إحداكن (١) » ، والمقصود: أن هذا حكم النبي ﷺ ، وهو ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومعنى نقص العقل كما قال النبي ﷺ أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وأما نقص الدين فهو كما قال النبي ﷺ : أنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي؛ يعني من أجل الحيض، وهكذا النفاس، وهذا نقص كتبه الله عليها ليس عليها فيه إثم.
فينبغي لها أن تعترف بذلك على الوجه الذي أرشد إليه النبي ﷺ ولو كانت ذات علم وتقى؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإنما ذلك منه وحي يوحيه الله إليه فيبلغه الأمة كما قال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥)
стр. 13477
كتاب الرضاع
١٠٤ - حكم إرضاع الكبير
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.
تعلمون- حفظكم الله- حديث سالم مولى أبي حذيفة ﵃، وكانت أم حذيفة قد ربته في صغره فكان يعتبرها مثل أمه، فلما نزلت آية الحجاب لزمها أن تتحجب منه، فشق ذلك عليهم (سالم وأبي حذيفة وأم حذيفة) ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأمر سالما أن يشرب من لبن أم حذيفة فيصير بذلك ابنها من الرضاع، الحديث في مسلم.
وقد راجعت كلام أهل العلم في المسألة في كتاب (زاد المعاد) فوجدت أنهم فريقان ووسط:
فريق يرى أن الحديث خاص في حق سالم فقط.
стр. 13478
فريق يرى عموم الحديث في سالم وغيره.
فريق يتوسط ويرى أن الحديث عام في سالم وغيره بشرط أن تكون حاله مثل حال سالم وأم حذيفة، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وإني يا شيخ، قد ربتني في صغري امرأة أجنبية عني، وقد شق عليها أن تتحجب عني، فأردت أن أعمل بقول شيخ الإسلام في مسألة سالم فعارضني جمع من أقاربها، وطلبوا فتوى شرعية بخصوص هذه المسألة. لذا أطلب توجيه سماحتكم في هذا الموضوع، وجزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده:
نرى أن حديث سالم مولى أبي حذيفة خاص بسالم، كما هو قول الجمهور؛ لصحة الأحاديث الدالة على أنه لا رضاع إلا في الحولين، وهذا هو الذي نفتي به. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 13479
١٠٥ - مسألة في حكم إرضاع الكبير
س: رسالة من أم بلال - خميس مشيط، تقول: ما هو الراجح في إرضاع الكبير؟ (١)
ج: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اختلف أهل العلم في رضاع الكبير هل يؤثر أم لا؟ والسبب في ذلك أنه ورد في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة وكان كبيرا وكان مولى لدى زوجها، فلما كبر طلبت من النبي ﷺ الحل لهذا الأمر، فأمرها أن ترضعه خمس رضعات، فاختلف العلماء في ذلك، والصحيح من قولي العلماء أن هذا خاص بسالم وبسهلة بنت سهيل وليس عاما للأمة، كما قاله غالب أزواج النبي ﷺ وقاله جمع غفير من أهل العلم وهذا هو الصواب؛ لقوله صلى الله عليه
стр. 13480
وسلم: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام (١) » ولقوله ﵊: «إنما الرضاعة من المجاعة (٢) » . رواه الشيخان في الصحيحين، ولقوله أيضا ﵊: «لا رضاع إلا في الحولين (٣) » فهذه الأحاديث تدل على أن الرضاع يختص بالحولين ولا يؤثر الرضاع بعد ذلك وهذا هو الصواب والله جل وعلا ولي التوفيق.
стр. 13481
كتاب الطلاق
١٠٦ - ما صحة حديث: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق "
س: ما صحة حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق (١) » ؟ (٢) .
ج: الحديث صحيح رواه النسائي وجماعة بإسناد صحيح، وهو يدل على أن ترك الطلاق أفضل إذا لم تدع الحاجة إليه.
стр. 13482
كتاب البيوع
١٠٧ - ما صحة حديث: " الربا بضع وسبعون حوبا "
س: ما صحة حديث «الربا بضع وسبعون حوبا (١) » ؟ (٢)
ج: لا بأس به، حديثا جيد وتمامه: «وإن أربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه المسلم (٣) » . وهذا الحديث جاء من طرق متعددة، فالواجب على المؤمن أن يحذر أنواع الربا ويحذر المعاصي كلها لهذا جعل ﷺ الاستطالة في عرض المسلم من الربا؛ لأن ضررها عظيم وتسبب فتنة ونزاعات وفسادا في المجتمع وشحناء إذا بلغ الشخص ما قاله في الآخر، وبذلك وغيره من الأحاديث يعلم أن الغيبة والنميمة من أعظم الفساد في
стр. 13483
الأرض وهما من أربى الربا، فالربا ليس خاصا بالبيع والشراء فقط بل يكون في المعاصي والمخالفات والتعدي على الناس بالغيبة والنميمة- نسأل الله العافية- لأنه زيادة على ما أباح الله له فقد أربى بزيادته على ما أباح الله له حتى وقع في الحرام وارتكب ما نهى الله عنه نسأل الله السلامة.
стр. 13484
١٠٨ - ما صحة حديث: "كل قرض جر نفعا فهو ربا "
س: ما صحة هذا الحديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا» ؟ (١)
ج: الحديث ضعيف، ولكن معناه عند أهل العلم صحيح إذا كان القرض مشروطا فيه نفع للمقرض، أما إذا كان قرضا مجردا ليس فيه اشتراط نفع للمقرض فهو مستحب وفيه فضل كبير؛ لما فيه من التعاون على الخير، والتفريج لكرب المكروبين.
стр. 13485
كتاب الهبات
١٠٩ - كيفيه قسمة الهبة بين الأولاد من الذكور والإناث
إلى سماحة شيخنا الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو الله لسماحتكم دوام التوفيق والسداد وبعد: أعطيت أولادي هبة من مالي، ورأيت أن العدل بينهم إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين، كما هو مقتضى الإرث الشرعي في حقهم، ولكن البنات أبدين بعض التساؤل عن تفضيل الذكور عليهن في العطاء والتمسن مني أن أساوي في العطية بين الذكر والأنثى من أولادي، وأستفتي سماحتكم هل ما فعلته هو العدل الذي أمر به رسول الله ﷺ في قوله: «اعدلوا بين أولادكم (١) » أم أن العدل
стр. 13486
مساواة الأنثى بالذكر في العطية بين الأولاد؟ أرجو تكرم سماحتكم على ابنكم بالإجابة عن السؤال حفظكم الله (١)
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده:
فالذي فعله فضيلتكم هو العدل فيما نعتقده وفيما نفتي به، وهو الموافق لقسمة الله في الميراث وهو سبحانه الحكم العدل في شرعه وقدره، فأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 13487
١١٠ - مسألة في العدل بين الأولاد في الهبة
س: ورد في الحديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم (١) » فهل المقصود المساواة المطلقة أم للذكر مثل حظ الأنثيين أسوة
стр. 13488
بالميراث؟ فالحديث على ما أظن يقول: "أكلهم أعطيتهم مثله" فكلمة مثل إن صحت توحي بالمساواة المطلقة، اللهم إلا إن كان يتكلم عن الذكور فقط، أفيدونا أفادكم الله؟ (١)
ج: الحديث صحيح رواه الشيخان عن النعمان بن بشير ﵁ «أن أباه أعطاه غلاما، فقالت أمه: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﵊، فذهب بشير بن سعد إلى النبي ﷺ وأخبره بما فعل فقال: "أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت النعمان " فقال: لا. فقال الرسول: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم (٢) » . فدل ذلك على أنه لا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا، أو تخصيص بعضهم بها، فكلهم ولده، وكلهم يرجى بره، فلا يجوز أن يخص بعضهم بالعطية دون بعض، واختلف العلماء رحمة الله عليهم هل يسوى بينهم ويكون الذكر كالأنثى، أم يفضل الذكر على الأنثى
стр. 13489
كالميراث؟ على قولين لأهل العلم، والأرجح أن العطية كالميراث وأن التسوية تكون بجعل الذكر كالأنثيين، فإن هذا هو الذي جعله الله لهم في الميراث وهو سبحانه الحكم العدل، فيكون المؤمن في عطيته لأولاده كذلك، كما لو خلفه لهم بعد موته للذكر مثل حظ الأنثين هذا هو العدل
بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى أمهم وأبيهم، وهذا هو الواجب على الأب والأم أن يعطوا الأولاد للذكر مثل حظ الأنثين؛ وبذلك يحصل العدل والتسوية، كما جعل الله ذلك في الميراث وهو عدل من أبيهم وأمهم.
стр. 13490
كتاب الأيمان
١١١ - ما هو تأويل الحلف في قوله ﷺ : "أفلح وأبيه "
س: هل الرسول ﷺ حلف بغير الله في قوله في الحديث: «أفلح وأبيه إن صدق (١) » وإن كان لا فما هو تأويل الحديث جزاك الله خيرا؟ (٢)
ج: كانوا في أول الإسلام وأول الهجرة يحلفون بآبائهم ثم نهاهم الرسول ﷺ عن هذا قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم (٣) » . أما قوله ﷺ : «أفلح
стр. 13491
وأبيه إن صدق (١) » فإنه قبل النهي ثم جاء النهي فترك ذلك، وتركه المسلمون فصار الحلف بالله وحده، وقال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك (٢) » . وقال: «من حلف بالأمانة فليس منا (٣) » . وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (٤) » . فاستقرت الشريعة على تحريم الحلف بغير الله.
أما قوله ﷺ : «أفلح وأبيه (٥) » فكان هذا قبل النهي.
стр. 13492
كتاب الحدود
١١٢ - ما صحة حديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات (١) »
س: هل يرى سماحتكم صحة حديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات (٢) » ؟ (٣)
ج: الحديث له طرق فيها ضعف لكن مجموعها يشد بعضه بعضا، ويكون من باب الحسن لغيره؛ ولهذا احتج بها العلماء على درء الحدود بالشبهات.
أما حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٤) » . فهو صحيح، وهكذا قوله ﷺ : «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه (٥) » .
стр. 13493
١١٣ - شرح حديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات (١) »
س: في مسند أبي حنيفة للحارثي حديث رواه عبد الله بن عباس عن الرسول ﷺ «ادرءوا الحدود بالشبهات (٢) » أرجو أن تتفضلوا بشرح هذا الحديث؟ جزاكم الله خيرا (٣)
ج: الحمد لله، لقد جاء في هذا الباب عدة أحاديث في أسانيدها مقال، لكن يشد بعضها بعضا، منها الحديث الذي ذكر السائل: «ادرءوا الحدود بالشبهات (٤) » . وفي الآخر: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم (٥) » . والمعنى: أن الواجب على
стр. 13494
ولاة الأمور من العلماء والأمراء أن يدرءوا الحدود بالشبهة التي توجب الشك في ثبوت الحد، فإذا لم يثبت عند الحاكم الحد ثبوتا واضحا لا شبهة فيه فإنه لا يقيمه، ويكتفي بما يردع عن الجريمة من أنواع التعزير، ولا يقام الحد الواجب كالرجم في حق الزاني المحصن، وكالجلد مائة جلدة في حق الزاني البكر، وبقطع اليد في حق السارق لا يقام إلا بعد ثبوت ذلك ثبوتا لا شبهة فيه ولا شك فيه بشاهدين عدلين لا شبهة فيهما، فيما يتعلق بالسرقة وبأربعة شهود عدول فيما يتعلق بحد الزنا، وهكذا بقية الحدود، فالواجب على ولاة الأمر أن يعتنوا بذلك وأن يدرءوا الحد بالشبهة التي توجب الريبة والشك في الثبوت.
стр. 13495
صفحة فارغة
стр. 13496
كتاب الأقضية
١١٤ - الجمع بين حديثين متعلقين بالقضاء والاجتهاد
س: كيف نوفق بين الحديثين التاليين قول الرسول ﷺ : «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (١) » . رواه أبو داود. وحديث الرسول ﷺ ومعناه: «المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد (٢) » . وفقوا بين الحديثين؟
ج: ليس بينهما بحمد الله تعارض، بل المعنى واضح؛ فالحديث الأول في من قضى للناس على جهل ليس عنده علم
стр. 13497
لشرع الله يقضي به بين الناس فهو متوعد بالنار؛ لقوله على الله بغير علم، وهكذا الذي يعلم الحق ولكن يجور من أجل الهوى لمحبته لشخص أو لرشوة أو ما أشبه ذلك فيجور في الحكم فهذان في النار؛ لأن الأول ليس عنده علم يقضي به فهو جاهل فليس له القضاء، أما الثاني فقد تعمد الجور والظلم فهو في النار. أما الأول فقد عرف الحق وقضى به فهو في الجنة.
أما حديث الاجتهاد الذي رواه عمرو بن العاص ﵁ وما جاء في معناه وهو في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر (١) » . فهذا في العالم الذي يعرف الأحكام الشرعية وليس جاهلا، ولكن قد تخفى عليه بعض الأمور وتشتبه عليه بعض الأشياء فيجتهد ويتحرى الحق وينظر في الأدلة الشرعية من القرآن والسنة ويتحرى الحكم الشرعي لكنه لم يصبه، فهذا له أجر الاجتهاد ويفوته أجر الصواب وخطؤه مغفور،
стр. 13498
لأنه عالم عارف بالقضاء ولكن في بعض المسائل قد يغلط بعد الاجتهاد والتحري والنية الصالحة فهذا يعطى أجر الاجتهاد ويفوته أجر الصواب.
الثاني اجتهد في طلب الحق واعتنى بالأدلة الشرعية وليس له قصد سيئ، بل هو مجتهد طالب للحق فوفق له واهتدى إليه وحكم بالحق فهذا له أجران أجر الإصابة وأجر الاجتهاد؛ وبذلك يعلم أنه ليس بين الحديثين تعارض، والحمد لله.
стр. 13499
كتاب الصيد والذبائح
١١٥ - ما صحة حديث: "صيد البر لكم حل ما لم تصيدوه "
س: قال رسول الله ﷺ في حديث جابر ﵁: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم (١) » . هل هو صحيح؟
ج: لا بأس به، وإسناده حسن (٢) . ويشهد له حديث أبي قتادة الأنصاري وحديث الصعب بن جثامة الليثي وغيرهما.
стр. 13500
١١٦ - ما صحة حديث: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ... "
س: بالنسبة لهذا الحديث لا ندري ما صحته، وهو: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» .
ج: هذا يروى عن بعض الوفود وفي سنده ضعف، يروى أنهم قالوا عن النبي ﷺ : «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع» يعنون أنهم مقتصدون، هذا المعنى صحيح لكن السند فيه ضعيف. (يراجع في زاد المعاد، والبداية لابن كثير) .
стр. 13501
وهذا ينفع الإنسان إذا كان يأكل على جوع أو حاجة، وإذا أكل لا يسرف في الأكل ويشبع الشبع الزائد، أما الشبع الذي لا يضر فلا بأس به.
فالناس كانوا يأكلون ويشبعون في عهد النبي ﷺ وفي غيره، ولكن يخشى من الشبع الظاهر الزائد، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يدعى إلى ولائم، ويضيف الناس ويأمرهم بالأكل فيأكلون ويشبعون، ثم يأكل بعد ذلك ﵊ ومن بقي من الصحابة.
وفي عهده يروى «أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي ﷺ يوم الأحزاب -يوم غزوة الخندق- إلى طعام على ذبيحة صغيرة - سخلة - وعلى شيء من شعير، فأمر النبي ﷺ أن يقطع الخبز واللحم، وجعل يدعو عشرة عشرة، فيأكلون ويشبعون ثم يخرجون، ويأتي عشرة آخرون وهكذا، فبارك الله في الشعير وفي السخلة، وأكل منها جمع غفير،
стр. 13502
وبقي منها بقية عظيمة، حتى صرفوها للجيران (١) » .
«والنبي ﷺ ذات يوم أيضا سقى أهل الصفة لبنا " قال أبو هريرة فسقيتهم حتى رووا، ثم قال النبي ﷺ اشرب يا أبا هريرة قال: شربت. ثم قال: اشرب فشربت. ثم قال: اشرب فشربت. ثم قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا، ثم أخذ النبي ﷺ ما بقي وشرب ﵊ (٢) » . وهذا يدل على جواز الشبع وجواز الري، لكن من غير مضرة.
стр. 13503
١١٧ - حكم الأكل والشرب واقفا
س: هناك بعض الأحاديث النبوية المطهرة تنهى عن الأكل والشرب واقفا، وهناك أيضا بعض الأحاديث تسمح
стр. 13504
للإنسان بالأكل والشرب واقفا، فهل معنى ذلك أننا لا نأكل ولا نشرب واقفين أم نأكل ونشرب جالسين وأي الأحاديث أجدر بالاتباع؟
ج: الأحاديث الواردة في هذا صحيحة جاء عن النبي ﷺ النهي عن الشرب قائما والأكل مثل ذلك، وجاء عنه ﷺ أنه شرب قائما، فالأمر في هذا واسع وكلها صحيحة والحمد لله، فالنهي عن ذلك للكراهة، فإذا احتاج الإنسان إلى الأكل واقفا أو إلى الشرب واقفا فلا حرج، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه شرب قاعدا وقائما، فإذا احتاج الإنسان إلى ذلك فلا حرج أن يأكل قائما وأن يشرب قائما، وإن جلس فهو أفضل وأحسن، وثبت عنه ﷺ «أنه شرب من زمزم واقفا (١) » ﵊، وقد ثبت عنه ﷺ من حديث علي ﵁ أنه شرب قائما وقاعدا، والأمر في هذا واسع، والشرب قاعدا والأكل قاعدا أفضل وأهنأ، وإن شرب قائما فلا حرج، وهكذا إن أكل قائما فلا حرج.
стр. 13505
١١٨ - شرح حديث: «من أكل بصلا أو ثوما فلا يقربن مساجدنا ثلاثة أيام (١) »
س: هناك حديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أكل بصلا أو ثوما أو كراثا فلا يقربن مساجدنا ثلاثة أيام فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (٢) » أو كما قال ﵊ هل معنى ذلك أن الآكل لأي من هذه الأشياء لا تجوز له الصلاة في المسجد حتى تمضي عليه تلك المدة أم يعتبر أكلها غير جائز لمن تلزمه صلاة الجماعة؟ (٣)
ج: هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث الصحيحة يدل على كراهة حضور المسلم لصلاة الجماعة ما دامت الرائحة توجد منه ظاهرة تؤذي من حوله؛ سواء كان ذلك من أجل الثوم أو البصل أو الكراث أو غيرها من الأشياء المكروهة الرائحة كالدخان حتى تذهب الرائحة، أما التحديد بثلاثة أيام فلا أعلم له أصلا.
стр. 13506
١١٩ - أحكام ماء زمزم
س: هل هناك حديث صحيح عن فائدة ماء زمزم؟
ج: ماء زمزم قد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ماء شريف وماء مبارك، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ «قال في زمزم: إنها مباركة، إنها طعام طعم (١) » . وزاد في رواية عند أبي داود بسند جيد: «وشفاء سقم (٢) » . فهذا الحديث الصحيح يدل على فضلها وأنها طعام طعم وشفاء سقم وأنها مباركة.
والسنة الشرب منها كما شرب منها النبي ﷺ ولما فيها من البركة، وهي طعام طيب طعام مبارك، طعام يشرع التناول منه إذا تيسر، كما فعله النبي ﷺ ،
стр. 13507
وهذا الحديث الصحيح يدلنا على ما تقدم من فضلها وأنها مباركة وأنها طعام طعم وشفاء سقم، وأنه يستحب للمؤمن أن يشرب منها إذا تيسر له ذلك، ويجوز له الوضوء منها، ويجوز أيضا الاستنجاء منها والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضئوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا، كل هذا واقع، وماء زمزم إن لم يكن مثل الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ لم يكن فوق ذلك فكلاهما ماء شريف، فإذا جاز الوضوء والاغتسال والاستنجاء وغسل الثياب من الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ فهكذا يجوز من ماء زمزم.
وبكل حال فهو ماء طهور طيب يستحب الشرب منه، ولا حرج في الوضوء منه، ولا حرج في غسل الثياب منه، ولا حرج في الاستنجاء منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما تقدم، والحمد لله.
стр. 13508
١٢٠ - شرح حديث: "بيت ليس فيه تمر جياع أهله "
س: ما صحة هذا الحديث: "بيت ليس فيه تمر جياع أهله"؟ (١)
ج: الحديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (٢) . وهو محمول عند أهل العلم على من كان من طعامه التمر كأهل المدينة في وقته ﷺ وأشباههم ممن يقتاتون التمر، والله ولي التوفيق.
стр. 13509
كتاب اللباس والزينة
١٢١ - ما صحة حديث أنه ﷺ «كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (١) »
س: ما صحة حديث رواه الترمذي ﵀ عن النبي ﷺ «أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (٢) » ؟ (٣)
ج: هذا خبر باطل عند أهل العلم لا يصح عن النبي ﷺ ، وقد تشبث به بعض الناس، وهو خبر لا يصح؛ لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متهم بالكذب.
فلا يجوز للمؤمن أن يتعلق بهذا الحديث الباطل، ولا أن يترخص بما يقوله بعض أهل العلم أو يفعله من تخفيف اللحية أو أخذ ما زاد عن القبضة؛ لأن ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالأمر بإعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها وقص الشوارب وإحفائها، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، وكما في صحيح مسلم من
стр. 13510
حديث أبي هريرة ﵁؛ لأن السنة حاكمة على الجميع، والله يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) والله ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به.
стр. 13511
١٢٢ - حكم صبغ اللحية بالسواد
س: ما مدى صحة الأحاديث التي وردت في صبغ اللحية بالسواد، فقد انتشر صبغ اللحية بالسواد عند كثير ممن ينتسبون إلى العلم؟
стр. 13512
ج: في هذا الباب أحاديث صحيحة كثيرة، من أشهرها حديث جاء في قصة والد الصديق ﵁ رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لما رأى رأس والد الصديق ولحيته كالثغامة بياضا: غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد (١) » . وفي رواية: «وجنبوه السواد (٢) » . وحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (٣) » . وهذا وعيد شديد، وفي ذلك أحاديث أخرى كلها تدل على تحريم الخضاب بالسواد، وعلى شرعية الخضاب بغيره.
стр. 13513
١٢٣ - شرح حديث: "مائلات مميلات "
س: ما معنى قول الرسول ﵊ في الحديث: "مائلات مميلات"؟ (١)
ج: هذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس؛ ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (٢) » . وهذا وعيد عظيم يجب الحذر مما دل عليه.
فالرجال الذين في أيديهم سياط كأذناب البقر هم من يتولى ضرب الناس بغير حق من شرط أو من غيرهم، سواء كان ذلك بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة. فالدولة إنما تطاع في المعروف،
стр. 13514
قال ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف (١) » . وقال ﵊: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢) » . وأما قوله ﷺ : نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، فقد فسر ذلك أهل العلم بأن معنى «كاسيات (٣) » يعني من نعم الله «عاريات (٤) » يعني من شكرها، لم يقمن بطاعة الله، ولم يتركن المعاصي والسيئات من إنعام الله عليهن بالمال وغيره، وفسر الحديث أيضا بمعنى آخر وهو أنهن كاسيات كسوة لا تسترهن إما لرقتها أو لقصورها، فلا يحصل بها المقصود، ولهذا قال: «عاريات (٥) » ؛ لأن الكسوة التي عليهن لم تستر عوراتهن «مائلات (٦) » يعني: عن العفة والاستقامة؛ أي عندهن معاص وسيئات كاللائي يتعاطين الفاحشة، أو يقصرن في أداء الفرائض، من الصلوات وغيرها «مميلات (٧) » : يعني: مميلات لغيرهن، أي يدعون إلى الشر والفساد، فهن بأفعالهن وأقوالهن يملن غيرهن إلى الفساد والمعاصي ويتعاطين الفواحش، لعدم إيمانهن أو لضعفه
стр. 13515
وقلته، والمقصود من هذا الحديث الصحيح هو التحذير من الظلم وأنواع الفساد من الرجال والنساء، وقوله ﷺ : «رءوسهن كأسنمة البخت المائلة (١) » قال بعض أهل العلم: إنهن يعظمن الرءوس بما يجعلن عليها من شعر ولفائف وغير ذلك، حتى تكون مثل أسنمة البخت المائلة، والبخت: نوع من الإبل لها سنامان، بينهما شيء من الانخفاض والميلان، هذا مائل إلى جهة وهذا مائل إلى جهة، فهؤلاء النسوة لما عظمن رؤوسهن وكبرن رءوسهن بما جعلن عليها أشبهن هذه الأسنمة. أما قوله ﷺ : «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (٢) » ، فهذا وعيد شديد، ولا يلزم من ذلك كفرهن ولا خلودهن في النار كسائر المعاصي، إذا متن على الإسلام، بل هن وغيرهن من أهل المعاصي كلهم متوعدون بالنار على معاصيهم، ولكنهم تحت مشيئة الله إن شاء سبحانه عفا عنهم وغفر لهم وإن شاء سبحانه عفا عنهم وغفر لهم وإن شاء عذبهم، كما قال في سورة النساء في موضعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) ومن دخل النار من أهل المعاصي فإنه لا يخلد فيها