منهم، لا بأس أن يحضر هذا ويحضر هذا، يستفيد من هذا ويستفيد من هذا كله طيب، وهذا من باب الحيطة في الدين، كونه يسمع من هذا ومن هذا من أهل السنة والجماعة حتى لا يفوته شيء مما يجب عليه، فإن بعض الأساتذة قد يفوت عليه بعض الشيء، قد يشغل عن بعض المسائل فإذا استفاد من هذا وهذا وهم كلهم من أهل السنة فهذا أكمل وأحسن.
стр. 12777
س: لو وجد موسوعة فقهية شاملة على المذاهب الأربعة، هل تفي بغرض المتعلم يا سماحة الشيخ؟
ج: يوجد موسوعات، لكن ما كل موسوعة تكفي، بل لا بد يحتاج إلى الدليل؛ لأن بعض الموسوعات قد يكون فيها الدليل كافيا وقد لا يكفي، فإذا وجدت موسوعة فيها إقامة الدليل استفيد وذلك خير عظيم، والمقصود أن طالب العلم لا يكتفي بموسوعة كتاب حتى يقتنع بوجود النص الكافي، إذا كان من أهل العلم، أما إذا كان من العامة فيسأل أهل العلم، لكن طالب العلم يعتني بالأدلة ويطالع الكتاب الفلاني والفلاني حتى تتم الفائدة، ولا يكتفي بموسوعة ألفها فلان أو فلان فقد يكون قصر في الأدلة، وقد يكون تساهل في الأدلة فطالب العلم يعتني، يراجع مثل صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الأربعة، مسند أحمد
стр. 12778
حتى يقف على السند الصحيح الذي تبرأ به الذمة، وإذا كان صاحب الموسوعة قد بسط الكلام وأوضح الأدلة الشرعية فهذا لا بأس به إذا اقتنع به.
стр. 12779
س: سماحة الشيخ انتشرت بين الطلبة هذه الورقة، مكتوب عليها علاج ضيق الصدر أيام الامتحانات: نضع اليد على الصدر ونقرأ الفاتحة ثلاث مرات، يقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، يقرأ من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) من سورة البقرة إلى آخر الآيات ثلاث مرات، ويقرأ آخر آيتين من سورة الحشر ثلاث مرات، ويقرأ أول عشر آيات من سورة الصافات، آخر آيتين من سورة القلم، سورة الكافرون والصمد والمعوذتين كل واحدة ثلاث مرات، ويقرأ الدعاء: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما سبع مرات والدعاء: " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني لمدة ثلاثة أيام، هذه الدعوات وهذه الأمور هل هي واردة يا شيخ؟
стр. 12780
ج: الترتيب ليس على هذا الترتيب، لكن يسأل ربه الشفاء، والحمد لله، يسأل ربه، الذي ورد: «أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما (١) » . يكرر ثلاث مرات: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك (٢) » . إذا كررها ثلاث مرات، لا بأس، قل هو الله أحد، والمعوذتين يكررها ثلاث مرات صباحا ومساء وعند النوم، هذا وارد، طيب المقصود أنه يتحرى الوارد فقط، أما من كيسه، يرتب أشياء من كيسه. ما عليها دليل، لكن إذا تحرى الوارد بالأدلة الشرعية في كتب الأذكار وكتب الأدلة، فالحمد لله.
стр. 12781
س: سماحة الشيخ حلق جماعات تحفيظ القرآن الكريم في هذا البلد المبارك نفع الله بها نفعا عظيما. بماذا توجهون معلمي هذه الحلق وطلابها؟
ج: نوجههم ونوصيهم بتقوى الله والاستمرار في هذا الخير والصبر على هذا الخير، والإخلاص لوجه الله جل وعلا في التعلم
стр. 12782
والتعليم؛ لأن تعلم القرآن وحفظ القرآن من أهم القربات ومن أفضل القربات، فنوصي الجميع المعلم والمتعلم، نوصيهم بتقوى الله والعمل بما علموا، والإخلاص لله في العمل حتى يبارك الله في أعمالهم، وحتى يوفقوا في أعمالهم. ألا وهي أن الطالب يتعلم لكي يستفيد ويعمل، والمعلم يقصد وجه الله في تعليم الطالب وتوجيهه إلى الخير يرجو من عند الله المثوبة، وإن أخذ أجرة، يرجو ما عند الله ويحتسب الأجر وينصح في تعليمه، ويجتهد في الأسباب التي توصل المعلومات إلى الطالب وتستقر في ذهنه، فهذا يتقي الله، وهذا يتقي الله، يكون عند كل واحد إخلاص ورغبة في الخير، وأن يتعلم ما يرضي الله ويقرب لديه، وأن يستعين بما أعطاه الله من علم على طاعة الله.
стр. 12783
س: وقع كثير من الناس في ديون كثيرة، ما نصيحتكم للتاجر والمدين وغيرهم في هذه الأمور سماحة الشيخ؟
ج: النصيحة أن الإنسان يجتهد في الاقتصاد وعدم الدين، ويفرح بما أغناه الله عن الدين مهما أمكن، وإذا احتاج للدين فيكون عنده نية أن يسدد الدين وأنه يجتهد في سداد الدين إذا اضطر إليه؛ لقول النبي ﷺ : «من أخذ أموال
стр. 12784
الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله (١) » . فليجتهد في النية الصالحة ولا يستدين إلا إذا دعت إليه الضرورة، ولا يستكثر من الدين فإنه قد يعجز عن الأداء، فينبغي له الاقتصاد في أموره، وتحري الاقتصاد في ملبسه ومأكله ومشربه وغير ذلك، حتى لا يحتاج للدين الكثير، وإذا احتاج للدين فليجتهد في أسباب قضاء الدين بالطرق التي يستطيعها مع النية الصالحة، نيته أنه يبادر بالدين من حين يتيسر له ذلك، لا يتساهل، يعني يكون عنده نية صالحة أنه يعمل ويجتهد لقضاء الدين.
стр. 12785
س: سماحة الشيخ كثير من الناس يكتب في وصيته (وقفا) ثم تتعطل منافع هذا الوقف، ويحصل النزاع بين الورثة حول هذا الوقف، بماذا تنصحون المسلم إذا أراد أن يكتب وصيته، لا سيما إن كان من أهل الأموال؟
ج: يوصي بالشيء الذي يناسب. . يوصي بالثلث، بالربع، بالخمس في وجوه البر وأعمال الخير، وإذا كان من ذريته محتاج يعطى من الغلة حتى لا يقع النزاع، يوصي بالثلث بالربع بالخمس في وجه البر وأعمال الخير، وإذا جعل في أضحية فلا بأس، وإذا
стр. 12786
قال: من احتاج من ذريتي يعطى قدر حاجته فلا بأس، أو من أقاربي حتى لا يقع النزاع، يكون الشيء واضحا على بصيرة للناظر الذي يتولى الوقف حتى يفرق غلته على الوجه الذي بينه في الوصية، على وجه واضح ليس فيه شبهة؛ لأن بعض الناس قد يتشدد في وصيته، وقد يقول: للورثة الباقي، ثم يحصل مشقة بينهم، قد لا يبقى إلا القليل ثم يبطن ويروح بطن ويتوالى الناس ويكثرون، فيحصل مشقة كبيرة. لكن إذا قال في غلة مثل ما قال الزبير بن العوام ﵁ وجماعة في وصيتهم وابن عمر: للمحتاج من الذرية، إذا قال المحتاج من الذرية يعطى من غلة الوقف كذا وكذا، هذا لا بأس.
стр. 12787
س: فيما يتعلق في تخريج الأحاديث يا سماحة الشيخ وتعديل الرواة وتجريحهم، هناك من يرى أن باب علم الرجال مغلق أو انتهى من قديم، كيف ترون ذلك يا سماحة الشيخ؟
ج: لا. هذا ليس بصحيح، بل علم الرجال والنظر في الأحاديث باق (١) ، ولم يمض بل لا يزال، فأهل العلم عليهم أن يعتنوا بهذا ويراجعوا الأحاديث ويميزوا بين صحيحها وسقيمها
стр. 12788
ويرشدوا الناس إلى ذلك، ولا يقفوا عند ذكر فلان أو فلان، بل يتابع مثل المنتقى مثل بلوغ المرام، مثل السنن الأربعة، مثل مسند أحمد، يراجع الأسانيد ويعتني بها، ويعرف صحيحها من سقيمها حتى يستفيد من ذلك ويفيد غيره، هكذا شأن طالب العالم الذي قد وفقه الله لمعرفة الأحاديث ومعرفة أسانيدها ومعرفة أحوال الرجال واشتغل بهذا الشيء يكون فيه فائدة عظيمة له ولغيره.
стр. 12789
س: الفتوى بغير علم سماحة الشيخ هل من كلمة لأولئك الذين يفتون الناس بغير علم؟
ج: نعم، الواجب على طالب العلم أن يحذر من الفتوى بغير علم، يقول النبي ﷺ : «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار (١) » . الواجب على الإنسان أن يتحرى العلم ويتحرى الدليل حتى يفتي على بصيرة، ولا يفتي على الله بغير علم، المقصود أن العلم دين، والفتوى دين، فلا بد أن الإنسان يتقيد بما أوجب الله عليه، فلا يفتي بغير علم، بل يتحرى وينظر إلى الأدلة من الكتاب والسنة، ويفتي على ضوء الأدلة، وإلا
стр. 12790
فليرشدهم إلى غيره، ولا يجوز له أن يقول على الله بغير علم، الله يقول جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فجعل القول عليه بغير علم فوق مرتبة الشرك؛ لما يترتب على القول على الله بغير علم من الفساد الكبير والشر العظيم، قد يبيح ما حرم الله، وقد يوجب ما لا يوجبه الله، فقد يقع في شرور كثيرة، وأخبر جل وعلا في آية أخرى أن هذا من أمر الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ (٢) - يعني الشيطان- ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) فالواجب على طالب العلم أن يتحرى الحق وأن يحذر من القول على الله بغير علم، وإذا كان لا يستطيع ذلك فليرشدهم إلى غيره، ولا يتكلم ولا يقول على الله بغير علم نسأل الله السلامة.
стр. 12791
س: الدعوة إلى الله من أجل الأعمال ومن أفضلها، بماذا تنصحون الدعاة إلى الله ؟ وهل الدعوة واجبة على كل مسلم؟
ج: نعم، الدعوة واجبة على كل مسلم حسب طاقته، على أهل العلم طاقتهم، وعلى الآخرين طاقتهم، الواجب على أهل العلم أن يبلغوا دعوة الله ويرشدوا، كل مسلم عليه نصيبه حسب علمه، المسلم الذي يرى أن جاره أو قريبه مقصر في الصلاة أو لا يصلي في المسجد ينصحه؛ لأن هذا أمر عام يعلمه العامي وطالب العلم، يقول: يا أخي اتق الله، أنا ما أشوفك تصلي في الجماعة اتق الله، بادر إلى الصلاة في الجماعة، أو يراه عاقا لوالده أو لأحدهما، ينصحه هذا شيء يعلمه الخاص والعام، ما يختص بأهل العلم، أو يعرف أنه يشرب الخمر، ينصحه، أو يتعاطى التدخين ينصحه، وهكذا، أو يعرف منه الغيبة والنميمة ينصحه ويقول له اتق الله، دع هذه المعاصي وراقب الله جل وعلا، وأحذر غضبه عليك، المقصود أن كل إنسان حسب طاقته ينصح ويوجه إلى الخير.
стр. 12792
س: الدعاء جماعة بعد الصلاة في الأيام العادية، ما حكمه إذا استمر عليه البعض من الناس؟
ج: هذا من البدع، الإنسان يدعو ربه وحده، ما يحتاج يجتمع مع مجموعة ويدعو بينه وبين ربه، أما يكون لهم إماما يدعو بهم، يرفع يديه ويدعون، ليس له أصل، هذا من المحدثات، والله يهدينا وإخواننا المسلمين.
стр. 12793
س: نختم هذا اللقاء سماحة الشيخ بسؤال وهو: أفضل الأدعية التي يجب على المسلم أن يرددها، سواء في الصلاة أو في غيرها؟
ج: أفضلها الذكر، لا إله إلا الله، أفضل الدعاء لا إله إلا الله، لكن هناك دعوات مخصوصة. وأحسن الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) يردد هذا في أخر الصلاة، في سجوده، في أوقاته الأخرى لأنه دعاء جامع، وكذلك: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله وأوله وآخره، وعلانيته وسره، اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار (٢) » دعوات جامعة «اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول
стр. 12794
وعمل (١) » في سجوده يقول: «اللهم اغفر لي ذنبي واغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره. اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢) » ؛ لقوله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (٣) » . والحديث الآخر: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (٤) » . فينبغي أن يكثر من الدعوات الطيبة، سؤال الجنة، التعوذ بالله من النار، سؤال العفو: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم اغفر لي ولوالدي» يتحرى الدعوات المناسبة.
стр. 12795
صفحة فارغة
стр. 12796
تنويه
نظرا لرغبة وطلب كثير من أصحاب الفضيلة المشايخ من القضاة وطلاب العلم من سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، استكمال كتاب سماحته مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، بأحكام العبادات والمعاملات، حسب أبواب الفقه بعد صدور الجزء " ٩ " من كتاب سماحته، وذلك للحاجة الماسة إليها، والاستفادة من فتاوى سماحته ﵀.
وقد استجاب ﵀ لرغبة أصحاب الفضيلة المشايخ، ورأى ﵀ تأجيل بقية العقيدة وما يليها بعد الانتهاء من أحكام العبادات والمعاملات.
وبصدور الجزء " ٢٣ " فقد تم استكمال بقية أحكام العبادات والمعاملات، ويليها كتاب العلم والتفسير والحديث وغيرها التي ستنشر تباعا إن شاء الله.
стр. 12797
صفحة فارغة
стр. 12798
كتاب التفسير
стр. 12799
صفحة فارغة
стр. 12800
٤٨ - الوصية بكتاب الله (القرآن الكريم) (١) .
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن كتاب الله فيه الهدى والنور، وهو حبله المتين وصراطه المستقيم وهو ذكره الحكيم، من تمسك به نجا ومن حاد عنه هلك. يقول الله في هذا الكتاب العظيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢) ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣)
هذا كتاب الله يهدي للتي هي أقوم، يعني: للطريقة التي هي أقوم، والمسلك الذي هو أقوم، الذي هو خير الطرق وأقومها
стр. 12801
وأهداها فهو يهدي إليه، يعني: يرشد إليه ويدل عليه، ويدعو إليه، وهو توحيد الله وطاعته، وترك معصيته والوقوف عند حدوده، هذا هو الطريق الأقوم، وهو المسلك الذي به النجاة أنزله الله جل وعلا تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، كما قال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فهو تبيان لكل شيء، وهدى إلى طريق السعادة ورحمة وبشرى، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) هدى لقلوبهم للحق وشفاء لقلوبهم من أمراض الشرك والمعاصي والبدع والانحرافات عن الحق، وشفاء للأبدان من كثير من الأمراض.
وهو بشرى للإنس والجن لكنه سبحانه ذكر المؤمنين؛ لأنهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به، وإلا فهو شفاء للجميع كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣) فالقرآن شفاء ودواء للقلوب من جميع الأدواء المتنوعة؛ أدواء الشرك، والمعاصي، والبدع، والمخالفات، وهو شفاء لأمراض
стр. 12802
الأبدان أيضا وأمراض المجتمعات، شفاء لأمراض المجتمع، وأمراض البدن لمن صلحت نيته وأراد الله شفاءه، يقول جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) فهو كتاب يخرج الله به الناس من الظلمات؛ من ظلمات الشرك والمعاصي والبدع والفرقة والاختلاف إلى نور الحق والهدى والاجتماع على الخير، والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو صراط الله المستقيم وهو توحيد الله، وأداء فرائضه، وترك محارمه، والتواصي بحقه والحذر من معاصيه، ومن مخالفة أمره. هذا هو صراط الله المستقيم، وهذا هو النور والهدى، وهذا هو الطريق الأقوم، وقال سبحانه في سورة الأنبياء: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه في سورة يس: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٣) ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤)
والمقصود أن الله جل وعلا جعل كتابه ذكرا، وجعله نذارة، وجعله شفاء، وجعله هدى، فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يهتدوا به، وأن
стр. 12803
يستقيموا عليه، وأن يحذروا مخالفته، قال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣) وسئلت عائشة ﵂ فقيل لها: يا أم المؤمنين ماذا كان خلق النبي ﷺ ؟ قالت: «كان خلقه القرآن (٤) » قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥) والمعنى أنه ﷺ كان يتدبر القرآن، ويكثر من تلاوته، ويعمل بما فيه، فكان خلقه القرآن تلاوة وتدبرا، وعملا بأوامره، وتركا لنواهيه، وترغيبا في طاعة الله ورسوله، ودعوة إلى الخير، ونصيحة لله ولعباده. إلى غير ذلك من وجوه الخير.
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٦) فالقرآن هو أحسن القصص، وهو خلق النبي ﷺ . ونصيحتي لجميع المسلمين رجالا ونساء، جنا وإنسا، عربا وعجما
стр. 12804
علماء ومتعلمين، نصيحتي للجميع أن يعتنوا بالقرآن الكريم وأن يكثروا من تلاوته بالتدبر والتعقل بالليل والنهار، ولا سيما في الأوقات المناسبة التي فيها القلوب حاضرة للتدبر والتعقل، والذي لا يحفظه يقرؤه من المصحف، والذي لا يحفظ إلا البعض يقرأ ما تيسر منه. قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) وإذا كان يعرف الحروف يتهجى ويقرأ من المصحف حتى يتعلم زيادة، والذي لا يعلم يتعلم من أمه، أو أبيه، أو ولده، أو زوجته إن كانت أعلم منه، والتي لا تعرف يعلمها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو أختها، أو غيرهم.
وهكذا يتواصى الناس، ويتعاونون؛ الزوج يعين زوجته، والزوجة تعين زوجها، والأب يعين ولده، والولد يعين أباه، والأخ يعين أخاه، والخال والخالة، وهكذا الكل يتعاونون، ويتواصون بهذا الكتاب العظيم تدبرا، وتعقلا، وعملا؛ لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) ولما رواه مسلم في صحيحه
стр. 12805
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال للناس في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به؛ كتاب الله (١) » . هكذا يوصيهم ﵊ بكتاب الله ويخبرهم أنهم لن يضلوا إذا اعتصموا به. وفي اللفظ الآخر: «كتاب الله وسنتي (٢) » . وسنة الرسول ﷺ من كتاب الله؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٣) فكتاب الله يأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٤) ويقول جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٥) ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦)
стр. 12806
فالرسول ﷺ أوصى بالقرآن، فوصيته بالقرآن وصية بالسنة وهي أقواله وأفعاله وتقريراته كما تقدم.
ويروى عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تكون فتن. فقيل له: يا رسول الله: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم (١) » . . . . الحديث.
فهو المخرج من جميع الفتن، وهو الدال على سبيل النجاة، وهو المرشد إلى أسباب السعادة والمحذر من أسباب الهلاك، وهو الداعي إلى جمع الكلمة وهو المحذر من الفرقة والاختلاف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢) ويقول جل وعلا في هذا الكتاب العظيم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٣) ويقول سبحانه
стр. 12807
وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) فهو يدعو إلى الاجتماع على الحق، والتواصي بالحق، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) وهذه السورة العظيمة القصيرة قد جمعت الخير كله ما أبقت شيئا من الخير إلا ذكرته ولا شيئا من الشر إلا وحذرت منه.
وهؤلاء المستثنون فيها هم الرابحون؛ من الجن والإنس من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من التجار والفقراء، من الأمراء وغيرهم، هم الرابحون وهم الناجون من الخسران، وهم الذين اتصفوا بأربع صفات: وهي الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
وهؤلاء هم السالمون من الخسران ومن عداهم خاسر على حسب ما فاته من هذه الصفات الأربع فمن آمن بالله ورسوله وصدق الله في أخباره وصدق الرسول ﷺ فيما صح عنه وآمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك وآمن بأن الله سبحانه هو
стр. 12808
المستحق للعبادة وأنه واحد لا شريك له وأن العبادة حقه، وأنه لا تجوز العبادة لغيره وصدق بهذا، كما أخبر الله في كتابه العظيم حيث قال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦) وقال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٨)
فهذا هو أصل الدين وأساس الملة أن تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق وأنه هو المعبود بالحق، وأنه سبحانه له الأسماء
стр. 12809
الحسنى والصفات العلا لا شبيه له، ولا كفو له، ولا شريك له في العبادة، ولا في الملك والتدبير، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦) وقال سبحانه في سورة الحج ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والخلاصة أن الواجب على كل مكلف من الجن والإنس أن يخص الله بالعبادة، وأن يؤمن إيمانا قاطعا بأنه الخالق الرزاق، لا خالق إلا الله، ولا رب سواه، وأنه سبحانه المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، وهو المستحق لأن يعبد بالدعاء، والخوف
стр. 12810
والرجاء، والصلاة والصوم، والذبح والنذر وغيرها، كل لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله كما قال تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) يعني: فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله، فهو المستحق أن يعبد، ومن عبد الأصنام، أو أصحاب القبور، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الملائكة، أو الأنبياء، فقد أشرك بالله وقد نقض قول لا إله إلا الله وخالفها، وقد خالف قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) وخالف قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) فصار من جملة المشركين عباد القبور، والأصنام، والأشجار، والأحجار، الذين يستغيثون بأصحاب القبور، ويتبركون بقبورهم، ويدعونهم، أو يطوفون بقبورهم
стр. 12811
يرجون نفعهم وثوابهم، أو يستغيثون بهم، أو يطلبون منهم الولد أو المدد أو ما أشبه ذلك مما يفعله عباد القبور، وعباد الأصنام، أو يستغيثون بالنجوم، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأنبياء، أو بغيرهم من المخلوقات، كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده، ومخالف لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦) فلا بد من توحيد الله والإخلاص له في صلاتك، وصومك، وسائر عباداتك، وفي ذبحك، ونذرك، وخوفك، ورجائك، لا بد في كل
стр. 12812
ذلك من ترك الإشراك بالله والحذر منه مع الإيمان بالله ربك وأنه خالقك لا خالق غيره ولا رب سواه مع الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى لا شبيه له ولا كفو له ولا ند له، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٢) والمراد أشباه ونظراء، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٥) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٦) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٧) وعليه أيضا أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف يجب أن يؤمن بأن الله سبحانه هو خالقه، وموجده، وأنه خالق كل شيء ومالكه وأنه هو المستحق أن يعبده، وأنه هو الإله الحق، وهو المعبود بالحق، ولا يكون المرء مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اعتقد أنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها على، وأنه لا شبيه له، ولا مثل له، ولا كفو له كما قال سبحانه:
стр. 12813
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥) يعني لا بهي له، ولا كفؤ له، ولا شريك له، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) والمعنى لا تجعلوا له أشباها ونظراء تدعونهم معه، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧) فهو يسمع أقوال عباده ويسمع دعاءهم ويراهم ومع ذلك لا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه ولا في سمعه وبصره، ولا في جميع صفاته فهو الكامل في كل شيء وخلقه لهم النقص، أما الكمال فهو له في كل الأمور.
فعليك بتدبر القرآن حتى تعرف هذا المعنى، تدبر القرآن من أوله إلى آخره من الفاتحة وهي أعظم سورة في القرآن وأفضل سورة فيه إلى آخر ما في المصحف قل هو الله أحد والمعوذتين تدبر القرآن واقرأه بتدبر وتعقل، ورغبة في العمل والفائدة، لا تقرؤه بقلب غافل، اقرأه بقلب حاضر بتفهم وبتعقل، واسأل عما أشكل عليك، اسأل أهل العلم عما أشكل عليك مع أن
وتعالى فيها ما حرم على عباده وما أحل لهم وما أمرهم به، وما نهاهم عنه. وهكذا حرم الله الظلم فقال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٢) فعليك يا عبد الله أن لا تظلم الناس، لا في أنفسهم ولا في أعراضهم ولا في أموالهم.
احذر الظلم فعاقبته وخيمة، يقول النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله (٣) » . فاحذر لا تعتد على الفقير أو تخونه أو تخون غير الفقير، اتق الظلم في المعاملات وفي كل شيء، لا تظلم عمالا إذا كنت صاحب شركة، أو عندك عمال في بيتك أعطهم حقوقهم، وأوف لهم بالشروط؛ فشروطهم أعطهم إياها سواء كنت مدير شركة، أو صاحب عمال في بيتك، أو في مزرعتك فاتق الله فيهم لا تستضعفهم فتخونهم، وهكذا في جميع شئونك لا تكن خائنا ولا غشاشا في بيعك وشرائك، يقول النبي ﷺ : «من