← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

الصدور، وعدم الاكتفاء بالكتب والمصنفات، خاصة ما يتعلق بمتون الأحاديث، وجوامع الألفاظ. وقد سرني كثيرا ما قام به الإخوة في اللجنة العلمية، ومكتب الدعوة في القصيم من رعاية الدروس وتنظيمها والإشراف عليها؛ لحمايتها من الإفراط والتفريط، ومن الغلو والجفاء، والسير بها إلى الطريق المستقيم، فالحمد لله على ذلك كثيرا، وشكر الله لأصحاب الفضيلة القائمين على مشروع حفظ القرآن والسنة والتفقه في الدين جهدهم وعنايتهم، حيث حفظوا الطلاب وبذلوا لهم من الوقت والجهد الشيء الكثير، ثم أجروا لهم الاختبارات والمسابقات لحفز هممهم على طلب العلم، فضلا عما يقومون به من طباعة الكتب المفيدة وتوزيعها، وغير ذلك من الأعمال النافعة، فجزاهم الله على ذلك كله خير الجزاء، وأفضله وأوفاه. وإنها سنة حسنة محمودة، أن يشجع الطلاب على الحفظ، وتجرى لهم الاختبارات، ويعطون الإعانات والجوائز التشجيعية على ذلك، دفعا لهم ولغيرهم إلى الخير، فهو عمل طيب مبارك مشكور. وإني أدعو الإخوة المشايخ وطلبة العلم في سائر المناطق إلى القيام بمثل هذه الأعمال النافعة من تربية النشء على القرآن والسنة علما وعملا، ونرجو أن نسمع في المستقبل عن أعمال خيرية كثيرة

стр. 12637

من جنس هذه الأعمال، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٣) » رواه البخاري في صحيحه، ويقول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » متفق على صحته. وإنني بهذه المناسبة أوصي جميع الطلبة، وجميع المعلمين بتقوى الله سبحانه، وإخلاص النية والصدق في العمل، كما أحثهم على مواصلة الطلب، وعدم الملل أو العجز، وعلى أن يجمعوا بين العلم والعمل، فإن العمل هو ثمرة العلم، وعليهم بالإقبال على القرآن والإكثار من تلاوته ومدارسته، وتفهم معانيه؛ فإنه أصل العلوم وأساسها، كما أحث أولياء الأمور على تشجيع أبنائهم المنتسبين إلى هذه الحلقات وتسهيل أمورهم، وحثهم على ذلك. وإنني أشكر كل من ساهم في تيسير أمر هذا الاجتماع المبارك من المسئولين والتجار والمشايخ وغيرهم. فجزى الله الجميع خيرا، كما أدعو الجميع إلى المزيد من المساهمة في دعم هذا المشروع النافع دعما ماديا ومعنويا، فإنه بحسب ما يتوفر من الإمكانات والتسهيلات يكون نجاح العمل

стр. 12638

واستمراره، وقد جاء في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (١) » . نسأل الله للجميع التوفيق والهداية والسداد، وصلاح القول والعمل، والظاهر والباطن، والله تعالى ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 12639

١٤٧ - القرآن الكريم أهم الكتب لطالب العلم (١) أكد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء على أن طالب العلم له مسئولية عظيمة ومهمة واجبة في الدعوة إلى الله تعالى، بعيدا عن الانطواء، بدون عنف أو قوة أو غلظة حتى يستفيد العامة من العلم الذي تعلمه وكرس جهده للنهل منه على أن يكون قدوة مضيئة تتوافق أعماله مع أقواله. وقال سماحته في محاضرة له بعنوان (واجبات طالب العلم) ألقاها على مسامع طلاب جامعة أم القرى بحضور معالي مدير الجامعة وحشد من الأساتذة وأهل العلم والفكر. من المعلوم أن طلب العلم من أفضل القربات إلى الله والفوز برضوانه مما يؤكد أهمية العلم والتفقه في الدين والتزود بالأقوال والأعمال النافعة والصالحة والحذر من

стр. 12640

مزالق معصية الله وغضبه حتى يعبد المسلم ربه على بصيرة ونور، وهو الهدف من خلق الله تعالى له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وهو ما يجب أن يعلمه الجميع من الثقلين حتى يعرفوها ويؤدوها كما أمر الله تعالى بها. وتابع الشيخ ابن باز: والواجب على المكلفين التفقه في العلم والحرص على الاستزادة والنهل من هذا المعين بمجالسة العلماء والدعاة وسؤالهم، وحضور المحاضرات والندوات وقراءة الكتب النافعة والاستفادة من المؤسسات العلمية، حتى يعرف عبادة الله تعالى وأن حقيقتها توحيده وأداء حقوقه وعبادته: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) والواجب العلم بهذه العبادة حتى يكون على بصيرة، وأساس ذلك توحيد الله والإخلاص في ذلك، وأفرض فريضة أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا هو رسول الله إلى جميع الثقلين وهو خاتم الأنبياء وهذا هو أساس الدين. وبين سماحته أن قيام طالب العلم بواجبه تجاه مجتمعه وأمته بتوسيع دائرة التعليم وإثراء التوعية الإسلامية في أمور العقيدة

стр. 12641

والعبادة والمعاملات، هي من باب التعاون على التقوى ونشر الفضيلة والخير وتقويض مساحة الجهل بالدين، ولاشك أن قيام طالب العلم بهذه المهمة أمر واجب، حتى تتم الإفادة والاستفادة من هذا العلم الذي تعلمه بأن يبدأ بأهله وإخوانه وجيرانه وزملائه وأهل حيه يعلمهم ويفقههم بما يجهلون في أمور دينهم، ويحذرهم مما قد يقعون فيه من أخطاء ومنكرات بحسب طاقته وجهده وعلمه بالحكمة والموعظة الحسنة دون عنف أو قوة، يستخدم طرق التشويق والترغيب في قوالب سهلة ولينة، ويكون قدوة ونموذجا يدعو الناس بلسانه وأعماله دون تناقض بين أقواله وأعماله، حتى يتأسى الناس به بكل رغبة يعلمهم ما تعلم، ويحذرهم ما يحذر منه من الأقوال والأعمال، دون أن يكتم علما أو مسألة أو حديثا أو أية مسألة يسألونه عنها؛ وذلك لأن العلماء هم ورثة الأنبياء وخلف الرسل، والواجب عليهم إكمال تبليغ رسالة الله وتفقيه عموم الناس، وعليهم الصبر على أداء هذه المهمة الشاقة وأن يحتسبوا الأجر والثواب عند الله تعالى. وقال سماحته: إن تعلم العلم والتفقه في الدين طريق واسع لخشية الله تعالى لأن الخشية تتفاوت حسب العلم والبصيرة. . قال

стр. 12642

تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) فكلما كان الإنسان عالما بدين الله متفقها فيه كان خاشعا، فأخشى الناس هم الرسل والأنبياء، ثم العلماء وأعظم ما يعين على هذا العلم للوصول إلى خشية الله تعالى هو كتاب الله حفظا وتلاوة وتدبرا، فهو الهدى والنور والخير، فكل واحد منا مسئول ولا سيما طالب العلم فعليه بالتقوى والبلاغ والبيان والنصيحة، والرابحون هم الذين يتواصون بالحق مع ولاة الأمر وأهل الرأي وعامة الناس. وبين سماحته أن من أهم الكتب التي ينبغي لطالب العلم دراستها القرآن الكريم، ثم كتب السنة مثل الصحيحين وموطأ مالك وبلوغ المرام، وكذلك كتب العقيدة.

стр. 12643

١٤٨ - الوصية بقراءة القرآن الكريم وتدبره والعمل به (١) الحمد لله وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد: فإن الله جل وعلا أنزل كتابه الكريم القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، كما قال في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ورغب عباده بتدبره وتعقله؛ ليفهموا مراده سبحانه وليعملوا بأوامره ولينتهوا عن نواهيه، وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤) وأخبر أنه شفاء للناس وأنه يهدي للتي هي أقوم فقال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٥)

стр. 12644

يعني يهدي الناس المتدبرين المتعقلين الراغبين في الهداية يهديهم للطريقة التي هي أقوم الطرق وأهداها وأصلحها وأنفعها للعبد في الدنيا والآخرة، قال : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) فالواجب على جميع المكلفين أن يتدبروا القرآن وأن يتعقلوه وأن يتبعوه ويعملوا بما فيه؛ لأنه الذكر الحكيم ولأنه الصراط المستقيم فمن قرأه عليه أن يتدبره ويتعقله ومن سمعه كذلك، وأنت يا عبد الله إما أن تكون تاليا وإما أن تكون مستمعا، فينبغي لك التدبر والتعقل لهذا الكتاب العظيم حتى تعمل بما فيه، وحتى تعلم عظمته وما اشتمل عليه من الخير والهدى والتوجيه والإصلاح، وقد تيسر بحمد الله لك أن تقرأه وأن تسمعه فهو يتلى من إذاعة القرآن الكريم صباح مساء تستطيع أن تسمعه متى شئت، وتستطيع أن تسمعه من بعض إخوانك في كل مجلس تجلسونه، تستطيعون أن يقرأ أحدكم من المصحف أو عن ظهر قلب فتستمعوا وتنصحوا وتستفيدوا، والحافظ له أو لبعضه

стр. 12645

يستطيع أن يتدبر ويتعقل، وإن لم يكن لديه مصحف، فليقرأ مما أعطاه الله من حفظ كتابه أو ما تيسر منه، فجدير بالمكلف وجدير بالمسلم أن يعنى بهذا الكتاب العظيم وأن يتبصر فيه، وأن يعمل بما فيه، ثم بسنة الرسول ﷺ ففيها بيان ما قد يشكل، كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وقد أنزل الله على نبيه ﵊ الكتاب ليبين للناس ما أثبته عليهم من كتابه ، فالواجب على أهل الإسلام أن يعنوا بكتاب الله وسنة رسوله ﵊ عناية تامة، حتى يفهموا مراد ربهم ومراد نبيهم ﵊ وحتى يعملوا بذلك، وقد سمعتم في هذا الصباح هذه السورة العظيمة سورة (ق) فقد كان النبي يقرأ بها ﷺ في الجمعة؛ لأنها تجمع الناس يقرأ بها في الخطة يوم الجمعة، وكان يقرأ بها في صلاة العيد يقرأ سورة (ق) وسورة (اقتربت) ؛ لما فيهما من العظة والذكرى والقصص وذكر المبدأ والمعاد والجنة والنار، يقول الله

стр. 12646

سبحانه: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١) (ق) حرف من الحروف المقطعة مثل (يس) ، (طه) ، (الم) ، (المر) ، حروف مقطعة، فتح الله بها بعض السورة للدلالة على عظمة هذا القرآن، وأنه كتاب عظيم مؤلف من هذه الحروف التي يعرفها الناس، ثم حلف وأقسم بالقرآن فقال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (٢) حلف الله به وهو كلامه والقرآن كلام الله يحلف به كما يحلف بالله، والله سبحانه يقول: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (٣) وأسماء الله وصفات الله وعزة الله كذلك، والله يحلف به وبأسمائه وبصفاته ولكن لا يحلف بالمخلوقات فالمخلوقات لا يحلف بها، كما قال النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك (٤) » ولكن يحلف بالله وبأسمائه وصفاته ، ولا يحلف بالنبي ولا بالكعبة ولا بالأمانة ولا بشرف فلان ولا حياة فلان - كما يجري على ألسنة بعض الناس - ولا بالأمانة فيقول:

стр. 12647

والأمانة ولا بالنبي ولا بالشرف ولا بحياتك كل هذا منكر، ومن المحرمات الشركية ثم يقول : ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (١) منذر منهم، وهو: محمد ﵊ يعرفونه نشأ فيهم، يعرفون صدقه وأمانته وكريم أخلاقه ﵊، قبل أن يوحى إليه أنذرهم: بقال الله: قال الله كذا، وقال الله كذا، وعجبوا في هذا واستنكروه، مع أن الرسل قبله جاءت بذلك، نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم، فقال الكافرون: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢) كونه يأمرهم وينهاهم ويخبرهم أنهم سوف يبعثون وسوف يجازون بأعمالهم، استنكروا هذا وقالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٣) بعد التراب نعود ونحاسب ونجازى، استنكروا هذا بعقولهم القاصرة وهو سبحانه الذي خلقهم من الماء المهين وخلق أباهم آدم من التراب وهو قادر أن يحييهم يوم القيامة، أبوهم آدم كان من تراب وهم من ماء مهين، ماء الرجل الضعيف وماء المرأة، ثم كان إنسانا سويا يقوم ويتكلم ويأمر وينهى ويملك ويضرب ويفعل أشياء كثيرة:

стр. 12648

﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (١) فالإنسان كله ضعيف وخلق الإنسان ضعيفا من تراب ثم من ماء مهين، ثم يستنكر ويقول: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢) فرد الله عليهم وقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (٣) الله يعلم ما ذهب من أجسامهم بهذا التراب، وسوف يعيدهم يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم فإن خيرا فخير وإن شرا فشر، كما تقدم في سورة التغابن في الدرس الماضي، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٤) (قل) يا محمد ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٦) ، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (٧) كذبوا بالحق واختلف أمرهم وتمردوا وتنازعوا. والمقصود في هذا بيان أن الله جل وعلا خلق الخلق من ضعف من تراب، وخلق الجان من مارج

стр. 12649

من نار، وسوف يعيدهم ويجازيهم بأعمالهم فإن خيرا فخير وإن شرا فشر، فعليك يا عبد الله أن تعد لهذه الإعادة العدة، والله أسمعك قوله : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٢) ويقول : ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٤) هذا أنت يا بن آدم من التراب وإلى التراب ثم تخرج ثم تعاد، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ، فالواجب على العاقل أن يتنبه لهذه الأمور وأن يعد العدة للقاء ربه، وهذا المجمع مجمع الحج يذكر بيوم القيامة مجمع عظيم من أقطار الدنيا يجتمعون في عرفات وفي مزدلفة وفي أنحاء مكة، حتى يقضوا مناسكهم ثم يعودون إلى بلادهم، هذا فيه تذكير بذلك اليوم العظيم يوم القيامة، حيث يبعث الله الخلائق أولهم وآخرهم أسودهم وأبيضهم غنيهم وفقيرهم ملكهم ومملوكهم، كل الأجناس تبعث يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾ (٥) ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦)

стр. 12650

ثم يجازى كل عامل بعمله، فهذا يعطى كتابه بيمينه وإلى الجنة، وهذا يعطى كتابه بشماله وإلى النار، إذا نظرت في أحوال الناس في هذا المجمع واختلاف ألوانهم واختلاف لغاتهم واختلاف حوائجهم واختلاف ملابسهم، إلى غير ذلك تذكر يوما يجمع الله فيه الخلائق عراة حفاة غرلا، كلهم يحرجون يوم القيامة من هذه القبور، ومن البحار ومن كل مكان، ويجمعون عارية ظهورهم ليس عليهم شيء وليس في أرجلهم شيء، حتى يكسوهم الله ، يحشرون ويجمعون ويجازون بأعمالهم، فانتبه لهذا اليوم، وتذكر ذلك المجمع وأن الأسباب التي بها النجاة برحمة الله هي ما تقدمه من أعمال صالحات من طاعة الله ورسوله هذه الأسباب، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (١) هذا جزاؤهم إذا عملوا الصالحات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) هذا جزاء هؤلاء وهذا جزاء هؤلاء، قال

стр. 12651

تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١) ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٢) فتذكر، وخذ العدة اليوم، وهذا من النافع التي أشار الله إليها في قوله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٣) في هذا الحج تسمع كلمة ينفعك الله بها، نصيحة ينفعك الله بها، وصية من أخيك ينفعك الله بها، في أي مكان، وإياك وإيثار العاجلة والغفلة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ (٥) كالإبل والبقر والغنم، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (٦) بل أشد ضلالا من الأنعام ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٧) والعياذ بالله لا ترضى أن تكون من هؤلاء، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٨) أكثر الخلق كالأنعام لا ينظر إلا في المأكل

стр. 12652

والمشرب والمنكح والمسكن والمركب، ونحو ذلك في غفلة وسكرة لا يهمه إلا المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمسكون والمركوب ونحو ذلك. هذا قصارى همه فإذا ارتفعت همته انشغل ببعض الصناعات والاختراعات ليعيش مع الناس، لكن المؤمن يعمل ويكتسب ويخترع ويصنع ويكدح ويعد العدة لآخرته، يعمل في طاعة الله ورسوله يجمع بين هذا وهذا، يقول جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) من عمل صالحا عن إيمان أحياه الله الحياة الطيبة وجزاه بأحسن ما عمل، فضلا منه وإحسانا . فوصيتي لك ولكم تقوى الله وإعداد العدة للآخرة، وأن تدبروا كتاب ربكم وسنة نبيكم ﵊، وأن تحرصوا على حلق العلم وسماع العلم من إذاعة، أو صحيفة، أو اجتماع، أو خطبة جمعة، أو تذكير مذكر، أو غير ذلك، تحروا ما ينشر من الكلمات الطيبة والمواعظ في أي صحيفة، وما يذاع في إذاعة القرآن أو في برنامج نور على الدرب من علم وتوجيه إلى خير، وكذلك خطب الجمعة، وما يحصل في بعض

стр. 12653

الأحيان والمناسبات من الخطب والتذكير إلى غير ذلك، ليكون للمؤمن عناية بهذا الشيء حرصا عليه حتى لا يغفل وحتى لا تأخذه التيارات الأخرى فيهلك مع الهالكين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا اليوم يوم الخميس هو النفر الأول وغدا النفر الثاني، وبذلك ينتهي عمل الحج من جهة الرمي، وإذا غابت الشمس غدا يوم الجمعة انتهى أمر الرمي، ومن لم يرم فاته الرمي ووجب عليه دم، فالنهاية هو غروب الشمس غدا، ومن تعجل في هذا اليوم الثاني عشر فلا بأس بعد أن يرمي الجمرات بعد الزوال، يرمي الجمار الثلاث كل واحدة بسبع حصيات بعد الظهر بعد الزوال، ثم يرتحل إذا شاء إلى مكة، أو إلى بلده متعجلا بعد أن يطوف طواف الوداع، فإن أراد مكة والإقامة بها أقام بها ما شاء الله، وإلا طاف الوداع ومشى، فرسولنا ﷺ بات ليلة أربعة عشر في الأبطح، نفر في اليوم الثالث عشر آخر النهار. انتهى الجزء الثالث والعشرون ويليه بمشيئة الله تعالى الجزء الرابع والعشرون وأوله القسم الثاني من كتاب العلم

стр. 12654

صفحة فارغة

стр. 12655

صفحة فارغة

стр. 12656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 12657

صفحة فارغة

стр. 12658

بقية كتاب العلم

стр. 12659

صفحة فارغة

стр. 12660

١ - الوصية بكتاب الله وسنة رسوله (١) الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن خير ما بذلت فيه الأعمار والأوقات والأموال هو العلم بكتاب الله وسنة رسوله؛ إذ عليهما مدار السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة وإن ما يؤلف من كتب في الأصول والفروع والتفسير والحديث وما يصدر من مجلات وصحف إسلامية إنما هو بيان وشرح لكتاب الله وسنة رسوله حسب اجتهاد المؤلفين والمصدرين وحسب ما منحهم الله من العلم، وحينما قامت الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بإصدار مجلة البحوث الإسلامية إنما كانت تهدف من وراء ذلك إلى بيان حكم الله في كثير من القضايا التي لا غنى للمسلمين عنها والتي لم يغفلها الشرع المطهر، وذلك في صورة بحوث تصدر عن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية مدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة

стр. 12661

والإجماع مع ما يضاف إلى ذلك من المقالات المفيدة والبحوث النافعة التي ترد إلى المجلة من أهل العلم، وإن هذه المجلة بجانب زميلاتها المجلات الإسلامية في الدول الإسلامية كالمجتمع والبلاغ والدعوة والاعتصام ورابطة العالم الإسلامي والبعث الإسلامي والوعي الإسلامي ومنبر الإسلام والإرشاد والتضامن الإسلامي وغيرها كلها تمثل منهجا ملتزما في مجال الفكر الإسلامي وتعبر عن يقظة ووعي إسلاميين في زمن اضطربت فيه الموازين واختلت المقاييس والمعايير وبدا الباطل وكأنه هو الواقع الذي لا مفر منه، وجندت قوى الباطل كل ما تملك من وسائل اقتصادية وإعلامية وثقافية لتكون لها الهيمنة والنفوذ ولكن قوة الله أعظم ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١) إن مجلة البحوث الإسلامية وهي تصدر عن رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من هذا البلد الذي شرفه الله بالإسلام ووجود الحرمين الشريفين، ومنه انطلقت دعوة الإسلام إلى أرجاء الدنيا لتدعو كل فكر إسلامي نير أن يساهم بالكتابة في هذه المجلة وفي المجلات الإسلامية الأخرى، وأن يرد على الأقلام المأجورة التي تحاول النيل من الإسلام والإساءة إلى المسلمين، سواء

стр. 12662

من الأعداء أو السائرين في ركابهم، وأن يوضح ما للشريعة الإسلامية من مزايا وحسنات وما لعلماء الإسلام أولئك الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ومؤلفاتهم وخدموا الشريعة خدمة جليلة وأثروا المكتبة الإسلامية بروائع إنتاجهم في التوحيد والحديث والتفسير والفقه والأصول والتاريخ واللغة العربية والعلوم الأخرى التي اضطر الغرب للاستفادة منها وتدريسها في معاهده وجامعاته. إن مجلة البحوث الإسلامية وهي تلتقي مع قرائها في عددها الخامس لتأمل أن تكون على المستوىالمأمول فيها، وأن يستمر صدورها دون عائق، مع علمنا بأن القراء الكرام سيقبلون العذر في تأخر أعدادها إذا ما رأوا الجهد المبذول في إخراجها، وإن كنا نود أن تخرج في موعدها المقرر لها، بل ونسعى جادين إلى أن تخرج كما أريد لها كل ثلاثة أشهر مستلهمين العون من الله تعالى. إنني أطالب العلماء والمفكرين أن يمدوا أيديهم بالكتابة في مجلة البحوث الإسلامية؛ إذ ما يكتبونه من جملة زاد المجلة الذي يجعلها تقف على قدميها وتخطو الخطوات المرسومة لها. وفي الختام أشكر كل من ساهم بقلمه وجهده ووقته في إخراج هذه المجلة الفتية وغيرها من المجلات والصحف الإسلامية المفيدة، وأرجو لها ولزميلاتها التوفيق والنجاح وأن يستمر عطاؤها

стр. 12663

الخير لعموم المسلمين والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 12664

٢ - العلم بأحكام الله تعالى أمر ضروري (١) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد. فإن العلم بأحكام الله أمر ضروري ليسير العبد المسلم في عبادته لربه على هدى وبصيرة، ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به إلا إذا عرف أحكام هذا الدين، وأولاها اهتمامه وعنايته وبذل جهده وطاقته للإلمام بها؛ لتكون عبادته لربه مبنية على أساس صحيح ومتين، ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدين والأخذ بها فقد هدي إلى صراط مستقيم، وحصل على خير كثير، يقول سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:

стр. 12665

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: «الحكمة القرآن» . يعني تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر. رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني بالحكمة الإصابة في القول، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن. وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني عن أبي عمار الأسدي عن ابن مسعود مرفوعا «: رأس الحكمة مخافة الله» . وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم، وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم، وقال أبو مالك: الحكمة السنة، وقال وهب عن مالك قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: (إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله) اهـ ... ولكي ندرك أهمية الفقه في دين الله وأنه نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة، ولكي ندرك أهميته

стр. 12666

وجدواه نجد النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق عليه، ويقول ﵊: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (٢) » رواه البخاري ومسلم.. ويقول ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها (٣) » رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به.

стр. 12667

ولقد برز حبر الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في معرفة الدين فقها وتفسيرا، وتوسع بعلوم الشريعة ووعاها ببركة دعاء رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (١) » ، إنها دعوة مباركة من رجل مبارك تقبلها الله من نبيه، ونعمة أنعم الله بها على ابن عباس ﵄ وأرضاهما - وبرز في عهده وبعده أئمة أفذاذ في أصول الدين وفروعه، يحملون أمانة التبليغ والدعوة ويؤدونها أحسن ما يكون الأداء، ويبصرون الناس بدين الإسلام سواء في حلقات الدرس والمذاكرة والإرشاد المنتشرة في بيوت الله أو فيما خلفوه من تراث علمي ومؤلفات قيمة في شتى فروع العلم الشرعي وغيره من العلوم الأخرى التي تخدم الشريعة وترتبط بها، وهيأ الله ولاة صالحين يبذلون بسخاء في سبيل نشر العلم وتشجيع العلماء وطلاب العلم. إن التفقه في الإسلام وما اشتمل عليه من أحكام يقتضي البحث والاطلاع لمعرفة حكم الله في كل قضية تعرض للمسلم في حياته فلا يتجاوز هذه القضية دون بحث واستقصاء ليصل إلى الحكم بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإجماع والقياس الجلي، والدين الإسلامي بحمد الله واضح لا غموض فيه ولا التباس في أحكامه وتشريعاته، قد بينها الله في

стр. 12668

كتابه المبين وسنة رسوله الكريم ﷺ وحمل لواء هذه السنة وبينها ونافح عنها صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وسلف الأمة وأئمة الشريعة وعلماؤها جيلا بعد جيل، ثم تقاعس الكثير من الناس عن البحث والطلب والتحصيل واكتفوا بالتقليد لغيرهم، فوقعوا في أغلاط كثيرة في العقيدة والأحكام، ولقد أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين علموا فعملوا، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق واتبعوا أهواءهم، وهم اليهود ومن على شاكلتهم، وأن يجنبنا طريق الضالين، وهم الذين جهلوا الحق وهم النصارى ومن على شاكلتهم. أيها الإخوة المسلمون، كيف نعرف أن هذا الماء طاهر أو نجس، أو أن هذا الشراب أو الطعام أو الإناء أو الصيد أو السوار أو اللباس مباح أو حرام أو مكروه أو مستحب؟ كيف نعرف أن اقتناء هذا المال أو إنفاقه حلال أو حرام؟ كيف نهتدي إلى العبادات نعرف أوقاتها وطريقة أدائها؟ كيف نعرف قسمة المواريث والفرائض؟ كيف تقام الحدود؟ وكيف نقيم المعاملات فيما بيننا إلى غير ذلك من تفاصيل العبادات والمعاملات وما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق وغيرهما، وقد استوعبت

стр. 12669

ذلك كله - شريعتنا المطهرة ولله الحمد.. إن دين الإسلام الحنيف قد أكمله الله، وما من شأن من شئون الدنيا والآخرة إلا وفي هذا الدين له حكم وبيان واضح جلي، فهو دين كامل شامل ليس قاصرا على النواحي التعبدية ولا شأن له بالنواحي المعاشية كما يرميه بذلك أعداؤه ومن نهج نهجهم. إن دين الإسلام يربط المخلوق بخالقه برباط متين، كما يقيم أفضل علاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان قائمة على المحبة والترابط والتسامح والتعاون على البر والتقوى ... أوضح كيف تعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة والإحسان قبل أن تتظاهر أوربا بالرفق بالحيوان من خلال جمعيات أنشأتها لهذا الغرض وهي لم ترفق بعد بالإنسان ولم ترع حقوقه.. فالواجب على المسلمين التفقه في دينهم وأن لا يتجاوزوا حدود ما أنزل الله، وأن يحرصوا على فهم أحكام دينهم قبل أي شيء، فإن بعض الناس هداهم الله ووفقهم قد يحيط بعلوم كثيرة من علوم الحياة ويبرز فيها، ولكنه لا يعلم شيئا من أحكام دينه وأسرار شريعته، وهذا هو الجهل الفاضح والمصيبة العظمى؛ فإن العلم بأحكام الله يجب أن يكون مقدما على المعارف الأخرى، ولا مانع من التزود بالعلوم والمعارف الأخرى، ولكن لا بد من تقديم الأصل الأصيل والركيزة الأساسية للعلوم كلها، وهو معرفة الدين عقيدة وسلوكا وعبادة وأحكاما مما لا يسع المسلم

стр. 12670

جهله. كما أن الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بدينهم بصدق ويتقبلوا ما يأمرهم به فيعملوا به ويطبقوه في شئون حياتهم كلها دون تمييز، وليعلموا أنهم إن فعلوا ذلك سيسعدون ويفلحون في الدنيا والآخرة، وهذه الأمة شرفها الله بهذا الدين وأعزها به، فإذا تخاذلت عن ذلك فلا قيمة لها ولا عزة ولا سعادة. فنسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعا لما فيه رضاه، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن ومن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 12671

٣ - افتتاحية مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فهذا هو العدد الأول من مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، نقدمه إلى القراء الكرام راجين أن يجدوا فيه ما يفيدهم

стр. 12672

وينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وما يزيدهم بصيرة وفقها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما نرجو أن تكون هذه المجلة نبراسا لحل مشاكلهم وإنارة السبيل لهم. ولقد تأخر صدور مجلة الجامعة الإسلامية، وكان هناك بعض الآراء يقول بأنه لا ينبغي ذلك، بل ينبغي أن تصدر مجلة الجامعة مع افتتاح الجامعة نفسها؛ حتى تكون تلك المجلة لسانا ناطقا للجامعة يشرح أهدافها ومراميها ويوضح سير أمورها إلى غايتها. إلا أن الرأي الأغلب قد استقر على أن يترك الحديث لأعمال الجامعة في مرحلة تأسيسها لا لأقوالها، وأن تكون ثمرتها ملموسة لا موصوفة. وهكذا أوعزنا إلى المسئولين عن المجلة بأن تكون ميدانا تجري فيه أقلام المنتمين إلى الجامعة الإسلامية وغيرهم من رجال الفكر والعلم في جميع الأقطار، لتكون بمثابة نقطة الالتقاء، تتجمع حولها تلك الأقلام، لا سيما وهي المجلة التي تصدر عن المدينة المنورة عاصمة المسلمين الأولى، ومنطلق الغزاة الفاتحين والدعاة المصلحين، وأن هذه المجلة تستهدف أن تكون ذات مستوى يتمكن من فهمه أغلبية القراء في البلدان الإسلامية وغيرها، فهما يمكنهم من متابعة ما ينشر فيها وهضمه، ولن تكون مقصورة على الصفوة من العلماء والفقهاء والباحثين قصرا يمنع سواهم من ذوي الثقافات المتوسطة أو المستويات العلمية المحدودة

стр. 12673

أن يفهموها وينتفعوا بما ينشر فيها، الشيء الذي ستتجنبه المجلة إنما هو لغو القول، وسفاسف الأمور وكل ما في نشره ضرر للمسلمين أو خطر على وحدتهم وتضامنهم وستكون - بإذن الله - مجلة إسلامية ثقافية لا مجلة سياسية حزبية تلك هي حالتها وذلك هو هدفها. إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة مؤسسة التكوين بالنسبة إلى عمر الجامعات والمؤسسات العلمية الكبرى فهي لم تستكمل من عمرها السابعة، ولكنها - بحمد الله - قد قطعت شوطا بل أشواطا طيبة إلى الهدف المقصود من إنشائها، فتخرج منها مئات من الطلاب الذين ينتسبون إلى عشرات من أوطان المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وأخذوا أماكنهم في تلك الأوطان وغيرها يعلمون الناس الخير ويرشدونهم إلى الصواب. ولن أفيض هنا بالتحدث عن هذه الجامعة فذلك له مكان آخر من المجلة، وإنما القصد هنا الإشارة إلى هدف هذه المجلة. وأسأل الله مخلصا أن يأخذ بأيدينا إلى مواقع الحق والصواب، وأن يرزقنا جميعا صادق القول وصالح العمل، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 12674

٤ - لقاء مع طلبة كلية الشريعة (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أولا: أوصيكم بتقوى الله تعالى والاستقامة على أمره؛ لأن المقصود من العلم هو طاعة الله واتباع شريعته «فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » كما قال النبي ﷺ ، ويقول ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (٣) » ومعلوم عند الجميع أن المقصود من العلم هو العمل، ومن علم ولم يعمل صار أشبه باليهود وبإبليس نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يعلم ويعمل، فوصيتي لكم مرة أخرى تقوى الله والحرص على التفقه في الدين، والإخلاص لله في العمل، وأن تكون النية لوجه الله تعالى؛ لأجل أن يخلص المسلم نفسه من الجهل وينفع الناس أيضا، فطالب العلم يجمع بين أمرين، ينفع نفسه وينفع الناس، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشر فيه الجهل وانتشرت فيه أيضا المبادئ الهدامة والشرور الكثيرة، والدعاوى

стр. 12675

المضللة فأنتم الآن على خير في كلية الشريعة، نرجو لكم من الله التوفيق. وأوصيكم أيضا أن تستمروا في الدراسة بإخلاص، وصدق، ونية صالحة وصبر، والوصية كذلك بالمذاكرة فيما بينكم في المشاكل؛ لأن المشكلة قد تنحل بالزميل والزميلين، والمذاكرة بين الزملاء يحصل بها حل لمشاكل كثيرة، ويستغنى بذلك عن الحاجة إلى الأستاذ، لئلا يحتاج للأستاذ إلا في الشيء المشكل الذي تعجزون عنه ولا يتيسر لكم حله في المذاكرة والمطالعة فتكون مراجعة الأستاذ في الشيء الذي لم تستطيعوا حله بهذه المطالعة ولا بهذه المذاكرة فيما بينكم، والأمر الآخر: هو الحرص على العمل: فما علمتم أنه واجب فكونوا من أحرص الناس على أدائه، وما علمتم أنه محرم فكونوا من أحرص الناس على تركه، وما علمتم أنه مستحب فكونوا من أسبق الناس إليه حسب الطاقة، وما علمتم أنه مكروه فكونوا من أبعد الناس عنه حسب التيسير.
следующие страницы →