١٢٢ - حكم صبغ اللحية بالسواد
س: ما مدى صحة الأحاديث التي وردت في صبغ اللحية بالسواد، فقد انتشر صبغ اللحية بالسواد عند كثير ممن ينتسبون إلى العلم؟
стр. 13512
ج: في هذا الباب أحاديث صحيحة كثيرة، من أشهرها حديث جاء في قصة والد الصديق ﵁ رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لما رأى رأس والد الصديق ولحيته كالثغامة بياضا: غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد (١) » . وفي رواية: «وجنبوه السواد (٢) » . وحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (٣) » . وهذا وعيد شديد، وفي ذلك أحاديث أخرى كلها تدل على تحريم الخضاب بالسواد، وعلى شرعية الخضاب بغيره.
стр. 13513
١٢٣ - شرح حديث: "مائلات مميلات "
س: ما معنى قول الرسول ﵊ في الحديث: "مائلات مميلات"؟ (١)
ج: هذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس؛ ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (٢) » . وهذا وعيد عظيم يجب الحذر مما دل عليه.
فالرجال الذين في أيديهم سياط كأذناب البقر هم من يتولى ضرب الناس بغير حق من شرط أو من غيرهم، سواء كان ذلك بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة. فالدولة إنما تطاع في المعروف،
стр. 13514
قال ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف (١) » . وقال ﵊: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢) » . وأما قوله ﷺ : نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، فقد فسر ذلك أهل العلم بأن معنى «كاسيات (٣) » يعني من نعم الله «عاريات (٤) » يعني من شكرها، لم يقمن بطاعة الله، ولم يتركن المعاصي والسيئات من إنعام الله عليهن بالمال وغيره، وفسر الحديث أيضا بمعنى آخر وهو أنهن كاسيات كسوة لا تسترهن إما لرقتها أو لقصورها، فلا يحصل بها المقصود، ولهذا قال: «عاريات (٥) » ؛ لأن الكسوة التي عليهن لم تستر عوراتهن «مائلات (٦) » يعني: عن العفة والاستقامة؛ أي عندهن معاص وسيئات كاللائي يتعاطين الفاحشة، أو يقصرن في أداء الفرائض، من الصلوات وغيرها «مميلات (٧) » : يعني: مميلات لغيرهن، أي يدعون إلى الشر والفساد، فهن بأفعالهن وأقوالهن يملن غيرهن إلى الفساد والمعاصي ويتعاطين الفواحش، لعدم إيمانهن أو لضعفه
стр. 13515
وقلته، والمقصود من هذا الحديث الصحيح هو التحذير من الظلم وأنواع الفساد من الرجال والنساء، وقوله ﷺ : «رءوسهن كأسنمة البخت المائلة (١) » قال بعض أهل العلم: إنهن يعظمن الرءوس بما يجعلن عليها من شعر ولفائف وغير ذلك، حتى تكون مثل أسنمة البخت المائلة، والبخت: نوع من الإبل لها سنامان، بينهما شيء من الانخفاض والميلان، هذا مائل إلى جهة وهذا مائل إلى جهة، فهؤلاء النسوة لما عظمن رؤوسهن وكبرن رءوسهن بما جعلن عليها أشبهن هذه الأسنمة. أما قوله ﷺ : «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (٢) » ، فهذا وعيد شديد، ولا يلزم من ذلك كفرهن ولا خلودهن في النار كسائر المعاصي، إذا متن على الإسلام، بل هن وغيرهن من أهل المعاصي كلهم متوعدون بالنار على معاصيهم، ولكنهم تحت مشيئة الله إن شاء سبحانه عفا عنهم وغفر لهم وإن شاء سبحانه عفا عنهم وغفر لهم وإن شاء عذبهم، كما قال في سورة النساء في موضعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) ومن دخل النار من أهل المعاصي فإنه لا يخلد فيها
стр. 13516
خلود الكفار بل من يخلد منهم كالقاتل والزاني والقاتل نفسه لا يكون خلوده مثل خلود الكفار بل هو خلود له نهاية عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم من أهل البدع؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد تواترت عن رسول الله ﷺ دالة على شفاعته ﷺ في أهل المعاصي من أمته، وأن الله يقبلها منه ﷺ عدة مرات، في كل مرة يحد له حدا فيخرجهم من النار، وهكذا بقية الرسل والمؤمنون والملائكة والأفراط كلهم يشفعون بإذنه سبحانه، ويشفعهم فيمن يشاء من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بمعاصيهم وهم مسلمون، ويبقى في النار بقية من أهل المعاصي لا تشملهم شفاعة الشفعاء، فيخرجهم الله سبحانه برحمته وإحسانه، ولا يبقى في النار إلا الكفار فيخلدون فيها أبد الآباد، كما قال في حق الكفرة: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (٢) وقال سبحانه في الكفرة من عباد الأوثان:
١٢٤ - حكم الإسلام في الشعر الصناعي المسمى (الباروكة)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد ثبت في الصحيحين «عن معاوية ﵁ أنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وتناول قصة من الشعر كانت بيد حرسي، فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه
стр. 13519
ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم (١) » وفي لفظ لمسلم: «إنما عذب بنو إسرائيل لما اتخذ هذه نساؤهم (٢) » وفي الصحيحين أيضا، واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب قال: «قدم معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله ﷺ بلغه فسماه الزور (٣) » وفي لفظ آخر لمسلم: أن معاوية ﵁ قال ذات يوم: «إنكم قد أحدثتم زي سوء وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور (٤) »
قال النووي ﵀ في شرح مسلم عند كلامه على هذا الحديث: قوله قصة من شعر قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم
стр. 13520
الرأس المقبل على الجبهة وقيل: شعر الناصية، قال: وقوله: أخرج كبة من شعر هي بضم الكاف وتشديد الباء وهي شعر مكفوف بعضه على بعض، وقال صاحب القاموس: القصة بالضم شعر الناصية.
وفي هذا الحديث الدلالة الصريحة على تحريم اتخاذ الرأس الصناعي المسمى (الباروكة) لأن ما ذكره معاوية ﵁ عن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح في حكم القصة والكبة ينطبق عليه، بل ما اتخذه الناس اليوم مما يسمى الباروكة أشد من التلبيس وأعظم من الزور إن لم يكن هو عين ما ذكره النبي ﷺ عن بني إسرائيل فليس دونه، بل هو أشد منه في الفتنة والتلبيس والزور ويترتب عليه من الفتنة ما يترتب على القصة والكبة إن لم يكن هو عينهما، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى؛ لأن العلة تعمهما جميعا وبذلك يكون محرما من وجوه أربعة: أحدها: أنه من جملة الأمور التي نهى عنها النبي ﷺ ، والأصل في النهي التحريم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتبوه وما أمرتكم به
стр. 13521
فأتوا منه ما استطعتم (١) » الحديث متفق على صحته. الثاني: أنه زور وخداع، والثالث: أنه تشبه باليهود وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » ، الرابع: أنه من موجبات العذاب والهلاك؛ لقوله ﷺ : «إنما هلكت بنو إسرائيل لما اتخذ مثل هذه نساؤهم (٣) » ، ويؤيد ما ذكرنا تحريم اتخاذ هذا الرأس أنه أشد في التلبيس والزور والخداع من وصل الشعر بالشعر.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه «لعن الواصلة والمستوصلة (٤) » ، والواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر؛ ولهذا ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث أعني حديث معاوية في باب وصل الشعر، تنبيها منه ﵀ على أن اتخاذ مثل هذا الرأس الصناعي في حكم الوصل، وذلك يدل على فقهه- ﵀ وسعة علمه ودقة فهمه، ووجه
стр. 13522
ذلك: أنه إذا كان وصل المرأة شعرها. بما يطوله أو يكثره ويكبره حراما تستحق عليه اللعنة، لما في ذلك من الخداع والتلبيس والزور، فاتخاذ رأس كامل مزور أشد في التدليس وأعظم في الزور والخداع، وهذا بحمد الله واضح.
فالواجب على المسلمين محاربة هذا الحدث الشنيع وإنكاره وعدم استعماله، كما يجب على ولاة الأمور وفقهم الله منعه والتحذير منه؛ عملا بسنة الرسول ﷺ ، وتنفيذا لمقتضاها، وحسما لمادة الفتنة، وحذرا من أسباب الهلاك والعذاب، وحماية للمسلمين من مشابهة أعداء الله اليهود، وتحذيرا لهم مما يضرهم في العاجل والآجل، والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين وأن يفقههم في الدين وأن يعيذهم من كل ما يخالفه وأن يوفق ولاة أمرهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد في المعاش والمعاد إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 13523
١٢٥ - وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها أو قصها
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد نشرت صحيفة المدينة في عددها الصادر في ٢٤ \ ١ \ ١٤١٥هـ مقالا للشيخ محمد بن علي الصابوني عفا الله عنا وعنه، يتضمن ما نصه:
ومما يتعلق بالصورة والمظهر أن يهذب المسلم شعره، أو يقص أظافره ويتعاهد لحيته، فلا يتركها شعثة مبعثرة، دون تشذيب أو تهذيب، ولا يتركها تطول بحيث تخيف الأطفال، وتفزع الرجال فكل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده، فمن الشباب من يظن أن أخذ أي شيء من اللحية حرام، فنراه يطلق لها العنان حتى تصل إلى سرته ويصبح في مظهره كأصحاب الكهف ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (١)
стр. 13524
إلى آخر ما ذكره عن النبي ﷺ وعن ابن عمر ﵄.
ولما كان في هذا الكلام مخالفة للسنة الصحيحة وإباحة لتشذيب اللحية وتقصيرها رأيت أن من الواجب التنبيه على ما تضمنه كلامه وفقه الله من الخطأ العظيم والمخالفة الصريحة لسنة النبي ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: «قصوا الشوارب وأعفو اللحى (١) » ، وفي لفظ: «قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين (٢) » ، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٣) » ففي هذه الأحاديث الصحيحة الأمر الصريح بإعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها وقص الشوارب مخالفة للمشركين والمجوس. والأصل في الأمر الوجوب فلا تجوز مخالفته إلا بدليل يدل على عدم الوجوب وليس هناك دليل يدل على جواز قصها وتشذيبها وعدم إطالتها. وقد قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤)
стр. 13525
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقال النبي ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٣) » رواه البخاري في صحيحه. وقال ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم (٤) » متفق عليه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد احتج الشيخ محمد المذكور على ما ذكره بما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه
стр. 13526
وسلم أنه «كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها، (١) » وهذا الحديث ضعيف الإسناد لم يصح عن النبي ﷺ ، ولو صح لكان حجة كافية في الموضوع ولكنه غير صحيح؛ لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي، وهو متروك الحديث.
واحتج أيضا الشيخ على ما ذكره بفعل ابن عمر ﵄ أنه كان يأخذ من لحيته في الحج ما زاد عن القبضة، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه اجتهاد من ابن عمر ﵄، والحجة في روايته لا في اجتهاده، وقد صرح العلماء أن رواية الراوي من الصحابة ومن بعدهم الثابتة عن النبي ﷺ هي الحجة وهي مقدمة على رأيه إذا خالف السنة.
فأرجو من صاحب المقال الشيخ محمد أن يتقي الله سبحانه وأن يتوب إليه مما كتب وأن يصرح بذلك في الصحيفة التي نشر فيها الخطأ، ومعلوم عند أهل العلم أن الرجوع إلى الحق شرف لصاحبه وواجب عليه وخير له من التمادي في الخطأ.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياه وجميع المسلمين للفقه في الدين وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن يصلح
стр. 13527
قلوبنا وأعمالنا، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 13528
١٢٦ - حكم إعفاء اللحية وخبر الآحاد
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فقد اطلعت على مقال لبعض الكتاب في عام ١٣٩١ هـ جزم فيه بأن حلق اللحية ليس حراما ولا مباحا ولكنه مكروه، وبنى ذلك على أمرين: أحدهما: أنه لم يرد في ذلك نص قطعي يدل على تحريم حلقها. والثاني: أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم مخالفته لأمور منها:
أن المختار عن الحنفية أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم ضده. ومنها: أن الأمر بالشيء إذا اقترن به علة معقولة المعنى -
стр. 13529
وهي أن الشارع لم يطلبه لذاته، بل لمقصد آخر مقترن به عند صدور الأمر - إذا انفك عنه هذا المقصد لم يفد الأمر الوجوب، والأمر بالإعفاء والإحفاء المقصود منه مخالفة المجوس. ومنها: أن مخالفة المسلمين غيرهم مطلوبة فيما هو من شعائر دينهم لا مطلقا ... إلخ.
ومنها: أنه ورد ما يدل على عدم التحريم؛ وهو قوله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصلون في نعالهم فخالفوهم (١) » ، ولم يقل أحد بوجوب الصلاة في النعال وأن خلعها حرام، وقوله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (٢) » ، وقد فهم منه الصحابة الندب، فلم يصبغ بعضهم. ومنها أنه إذا ذكرت أفعال متعددة وأعطيت حكما واحدا سرى هذا الحكم عليها جميعا، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار (٣) » إلى آخر الحديث.
ومنها: أنه قد ثبت «أن الرسول ﷺ كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (٤) » ، ولو كان الأمر بالإعفاء على إطلاقه لما أخذ منها شيئا.
стр. 13530
هذه جملة ما بنى عليه هذا الكاتب حكمه بعدم تحريم حلق اللحية.
وقد تضمن مقاله تحبيذ الإعراض عن البحث في هذا الموضوع؛ لأن مسألة اللحية من المسائل الفرعية، ونحن المسلمين نقف في ميدان حرب بين الكفر والإيمان، ومن كان بيته مهددا بالنسف بالبارود لا يسأل عن زجاج النافذة من كسره؟ ومن كان على سرير العمليات يعمل الطبيب سكينه في رئته لاستخراج السرطان منها يخشى أن يعاجله الموت قبل أن يعالجه من المرض لا يدع عملية الرئة لاستخراج شوكة من تحت ظفر اليد.. إلى أن قال في آخر مقاله: وأكرر القول أننا نواجه اليوم أعنف هجوم على الإسلام، ونقابل حربا تخطط لها عقول كبيرة شريرة، وتنفق عليها الأموال الكثيرة الوفيرة ... إلى أن قال: من الواجب توجيه القوى الإسلامية إلى ذلك العدو.. إلى أن قال: ومقصدي أن أقول لإخواننا الدعاة إلى الله: إن عدم إعفاء اللحية ليس من المحرمات الصريحة فلا يبدءوا الشباب بها ولا يحملوهم حملا عليها، بل نبدأ بما بدأ به رسول الله ﷺ بتصحيح الإيمان واجتناب الكبائر وإقامة الأركان. انتهى.
стр. 13531
كما ذكر في أثناء المقال أنه ذهب إلى أوربا للعلاج فرأى أن إعفاء اللحية صار شعارا لطائفة من الهيبيين الفاسدين وأنها حلية المنحرفين ... ثم قال: أقول هذا لمجرد البيان.
والجواب أن يقال: قد وقع في هذا المقال أخطاء كثيرة بعضها أشد من بعض، وسننبه عليها إن شاء الله بالتفصيل.
فنقول: أما اشتراطه للحكم بالتحريم أن يكون النص قطعي الورود والدلالة، فهو مجرد دعوى لا دليل عليها، بل قول باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن ذلك خلاف المعروف من سنة النبي ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ وعمل العلماء بعدهم. فلم يزل ﷺ يبعث الواحد والاثنين وأكثر من ذلك دعاة ومبلغين للإسلام وأحكام الشريعة، ولو كان ذلك لا تقوم به الحجة لم يفعله ﵊، ولم يزل أصحابه ﵃ يعملون بخبر الآحاد ويحتجون به في العقائد والأحكام، ولا نعلم أن أحدا منهم أنكر ذلك وليس كل خبر من أخبار الآحاد يفيد القطع. فعلم بذلك أن هذا الشرط لا أصل له
стр. 13532
عندهم، والوقائع عنهم في ذلك كثيرة مشهورة؛ منها: عمل الصديق ﵁ بشهادة المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، وعمل عمر ﵁ بشهادتهما في دية الجنين، وعمله بشهادة أبي موسى وأبي سعيد ﵄ في الاستئذان، وأمره لابنه عبد الله أن يقبل خبر سعد بن أبي وقاص ﵁ إذا أخبره عن الرسول ﷺ بشيء، ولا يسأل عنه غيره، ومنها: عمل أهل قباء بخبر الذي أخبرهم بنسخ القبلة من الشام إلى الكعبة.. إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة.
وقد أجمع الصحابة ﵃ والعلماء بعدهم على العمل بحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة ﵄ في تحريم الجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها، وخصوا بذلك قول الله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى.
الوجه الثاني: أنه يترتب على هذا الشرط إلغاء الكثير من الأحكام الشرعية الثابتة بالسنة المطهرة؛ لأن أدلتها ليست قطعية
стр. 13533
بالمعنى الذي يقصده هذا الكاتب؛ لأن القطعي من السنة عند أكثر المتأخرين هو المتواتر، أما الآحاد ليست قطعية عندهم، وهذا اللازم كاف في إبطال هذا الشرط وعدم اعتباره، فكيف وهو مخالف لجميع الأدلة الشرعية، ولما سار عليه المصطفى ﵊ وأصحابه ﵃ وجميع العلماء بعدهم، كما سبق بيان ذلك في الوجه الأول.
الوجه الثالث: ما قد علم من إجماع علماء الإسلام على أنه يجب العمل بالأدلة الثابتة عن رسول الله ﷺ في جميع الأحكام من التحريم والإباحة وغيرهما؛ وإنما اختلف علماء الأصول في إفادة أخبار الآحاد العلم؛ فقال قوم: إنها لا تفيد إلا الظن وإنما يستفاد العلم من نص القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وقال آخرون: بل يستفاد العلم من أخبار الآحاد ويقطع صحتها بالقرائن الدالة على ذلك. أما العمل بها في إثبات العقائد والأحكام فلم يختلف العلماء في وجوبه.
وممن صرح بذلك الإمام أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه: (جامع بيان العلم وفضله) قال ما نصه بعدما ذكر الضرب الأول من السنة وهو الخبر المتواتر، قال: والضرب الثاني من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل
стр. 13534
الإسناد، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعا. انتهى المقصود.
وقال العلامة النووي ﵀ في مقدمة شرحه لصحيح مسلم بعدما ذكر قول العلامة ابن الصلاح: إن أحاديث الصحيحين تفيد القطع والعلم النظري؛ لتلقي الأمة لهما بالقبول ما نصه: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون؛ فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة لهما بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه. فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة
стр. 13535
على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ . انتهى.
وهذا الذي ذكره النووي ﵀ من إجماع الأمة على وجوب العمل بأحاديث الصحيحين وإن لم تفد القطع؛ لكونها أخبار آحاد موافق لما نقلناه آنفا عن الإمام ابن عبد البر ودال على أن الخلاف بين العلماء في أخبار الآحاد إنما هو في إفادتها العلم لا في وجوب العمل بها إذا صحت أسانيدها، وهذا مطابق لما ذكرنا في الوجه الأول والثاني من هذا الجواب، وهو معلوم من الدين بالضرورة، والقول بخلافه قول في غاية البطلان والمخالفة للأدلة الشرعية ولما اجتمعت عليه الأمة.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في النخبة وشرحها ما نصه: وقد يقع فيها - أي في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب - ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، خلافا لمن أبى ذلك، والخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريا، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني،
стр. 13536
لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها، والخبر المحتف بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر، فإنه احتفت به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة على التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين؛ حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحة معناه، وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة.
وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدي
стр. 13537
وأبو الفضل ابن طاهر وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح، ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل.
وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو بكر ابن فورك وغيرهما. ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريبا كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يتشكك من له أدنى ممارسة للعلم وأخبار الناس أن مالكا مثلا لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة، وبعد عما يخشى عليه من السهو.
وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه، العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل. وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك؛ لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور.
стр. 13538
ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: أن الأول يختص بالصحيحين، والثاني: بما له طرق متعددة، والثالث: بما رواه الأئمة، ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه. والله أعلم.
وهذا الذي ذكره الحافظ ﵀ موافق لما نقلناه عن الإمام ابن عبد البر والعلامة النووي رحمة الله عليهما في بيان أن الخلاف إنما هو في إفادة أخبار الآحاد العلم والقطع، أما الاحتجاج بها ووجوب العمل بها إذا صحت أسانيدها فأمر مجمع عليه بين أهل العلم، وأحاديث الأمر بإعفاء اللحى وقص الشوارب أحاديث صحيحة قد روى بعضها الشيخان وروى بعضها الإمام مسلم في صحيحه، كما رواها غيرهما من أئمة أهل الحديث، فهي صحيحة بلا ريب ومفيدة للقطع - بأن الرسول ﷺ قالها - عند جمع من أئمة الحديث منهم أبو عبد الله الحميدي وأبو الفضل ابن طاهر وأبو عمرو ابن الصلاح وغيرهم ﵏.
فعلم بما أوضحناه أن تعليل أحاديث الأمر بإعفاء اللحى وإرخائها وجز الشوارب بأنها ليست قطعية الورود والدلالة -
стр. 13539
تعليل باطل مخالف لما أجمع عليه أهل العلم، لا يجوز التعلق به ولا التعويل عليه، بل يجب على قائله أن يعلن التوبة إلى الله منه؛ لكونه منكرا عظيما وقولا شنيعا، يترتب عليه أنواع من الباطل وطعن في كثير من أحكام الشرع المطهر، والمنكر إذا أعلن يجب على صاحبه أن يعلن التوبة منه حتى يعلم رجوعه عنه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) فلم يكتف سبحانه في حق هؤلاء بمجرد التوبة والإصلاح، بل شرط في صحة ذلك البيان؛ فقال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ (٣) فعلم أن التوبة الخالية من البيان لا تكفي، بل لا بد من بيان الحق للناس حتى يخرج بذلك من عهدة الكتمان. ولا شك أن من قال هذا القول المنكر لو تأمل المقام حين قال ما قال لم يقدم على هذه المقالة الشنيعة؛ لأن أهل العلم الراغبين في بيان الحق للناس لا يخفى عليهم أمرها لو تأملوا.
стр. 13540
فالواجب على كل من قال هذا المقال الرجوع عن الخطأ وإظهار الحق كما هو سبيل أهل العلم، وليس في بيان الحق والرجوع إليه نقص ولا غضاضة على طالب العلم، بل ذلك دليل على فضله وإنصافه وإيثاره الحق على ما سواه.
وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه: (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) في هذا المقام كلاما جيدا عظيم النفع للقراء لعظم فائدته ومسيس الحاجة إليه في هذه المسألة وغيرها. وهذا نصه:
وأما المقام الرابع - وهو إفادتها للعلم واليقين - فنقول وبالله التوفيق: الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام:
أحدها: متواتر لفظا ومعنى.
والثاني: أخبار متواترة معنى وإن لم تواتر بلفظ واحد.
الثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ .
стр. 13541
فأما القسمان الأولان: فكالأخبار الواردة في عذاب القبر والشفاعة والحوض ورؤية الرب تعالى وتكليمه عباده يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه، وأحاديث إثبات العرش، والأحاديث الواردة في إثبات المعاد والجنة والنار، ونحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بها، كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه وجاء بإثبات الصفات للرب ﵎، فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواترا معنويا لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمدا أو سهوا.
وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار ويمتنع في العادة وقوع الغلط فيها أفادت العلم اليقين.
ثم للناس في حصول العلم بها طريقان: أحدهما: أنه ضروري. والثاني: أنه نظري.
فأصحاب الضرورة يستدلون بحصول العلم لهم ضرورة على حصول التواتر الموجب له، وأصحاب النظر يعكسون الأمر،
стр. 13542
ويقولون: نحن نستدل بتواتر المخبرين على إفادة العلم، والطريق الأول أعلى التقديرين، فكل عالم بهذه الأحاديث وطرقها ونقلتها وتعددها يعلم علما يقينا لا شك فيه بل يجد نفسه مضطرة إلى ثبوتها أولا وثبوت مخبرها ثانيا، ولا يمكنه دفع هذين العلمين عن نفسه: العلم الأول: ينشأ من جهة معرفته بطريق الأحاديث وتعددها وتباين طرقها واختلاف مخارجها وامتناع التواطؤ زمانا ومكانا على وضعها.
والعلم الثاني: ينشأ من جهة إيمانه بالرسالة وأن الرسول ﷺ صادق فيما يخبر به. وهذا عند أهل العلم أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس، فإنهما من أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه والخليل والفراء وعلمهم بالعربية، ولكن أهل الكلام وأتباعهم في الغاية من قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به، وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي ﷺ شيء، أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان، كما يجده لأكابر شيوخ المعتزلة؛ كأبي الحسين البصري، يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم يعلم أن فيها ما يقارب ثلاثين حديثا. وقد ذكرناها في كتاب صفة الجنة
стр. 13543
(حادي الأرواح) ، فإنكار هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم، وما يعلم أن كثيرا من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علما؛ لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها في قلبه، فإذا اتفق لها إعراض عنها أو نفرة عن روايتها وإحسان ظن بمن قال بخلافها أو تعارض خيال شيطاني يقول بقلبه فهناك يكون الأمر كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١) فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيمانا ولا علما، وحصول العلم في القلب بموجب التواتر؛ مثل الشبع والري ونحوهما.
وكل واحد من الأخبار يفيد قدرا من العلم، فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم، إما للكثرة وإما للقوة وإما لمجموعهما، كما يحصل الشبع إما بكثرة أو بقوة المأكول وإما لمجموعهما، والعلم بمخبر الخبر لا يكون بمجرد سماع حروفه بل بفهم معناه مع سماع لفظه، فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه
стр. 13544
الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناه حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه دفعه، ولهذا كان جميع أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله ﷺ جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر.
مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم أعظم الناس صدقا وأمانة وديانة وأوفرهم عقولا وأشدهم تحفظا وتحريا للصدق ومجانبة للكذب، وأن أحدا منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله ﷺ تحريرا لم يبلغه أحد سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء، ولا عن غير الأنبياء، وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة، ومن تأمل ذلك أفاده علما ضروريا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه، وهذا أمر وجداني عندهم
стр. 13545
لا يمكنهم جحده، بل هو بمنزلة ما يحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى إنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهلون من خالفهم عليه ... إلى أن قال: فصل: خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه؛ فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيا، وتارة يتوقف فيه، فلا يترجح كذبه ولا صدقه، إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة يجزم بصدقه جزما لا يبقى معه شك، فليس خبر كل واحد يفيد العلم ولا الظن، ولا يجوز أن ينفي عن خبر الواحد مطلقا أنه يحصل العلم به، فلا وجه لإقامة الدليل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم، وإلا اجتمع النقيضان، بل نقول: خبر الواحد يفيد العلم في مواضع:
أحدها: خبر من قام الدليل القطعي على صدقه، وهو خبر الواحد القهار جل وعلا، وخبر رسوله في كل ما يخبر به.
الثاني: خبر الواحد بحضرة الرسول ﷺ وهو يصدقه كخبر الحبر الذي أخبر بحضرة رسول الله ﷺ أن الله يضع السماوات على أصبع والأرضين على
стр. 13546
أصبع والشجر على أصبع فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له، وكخبر من أخبره أنه رأى السد مثل البرد المحبر فقال: قد رأيته. ومن هذا ترتيبه ﷺ على خبر المخبر له مقتضاه (كغزوه من أخبره بنقض قوم العهد) وخبر من أخبره عن رجل أنه شتمه ونال من عرضه فأمر بقتله، فهذا تصديق للمخبر بالفعل.
وقد كان ﷺ يقطع بصدق أصحابه كما قطع بصدق تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال وروى ذلك عنه على المنبر، ولم يقل: أخبرني جبريل عن الله بل قال: حدثني تميم الداري، ومن له أدنى معرفة بالسنة يرى هذا كثيرا فيما يجزم بصدق أصحابه ويرتب على أخبارهم مقتضاها من المحاربة والمسالمة والقتل والقتال. ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع لا نمتري فيها ولا نشك على صدقهم ونجزم به جزما ضروريا لا يمكننا دفعه عن نفوسنا، ومن هذا أنه كان يجزم بصدقهم فيما يخبرونه به من رؤيا المنام ويجزم لهم بتأويلها ويقول: «إنها رؤيا حق» ، وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)
стр. 13547
فأثنى عليه ومدحه بتصديقه لمن أخبره من المؤمنين ومن هذا إخبار الصحابة به بعضهم بعضا، فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ﷺ : خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وتوقف من توقف منهم حتى عضده آخر منهم لا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبر واحد وإنما كان يستثبت أحيانا نادرة جدا إذا استخبر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا أهل الإسلام بعدهم يشكون فيما يخبر به أبو بكر الصديق عن رسول الله ﷺ ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو ذر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمر وأمثالهم من الصحابة، بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع تفرده بكثير من الحديث، ولم يقل له أحد منهم يوما واحدا من الدهر: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم، وكان حديث رسول الله ﷺ أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك، وكان
стр. 13548
المخبر لهم أجل في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقولوا له مثل ذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله ﷺ في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وضحكه وفرحه وإمساك سماواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله ﷺ أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها، حتى إنهم ربما ثبتوا في بعض أحايث الأحكام حتى يستظهروا بآخر، كما استظهر عمر ﵁ برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى. وكما استظهر أبو بكر ﵁ برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدة.
ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها
стр. 13549
وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله ﷺ . ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع.
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم، فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي. قال ابن خويز منداد في كتاب أصول الفقه: وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان.
ويقع بهذا الضرب أيضا العلم الضروري، نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها. وكذلك روى المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا
стр. 13550
اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما. فعابه وقال: لا أدري ما هذا. وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل. وقال القاضي في أول المجرد: خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول.
وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم نتلقه بالقبول. قال: والمذهب على ما حكيت لا غيره. إلى أن قال: وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه بقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث (١) » قالوا: مع أنه إنما روي من طريق الآحاد، قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا أن القول قول البائع أو يترادان. قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوسي.
قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس، قد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن كان قد خالف فيها قوم فإنهم عندنا