← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 13546–13585 · переход к 13551.

стр. 13546

أصبع والشجر على أصبع فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له، وكخبر من أخبره أنه رأى السد مثل البرد المحبر فقال: قد رأيته. ومن هذا ترتيبه ﷺ على خبر المخبر له مقتضاه (كغزوه من أخبره بنقض قوم العهد) وخبر من أخبره عن رجل أنه شتمه ونال من عرضه فأمر بقتله، فهذا تصديق للمخبر بالفعل. وقد كان ﷺ يقطع بصدق أصحابه كما قطع بصدق تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال وروى ذلك عنه على المنبر، ولم يقل: أخبرني جبريل عن الله بل قال: حدثني تميم الداري، ومن له أدنى معرفة بالسنة يرى هذا كثيرا فيما يجزم بصدق أصحابه ويرتب على أخبارهم مقتضاها من المحاربة والمسالمة والقتل والقتال. ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع لا نمتري فيها ولا نشك على صدقهم ونجزم به جزما ضروريا لا يمكننا دفعه عن نفوسنا، ومن هذا أنه كان يجزم بصدقهم فيما يخبرونه به من رؤيا المنام ويجزم لهم بتأويلها ويقول: «إنها رؤيا حق» ، وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)

стр. 13547

فأثنى عليه ومدحه بتصديقه لمن أخبره من المؤمنين ومن هذا إخبار الصحابة به بعضهم بعضا، فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ﷺ : خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وتوقف من توقف منهم حتى عضده آخر منهم لا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبر واحد وإنما كان يستثبت أحيانا نادرة جدا إذا استخبر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا أهل الإسلام بعدهم يشكون فيما يخبر به أبو بكر الصديق عن رسول الله ﷺ ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو ذر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمر وأمثالهم من الصحابة، بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع تفرده بكثير من الحديث، ولم يقل له أحد منهم يوما واحدا من الدهر: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم، وكان حديث رسول الله ﷺ أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك، وكان

стр. 13548

المخبر لهم أجل في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقولوا له مثل ذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله ﷺ في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وضحكه وفرحه وإمساك سماواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله ﷺ أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها، حتى إنهم ربما ثبتوا في بعض أحايث الأحكام حتى يستظهروا بآخر، كما استظهر عمر ﵁ برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى. وكما استظهر أبو بكر ﵁ برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدة. ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها

стр. 13549

وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله ﷺ . ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع. فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم، فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي. قال ابن خويز منداد في كتاب أصول الفقه: وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان. ويقع بهذا الضرب أيضا العلم الضروري، نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها. وكذلك روى المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا

стр. 13550

اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما. فعابه وقال: لا أدري ما هذا. وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل. وقال القاضي في أول المجرد: خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول. وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم نتلقه بالقبول. قال: والمذهب على ما حكيت لا غيره. إلى أن قال: وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه بقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث (١) » قالوا: مع أنه إنما روي من طريق الآحاد، قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا أن القول قول البائع أو يترادان. قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوسي. قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس، قد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن كان قد خالف فيها قوم فإنهم عندنا

стр. 13551

شذوذ ولا يعتد بهم في الإجماع. قال: وإنما قلنا: ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنه يوجب العلم بصحة مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول أو بخبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول دلنا ذلك من أمورهم على أنهم لم يعبروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته فأوجب لنا العلم بصحته. هذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه. ومن المعلوم لكل ذي حس سليم وعقل مستقيم استفاضة أحاديث الرؤية والنداء والنزول والتكليم وغيرها من الصفات وتلقي الأمة لها بالقبول أعظم بكثير من استفاضة حديث اختلاف المتبايعين وحديث لا وصية لوارث وحديث فرض الجدة، بل لا نسبة بين استفاضة أحاديث الصفات واستفاضة هذه الأحاديث. فهل يسوغ لعاقل أن يقول: إن هذه توجب العلم وتلك لا توجبه، إلا أن يكون مباهتا. وقد صرح الشافعي في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم، نص على ذلك صريحا في كتاب: (اختلاف مالك) ،

стр. 13552

ونصره في الرسالة المصرية على أنه لا يوجب العلم الذي يوجبه نص الكتاب والخبر المتواتر. إلى أن قال: وأما القسم الثاني من الأخبار: فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملا به أو تصديقا له كخبر عمر بن الخطاب ﵁ «إنما الأعمال بالنيات (١) » ، وخبر ابن عمر ﵄: «نهى عن بيع الولاء وهبته (٢) » ، وخبر أنس ﵁: «دخل مكة وعلى رأسه المغفر (٣) » ، وكخبر أبي هريرة ﵁: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (٤) » ، وكقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٥) » ، وقوله: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل (٦) » ، وقوله في المطلقة ثلاثا: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (٧) » ، وقوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٨) » ، وقوله: «إنما الولاء لمن أعتق (٩) » ، وقوله يعني ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى (١٠) » وأمثال ذلك. فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ الأولين والآخرين.

стр. 13553

أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع. وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة. والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل: السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خويز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين. وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل. وقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح القول الأول وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم. وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة. وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي وإلى ابن الخطيب،

стр. 13554

فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني، قال: وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو. والحجة على قول الجمهور أن تلقي الأمة للخبر تصديقا وعملا إجماع منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة، كما لو اجتمعت على موجب قياس فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ، فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد واحد من المخبرين بمفرده، ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها، كما قال النبي ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر (١) » فجعل تواطؤ الرؤيا دليلا على صحتها. والأحاديث في هذا الباب قد تكون ظنونا بشروطها فإذا قويت صارت علوما وإذا ضعفت صارت أوهاما وخيالات فاسدة.

стр. 13555

قال: وأيضا فلا يجوز أن يكون في نفي الأمر كذبا على الله ورسوله وليس في الأمة من ينكره إذ هو خلاف ما وصفهم الله تعالى به. انتهى المقصود. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في هذه المسألة لعظم شأنها. ونرجو أن يكون فيما نقلناه من ذلك الكفاية والإقناع لطالب الحق ومن أراد المزيد في ذلك فليراجع هذا الكتاب؛ أعني: الصواعق المرسلة، يجد ما يشفي ويكفي، والله المستعان. وأما قول الكاتب: إن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم مخالفته لأمور منها: أن المختار عند الحنفية أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم ضده فجوابه أن يقال: ليس الأمر كما ذكره، بل الصواب أن الأمر بالشيء إذا ورد مجردا عما يدل على إرادة الندب فإنه دال على وجوب الامتثال وعلى تحريم المخالفة ما لم يوجد دليل آخر يدل على أن الأمر للندب لا الوجوب، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية وغيرهم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية، كما سنبين ذلك قريبا إن شاء الله.

стр. 13556

وقد صرح أهل العلم ﵏ بما ذكرنا؛ قال الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أحد أئمة الحنفية المتوفى سنة ٤٩٠ هـ ﵀ في كتابه في الأصول في مباحث الأمر ما نصه: فأما الكلام في موجب الأمر فالمذهب عند جمهور الفقهاء أن موجب مطلقه الإلزام إلا بدليل. انتهى. وقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة صاحب المغني المتوفي سنة ٦٢٠ هـ ﵀ في كتابه (روضة الناظر) في مباحث الأمر ما نصه: (مسألة) : إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين. وقال بعضهم: يقتضي الإباحة؛ لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين. وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم. أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم فيتوقف فيه؛ ولأن الأمر طلب والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، ولا يلزم منه؛

стр. 13557

ولأن الشارع أمر بالمندوبات والواجبات معا، فعند وروده يحتمل الأمرين معا فيحمل على اليقين. وقالت الواقفية: هو على الوقف حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعا لأحد هذه الأقسام إما أن يعلم بنقل أو عقل ولم يوجد أحدهما فيجب التوقف فيه، ولنا ظواهر الكتاب والسنة والإجماع وقول أهل اللسان. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك، وأيضا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٣) ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب ما يذم بتركه. ومن السنة ما روى البراء بن عازب «أن النبي ﷺ أمر الصحابة بفسخ الحج إلى العمرة فردوا عليه القول

стр. 13558

فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: من أغضبك أغضبه الله. فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع (١) » . فإن قيل: هذا في أمر اقترن به ما دل على الوجوب، قلنا: النبي ﷺ إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب لما غضب من تركه، وقول النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٢) » والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب، وقوله ﵇ لبريرة: «لو راجعتيه. فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: إنما أنا شافع. فقالت: لا حاجة لي فيه (٣) » . وإجابة شفاعة النبي ﷺ مندوب إليها فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب. الثالث: إجماع الصحابة ﵃، فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله تعالى وامتثال أوامره من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره، وأوجبو أخذ الجزية من المجوس بقوله: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٤) » وغسل الإناء من الولوغ بقوله: «فليغسله سبعا (٥) » والصلاة عند ذكرها بقوله: «فليصلها إذا ذكرها (٦) » ، واستدل أبو بكر ﵁ على إيجاب الزكاة بقوله

стр. 13559

تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ونظائر ذلك مما لا يخفى يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب. الرابع: أن أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حسن عندهم لومه وتوبيخه وحسن العذر في عقوبته بمخالفة الأمر، والواجب ما يعاقب بتركه أو يذم بتركه. فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك، قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل أو حرمه عليه لم يجب عليه، ولأن مخالفة الأمر معصية، قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٣) ويقال: أمرتك فعصيتني. وقال الشاعر: أمرتك أمرا جازما فعصيتني والمعصية موجبة للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤) انتهى.

стр. 13560

وقال العلامة أبو الحسن الآمدي المتوفى سنة ٦٣١ هـ ﵀ في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام) لما ذكر اختلاف الناس في مقتضى الأمر ما نصه: ومنهم من قال: إنه حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه وهذا هو مذهب الشافعي ﵁ والفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين البصري وهو قول الجبائي في أحد قوليه. انتهى المقصود. وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ ﵀ في كتابه: (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول) في مباحث الأمر ما نصه: الفصل الثالث: اختلف أهل العلم في صيغة (افعل) هل هي حقيقة في الوجوب أو فيه مع غيره فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب فقط وصححه ابن الحاجب والبيضاوي، قال الرازي: وهو الحق، وذكر الجويني أنه مذهب الشافعي. قيل: وهو الذي أملاه الأشعري على أصحابه. انتهى المقصود. وهذا قليل من كثير من كلام علماء الأصول في بيان أن الأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب عند أكثر العلماء ولا يجوز صرفه عن الوجوب إلا بدليل يدل عليه

стр. 13561

وقد دل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أدلة كثيرة منها: أن الله سبحانه وعد أهل الطاعة الفوز بالجنة والكرامة ووعد أهل المعصية بسوء المصير، وهكذا رسوله ﷺ قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) وقال في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٣) وقال تعالى في سورة الفتح ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «كل

стр. 13562

أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (١) » رواه البخاري في صحيحه، فلو كان امتثال أمر الله ورسوله غير واجب إلا بدليل آخر يدل على الوجوب لم يستحق العاصي هذا الوعيد الشديد لأنه معذور إذا لم يكن في النص ما يدل على أن الأمر مقصود به الوجوب ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمتها في مقام الاحتجاج عليم يقينا أنهم يحملون أمر الله ورسوله ﷺ عند الإطلاق على الوجوب ويعيبون على من خالف ذلك إذا لم يكن معه دليل يدل على صرف الأمر عن ظاهره إلى غيره ومن الأدلة الدالة على أن الأمر للوجوب ما لم يوجد دليل يدل على خلاف ذلك أن الله لما أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس غضب عليه ولعنه وطرده من رحمته بسبب عصيانه الأمر المجرد وهو قوله سبحانه: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٢)

стр. 13563

وقال تعالى موبخا لإبليس على تخلفه عن الطاعة: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (١) فدل ذلك على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب كما يقتضي ذم المخالف وتوبيخه والغضب عليه. ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله سبحانه في سورة المرسلات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٢) فذمهم بذلك على مخالفة الأمر وهو قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ (٣) ومن ذلك أيضا قوله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) فتوعد من خالف أمر الرسول ﷺ أن يصاب بالفتنة أو العذاب الأليم، فلو كان امتثال الأمر المجرد غير واجب لم يستحق المخالف له هذا الوعيد. والأدلة في هذا الباب كثيرة لمن تدبر الكتاب والسنة طالبا للحق مؤثرا له (٥) .

стр. 13564

وبما ذكرناه من الأدلة وكلام أهل العلم يعلم بطلان قول من قال: إن الأمر عند الإطلاق لا يدل على الوجوب وهو الذي اعتمده الكاتب في مقاله المذكور ورجح به قوله بعدم وجوب إعفاء اللحى، وهو قول ظاهر الفساد لمن تأمل الأدلة، والله ولي التوفيق. وأما قوله في تبرير ما ذهب إليه من عدم اقتضاء الأمر الوجوب في قوله ﷺ : «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين (١) » متفق على صحته، وقوله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٢) » خرجه مسلم في صحيحه ما نصه: ومنها أن الأمر بالشيء إذا اقترن به علة معقولة المعنى - وهي أن الشارع لم يطلبه لذاته بل لمقصد آخر مقترن به عند صدور الأمر إذا انفك عنه هذا المقصد - لم يفد الأمر الوجوب، والأمر بالإعفاء والإحفاء المقصود به مخالفة المجوس. انتهى. فجوابه أن يقال: إن الرسول ﷺ قد علل قص الشوارب وإعفاء اللحى بعلتين:

стр. 13565

إحداهما: أن ذلك من الفطرة، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة (١) » فذكر منها قص الشارب وإعفاء اللحية والعلة الثانية: أن إطالة الشوارب وحلق اللحى فيهما مشابهة للمجوس والمشركين، وهذه العلة لم تنفك عن الأمر بل لا تزال معتبرة إلى يوم القيامة؛ لأن الشارع ﵊ قد أمر أمرا مطلقا بمخالفة المشركين في زيهم وأخلاقهم وشعائر دينهم، ولم يحدد ذلك بزمن معلوم ولم يجعل له نهاية معلومة، فوجب أن يكون ذلك أمرا مطلوبا من المسلمين إلى يوم القيامة. والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى؛ منها ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ (٢) » .

стр. 13566

ومنها ما خرجه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم (١) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة كتابا جليلا عظيم الفائدة سماه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ، وذكر فيه من الآيات والأحاديث والآثار وكلام أهل العلم ما يدل على أن الشرع المطهر جاء بالنهي عن مشابهة الكفار والأمر بمخالفتهم. فلنذكر من كلامه ﵀ ما يبين لمن يطلع على هذه الكلمة ما في مشابهة الكفار في حلق اللحى وإطالة الشوارب وغير ذلك من صنوف المشابهة من الفساد الكبير والعواقب الوخيمة. قال ﵀ في الكتاب المذكور ما نصه: الوجه الثامن من الاعتبار: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن

стр. 13567

الرجلين إذا كانا في بلد واحدة ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا ما لا يألفون غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على الملك وإما على الدين وكذلك تجد الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع عن ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ (٣)

стр. 13568

وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤) فبين أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم. وقال :

стр. 13569

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (١) فأخبر أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك، واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه. والله أعلم. انتهى. فتأمل رحمك الله قوله: فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة، يتضح لك في ذلك شيء من الحكمة في أمر النبي ﷺ بمخالفة المجوس والمشركين في إطالة الشوارب وعدم إعفاء اللحى وغير ذلك، وأن تلك المشابهة تورث المودة والمحبة؛ فلذلك أمر الشارع ﵊ بإعفاء اللحى وإرخائها وجز الشوارب وإحفائها مخالفة للمشركين وحسما لمادة التشبه بهم المفضي إلى موالاتهم ومحبتهم علاوة على ما في ذلك من مخالفة الفطرة ومشابهة النساء، والله المستعان.

стр. 13570

وأما قول الكاتب - هداه الله - في مبررات صرف الأمر بإعفاء اللحى وجز الشوارب عن الوجوب إلى الندب ما نصه: (ومنها أن مخالفة المسلمين غيرهم مطلوبة فيما هو من شعائر دينهم لا مطلقا ... إلخ) - فجوابه أن يقال: قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذم مشابهة المسلمين للكفار والتحذير من ذلك ولم تخص شيئا من شئونهم دون شيء فتخصيص النهي بما هو من شعائر دينهم يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل يدل على ذلك، بل الأدلة الشرعية كلها تقتضي ذم التشبه بالمشركين فيما هو من شعائر دينهم وفي غيره، وقد أسلفنا في الأدلة ما يدل على ذلك، وهو قوله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه (١) » الحديث، ولم يقل في شعائر دينهم. وقوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » ولم يقل في شعائر دينهم، ومنها: أحاديث الأمر بمخالفة المشركين والمجوس في جز الشوارب وإرخاء اللحى، وليس حلق اللحى وإطالة الشوارب من شعائر دينهم. وقد أمر النبي ﷺ بمخالفتهم في ذلك، ومن ذلك قوله ﷺ : «لا

стр. 13571

تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا - يعني الكفار - ولكم في الآخرة (١) » متفق على صحته، ومنها قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، قالوا، يا رسول الله: كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك (٢) » خرجه البخاري. والأدلة في هذا كثيرة ولا يجوز لأحد أن يخصص الأدلة الشرعية إلا بدليل شرعي يقتضي التخصيص، ولا ريب أن التشبه بالكفار في شعائر دينهم كأعيادهم ونحوها أشد في الإنكار وأعظم في الإثم، ولكن ليس النهي عن ذلك وتحريمه مختصا بما يتعلق بشعائر دينهم. وأما احتجاج الكاتب على عدم اقتضاء الأمر الوجوب بالأحاديث الواردة في صبغ الشيب والصلاة في النعال، فجوابه أن يقال: إن الأصل وجوب الامتثال في الأمرين جميعا وهما مخالفة

стр. 13572

اليهود والنصارى بصبغ الشيب والصلاة في النعال والخفاف، ولكنه ترك ذلك لما ورد من الأحاديث الدالة على أن الأمر بتغيير الشيب والصلاة في النعال للندب لا للوجوب. وبذلك لا يبقى له ولا لغيره من القائلين بعدم اقتضاء الأمر الوجوب حجة في الحديثين المذكورين؛ لأن محل البحث هو الأمر المجرد، أما الأمر الذي ورد في الأدلة الشرعية ما يدل على أنه قد أريد به الندب لا الوجوب فليس محل البحث عند الجميع. وأما احتجاجه على عدم اقتضاء الأمر الوجوب بما نصه: إذا ذكرت أفعال متعددة وأعطيت حكما واحدا سرى هذا الحكم عليها جميعا مستدلا على ذلك بما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار (١) » إلخ الحديث. فجوابه أن يقال: ليس الأمر كما ذكر، وليس في الحديث المذكور حجة على ما ذهب إليه؛ لأن البراهين الشرعية تحددت

стр. 13573

على أن بعض الأمور قد تشترك في كونها مشروعة أو منهيا عنها وينفرد بعضها عن بقية ما قرن به بكونه واجبا أو محرما، ومن ذلك الأمور المذكورة في هذا الحديث، فإن الأحاديث الصحيحة قد دلت على وجوب إعفاء اللحى وقص الشوارب والاستنشاق في الغسل والوضوء وانتقاص الماء، وهو الاستنجاء، كما دلت على أن السواك مستحب فقط وليس بواجب. وأما حلق العانة ونتف الإبط وقلم الأظفار ففي واجبها خلاف بين أهل العلم، والمشهور في كلامهم أنها سنة، وظاهر الأدلة يقتضي وجوبها لإطلاق الأحاديث الآمرة بذلك؛ ولأن النبي ﷺ وقت للمسلمين أن لا يتركوها مع قص الشارب أكثر من أربعين ليلة؛ كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة (١) » وإذا قال الصحابي مثل هذه الصيغة فهي في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، كقوله: أمرنا أو نهينا؛ لأنه لا آمر ولا ناهي ولا مؤقت إلا هو

стр. 13574

عليه الصلاة والسلام، وقد جاء الرفع صريحا في رواية أحمد والنسائي والترمذي وأبي داود. وأما احتجاجه على عدم وجوب إعفاء اللحى بقوله: ومنها: أنه قد ثبت «أن الرسول ﷺ كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (١) » ، ولو كان الأمر بالإعفاء على إطلاقه لما أخذ منها شيئا. فجوابه: أن يقال: إن حكمه بثبوت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ يدل على أنه لم يراجع كلام أهل العلم على هذا الحديث، ولو راجعه لعلم أنه ليس بثابت عن رسول الله ﷺ ، وقد صرح أهل العلم بأن الواجب على من يتكلم في التحليل والتحريم وسائر الأحكام أن يعتني بالأدلة وأن لا يجزم عن رسول الله ﷺ إلا بما عرف صحته، فإن لم يعرف ذلك فالواجب أن يأتي بصيغة التمريض؛ ك (روي) و (يذكر) ونحو ذلك، كما نبه عليه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وغيره، وقال الحافظ العراقي ﵀ في الألفية ما نصه:

стр. 13575

وإن ترد نقلا لواه أو لما ... يشك فيه لا بإسنادهما فأت بتمريض كيروى واجزم ... بنقل ما صح كقال فاعلم وقد نص أهل العلم من شراح الحديث وغيرهم على ضعف هذا الحديث؛ لأن مداره على عمر بن هارون البلخي وهو ضعيف الحديث عند أئمة الحديث، وقد اتهمه بعضهم بالكذب. ونحن نذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك؛ ليكون قارئ هذه الكلمة على بينة من هذا الحديث الذي قد اغتر به كثير من الناس واتخذه سلما لقص اللحى، وعدم توفيرها مع أنه لو صح لم يدل إلا على التخفيف من شعرها طولا وعرضا ولا يجوز أن يحتج به على حلقها لأنه تجاوز لما دل عليه الحديث لو صح. والله المستعان. قال الشيخ أبو زكريا يحيى النووي ﵀ في شرح المهذب ج١ ص ٣٢١ ما نصه: وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها (١) » ، فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به.

стр. 13576

وبما ذكرنا في هذا الجواب من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم يتضح لطالب الحق بطلان ما اعتمده هذا الكاتب في قوله بعدم تحريم حلق اللحى كما يتضح له بطلان قوله: بأن الأمر المطلق لا يفيد الوجوب ولا تحريم ضد المأمور به. وبطلان قوله: (إن خبر الآحاد ليس قطعيا، فلا ينهض للقول بوجوب إعفاء اللحى وتحريم حلقها) ويعلم أن الحق الذي لا ريب فيه هو أن الأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب عند جمهور العلماء، وأن خبر الآحاد إذا استقام سنده حجة يجب العمل به عند جميع أهل العلم في العقائد وغيرها، وإنما الخلاف بينهم إنما هو في إفادته العلم لا في وجوب العمل، وقد سبق في كلام أهل العلم المحققين أن خبر الآحاد يفيد العلم بالقرائن، وأن سلف هذه الأمة ما كانوا يخوضون في ذلك بل كانوا يتلقون أحاديث رسول الله ﷺ إذا صحت أسانيدها بالقبول وينقلونها عن رسول الله ﷺ إذا صحت أسانيدها بالقبول وينقلونها عن رسول الله ﷺ جازمين أنه قالها، ويحتجون بها على جميع الأحكام، ولا يعلم عن واحد منهم انه قال لمن احتج عليه بحديث صحيح: إن هذا خبر آحاد لا تقوم به الحجة وإنما وقع مثل هذا

стр. 13577

في كلام بعض المتأخرين الذين خاضوا في الكلام واغتروا بشبهة أهله. كما يتضح مما سبق أن القول بوجوب إعفاء اللحى وتوفيرها وتحريم حلقها هو القول الحق، وأنه ليس مع من خالف ذلك إلا شبهات لا تسمن ولا تغني من جوع أو حديث ضعيف لا يجوز أن تعارض به الأحاديث الصحيحة. وسأنقل لك بعض كلام أهل العلم في وجوب إعفاء اللحى وتحريم حلقها، تكميلا للفائدة وإيضاحا لما سبق بيانه من دلالة الأحاديث الواردة في هذا الباب عند أهل العلم على ما ذكرنا مع العلم بأن اللحية هي ما نبت على الخدين والذقن، كما في القاموس ولسان العرب، والله ولي التوفيق. قال العلامة النووي ﵀ في شرح مسلم في شرحه لحديث ابن عمر وأبي هريرة لما ذكر كلام القاضي عياض ﵀ في شرح حديث ابن عمر وأبي هريرة المذكورين آنفا، ما نصه: (والمختار ترك اللحية على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلا، والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة..) اهـ

стр. 13578

وقال العلامة ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن في كلامه على حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية (١) » . . . الحديث ما نصه: (وأما إعفاء اللحية فهو إرسالها وتوفيرها. كره لنا أن نقصها كفعل بعض الأعاجم وكان من زي آل كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب، فندب ﷺ أمته إلى مخالفتهم في الزي والهيئة ... ) اه. وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في الفروع ما نصه: (ويحرم حلقها - يعني اللحية - ذكره شيخنا يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال أيضا: (وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض) انتهى المقصود من كلامه. وقال العلامة المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي بعد كلام سبق ما نصه: (قلت: لو ثبت حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المذكور في الباب المتقدم لكان قول الحسن البصري وعطاء أحسن الأقوال وأعدلها، لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. وأما قول من قال إنه إذا زاد عن

стр. 13579

القبضة يؤخذ الزائد واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة ﵃ فهو ضعيف؛ لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار، فهذه الآثار لا تصلح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء، وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضها والله تعالى أعلم ... ) اه ومراده بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما خرجه الترمذي ﵀ عنه «أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (١) » وهو حديث لا يصلح كما قاله المباركفوري وغيره، وصرح به قبله النووي في شرح المهذب كما سبق بيان ذلك لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متروك الحديث، كما في التقريب؛ لكونه متهما بالكذب. وقد انفرد برواية هذا الحديث عن أسامة بن زيد الليثي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال الشيخ علي محفوظ في كتابه (الإبداع في مضار الابتداع) ما نصه: (ومن أقبح العادات ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوفير الشارب، وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى

стр. 13580

المصريين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد ﷺ . فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب (١) » وروي أيضا عنه قال: قال ﷺ : «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى (٢) » وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس (٣) » . (التوفير) الإبقاء، (وأحفوا) بهمزة قطع: الإحفاء وهو المبالغة في الجز، (وأعفوا) : من أعفيته إذا تركته حتى كثر وزاد. فإعفاء اللحية تركها لا تقص حتى تعفو وتكثر، وإرخاؤها وإبقاؤها بمعنى الإعفاء. والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها نص في وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ منها على ما سيأتي.

стр. 13581

ولا يخفى أن قوله: «خالفوا المشركين (١) » وقوله «خالفوا المجوس (٢) » يؤيدان الحرمة، فقد أخرج أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٣) » وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو هيئة. وفي ذلك خلاف للعلماء؛ فمنهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال لا يكفر ولكن يؤدب. فهذان الحديثان بعد كونهما أمرين دالان على أن هذا الصنع من هيئات الكفار الخاصة بهم، والنهي إنما يكون عما يختصون به، فقد نهانا ﷺ عن التشبه بهم عموما في قوله (من تشبه) ومن أفراد هذا العام حلق اللحية، وخاصا في قوله: «وفروا اللحى (٤) » «خالفوا المجوس (٥) » «خالفوا المشركين (٦) » . ثم ما تقدم من الأحاديث ليس على إطلاقه؛ فقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «كان رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها (٧) » وروى أبو داود والنسائي أن ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع ما

стр. 13582

زاد على الكف، وفي لفظ: ثم يقص ما تحت القبضة، وذكره البخاري تعليقا، فهذه الأحاديث تفيد ما رويناه آنفا. فيحمل الإعفاء على إعفائها من أن يؤخذ غالبها أو كلها. وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه. الأول: مذهب الحنفية: قال في الدر المختار: ويحرم على الرجل قطع لحيته، وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة "بالضم". وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد. وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم.. اه فتح.

стр. 13583

وقوله: (وما وراء ذلك يجب قطعه) هكذا عن رسول الله ﷺ أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها كما رواه الإمام الترمذي في جامعه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية. الثاني: مذهب السادة المالكية: حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة. وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف الأولى أو مكروه، كما يؤخذ من شرح الرسالة لأبي الحسن، وحاشيته للعلامة العدوي. ﵏. الثالث: مذهب السادة الشافعية: قال في شرح العباب: "فائدة": قال الشيخان: يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعي ﵁ نص في الأم على التحريم. وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها ... اه. ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور. الرابع: مذهب السادة الحنابلة: نص في تحريم حلق اللحية؛ فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها. ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافا، كصاحب الإنصاف، كما يعلم ذلك بالوقوف على شرح المنتهى وشرح منظومة الآداب وغيرهما.

стр. 13584

ومما تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يشرع لخلقه سواه، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدي سيدنا محمد ﷺ ..) اه كلام الشيخ علي محفوظ من كتاب " الإبداع في مضار الابتداع ". وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير وأرجو أن يكون فيما نقلنا من كلام أهل العلم كفاية ومقنع لطالب الحق. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين لمعرفة الحق واتباعه وإيثاره على ما سواه وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن وطاعة الهوى والشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. حرر في ٢١\٩\١٤١١ هـ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 13585

صفحة فارغة
следующие страницы →