وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما قول النبي ﷺ في الحديث المذكور: وآخرهن الصلاة فمعناه كثرة التاركين لها والمتخلفين عنها. وهذا هو الواقع اليوم في كثير من البلدان الإسلامية. فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للثبات على دينه والاستقامة عليه، وأن يعينهم على إقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها في جماعة، في بيوت الله ، وهي المساجد التي قال فيها : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣) ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٤) ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥)
стр. 13302
والصلاة هي عمود الإسلام وهي الركن الثاني من أركانه العظام، كما في قول النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (١) » وقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (٢) » .
وقد أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم، فقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)
стр. 13303
وقال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) والوسطي هي: صلاة العصر كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ ، فأوجب سبحانه المحافظة على الصلوات الخمس وإقامتها كما شرع الله، وخص الوسطى. بمزيد التأكيد؛ ولعل الحكمة في ذلك أنها تقع في آخر النهار بعد مباشرة الناس للأعمال، وربما كسلوا عنها أو ناموا عنها بسبب تعب العمل، فحثهم الله سبحانه على المحافظة عليها وحذرهم من إضاعتها وقال سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢) والآيات في شأن الصلاة كثيرة. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٣) »
стр. 13304
أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح، وقال ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (١) » أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄.
وقال عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل ﵁: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام
стр. 13305
في الصف (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
والأحاديث في شأن الصلاة والحث عليها والتحذير من تركها والتهاون بها كثيرة جدا، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العظيم أن التكاسل عنها من صفات المنافقين الموعودين بالدرك الأسفل من النار، كما قال الله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢)
وقال سبحانه بشأن المنافقين في سورة التوبة: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٤)
стр. 13306
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من صفات الكفار والمنافقين، ونسأله سبحانه أن يوفقنا وجميع المسلمين للثبات على دينه والاستقامة عليه والسلامة من أسباب غضبه. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 13307
٢٩ - الرد على من يحتج بحديث
السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب على ترك الأسباب
س: هناك من يحتج بترك الأسباب بحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فما هو الرد عليهم؟
ج: هؤلاء السبعون ما تركوا الأسباب إنما تركوا شيئين وهما الاسترقاء والكي، والاسترقاء هو طلب الرقية من الناس.
وهذا الحديث يدل على أن ترك الطلب أفضل وهكذا ترك الكي أفضل لكن عند الحاجة إليهما لا بأس بالاسترقاء والكي؛ لأن النبي ﵇ أمر عائشة أن تسترقي من مرض أصابها
стр. 13308
وأمر أم أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وهي أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لهم، فدل ذلك على أنه لا حرج في ذلك عند الحاجة إلى الاسترقاء، ولأنه ﷺ قال: «الشفاء في ثلاث: كية نار أو شرطة محجم أو شربة عسل وما أحب أن أكتوي (١) » وقد كوى ﵇ بعض أصحابه لما دعت الحاجة إلى الكي، لأنه سبب مباح عند الحاجة إليه، والاسترقاء: طلب الرقية، أما إن رقي من دون سؤال فهو من الأسباب أيضا لا بأس به ولا كراهة في ذلك، وهكذا بقية الأسباب المباحة كالأدوية المباحة من إبر وحبوب وشراب وغير ذلك.
أما الطيرة المذكورة في حديث السبعين فهي التشاؤم ببعض المرئيات أو المسموعات وهي محرمة ومن الشرك الأصغر إذا ردت المتشائم عن حاجته لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)
стр. 13309
وقوله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة (١) » وقوله ﷺ أيضا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك (٢) » وقوله ﷺ لما ذكرت عنده الطيرة: «أحسنها الفأل ولا تردن مسلما، إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك (٣) » وروي عنه ﷺ أنه قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك (٤) » رواه أحمد.
فعلم مما ذكرنا من الأدلة أن التوكل لا يمنع تعاطي الأسباب، فالإنسان يأكل ويشرب فالأكل سبب للشبع ولقوام هذا البدن وسلامته، وهكذا الشرب ولا يجوز للإنسان أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب وأتوكل على الله في حياتي وأبقى صحيحا سليما. فهذا لا يقوله عاقل، وهكذا يلبس الثياب الثقيلة في الشتاء
стр. 13310
للدفء، لأنه يضره البرد، وهكذا يتعاطى الأسباب الأخرى من إغلاق الباب حذرا من السراق، ويحمل السلاح عند الحاجة، وكل هذه أسباب مأمور بها الإنسان، والنبي ﷺ سيد المتوكلين في أحد لبس السلاح، وفي بدر كذلك، وفي أحد ظاهر بين درعين ولبس اللأمة، وعليه المغفر حين دخل مكة، وكل هذه أسباب فعلها ﷺ وهكذا أصحابه ﵃.
стр. 13311
٣٠ - لا يشهد لأحد بجنة أو بنار
إلا من شهد له الرسول ﷺ
س: قرأت في كتاب "شفاء العليل " رواية عن أم المؤمنين عائشة ﵂ حينما «توفي طفل قالت: طوبى لك طير من طيور الجنة. فقال ﷺ : وما يدريك يا عائشة أنه في الجنة، لعل الله اطلع على ما كان يفعل؟» . والنبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة (١) » ذكر منهم:
стр. 13312
«الطفل حتى يحتلم (١) » والروايتان صحيحتان فلا أدري كيف الجمع بينهما؟ (٢)
ج: هذا الحديث صحيح عند الشيخين، قالت فيه عائشة ﵂: عصفور من عصافير الجنة، قال النبي: «يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم (٣) » .
والمقصود من هذا منعها من أن تشهد لأحد معين بالجنة أو بالنار، ولو كان طفلا لا يشهد له، فقد يكون تابعا لأبويه، وأبواه ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقا، وقد تظهره أمه نفاقا، فلا يشهد لأحد بالجنة والنار، ولو طفلا، ولا يقال: هذا من أهل الجنة قطعا؛ لأنه لا يدري عن حال والديه، والأطفال تبع لآبائهم.
ومن كان مات على الصغر ولم يتبع للمسلمين فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح؛ فإذا كان ليس ولدا للمسلمين بل
стр. 13313
لغيرهم من الكفار فإنه يمتحن يوم القيامة فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، كأهل الفترة.
فالصحيح أنهم يمتحنون، فهكذا الأطفال؛ ولهذا لما «سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين قال: الله أعلم بما كانوا عاملين (١) » .
وجاء في السنة ما يدل على أنهم يمتحنون، يعني يختبرون يوم القيامة ويؤمرون بأمر، فإن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار.
والمقصود من هذا أنه لا يشهد لأحد معين بجنة ولا بنار، إلا من شهد له الرسول ﷺ ، هذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة.
فإنكار الرسول ﷺ على عائشة؛ لأنها شهدت بالتعيين؛ لأنها قالت: عصفور من عصافير الجنة. فلهذا أنكر عليها النبي ﷺ أن تقول هذا لأن هناك
стр. 13314
شيئا وراء هذا الأمر قد يكون سببا لعدم دخوله الجنة، وأنه يمتحن يوم القيامة؛ لأن والديه ليسا على الإسلام.
أما أولاد المسلمين فإنهم تبع لآبائهم عند أهل السنة والجماعة في الجنة، وأما أولاد الكفار فإنهم يمتحنون يوم القيامة وهذا هو الحق، فمن أطاع يوم القيامة دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، كأهل الفترة، هذا هو الصواب، وهذا وجه الحديث.
стр. 13315
٣١ - ما صحة حديثين في رؤيا النبي ﷺ في المنام
س: ما مدى صحة الحديثين المرويين عن رسول الله ﷺ والأول معناه: «من رآني فقد رآني حقا (١) » والحديث الآخر الذي معناه: «من رآني فقد حرمت عليه النار» وما معناهما؟ (٢)
стр. 13316
ج: أما الحديث الأول وهو قوله ﷺ : «من رآني فقد رآني حقا (١) » فهذا حديث صحيح وله ألفاظ منها قوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي (٢) » ومنها قوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل بي (٣) » في عدة ألفاظ وردت عنه عليه الصلاة السلام، وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي ﷺ .
فمن رأى النبي ﷺ في المنام فقد رآه ﵇ حقيقة، إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم وهو ﵊ ربعة من الرجال حسن الصورة أبيض مشرب بحمرة كث اللحية سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊، فمن
стр. 13317
رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊.
وأما الحديث الثاني: «من رآني فقد حرمت عليه النار» فهذا لا أصل له وليس بصحيح.
стр. 13318
٣٢ - الجمع بين حديثين في صفة اليدين لله تعالى
س: ما موقفنا من حديث ابن عمر موقوفا عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الله، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ (١) » وكيف يجمع بينه وبين قوله ﷺ : «إن كلتا يديه يمين (٢) » ؟
ج: كلها أحاديث صحيحة عند علماء السنة، وحديث ابن عمر مرفوع صحيح، وليس موقوفا وليس بينها اختلاف بحمد الله. فالله سبحانه توصف يداه باليمين والشمال من حيث الاسم، كما في حديث ابن عمر وكلتاهما يمين مباركة من حيث الشرف والفضل، كما في الأحاديث الصحيحة الأخرى.
стр. 13319
وكما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١) وقوله ﷺ : «يمين الله ملآى لا تغيضها نفقة (٢) » الحديث، واليمين ضدها الشمال بنص الحديث.
والمقصود من الآيات والأحاديث بيان أن الله له يمين وشمال من جهة الاسم، أما من جهة الفضل فكلتاهما يمين مباركة. ليس فيهما نقص بوجه من الوجوه، بل له سبحانه الكمال المطلق، في كل شيء بإجماع أهل السنة والجماعة، وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، كما قال الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٣)
стр. 13320
٣٣ - ما صحة حديث:
«إن الله خلق آدم على صورته (١) »
س: الحديث الذي في صحيح البخاري كتاب الاستئذان: «إن الله خلق آدم على صورته (٢) » وهو في الاستئذان وبدء الخلق، ولكنه جاء بلفظ: «إن الله خلق آدم على صورة
стр. 13321
الرحمن (١) » وقال ابن حجر ﵀: " قد صح عن النبي ﷺ أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن " ما صحة هذا الحديث؟ (٢)
ج: هذا هو الصواب الحديث صحيح مثل ما قال إسحاق وأحمد وغيرهم معناه سميع بصير وليس معناه مثل سمع ابن آدم وبصره يقول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) يعني أن الله خلق آدم على صورته سميعا بصيرا متكلما له يد وله قدم وليس مثل ابن آدم، تعالى الله عن الشبيه والنظير.
فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦) ويقول جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٧)
стр. 13322
٣٤ - حديث أن النبي صلى الله
عليه وسلم خلق من نور ، لا أصل له
س: نسمع في بعض خطب الجمعة عندنا أن رسول الله ﷺ من نور وليس من تراب كسائر الناس، فما صحة هذا الكلام؟ (١)
ج: هذا الكلام باطل وليس له أصل، فالله خلق نبينا ﷺ مثل ما خلق بقية البشر من ماء مهين من ماء أبيه عبد الله وأمه آمنة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (٢) ومحمد ﷺ من نسل آدم وجميع نسل آدم كلهم من سلالة ماء مهين.
أما من يرى أنه خلق من النور فهذا لا أصل له وهو حديث موضوع مكذوب باطل لا أصل له، وبعضهم يعزوه إلى مسند
стр. 13323
أحمد عن جابر، وهذا لا أصل له، وبعضهم يعزوه لمصنف عبد الرزاق وهذا لا أصل له.
إلا أن الله جعله ﷺ نورا للناس بما أوحى إليه من الهدى من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما قال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١) هذا النور هو محمد ﷺ وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٣) السراج المنير وهو نور لما أعطاه الله من الوحي العظيم من القرآن الكريم والسنة، فإن الله أنار بهما الطريق وأوضح بهما الصراط المستقيم وهدى بهما الأمة إلى الخير فهو نور وجاء بالنور ﵊، وليس معناه أنه خلق من نور.
стр. 13324
٣٥ - حديث السبعة الذين
يظلهم الله في ظله هل هو خاص بالرجال
س: هل حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله خاص بالذكور أم أن من عملت عمل هؤلاء من النساء تحصل على الأجر المذكور في الحديث؟ (١)
ج: ليس هذا الفضل المذكور في هذا الحديث خاصا بالرجال، بل يعم الرجال والنساء، فالشابة التي نشأت في عبادة الله داخلة في ذلك، وهكذا المتحابات في الله من النساء داخلات في ذلك، وهكذا كل امرأة دعاها ذو منصب وجمال إلى الفاحشة فقالت: إني أخاف الله، داخلة في ذلك، وهكذا من تصدقت بصدقة من كسب طيب لا تعلم شمالها ما تنفق يمينها داخلة في ذلك، وهكذا من ذكر الله خاليا من النساء داخل في ذلك كالرجال، أما الإمامة فهي من خصائص الرجال، وهكذا صلاة
стр. 13325
الجماعة في المساجد تختص بالرجال، وصلاة المرأة في بيتها أفضل لها كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ . والله ولي التوفيق.
стр. 13326
كتاب الطهارة
стр. 13327
صفحة فارغة
стр. 13328
٣٦٠٢ - ما صحة حديث:
«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله ... »
س: ما مدى صحة حديث الرسول ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أقطع أجذم» ؟
ج: جاء هذا الحديث من طريقين أو أكثر عند ابن حبان وغيره، وقد ضعفه بعض أهل العلم والأقرب أنه من باب الحسن لغيره، وبالله التوفيق.
стр. 13329
٣٧ - ما صحة حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١) »
س: ما حكم التسمية قبل الوضوء، وإذا لم يسم الإنسان، فما حكم وضوئه جزاكم الله خيرا؟ (٢)
стр. 13330
ج: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فالتسمية عند الوضوء سنة عند الجمهور (جمهور العلماء) وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها مع الذكر، فينبغي للمؤمن أن لا يدعها، فإن نسي أو جهل فلا شيء عليه ووضوءه صحيح.
أما إن تعمد تركها وهو يعلم الحكم الشرعي، فينبغي له أن يعيد الوضوء احتياطا وخروجا من الخلاف؛ لأنه جاء عنه ﷺ أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١) » وهذا الحديث جاء من طرق، وقد حكم جماعة من العلماء أنه غير ثابت، وأنه ضعيف، وقال الحافظ ابن كثير ﵀: إنه حسن بسبب كثرة الطرق، وذلك من باب الحسن لغيره، فينبغي للمؤمن أن يجتهد في التسمية عند أول الوضوء وهكذا المؤمنة فإن نسيا ذلك أو جهلا ذلك فلا حرج.
стр. 13331
٣٨ - حكم من انتقض وضوءه
في الصلاة بريح أو رعاف كثير
س: ذكر أن من نواقض الوضوء القيء الفاحش، والدم الفاحش: وهو الرعاف، إذا حدث لشخص ما أثناء الصلاة الرباعية خروج رعاف من الأنف، وقد قيل في ذلك: بأنه يخرج من الصلاة، ويذهب إلى المرحاض ويتوضأ، ثم يعود ويكمل الركعتين التي بقيت، فهل هذا صحيح؟ وجزاكم الله خيرا (١) .
ج: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم وبعد:
فإن من انتقض وضوءه في الصلاة بريح أو رعاف كثير أو غيرهما، فإن صلاته تبطل في أصح قولي العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف،
стр. 13332
وليتوضأ، ثم ليعد الصلاة (١) » أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في البلوغ.
أما الحديث الذي فيه البناء على ما مضى من الصلاة فهو حديث ضعيف، كما أوضح ذلك أيضا الحافظ ابن حجر في البلوغ.
وفق الله الجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13333
٣٩ - شرح حديث إن حيضتك ليست في يدك
س: ورد عن عائشة ﵂ قالت: «أمرني رسول الله ﷺ أن أناوله شيئا من المسجد فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١) » أرجو
стр. 13334
شرح هذا الحديث، وهل معنى هذا أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تعمل شيئا؟ أفيدونا أفادكم الله. (١)
ج: النبي ﷺ قال: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب (٢) » والله قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣) فاستثنى الله عابر السبيل من أهل الجنابة، والحائض كذلك ليس لها أن تجلس في المسجد، ولكن لها أن تعبر، فالعابرة لا بأس عليها أن تمر من باب إلى باب، أو تدخل لتأخذ حاجة من المسجد: إناء أو كتابا أو ما أشبه ذلك؛ فالنبي ﷺ حينما قال لعائشة ﵂: «ناوليني الخمرة من المسجد (٤) » ، والخمرة: مصلى يصلي عليه من الخوص - عليه
стр. 13335
الصلاة والسلام - قالت: (إنها حائض) فقال لها: «إن حيضتك ليست في يدك (١) » .
فالمعنى: أنه ليس هناك مانع من دخولها لأخذ الحاجة، فلا بأس بذلك. إنما الممنوع: جلوسها في المسجد، أما أن تعبر من المسجد أو تدخله لحاجة ثم ترجع من غير جلوس فلا بأس بذلك؛ للآية الكريمة والحديث المذكور.
والله ولي التوفيق.
стр. 13336
كتاب الصلاة
стр. 13337
صفحة فارغة
стр. 13338
٤٠ - قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام
س: ما حكم وقوف الإمام بعد الفاتحة لحين يقرأ المأموم الفاتحة وإذا لم يقف الإمام تلك الوقفة فمتى يقرأ المأموم الفاتحة؟ (١)
ج: ليس هناك دليل صريح يدل على شرعية سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية. أما المأموم فالمشروع له أن يقرأها في حالة سكتات إمامه إن سكت فإن لم يتيسر ذلك قرأها المأموم سرا ولو كان إمامه يقرأ، ثم ينصت بعد ذلك لإمامه لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٢) » متفق عليه.
وقوله ﵊: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا
стр. 13339
بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (١) » رواه أحمد وأبو داود وابن حبان بإسناد حسن.
وهذان الحديثان يخصصان قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا (٣) » الحديث رواه مسلم في صحيحه، لكن لو ترك المأموم قراءة الفاتحة جاهلا أو ناسيا صحت صلاته في أصح قولي العلماء لأن قراءتها في حقه واجبة لا ركن، وهكذا لو جاء المأموم والإمام راكع فركع معه أجزأته الركعة وسقطت عنه الفاتحة لفوات محلها، والأصل في هذا حديث أبي بكرة الثقفي ﵁ أنه «جاء إلى الصلاة والنبي ﷺ راكع فركع دون الصف ثم دخل في الصف فلما سلم النبي ﷺ قال له: " زادك الله حرصا ولا تعد (٤) » رواه البخاري في صحيحه ولم يأمره لقضاء الركعة فدل ذلك على
стр. 13340
سقوط الفاتحة عمن لم يدرك القيام مع الإمام وفي حكمه من تركها جاهلا أو ناسيا من المأمومين في أصح قولي العلماء كما تقدم والله ولي التوفيق.