← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

الصلاة والسلام، وبما علموا بعقولهم الصحيحة، وبصائرهم النافذة، وفطرهم السليمة على هدى ما علموه من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وما علموه من مخلوقات الله ، من الدلالة على قدرته، وعظمته، واستحقاقه للعبادة، وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام، وأن ما أتوا به هو الحق، وهو ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، من بيان الحلال والحرام والهدى والضلال، وما شرع الله لعباده، وما نهى عنه، وما أخبر به من الجنة والنار، إلى غير ذلك. وأن ما أنكره هؤلاء وغيرهم من الشيوعيين وسائر الملاحدة من البعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك من شئون اليوم الآخر: كله باطل ومخالف للأدلة القطعية. وهم جميعا حجتهم داحضة وباطلهم واضح، فإن الأدلة الدالة على بعث الموتى ووقوفهم أمام رب العالمين كثيرة لا تحصى، وأن كل ما خلقه الله في هذه الدنيا شاهد على قدرته سبحانه، ووجوب الاعتراف بألوهيته وحده، فالأرض الميتة ينزل الله عليهم المطر فيخرج منها النبات بعد موتها، ويخرج منها جل وعلا ما شاء من الثمار. فالذي أخرج هذا النبات، وأنعم علينا بهذه الثمار، هو الله ، الذي أنزل هذا المطر وأحيا به الأرض الميتة التي

стр. 12602

أخرجت النبات والثمار، هو الذي سيحيي الموتى، ويبعثهم من قبورهم، ويقف كل واحد أمامه للحساب على ما عمل، وما اكتسبت يداه في هذه الدنيا. وهكذا الإنسان: خلق الله أبانا آدم من تراب، ثم جاءت منه الذرية خلقهم سبحانه من ماء مهين، ثم تحولوا إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى إنسان سوي له سمع وبصر، وعقل وإدراك وجوارح، ثم يتدرج ويكبر، حتى يصير إنسانا عظيما، فيأخذ ويعطي ويفكر ويتعلم وينتج. وإن هذه الآيات العظيمة كلها تدل على قدرة الله ، وتدل على صدق الرسل وإخبارهم بأن هناك - أي في الآخرة - مجتمعا لديه سبحانه، يؤيد فيه الحق، ويجزي أهله بأحسن الجزاء ويدخلهم الجنة ويقيهم عذاب النار، ويذل أعداءه ويخلدهم في النار أبد الآباد. ثم إن كل عاقل في هذه الدار يشاهد من يظلم، ومن تؤخذ حقوقه، ومن يعتدى عليه في ماله وبدنه وغير ذلك، ثم يموت الظالم ولم يرد الحقوق، ولم ينصف المظلوم، فهل يضيع ذلك الحق على المظلومين المساكين المستضعفين؟ ! كلا. . فإن الخالق العظيم الحكيم العليم حدد للإنصاف موعدا، ذلك الموعد هو يوم القيامة

стр. 12603

ينصف فيه المظلوم الذي لم يعط حقه في الدنيا كاملا من الظالم، فينتقم منه ويعاقبه بما يستحق. إن هذه الدار ليست دار جزاء ولكنها دار امتحان وابتلاء، وعمل وسرور وأحزان، وقد ينصف فيها المظلوم فيأخذ حقه فيها، وقد يؤجل أمره إلى يوم القيامة لحكمة عظيمة، فينتقم الله من هؤلاء الظالمين، كما قال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١) ففي هذا اليوم الرهيب ينصف الله المظلومين، ويعطيهم جزاءهم، وينتقم لهم من الظالمين، وقد يعجل الله سبحانه للظلمة العقوبات في الدنيا، كما فعل في أمم كثيرة، وقد يؤجل ذلك للمظلومين والظالمين، ثم تعطى الحقوق في هذا اليوم العظيم، يوم القيامة الذي تشخص فيه الأبصار، وكل ذلك حق. فالحكم العليم القادر على كل شيء لا يفوت على المظلومين حقهم، ولهذا أخبرنا أن هناك بعثا ونشورا، وأن هناك جزاء وحسابا، وقد قامت على هذا الأدلة من القرآن والسنة، وإجماع الأمة، والعقول الصحيحة، والفطر السليمة، ودلت على أنه لا بد من جزاء وحساب، وأن البعث حق وأن الجنة حق، وأن

стр. 12604

النار حق، كل ذلك جاءت به الكتب السماوية، والسنة النبوية، وأجمع عليها المسلمون. ومع ذلك فالفطر السليمة والعقول الصحيحة تشهد بذلك، وإننا نشاهد ظالمين ومظلومين لم يقتص من الظالمين للمظلومين، ولم تؤخذ منهم الحقوق، فلا بد لهم من يوم يحاسبون فيه، ويجازى فيه كل إنسان على ما قدم. إننا نجد مؤمنين صالحين موفقين مجتهدين في سبيل الخير، لم ينالوا ما ناله غيرهم من أولئك الذين تعدوا حدود الله، وظلموا عباد الله، وهم مع هذا لديهم الأموال العظيمة، والقصور الشاهقة، والخدم والمتاع. وجمع غفير من الأخيار المتقين، محرومون لم ينالوا من هذا شيئا، فلا بد من موعد ولا بد من لقاء مع ربهم، يعطون فيه من المنازل العالية، والأجر العظيم، ويتكرم عليهم سبحانه بأنواع الفضل، جزاء صبرهم وأعمالهم الصالحة، فينالون الثواب الكبير، والمنازل العالية، والخير الجزيل، والإحسان العظيم، والقصور والجواري والخيرات التي لا تحصى، على ما فعلوا من خير، وعلى ما قدموا من عمل صالح، ويجازي سبحانه هؤلاء الظالمين، المفرطين المعرضين، الذين ركنوا إلى الدنيا، وغرتهم شهواتها، وانساقوا وراء مفاتنها، مما يستحقون من العذاب والنكال، وسوء

стр. 12605

المصير، وما ذلك إلا لتفريطهم، وإعراضهم عن الله، وتعديهم حدوده، ومقابلتهم نعمه بالكفران، وظلمهم عباده، وإدبارهم عن طاعته. فهؤلاء يجازيهم الله بما يستحقون، وهذه الأمور العظيمة إذا تأملها صاحب العقل الصحيح، والفطرة السليمة، عرف أن المعاد حق، وعلم أن ما يدعيه الملحدون والشيوعيون والوثنيون وغيرهم ممن ينكرون الآخرة ومعاد الأبدان: من أبطل الباطل، واتضح له أن دعواهم ساقطة، وأقوالهم زائفة. وهكذا أصحاب النحل والدعوات المضللة، والأفكار الهدامة، كلها على هذا السبيل، إذا تأملها ذو العقل الصحيح، والبصيرة النافذة، والفطرة السليمة، عرف بطلانها وعرف أدلة زيفها، من الكتاب والسنة المطهرة، ومن الكتب الصحيحة، فإنه سبحانه خلق الشواهد، وأقام الدلائل على الحق، من كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وبما أودع في العقول من فهم وإدراك، وبما خلق في هذه الدنيا من مخلوقات، وأوجد فيها من كائنات، تشهد له بالحكمة، وأنه الخلاق العليم، الرزاق الكريم، القادر على كل شيء، والمستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. والجدير بطالب العلم، أينما كان أن يقبل على كتاب الله، وأن يجعل تدبره وتعقله، من أكبر همه، ومن أعظم شواغله، وأن

стр. 12606

تكون له العناية الكاملة بقراءته، وتدبر ما فيه من المعاني العظيمة، والبراهين الساطعة، على صحة ما جاءت به الرسل، وعلى صدق ما دل عليه الكتاب، وعلى بطلان ما يقول به أهل السوء، أينما كانوا، وكيفما كانوا. ومن تدبر القرآن طالبا للهدى أعزه الله، وبصره وبلغه مناه، كما قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وقال : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) وهكذا السنة المطهرة إذا تأملها المؤمن، وتأمل موقفه ﷺ مع أعدائه وخصومه في مكة والمدينة عرف الحق، وأن أهل الحق منصورون وممتحنون، ومن فاته النصر في الدنيا فلن يفوته الجزاء والعوض في الآخرة، كما قال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٤) فقد وعد الله سبحانه بالنصر للعاملين في الدنيا والثواب في الآخرة، قال :

стр. 12607

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢) فقد وعد الله في هاتين الآيتين، الذين يعملون للحق، ويقيمون الصلاة، ويؤدون الزكاة لمستحقيها، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وعدهم جل وعلا بالنصر، وهو يعم النصر في الدنيا والتمكين فيها والنصر والرضى من الله سبحانه يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد. وفي هذا عزة للمؤمنين، وذلة للكافرين، فالمؤمنون يفوزون بالجنة، والكافرون تعلو وجوههم الذلة والندامة، والنار تكون مثواهم ومصيرهم. وفي هذا المعنى يقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن تأمل أحوال أهل العلم الموفقين الذين نبغوا في هذه الأمة وتدبروا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ،

стр. 12608

وعلموا في ذلك ما يعينهم على فهم كتاب الله، وعلى فهم سنة رسول الله ﷺ ، فهما صحيحا من الصحابة ﵃ وأرضاهم والتابعين لهم بإحسان من أئمة الإسلام فيما كتبوا وما نقل عنهم ومن سار على نهجهم من أهل الصدق والوفاء والبصيرة كأبي العباس ابن تيمية ﵀ وتلميذيه: العلامة ابن القيم والحافظ ابن كثير وغيرهم ممن برزوا في هذا الميدان من أئمة هذا الشأن. نعم من تأمل أحوالهم، وفتح الله عليه بفهم ما قالوا وما كتبوا رأى العجب العجاب، والعبر الباهرة، والعلوم الصحيحة، والقلوب النيرة، والبراهين الساطعة، التي ترشد من تمسك بها إلى طريق السعادة وسبيل الاستقامة. وبذلك يحصل له بتوفيق الله سبحانه، تحقيق الغاية المطلوبة، وتحصن نفسه بالعلوم والمعرفة والطمأنينة إلى الحق، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ودرج عليه سلف هذه الأمة. ويتضح له أن من خالفهم من دعاة الزيغ والضلال، ليس عندهم إلا الشبهات الباطلة، والحجج الزائفة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ويعلم حقا أن طالب العلم في الحقيقة هو الذي يميز الحق من الباطل، بأدلته الظاهرة، وبراهينه الساطعة، ويقرأ كتب الأئمة

стр. 12609

المهتدين، ويأخذ منها ما وافق الحق، ويترك ما ظهر بطلانه، وعدم موافقته للحق، ومن هؤلاء الأئمة المبرزين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأنصاره في القرآن الثاني عشر وما بعده، قد برزوا في هذا الميدان، وكتبوا الكتابات العظيمة الناجحة، وأرسلوا الرسائل إلى الناس وردوا على الخصوم، وأوضحوا الحق في رسائلهم ومؤلفاتهم، بأدلة من الكتاب والسنة، وقد جمع من ذلك العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ جملة كثيرة في كتابه المسمى: (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) . والأدلة التي كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وتلاميذه من تأملها وتبصر فيها رأي فيها الحق المبين، والحجج الباهرة، والبراهين الساطعة التي توضح بطلان أقوال الخصوم، وشبهاتهم، وتبين الحق بأدلته الواضحة. وهم رحمة الله عليهم - مع تأخر زمانهم - قد وفقوا في إظهار الحق وبيان أدلته، وأوضحوا ما يتعلق بدعوة التوحيد، والرد على دعاة الوثنية، وعباد القبور، وبرزوا في هذا السبيل، وكانوا على النهج المستقيم، نهج السلف الصالح، واستعانوا في هذا الباب بالأدلة الواضحة التي جاءت في الكتاب والسنة النبوية، وعنوا بكتب الحديث، وكتب التفسير، وبرزوا في هذا الميدان حتى أظهر الله بهم الحق، وأذل بهم الباطل، وأقام بهم الحجة على غيرهم،

стр. 12610

ونشر بهم راية الإسلام، وقامت راية الجهاد، وأجرى الله على أيديهم من نعمه وخيره الجزيل ما لا يحصى، وأصبح أهل الحق في سائر الأمصار الذين عرفوا كتبهم، وصحة دعوتهم، وسلامة منهجهم، ينضرون دعوتهم، ويستعينون بما ألفوا في هذا الشأن على خصوم الإسلام وأعداء الإسلام في كل مكان، من أهل الشرك والبدع والخرافات. وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، وأن يمنحنا الفقه في دينه، كما أسأله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادة المسلمين، ويجعلهم هداة مهتدين، وأن يوفقهم لتحكيم الشريعة والتحاكم إليها، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وينصر بهم الحق، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 12611

١٤٤ - العلم بأحكام الله من أهم الواجبات (١) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه، ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين أما بعد: فإن العلم بأحكام الله أمر ضروري، على كل مسلم ومسلمة في كل ما لا يسعهما جهله، ليسيرا في عبادتهما لربهما على هدى وبصيرة. ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به، إلا إذا عرف أحكامه، وأولاها اهتمامه وعنايته، وبذل جهده وطاقته للإلمام بها، لتكون عبادته لربه بنيت على أساس صحيح ومتين، ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدين، والأخذ بها فقد هدي إلى صراط الله المستقيم، وحصل على خير كثير. يقول الله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)

стр. 12612

قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: الحكمة القرآن. يعنى تفسيره، قال ابن عباس، فإنه قد قرأه البر والفاجر رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد يعني بالحكمة الإصابة في القول، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني عن أبي عمار الأسدي عن ابن مسعود مرفوعا: «رأس الحكمة مخافة الله» . وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة السنة. وقال وهب عن مالك: قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي

стр. 12613

الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله " اهـ كلام ابن كثير ﵀. ولكي ندرك أهمية الفقه في دين الله وأنه نور لحامله، والعامل به في الدنيا والآخرة، ولكي ندرك أهميته وجدواه نجد النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق عليه. ويقول ﵊: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (٢) » رواه البخاري ومسلم. ويقول ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله

стр. 12614

الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها (١) » رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. ولقد برز حبر الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في معرفة الدين فقها وتفسيرا، وتوسع في علوم الشريعة ووعاها ببركة دعاء رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٢) » ، إنها دعوة مباركة من رسول مبارك، تقبلها الله منه ﵊، ونعمة أنعم الله بها على ابن عباس ﵄ وأرضاهما، وقد برز في عهده وقبله وبعده أئمة أفذاذ في أصول الدين وفروعه، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم حملوا أمانة التبليغ والدعوة، وأدوها أحسن ما يكون الأداء، وبصروا الناس بدين الإسلام، سواء في حلقات الدروس والمذاكرة والإرشاد المنتشرة في بيوت الله، أو فيما خلفوه من تراث علمي ومؤلفات قيمة في شتى فروع العلم الشرعي وغيره من العلوم الأخرى التي تخدم الشريعة وترتبط بها، وهيأ الله ولاة صالحين يبذلون بسخاء في سبيل نشر العلم وتشجيع العلماء وطلاب العلم.

стр. 12615

إن التفقه في الإسلام وما اشتمل عليه من أحكام، يقتضي البحث والاطلاع لمعرفة حكم الله في كل قضية تعرض للمسلم في حياته، فلا يتجاوز هذه القضية دون بحث واستقصاء ليصل إلى الحكم بالدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو الإجماع أو القياس الجلي. والدين الإسلامي بحمد الله واضح لا غموض فيه، ولا التباس في أحكامه وتشريعاته، وقد بينها الله في كتابه المبين، وسنة رسوله الكريم ﷺ ، وحمل لواء هذه السنة وبينها ودافع عنها صحابة رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة، وأئمة الشريعة وعلمائها جيلا بعد جيل، ثم تقاعس الكثير من الناس عن البحث والطلب والتحصيل واكتفوا بالتقليد لغيرهم، فوقعوا في أغلاط كثيرة في العقيدة والأحكام. ولقد أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم. وهو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين علموا فعملوا، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق واتبعوا أهواءهم، وهم اليهود ومن على شاكلتهم، وأن يجنبنا طريق الضالين وهم الذين جهلوا الحق وهم النصارى ومن على شاكلتهم.

стр. 12616

أيها الإخوة المسلمون كيف نعرف أن هذا الماء طاهر أو نجس، أو أن هذا الشراب أو الطعام أو الإناء أو الصيد أو السوار أو اللباس مباح أو حرام أو مكروه أو مستحب. كيف نعرف أن اقتناء هذا المال أو إنفاقه حلال أو حرام، كيف نهتدي إلى العبادات ونعرف أوقاتها وطريقة أدائها، كيف نعرف قسمة المواريث والفرائض، وكيف تقام الحدود وكيف نقيم المعاملات فيما بيننا إلى غير ذلك من تفاصيل العبادات والمعاملات، وما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق وغيرهما. لقد استوعبت ذلك كله شريعتنا المطهرة ولله الحمد، إن دين الإسلام الحنيف قد أكمله الله، وما من شأن من شئون الدنيا والآخرة إلا وفي هذا الدين له حكم وبيان واضح جلي لمن رزق البصيرة فيه. فهو دين كامل شامل، ليس قاصرا على النواحي التعبدية، ولا شأن له بالنواحي المعاشية كما يرميه بذلك أعداؤه، ومن نهج نهجهم، إنه دين يربط المخلوق بخالقه برباط متين، كما يقيم أفضل علاقة بين الإنسان وأهله وأقاربه، وبين الإنسان وأخيه، سواء كان على دينه أو على غير دينه، قائمة على العدالة والترابط والتسامح والتعاون على البر والتقوى، كما أوضح كيف تعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة، والإحسان قبل أن تتظاهر أوروبا

стр. 12617

بالرفق بالحيوان، من خلال جمعيات أنشأتها لهذا الغرض، وهي لم ترفق بعد بالإنسان ولم ترع حقوقه. فالواجب على المسلمين التفقه في دينهم، وأن لا يتجاوزوا حدود ما أنزل الله، وأن يحرصوا على فهم أحكام دينهم قبل أي شيء، فإن بعض الناس هداهم الله، ووفقهم، قد يحيط بعلوم كثيرة من علوم الحياة ويبرز فيها، ولكنه لا يعلم شيئا من أحكام دينه، وأسرار شريعته ولا يهتم بذلك، وهذا هو الجهل الفاضح والمصيبة العظمى، فإن العلم بأحكام الله يجب أن يكون مقدما على المعارف الأخرى، ولا مانع من التزود بالعلوم والمعارف الأخرى، ولكن لا بد من تقديم الأصل الأصيل، والركيزة الأساسية للعلوم كلها وهي معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته، واستحقاقه العبادة في دون كل ما سواه، ومعرفة دينه عقيدة وسلوكا وعبادة وأحكاما، مما لا يسع المسلم جهله كما أن الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بدينهم بصدق وإخلاص، ويتقبلوا ما يأمرهم به فيعملوا به ويطبقوه في شئون حياتهم كلها دون تمييز، وليعلموا أنهم إن فعلوا ذلك سيسعدون ويفلحون في الدنيا والآخرة. وهذه الأمة شرفها الله بهذا الدين، وأعزها به، فإذا تخاذلت عن ذلك فلا قيمة لها ولا عزة ولا سعادة.

стр. 12618

فنسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعا لما فيه رضاه، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن، ومن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه، والثبات عليه والدعوة إليه على بصيرة، وأن يصلح ولاة أمر المسلمين، وينصر بهم الحق، ويجمعهم على الهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه.

стр. 12619

١٤٥ - فضل العلم وشرف أهله (١) الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه كلمة موجزة في: فضل العلم، وشرف أهله. لقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على فضل العلم والتفقه في الدين، وما يترتب على ذلك من الخير العظيم

стр. 12620

والأجر الجزيل، والذكر الجميل، والعاقبة الحميدة لمن أصلح الله نيته، ومن عليه بالتوفيق. والنصوص في هذا كثيرة معلومة، ويكفي في شرف العلم وأهله أن الله استشهدهم على وحدانيته، وأخبر أنهم هم الذين يخشونه على الحقيقة والكمال، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) فاستشهد الملائكة وأولي العلم على وحدانيته سبحانه، وهم العلماء بالله، العلماء بدينه الذين يخشونه سبحانه ويراقبونه، ويقفون عند حدوده، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) ومعلوم أن كل مسلم يخشى الله، وكل مؤمن يخشى الله، ولكن الخشية الكاملة إنما هي لأهل العلم، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم من يليهم من العلماء على طبقاتهم، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، فالخشية لله حق، والخشية الكاملة إنما هي من أهل العلم بالله والبصيرة به، وبأسمائه، وصفاته، وعظيم حقه ، وأرفع الناس في ذلك هم الرسل والأنبياء

стр. 12621

عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أهل العلم على اختلاف طبقاتهم في علمهم بالله ودينه. والجدير بالعالم أينما كان، وبطالب العلم، أن يعنى بهذا الأمر، وأن يخشى الله، وأن يراقبه في كل أموره، في طلبه للعلم، وفي عمله بالعلم، وفي نشره للعلم، وفي كل ما يلزمه من حق الله، وحق عباده، وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين في حديث معاوية ﵁، أنه ﷺ قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » . وهذا الحديث العظيم له شواهد أخرى، عن عدة من الصحابة ﵃، وهو يدل على أن من علامات الخير ودلائل السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، وكل طالب مخلص في أي جامعة أو معهد علمي أو غيرهما، إنما يريد هذا الفقه ويطلبه، وينشده. . فنسأل الله لهم في ذلك التوفيق والهداية وبلوغ الغاية. ومن أعرض عن الفقه في الدين فذلك من العلامات على أن الله ما أراد به الخير، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول ﷺ فيما رواه الشيخان عن أبي موسى ﵁: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء

стр. 12622

فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (١) » . فالعلماء الذين وفقوا لحمل هذا العلم طبقتان: إحداهما: حصلت العلم ووفقت للعمل به، والتفقه فيه، واستنبطت منه الأحكام، فصاروا حفاظا وفقهاء، نقلوا العلم وعلموه الناس وفقهوهم فيه، وبصروهم ونفعوهم، فهم ما بين معلم ومقرئ، وما بين داع إلى الله ، ومدرس للعلم، إلى غير ذلك من وجوه التعليم والتفقيه. أما الطبقة الثانية: فهم الذين حفظوه ونقلوه لمن فجر ينابيعه، واستنبط منه الأحكام، فصار للطائفتين الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والنفع العميم للأمة. وأما أكثر الخلق فهم كالقيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ لإعراضهم وغفلتهم وعدم عنايتهم بالعلم. فالعلماء وطلبة العلم في دور العلم الشرعي على خير عظيم، وعلى طريق بحمد الله مستقيم، لمن وفقه الله لإخلاص النية، والصدق في الطلب. وهنيئا لطلبة العلم الشرعي أن يتفقهوا في دين الله، وأن يتبصروا فيما جاء به رسول الله ﷺ

стр. 12623

من الهدى والعلم، وأن ينافسوا في ذلك، وأن يصبروا على ما في ذلك من التعب والمشقة، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، بل لا بد من الجد والصبر والتعب، وهذا الإمام مسلم ﵀ في صحيحه في أبواب المواقيت من كتاب الصلاة لما ساق عدة أسانيد ذكر فيها عن يحيى بن أبي كثير ﵀ أنه قال: (لا ينال العلم براحة الجسم) ، ومقصوده ﵀ من هذا التنبيه على أن تحصيل العلم والتفقه في الدين يحتاج إلى صبر ومثابرة، وعناية وحفظ للوقت، مع الإخلاص لله، وإرادة وجهه . والدور العلمية التي يدرس فيهما العلم الشرعي، وهكذا المساجد التي تقام فيها الحلقات العلمية الشرعية، شأنها عظيم، وفائدتها كبيرة، لأنها مهيأة لنفع الناس وحل مشاكلهم. فالمتخرجون فيها يرجى لهم الخير العظيم، والفائدة الكبيرة، والنفع العام، فلا ينبغي لمن من الله عليه بالعلم أن ينزوي عن نفع الناس وتفقيههم وتذكيرهم بالله، وبحقه وحق عباده، سواء كان ذلك من طريق التدريس أو القضاء أو الوعظ والتذكر، أو المذاكرة بين الزملاء والإخوان في المجالس العامة والخاصة، كما ينبغي لأهل العلم أن يشاركوا في نشر العلم عن طريق وسائل الإعلام، لعظم الفائدة في ذلك، ووصول العلم إلى ما شاء الله من أنحاء الأرض.

стр. 12624

ومعلوم ما في ذلك من الخير العظيم، والنفع العام لله للمسلمين، وشدة الحاجة إلى ذلك في هذا العصر، بل في كل عصر، ولكن في هذا العصر أشد لقلة العلم وكثرة دعاة الباطل. فالواجب على من رزق العلم، أن يتحمل المشقة في نفع الناس به: قضاء وتدريسا، ودعوة إلى الله ، وفي غير هذا من شئون المسلمين، حتى تحصل الفائدة الكبيرة، والثمرة العظيمة من هذا الطلب. وطالب العلم يطلب العلم لينفع نفسه، ويخلصها من الجهالة ويتقرب إلى ربه بما يرضيه، على بصيرة وحسن دراية، ولينفع الناس أيضا، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقض بينهم في مشاكلهم، ويصلح بينهم، ويعلم جاهلهم، ويرشد ضالهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى غير ذلك. فطالب العلم تدخل مهمته في أشياء كثيرة، ولا تنحصر في أبواب معدودة، ولا سيما القاضي. فإن القاضي إن وفقه الله وصبر تدخل وظيفته في أشياء كثيرة، فهو مع العلم محسوب، ومع القضاة محسوب، ومع المدرسين محسوب، ومع أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محسوب، ومع الدعاة إلى الله ، ومع المصلحين، إلى غير ذلك من شئون المسلمين. فينبغي له أن يهيئ نفسه لذلك، ويوطنها على تحمل الشدائد، في سبيل

стр. 12625

الله، وأن تكون همته عالية، كما كان سلفنا الصالح وأئمتنا ﵏ جميعا - ينفعون الناس بكل ما يستطيعون. وإن وصيتي لأهل العلم وطلبته، ولكل مسلم ومسلمة، أن يصبروا في هذا الأمر، وأن يواصلوا الجهود في سبيل الحق، وأن يحفظوا الوقت، وأن يكثروا من المذاكرة بينهم فيما قد يشكل على بعضهم، حتى يتوافر لديهم من المعلومات ما يحصل به الخير لهم، وللمسلمين إن شاء الله، مع الحرص على إصلاح النية والإخلاص في كل ما يتقرب به العبد إلى ربه، وفي كل ما ينفع الناس. ومن الأمور التي تنفع الناس، وتحل بها المشاكل، وينتشر بها العدل توجه أهل العلم والبصيرة والخشية لله سبحانه للقضاء بين الناس وتعليمهم. ومعلوم أن القضاء مما يعظم الله به الأجور، ويرفع به الدرجات، لمن أصلح الله نيته، ومنحه العلم النافع، وقصد به الخير للمسلمين. وهو وإن كان خطيرا وإن كان سلفنا الصالح يهابونه، ويخافونه، ولكن الأحوال تختلف، والزمان يتفاوت، والناس اليوم في أشد الضرورة إلى العالم الذي يقضي بين الناس على بصيرة، ويخاف الله ويراقبه في حل مشاكلهم.

стр. 12626

فلا ينبغي لمن أهله الله للقضاء بين الناس، ومنحه العلم والبصيرة، واشتدت إليه الحاجة أن يمتنع عن قبول القضاء، بل يجب عليه أن يقبله وأن يوطن نفسه على العمل بعلمه، وأن ينفذ ما أريد منه، وأن ينفع الناس بعلمه، ويسأل ربه التوفيق والإعانة فإن عجز بعد ذلك، ورأى من نفسه أنه لا يستطيع أمكنه بعد ذلك أن يعتذر وأن يستقيل. أما من أول وهلة فلا ينبغي له ذلك، وهذا باب لا ينبغي لأهل العلم والإيمان والقدرة على نفع الناس أن يفتحوه، بل ينبغي لأهل العلم أن تكون عندهم الهمة العالية والقصد الصالح، والرغبة في نفع المسلمين، وحل المشاكل التي تعرض لهم، حتى لا يتولى ذلك الجهلة، فإنه إذا ذهب أهل العلم تولى الجهلة ولا شك. . . إما هذا، وإما هذا، فلا بد للناس من قضاة يحلون مشاكلهم، ويحكمون بينهم بالحق، فإن تولى ذلك الأخيار وإلا تولاه غيرهم. فالواجب على أهل العلم، وعلى كل من يخشى الله أن يقدر هذا الوضع، وأن يحتسب الأجر عند الله، وأن يصبر ويتحمل ويرجو ما عند الله من المثوبة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير

стр. 12627

علم، فضلوا وأضلوا (١) » خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وبذا يعلم أهل العلم والإيمان عظم الخطر، وسوء العاقبة، إذا فقد علماء الحق، أو تركوا الميدان لغيرهم. ولا يخفى أن العالم سواء كان قاضيا أو غيره إذا اجتهد فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ ، فلا خطر عليه مع الصدق والإخلاص والتحري للحق، وإنما الخوف والخطر العظيم على من يتهجم على القضاء أو الفتوى بالجهل، أو يقضي بالجور، كما في حديث بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (٢) » أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم.

стр. 12628

أما من يتحرى الحق، ويجتهد في العمل به، ويتحرى النفع للمسلمين فهو بين أمرين، بين أجر وأجرين كما تقدم بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ . ثم إني أوصى جميع إخواني المسلمين عامة، وأهل العلم وطلبته بصفة خاصة، ونفسي بتقوى الله في كل الأمور، والعمل بالعلم بأداء فرائض الله، والبعد عن محارمه، لأن طالب العلم قدوة لغيره فيما يأتي ويذر في جميع الأحوال في حال القضاء وغير القضاء، في طريقه وفي بيته، وفي اجتماعه بالناس وفي سيارته، وفي طائرته وفي جميع الأحوال. فهو قدوة في الخير، عليه أن يراقب الله ويعمل بما علمه سبحانه، ويدعو الناس إلى الخير بقوله وعمله جميعا، حتى يتميز بين الناس ويعرف بعلمه وفضله، وهديه الصالح، وسيره على المنهج النبوي الذي سار عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، ﵃، مع العناية بالتواضع، وعدم التكبر. فالعالم وغيره على خطر عظيم، تارة من جهة الرياء، وتارة من جهة الكبر، وتارة من جهات أخرى، ومقاصد متعددة، فعليه أن يتقي الله، ويخلص له العمل، ويراقب الله في جميع شئونه، ويتواضع لعباد الله، ولا يتكبر عليهم بما أعطاه الله من العلم وحرمه كثيرا من الناس، فليشكر

стр. 12629

الله، ومن شكر الله التواضع، وعدم التكبر، ومن شكر الله نشر العلم في المساجد وفي غير المساجد. فالقاضي يخطب الناس إذا احتيج إليه، ويدرس طلبة العلم، ويدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجتهد في إصلاح أحوال المسلمين، ويتصل بولاة الأمور ويرفع إليهم ما يرى أنه من نصحهم، فيكون دائما في مصالح المسلمين، وفي كل ما ينفعهم، وفي كل ما يبرئ ذمته، ويرفع شأن الإسلام وأهله. وأيضا أوصي إخواني جميعا وعلى رأسهم أهل العلم وطلبته بالقرآن الكريم، فإنه أعظم كتاب، وأشرف كتاب، وقد حوى خير العلوم كلها وأنفعها كما لا يخفى، وهو أعظم عون بعد الله على الفقه في الدين، والتبصر فيه، والخشية لله ، وهو المعين في التأسي بالأخيار، فأوصي الجميع ونفسي بهذا الكتاب العظيم تدبرا وتعقلا وإكثارا من تلاوته ليلا ونهارا، والرجوع إليه في كل شيء، ومراجعة كلام أهل التفسير فيما أشكل، فهو خير معين على فهم كتاب الله جل وعلا، لأن هذا الكتاب هو خير كتاب، وأفضل كتاب وأصدق كتاب، يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١)

стр. 12630

ويقول : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) فجدير بالمؤمنين والمؤمنات عامة، وبأهل العلم خاصة أن يولوه العناية العظيمة، وأن يعضوا عليه بالنواجذ، وأن يجتهدوا في تدبره وتعقله والعمل به، ومراجعة كلام أهل العلم فيما أشكل، كما قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥) ثم سنة الرسول ﷺ ، والعناية بها وحفظ ما تيسر منها، مع إكثار المذاكرة فيها، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة، وما يجب على المكلف فعله، وما يتعلق بعمل الإنسان

стр. 12631

الخاص به، فإنه به ألصق، وعنايته أوجب، وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) ولا سبيل إلى اتباعه ﷺ على الكمال إلا بدراسة سنته، والعناية بها مع العناية بكتاب الله . وأوصي أهل العلم وطلبته بالعناية بكتب الحديث والإكثار من قراءتها وتدريسها والمذاكرة فيها، وأهمها الصحيحان، ثم بقية الكتب الستة، مع موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي وغيرهما من كتب الحديث المعروفة، ضاعف الله الأجر لمؤلفيها، وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء. ثم مؤلفات أهل العلم المعروفين بحسن العقيدة، وسعة العلم بالأدلة الشرعية، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذاه: العلامة ابن القيم، والحافظ ابن كثير رحمة الله عليهم جميعا. وقد برزوا في ذلك، ونشروا بين المسلمين العلم الكثير، وبينوا للناس عقيدة أهل السنة والجماعة بأدلتها من الكتاب والسنة. ومن أهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: منهاج السنة، ومجموع الفتاوى، ومطابقة صريح المعقول لصحيح المنقول، والجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح، وغيرها من

стр. 12632

الكتب المفيدة النافعة والمشتملة على بيان العقيدة الصحيحة والأحكام والرد على خصوم الإسلام. ومن أفضل كتب ابن القيم ﵀: الطرق الحكمية، وإعلام الموقعين، وزاد المعاد، فهذه الكتب لها شأن عظيم، ولا سيما في حق القضاة والمفتين. وهكذا فتاوى أئمة الدعوة: المسماة الدرر السنية، فقد جمعت رسائل كثيرة وأجوبة مفيدة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وتلاميذه وأتباعه ﵏ جميعا، وهكذا فتاوى شيخنا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، فقد اشتملت على علم عظيم، وفوائد جمة. فأوصي بهذه الكتب بعد كتاب الله ، وسنة رسوله الكريم ﷺ ، ولما فيها من العلم العظيم، والعون على كل خير. وهكذا ما أشبهها من الكتب المفيدة النافعة التي تعتني بالدليل مثل المغني، وشرح المهذب، والمحلى وغيرها من الكتب التي تعنى بالدليل ونقل أقوال أهل العلم، فهي من أهم الكتب لأهل العلم وطلبته من القضاة وغيرهم. وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا جميعا النية

стр. 12633

الخالصة، والصبر والفقه في الدين، والفوز بالعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، إنه تعالى جواد كريم، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين، ويصلح بطانتهم، وأن يعينهم على كل خير، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل، وأن يعينهم على تحكيم كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ في كل شيء، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 12634

١٤٦ - كلمة بمناسبة مسابقة حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية بالقصيم (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد: فإن الله تعالى قد بعث محمدا ﷺ بالحق، وعلمه الكتاب والحكمة، أي: القرآن والسنة، كما في الحديث الذي رواه أهل السنن بسند صحيح، أنه ﷺ قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (٢) » . فالقرآن والسنة هما الأصلان اللذان عليهما مدار الأحكام، ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن قيض لها من يحفظ عليها أمر دينها. فمنذ العصور الأولى والأمة تعتني بالقرآن حفظا ومدارسة وفهما وتأملا وتفسيرا وتعلما وتعليما وإلى اليوم، والحمد لله على ذلك. فهذه المدارس القرآنية والجمعيات الحكومية والخيرية التي تربط النشء على حفظ كتاب الله وفهمه، والعمل به مما يسر كل مسلم، وإن مما يضاعف الفرحة أن نجد إقبال حفاظ القرآن

стр. 12635

وغيرهم على التفقه في الأمور الشرعية، ودراسة السنة النبوية وحفظها وتعلمها وتعليمها. فإن هذه الدروس العلمية المقامة في المساجد في سائر المناطق في منطقة القصيم وغيرها، لتعليم الحديث والفقه والتفسير هي من رياض الجنة التي قال فيها النبي ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر (١) » . وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أن الملائكة تتداعى إليها. فنحمد الله على وجودها وكثرتها وكثرة المقبلين عليها، ونسأل الله أن يبارك في عمل القائمين عليها، ويضاعف مثوبتهم ويرزقهم الإخلاص في ذلك، وأن يجزيهم خير الجزاء. وإن مما ينبغي الإشادة به الاهتمام بالسنة النبوية في هذا الوقت، الذي كثر فيه الإعراض عنها والاعتراض عليها من بعض الجهلة، أو من أهل البدع أو غيرهم. فالعمل على نشر السنة واجب، وتعليمها من أفضل القربات وأجل الطاعات، وقد كان السلف الصالح يحرصون على تعليم الطلبة شيئا من السنة النبوية، ويحرصون على حفظها في

стр. 12636

الصدور، وعدم الاكتفاء بالكتب والمصنفات، خاصة ما يتعلق بمتون الأحاديث، وجوامع الألفاظ. وقد سرني كثيرا ما قام به الإخوة في اللجنة العلمية، ومكتب الدعوة في القصيم من رعاية الدروس وتنظيمها والإشراف عليها؛ لحمايتها من الإفراط والتفريط، ومن الغلو والجفاء، والسير بها إلى الطريق المستقيم، فالحمد لله على ذلك كثيرا، وشكر الله لأصحاب الفضيلة القائمين على مشروع حفظ القرآن والسنة والتفقه في الدين جهدهم وعنايتهم، حيث حفظوا الطلاب وبذلوا لهم من الوقت والجهد الشيء الكثير، ثم أجروا لهم الاختبارات والمسابقات لحفز هممهم على طلب العلم، فضلا عما يقومون به من طباعة الكتب المفيدة وتوزيعها، وغير ذلك من الأعمال النافعة، فجزاهم الله على ذلك كله خير الجزاء، وأفضله وأوفاه. وإنها سنة حسنة محمودة، أن يشجع الطلاب على الحفظ، وتجرى لهم الاختبارات، ويعطون الإعانات والجوائز التشجيعية على ذلك، دفعا لهم ولغيرهم إلى الخير، فهو عمل طيب مبارك مشكور. وإني أدعو الإخوة المشايخ وطلبة العلم في سائر المناطق إلى القيام بمثل هذه الأعمال النافعة من تربية النشء على القرآن والسنة علما وعملا، ونرجو أن نسمع في المستقبل عن أعمال خيرية كثيرة

стр. 12637

من جنس هذه الأعمال، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٣) » رواه البخاري في صحيحه، ويقول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » متفق على صحته. وإنني بهذه المناسبة أوصي جميع الطلبة، وجميع المعلمين بتقوى الله سبحانه، وإخلاص النية والصدق في العمل، كما أحثهم على مواصلة الطلب، وعدم الملل أو العجز، وعلى أن يجمعوا بين العلم والعمل، فإن العمل هو ثمرة العلم، وعليهم بالإقبال على القرآن والإكثار من تلاوته ومدارسته، وتفهم معانيه؛ فإنه أصل العلوم وأساسها، كما أحث أولياء الأمور على تشجيع أبنائهم المنتسبين إلى هذه الحلقات وتسهيل أمورهم، وحثهم على ذلك. وإنني أشكر كل من ساهم في تيسير أمر هذا الاجتماع المبارك من المسئولين والتجار والمشايخ وغيرهم. فجزى الله الجميع خيرا، كما أدعو الجميع إلى المزيد من المساهمة في دعم هذا المشروع النافع دعما ماديا ومعنويا، فإنه بحسب ما يتوفر من الإمكانات والتسهيلات يكون نجاح العمل

стр. 12638

واستمراره، وقد جاء في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (١) » . نسأل الله للجميع التوفيق والهداية والسداد، وصلاح القول والعمل، والظاهر والباطن، والله تعالى ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 12639

١٤٧ - القرآن الكريم أهم الكتب لطالب العلم (١) أكد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء على أن طالب العلم له مسئولية عظيمة ومهمة واجبة في الدعوة إلى الله تعالى، بعيدا عن الانطواء، بدون عنف أو قوة أو غلظة حتى يستفيد العامة من العلم الذي تعلمه وكرس جهده للنهل منه على أن يكون قدوة مضيئة تتوافق أعماله مع أقواله. وقال سماحته في محاضرة له بعنوان (واجبات طالب العلم) ألقاها على مسامع طلاب جامعة أم القرى بحضور معالي مدير الجامعة وحشد من الأساتذة وأهل العلم والفكر. من المعلوم أن طلب العلم من أفضل القربات إلى الله والفوز برضوانه مما يؤكد أهمية العلم والتفقه في الدين والتزود بالأقوال والأعمال النافعة والصالحة والحذر من

стр. 12640

مزالق معصية الله وغضبه حتى يعبد المسلم ربه على بصيرة ونور، وهو الهدف من خلق الله تعالى له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وهو ما يجب أن يعلمه الجميع من الثقلين حتى يعرفوها ويؤدوها كما أمر الله تعالى بها. وتابع الشيخ ابن باز: والواجب على المكلفين التفقه في العلم والحرص على الاستزادة والنهل من هذا المعين بمجالسة العلماء والدعاة وسؤالهم، وحضور المحاضرات والندوات وقراءة الكتب النافعة والاستفادة من المؤسسات العلمية، حتى يعرف عبادة الله تعالى وأن حقيقتها توحيده وأداء حقوقه وعبادته: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) والواجب العلم بهذه العبادة حتى يكون على بصيرة، وأساس ذلك توحيد الله والإخلاص في ذلك، وأفرض فريضة أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا هو رسول الله إلى جميع الثقلين وهو خاتم الأنبياء وهذا هو أساس الدين. وبين سماحته أن قيام طالب العلم بواجبه تجاه مجتمعه وأمته بتوسيع دائرة التعليم وإثراء التوعية الإسلامية في أمور العقيدة
следующие страницы →