كما قال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١) ففي هذا اليوم الرهيب ينصف الله المظلومين، ويعطيهم جزاءهم، وينتقم لهم من الظالمين، وقد يعجل الله سبحانه للظلمة العقوبات في الدنيا، كما فعل في أمم كثيرة، وقد يؤجل ذلك للمظلومين والظالمين، ثم تعطى الحقوق في هذا اليوم العظيم، يوم القيامة الذي تشخص فيه الأبصار، وكل ذلك حق. فالحكم العليم القادر على كل شيء لا يفوت على المظلومين حقهم، ولهذا أخبرنا أن هناك بعثا ونشورا، وأن هناك جزاء وحسابا، وقد قامت على هذا الأدلة من القرآن والسنة، وإجماع الأمة، والعقول الصحيحة، والفطر السليمة، ودلت على أنه لا بد من جزاء وحساب، وأن البعث حق وأن الجنة حق، وأن

стр. 12604

النار حق، كل ذلك جاءت به الكتب السماوية، والسنة النبوية، وأجمع عليها المسلمون. ومع ذلك فالفطر السليمة والعقول الصحيحة تشهد بذلك، وإننا نشاهد ظالمين ومظلومين لم يقتص من الظالمين للمظلومين، ولم تؤخذ منهم الحقوق، فلا بد لهم من يوم يحاسبون فيه، ويجازى فيه كل إنسان على ما قدم. إننا نجد مؤمنين صالحين موفقين مجتهدين في سبيل الخير، لم ينالوا ما ناله غيرهم من أولئك الذين تعدوا حدود الله، وظلموا عباد الله، وهم مع هذا لديهم الأموال العظيمة، والقصور الشاهقة، والخدم والمتاع. وجمع غفير من الأخيار المتقين، محرومون لم ينالوا من هذا شيئا، فلا بد من موعد ولا بد من لقاء مع ربهم، يعطون فيه من المنازل العالية، والأجر العظيم، ويتكرم عليهم سبحانه بأنواع الفضل، جزاء صبرهم وأعمالهم الصالحة، فينالون الثواب الكبير، والمنازل العالية، والخير الجزيل، والإحسان العظيم، والقصور والجواري والخيرات التي لا تحصى، على ما فعلوا من خير، وعلى ما قدموا من عمل صالح، ويجازي سبحانه هؤلاء الظالمين، المفرطين المعرضين، الذين ركنوا إلى الدنيا، وغرتهم شهواتها، وانساقوا وراء مفاتنها، مما يستحقون من العذاب والنكال، وسوء

стр. 12605

المصير، وما ذلك إلا لتفريطهم، وإعراضهم عن الله، وتعديهم حدوده، ومقابلتهم نعمه بالكفران، وظلمهم عباده، وإدبارهم عن طاعته. فهؤلاء يجازيهم الله بما يستحقون، وهذه الأمور العظيمة إذا تأملها صاحب العقل الصحيح، والفطرة السليمة، عرف أن المعاد حق، وعلم أن ما يدعيه الملحدون والشيوعيون والوثنيون وغيرهم ممن ينكرون الآخرة ومعاد الأبدان: من أبطل الباطل، واتضح له أن دعواهم ساقطة، وأقوالهم زائفة. وهكذا أصحاب النحل والدعوات المضللة، والأفكار الهدامة، كلها على هذا السبيل، إذا تأملها ذو العقل الصحيح، والبصيرة النافذة، والفطرة السليمة، عرف بطلانها وعرف أدلة زيفها، من الكتاب والسنة المطهرة، ومن الكتب الصحيحة، فإنه سبحانه خلق الشواهد، وأقام الدلائل على الحق، من كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وبما أودع في العقول من فهم وإدراك، وبما خلق في هذه الدنيا من مخلوقات، وأوجد فيها من كائنات، تشهد له بالحكمة، وأنه الخلاق العليم، الرزاق الكريم، القادر على كل شيء، والمستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. والجدير بطالب العلم، أينما كان أن يقبل على كتاب الله، وأن يجعل تدبره وتعقله، من أكبر همه، ومن أعظم شواغله، وأن
следующие страницы →