يقول: كما علم النبي الصحابة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، هذا هو الذي علمه النبي أمته، ومات على ذلك ﵊.
стр. 14772
س ١٣: هل الدين خاص بشعائر معينة، أم هو شامل لكل أمور الحياة؟ وما الحكم فيمن يقول: إن الدين خاص بالمسجد، أو لا يتدخل في المعاملات والسياسة وما شابه ذلك؟
ج: الدين عام، يعم المسجد ويعم البيت ويعم الدكان، ويعم السفر ويعم الحضر ويعم السيارة ويعم البعير، يعم كل شيء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (١) . يعني في الإسلام كله، فالعبد عليه أن يتقي الله في كل شيء، وأن يسلم وجهه إلى الله في كل شيء، ليس في المسجد فقط، بل في المسجد والبيت، مع أهله ومع ضيوفه ومع جيرانه، وفي الأسواق مع إخوانه، في محل البيع والشراء، عليه أن يبيع كما شرع الله، ويحذر الربا ويحذر الكذب ويحذر الخيانة ويحذر الغش، وهكذا في جميع أحواله، الدين عام في كل شيء، الدين معك في كل شيء، في
стр. 14773
بيتك، في دكانك، في سفرك، في إقامتك، في الشدة في الرخاء، عليك أن تلتزم بالدين، ما هو فقط في المسجد، هذا يقوله الضالون، يقوله العلمانيون دعاة الضلالة، دعاة الإلحاد، الدين معك في كل شيء، عليك أن تلتزم بدين الله في كل شيء، وأن تستقيم بدين الله في كل شيء، فالمسلم يلتزم بدين الله ويستقيم على أمر الله، في جميع الأمور، لا يختص بالبيت ولا بالمسجد، ولا بالسفر ولا بالحضر، بل في جميع الأشياء، عليك أن تطيع الله، وتؤدي فرائضه، وتنتهي عن محارمه، وتقف عند حدوده أينما كنت، في بيتك أو في الجو، أو في البحر أو في السوق، أو في أي مكان.
стр. 14774
س ١٤: ما هي صفات السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ؟
ج: بينهم النبي ﷺ ، بأنهم المستقيمون على دين الله، السبعون ألفا، ومع كل ألف سبعون ألفا. مقدم هذه الأمة المؤمنة، مقدموهم يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر. وهم الذين جاهدوا أنفسهم لله، واستقاموا على دين الله، أينما كانوا في أداء الفرائض، وترك المحارم، والمسابقة إلى الخيرات.
стр. 14775
ومن صفاتهم: لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون:
لا يسترقون يعني ما يطلبون من يرقيهم، ولا يكتوون، وليس معناه تحريم هذا، لا بأس بالاسترقاء ولا بأس بالكي عند الحاجة إليهما، ولكن من صفاتهم ترك ذلك والاستغناء بالأسباب الأخرى، لا يطلبون من يرقيهم، ما يقول يا فلان ارقني، ولكن إذا دعت الحاجة لا بأس، لا يخرجه ذلك إذا دعت الحاجة عن السبعين، ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تسترقي في بعض مرضها، وأمر أم أيتام جعفر بن أبي طالب أن تسترقي لهم، كما في الحديث الصحيح.
وهكذا الكي، كوى بعض أصحابه ﵊، وقال: «الشفاء في ثلاث، كية نار، أو شرطة محجم أو شربة عسل، وما أحب أن أكتوي، وقال: وأنا أنهى أمتي عن الكي (١) » ، فالكي آخر الطب، إذا تيسر الطب الآخر فهو أولى، وإذا دعت الحاجة إليه فلا بأس.
стр. 14776
س ١٥: لقد درجت وشاعت بعض العادات عند القبائل، بإحضار من يسمون شعراء المحاورة ، مثل أن يأتوا بشاعرين كل واحد منهما من قبيلة، مقابل إعطائهم مبلغا من المال في حفلات العرس ونحوها، ويقوم الشاعران بإحياء الليل كما يقولون، حيث يكون هناك صفان متقابلان من الرجال، كل شاعر له صف يرددون ترديدا جماعيا ما يقوله الشاعران، بأصوات عالية مع التصفيق والرقص والتمايل، ويفتخر كل شاعر بحسبه ونسبه، ويطعن بالمقابل في الشاعر الآخر، فما الحكم في هذا كله؟
ج: أما الغناء في العرس من النساء بالدفوف، فهذا من إعلان النكاح، وهو مشروع، ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة، ليس فيه اختلاط، بل الأغاني العادية ليس فيها منكر، هذا مشروع للنساء وهو من إعلان النكاح، وكان يفعل في عهد النبي ﷺ ويحضره أزواجه وغيرهم، أما الرجال، فلا بأس أن يتعاطوا الشعر العربي، ويجتمعوا عليه ويسمعوه الذي ليس فيه محذور، ليس فيه غيبة ولا سب ولا شتم، ولا يسبب
стр. 14777
الشحناء والعداوة، بدون طبل وبدون منكر آخر، من عيب الناس عيب قبيلة فلان، وعيب قبيلة فلان مما يسبب الشحناء هذا لا يجوز. أما إذا حضروا شعرا طيبا، كشعر حسان والأشعار الطيبة والقصائد الطيبة، التي فيها الخير والدعوة إلى الخير، أو قام شاعر يدعوهم إلى الخير، إلى الجود والكرم والأعمال الطيبة، وقام شاعر آخر كذلك، يدعو إلى الخير، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال لا بأس، كما قال ﷺ : «إن من الشعر حكمة (١) » وقال لحسان: «اهج الكفار، فوالذي نفسي بيده إنه لأشد عليهم من وقع النبل (٢) » ، وقال: «اللهم أيده بروح القدس (٣) » كان حسان يهجوهم، وكانت أشعاره عظيمة طيبة، وهكذا عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وهكذا من بعدهم من الشعراء الطيبين، ومن الشعر نونية ابن القيم، التي هي من أعظم الشعر ومن أنفعه، قصيدة طيبة عظيمة نافعة، نونية
стр. 14778
القحطاني قصيدة طيبة نافعة في العقيدة، وهكذا الأشعار الطيبة التي فيها الدعوة إلى الخير، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، هذا طيب، في العرس وغير العرس، أما أن يقوم شاعران أو أكثر يتفاخران، يذم بعضهم بعضا، أو يسب بعضهم بعضا، هذا منكر، أو يسب هذا قبيلة هذا، وقبيلة هذا، هذا منكر، لكن إذا كان الشعر فيما ينفع الناس، في الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، بر الوالدين، صلة الرحم، طاعة الله ورسوله، طاعة ولاة الأمور في المعروف، الحذر من معاصي الله، هذا كله طيب، له أثر في النفوس، ولا بأس أن تعطى المغنية في العرس أجرة على عملها، أو الشاعر الذي عنده أشعار طيبة، يدعى ليقول الشعر الطيب الذي ينفع الناس، يعطى جائزة، لا بأس. أما الذي يدعو إلى غيبة فلان، وغيبة فلان وذم فلان ومدح فلان، لإثارة الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس فهذا منكر لا يجوز.
стр. 14779
س ١٦: هل من النياحة اجتماع أهل الميت في بيت، واستقبالهم للناس ثلاثة أيام تسهيلا على الأقرباء؟
ج: النياحة لا تجوز، لكن إذا جلس في البيت ليعزيه الناس،
стр. 14780
لا بأس، جلس في بيته في الأوقات المناسبة حتى يزوره أقاربه وغيرهم من المعزين، لا بأس بذلك، لكن لا يحتفلون بالطعام، أهل الميت يذبحون للناس، أو يصنعون طعاما للميت، لا، هذا بدعة لا أصل له، لكن إذا جلس صاحب البيت، في الأوقات المناسبة من المغرب والعشاء، أو الضحى أو غيره ليزوره إخوانه، ويعزوه حتى لا يشق عليهم، أو عزوه في الطريق، أو في المقبرة أو في المسجد كفى ذلك.
стр. 14781
س ١٧: ما حكم نشر العزاء في الصحف ورد العزاء أيضا في الصحف ، وكتابة الآيات الكريمة التي فيها تزكية للميت؟
ج: في الصحف فيما بلغني أنه يكلف كثيرا، يخشى من التكلف، نفقات طائلة بلا حاجة، وأنه لو كتب أحسن الله عزاء آل فلان في ميتهم، غفر الله له، ما يضر، لكن بلغني أنه يكون فيه كلفة، وتركه أولى إذا كان فيه كلفة، يكتب لهم كتابة، رسالة إليهم، برقية، ويكفي، إذا كان في الجريدة مشقة من نفقات، وليس من النعي الذي نهى عنه رسول الله، النعي الذي نهى عنه، كان أهل الجاهلية إذا مات ميت، أركبوا إنسانا يطوف بين القبائل، ينعى إليهم الميت، وهذا من عمل الجاهلية، أما إذا كتب
стр. 14782
كتابة يعزي، أو كتب في الجريدة أحسن الله عزاء آل فلان، لا بأس، لكن إذا كان يكلف وفيه مؤنة، ينبغي تركه؛ لأن الرسول نهى عن إضاعة المال، وهذا من إضاعة المال، يكفي الكتابة، الخط إليهم، أو برقية، أو مكالمة تلفونية تكفي.
стр. 14783
س ١٨: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، وهل هو على الروح فقط، أو على الروح والجسد ؟
ج: من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، الميت إما أن ينعم وإما أن يعذب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، وقد أخبر النبي بهذا ﵊ عن ذلك: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وقد أطلع الله نبيه ﷺ على شخصين يعذبان، أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من بوله.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، أنه حق على الروح والجسد جميعا، ولكن نصيب الروح أكثر، كما قال الله جل وعلا في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١)
стр. 14784
فهكذا الميت الصالح ينعم في قبره، وغير الصالح يعذب في قبره، ويوم القيامة العذاب أشد، والنعيم أعظم، بعد البعث والنشور.
стр. 14785
س ١٩: هل يكفي المعتقد الصحيح عن العمل، والاستقامة على شرع الله؟
ج: لا يكفي الإيمان المعتقد عن العمل، لا بد من العمل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) ، لا بد من العمل، يؤمن بالله ورسوله وتوحيد الله ويعمل، يؤدي فرائض الله وينتهي عن محارم الله، لا بد من هذا وهذا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٢) . لا بد من الإيمان والعمل.
стр. 14786
س ٢٠: إنني رجل أقوم بالدعوة والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار المنكرات على الناس، ولكن هناك من يتصدى لي، ويقول: إنك تتدخل فيما
стр. 14787
لا يعنيك، وإنك تثير فتنة، فما الحكم في ذلك؟
ج: إذا كان عندك علم، وتدعو إلى الله على بصيرة، فلا تلتفت إلى من ثبطك، تدعو إلى الله، تعلم الناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، مع الحلم والصبر والاحتساب، وطيب الكلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) .
فاستمر على ذلك ما دمت عندك علم، واستقم على ذلك، ولا تلتفت إلى من ثبطك، لكن عليك بالحكمة، عليك بما قال الله
стр. 14788
ورسوله وحسن مواضعها، الحلم والصبر وعدم العجلة في الأمور، وعليك بالرفق وطيب الكلام.
стр. 14789
س ٢١: يقول بعض المفسرين في تفسير قول الله : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (١)(٢) أي ذكر حيث تنفع التذكرة، هل هذا العصر هو عصر الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؟
ج ٢١: هذا ليس بشرط، وإنما هو وصف أغلبي، يعني تعظم الفرضية، والوجوب عند انتفاع الناس بالذكرى، وإلا هو مأمور بالتذكير، عسى أن ينتفع، ولهذا في الآيات الأخرى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٣) ، و ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .
الإنسان يذكر والنفع بيد الله، لكن إذا نفعت الذكرى يكون الوجوب أشد، تكون الفائدة أعظم، من يرى منه الانتفاع،
стр. 14790
والاستفادة يكون الواجب عليهم يتضاعف، ويقوى ويكبر.
أما قولك: هل هذا العصر هو عصر الشح المطاع، والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فلا في هذا، لكن ليس معناه أن هذا هو العصر الذي يترك الإنسان، لا يؤمر ولا ينهى، لأن فيه شحا مطاعا وفيه هوى متبع وفيه إعجاب، لكن ليس العصر الذي يقف فيه الإنسان عن الدعوة، وعليه بنفسه، لا، الحمد لله: الدعوة مسموعة ومفيدة ونافعة، وهناك من يستجيب لها، فعليه أن يدعو إلى الله ويحذر شحا مطاعا وهوى متبعا ويحذر دنياه المؤثرة، ولكن لا يقف عن الدعوة، إلا إذا جاء وقت يمنع فيه من الدعوة، ويعاقب عليها ولا يسمح له أن يدعو أحدا من إخوانه، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حينئذ عليه بنفسه، وليس هذا وقتهم، الحمد لله بل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاة إلى الله ولله الحمد مسموح لهم، يدعون إلى الله، كون بعض الناس قد يخطئ، قد يوقف لأجل خطأ منه في بعض المسائل، ما يمنع من الدعوة، فالإنسان يلزم الطريق ويستقيم على الطريق السوي ولا يمنع. وإذا منع أحد أو أوقف أحد لأجل أنه حاد عن السبيل
стр. 14791
في بعض المسائل، أو أخطأ في بعض المسائل، حتى يتأدب وحتى يلتزم، هذا من حق ولاة الأمور، أن ينظروا في هذه الأمور، وأن يوقفوا من لا يلتزم بالطريقة التي يجب اتباعها، وعليهم أن يحاسبوا من حاد عن الطريق حتى يستقيم، هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وعلى الدولة أن تتقي الله في ذلك، وأن تتحرى الحق في ذلك، وعليها أن تأخذ رأي أهل العلم، وتستشير أهل العلم، عليها أن تقوم بما يلزم، ولا يترك الحبل على الغارب، كل من جاء يتكلم، لا، قد يتكلم أناس يدعون إلى النار، وقد يتكلم أناس ينشرون الشر والفتن، يفرقون بين الناس بغير حق، فعلى الدولة أن تراعي الأمور بالطريقة الإسلامية، بالطريقة المحمدية، بمشاورة أهل العلم، حتى يكون العلاج في محله، والدواء في محله، وإذا وقع خطأ أو غلط، فلا يستنكر، من يسلم من الغلط، لكن الداعية قد يغلط، والآمر والناهي قد يغلط، والدولة قد تغلط، والقاضي قد يغلط، والأمير قد يغلط، كل بني آدم خطاء، لكن المؤمن يتحرى، الدولة تتحرى الحق، والأمير يتحرى، والقاضي يتحرى، والداعي إلى الله يتحرى، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يتحرى، وليس
стр. 14792
معصوما، فإذا غلط، ينبه على خطئه، ويوجه إلى الخير، فإذا عاند فإلى الدولة أن تعمل معه من العلاج أو التأديب، أو السجن ما يمنع العناد إذا عاند الحق وعاند الاستجابة، ومن أجاب وقبل الحق فالحمد لله.
стр. 14793
س ٢٢: من الصحف الآن من ت نشر صور المغنين، والمطربين والممثلات وغير ذلك، وفسادهم بين؟
ج: هؤلاء يجب منعهم، يجب على الدولة أن تمنعهم، يجب على الدولة أن تمنع نشر الصور، من صور المغنين، ومنع نشر الدعوة إلى الباطل، على الدولة وعلى أهل الحسبة، أن يقوموا في هذا، وعلى أهل الدعوة أن يتعاونوا على البر والتقوى، وعلى وزارة الإعلام أن تجتنب ذلك، وأن تحرص على نشر الحق، سواء كان من طريق الإعلام، المرئي أو المسموع أو المقروء، يجب على القائمين على وزارة الإعلام، أن يتقوا الله وأن يعملوا ما يرضي الله، ويحذروا ما حرم الله، وعلى الدولة أن تقوم بذلك، وعلى المسلمين والعلماء والأخيار أن يساعدوا في ذلك، وأن يتعاونوا في ذلك، وأن يرفعوا للدولة ما قد يقع من الخطأ.
стр. 14794
س ٢٣: ما هي كتب العقيدة الصحيحة التي تنصحون طلبة العلم باقتنائها وقراءتها ، وكيف توجهون الداعية الذي يدعو الناس، من أهل البادية من العامة، الذين يحتاجون إلى تعلم أصول العقيدة؟
ج: أعظم كتب العقيدة وأنقعها: كتاب الله القرآن، فيه الهدى والنور، فنوصي الجميع رجالا ونساء كبارا وصغارا، أن يعتنوا بالقرآن وأن يجتهدوا في حفظه، والإكثار من تلاوته، فهو كتاب العقيدة، وهو كتاب الهدى وهو الشافي المفيد النافع، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) ، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) .
وهو الصراط المستقيم، فنوصي جميع المسلمين في كل مكان، جميع الرجال والنساء العرب والعجم، نوصي الجميع بأن يلزموا هذا القرآن، وأن يعظموه ويعملوا به، ويكثروا من تلاوته، أينما كانوا، من المصحف وعن ظهر قلب، وأن ينفذوا أوامره
стр. 14795
وينتهوا عن نواهيه، هو كتاب العقيدة، هو كتاب العمل، هو كتاب الهدى، هو كتاب السعادة، فيه كل خير، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وفيه القصص عن الماضين: عن الخير والشر، أخبر عن الماضين من أهل الخير، وعن الماضين من أهل الشر، فعلى المؤمن والمؤمنة، أن يأخذوا منه ما دل عليه من الخير، وأن يحذروا ما حذر منه من الشر، ثم حديث النبي ﷺ : كتب الحديث كالصحيحين والسنن، ومسانيده المعتمدة، فأهل العلم يخرجون الأحاديث، يعلمون الناس وينشرونها بين الناس، وكل كتب العقيدة المعروفة لأئمة أهل السنة والجماعة، الكتب الطيبة المعروفة يستعان بها، وينتفع بها، في تعليم الناس الخير، كتب السلف الصالح المعروفة، ومثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وغيرهم من أهل العلم المعروفين، بحسن العقيدة، ومثل كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأئمة الدعوة الإسلامية في نجد، لما يسر الله هذه الدعوة في القرن الثاني عشر،
стр. 14796
وكتبوا وجمعوا فيها ما ينفع الله به الناس في مثل كتاب التوحيد، والثلاثة الأصول، وكشف الشبهات، وآداب المشي إلى الصلاة، ورسائل المشايخ في الدرر السنية، تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان، هذه الكتب العظمة، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والتدمرية، ومنهاج السنة والحموية، والعقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز، ولمعة الاعتقاد لصاحب المغني إلى غيرها من الكتب الطيبة، كتب السلف الصالح التي تعين على الخير، وتنشر الحق وتعلم الناس الخير.
стр. 14797
٢ - تعريف بدين الإسلام
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين (١) .
أما بعد: فإن الله بعث نبيه محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق وهو الإسلام الذي بعث الله به الرسل جميعا حيث قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) .
فالإسلام هو: دين الله الذي بعث به جميع المرسلين من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم نبينا محمد ﵊،
стр. 14798
وهو الذي كان عليه أبونا آدم، فإن الله بعثه لنفسه وذريته نبيا على شريعة علمه إياها وشرعها له فاستقام عليها وذريته حتى بعث الله نوحا ﵊.
فالإسلام هو استسلام لله وانقياد بطاعة أوامره وترك نواهيه هذا هو الإسلام.
وأصل دين الإسلام وأساسه هو توحيد الله ، وإخلاص العبادة له وحده ، هذا هو أصل دين الإسلام: أن تكون العبادة لله وحده من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك يكون لله وحده، وبهذا بعث الله الرسل جميعا، كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) .
ومعنى ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٢) يعني وحدوا الله (خصوه بالعبادة) ، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) يعني اتركوا عبادة ما سوى الله، والطاغوت كل ما عبد من دون الله من شجر أو حجر أو صنم أو كوكب أو غير ذلك، كله طاغوت.
стр. 14799
لكن إذا كان المعبود لا يرضى بذلك كالأنبياء والملائكة والصالحين، فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزينها للناس وهم براء من ذلك.
فأصل دين الإسلام هو هذا: إخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه والكفر بعبادة غيره، يعني إنكار عبادة غيره واعتقاد بطلانها وأنها شرك بالله .
هكذا بعث الله جميع الرسل، من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم محمد ﵊، وهكذا علم الله آدم وشرع له، فعبد الله وحده، وهكذا ذريته على دينه ﵊، حتى وقع الشرك في بني آدم في عهد نوح ﵊.
وكل رسول بلغ أمته أنه مبعوث لهم ليأمرهم بتوحيد الله والإخلاص له. فنوح ﵇ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) .
وهكذا هود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وغيرهم، كلهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) .
стр. 14800
وهكذا موسى ﵊ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) ، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢) ، وهكذا عيسى ابن مريم ﵊ قال لقومه ذلك قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (٣) .
وهكذا محمد ﷺ لما بعثه الله قال لقومه: " ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤) "، وكان يعلمهم ويقول لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (٥) » .
فهذه دعوة الرسل جميعا، إنهم دعوا الأمم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وتوجههم إليه سبحانه بجميع حاجاتهم، في توكلهم في خوفهم في رجائهم في طلب الجنة، وطلب النجاة من النار، وطلب الرزق، وطلب العافية، وهكذا يخافونه ويرجونه ويصلون له ويصومون ويذبحون وينذرون؛ يرجون ثوابه ويخشون عقابه.
стр. 14801
ومكث محمد ﷺ في قومه في مكة عشر سنين، يدعوهم إلى توحيد الله قبل كل شيء، وينهاهم عن الشرك وهو التعلق بغير الله من الأشجار والأحجار والأصنام ونحو ذلك، ويقول لهم: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (١) » .
стр. 14802
ومما ينبغي التنبيه عليه أن ما يتعلق بالأسباب الحسية ليس داخلا في الشرك ولا في منافاة التوحيد وهي ما يتعلق بالأسباب الحسية مع الناس الحاضرين الموجودين ليس من الشرك في شيء، فإذا قال الإنسان لأخيه أو لشخص آخر من الناس: افعل كذا، ساعدني في كذا، اعمل لي كذا، كأصلح سيارتي، اعمل في مزرعتي، أحضر لي كذا وكذا، احمل هذا الشيء الثقيل، وهو يقدر على ذلك ويعلم أنه يقدر على ذلك، هذه أمور حسية ليس فيها شرك وليس فيها محظور، وإنما المراد بدعوة الله وحده وخوفه ورجائه ونحو ذلك فيما لا تعلق له بالأسباب الحسية مع الحاضر القادر الموجود، فإذا كان شخص حاضر موجود فكلمه أخوه أو صاحبه أو من يحتاج إليه من الناس يقول له: افعل كذا وافعل كذا بأجر أو بغير أجر فليس هذا من الشرك، وليس هذا منافيا للتوحيد
стр. 14803
بل هذه أمور حسية جائزة، فعلها الرسل وفعلها المسلمون فليست من الشرك، فإذا قال: يا فلان افعل كذا، ادع الله لي، استغفر لي، ساعدني في كذا، أعني على كذا، مما هو يقدر عليه أو يسمعه، أو بمكاتبة أو بالهاتف عن طريق الهاتف أو التلكس، في أمور يقدر عليها، ليس هذا من الشرك.
إنما الشرك أن يدعو ميتا أو جمادا أو حيا يعتقد أنه يتصرف في الكون أو أن له قدرة وخاصية يتصرف في الكون دون الله، هذا هو الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه والتحذير منه، أما الأمور الحسية المعلومة التي يفعلها الإنسان مع الشخص الآخر الحاضر الحي الذي يقدر عليها بالمشافهة أو من طريق الكتابة أو التلكس أو الهاتف فهذه أمور جائزة حسية لا محظور فيها وليست من الشرك في شيء، كما قال الله تعالى في سورة القصص: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) .
فينبغي التنبه لهذا؛ لأن بعض الجهلة يشتبه عليه هذا الأمر.
ومما ينبغي أن يعلم أنه داخل في أصل الإسلام: الإيمان
стр. 14804
بمحمد ﷺ وأنه رسول الله بعثه الله إلى الناس عامة، وهكذا جميع المرسلين الماضين لا بد في صحة الإسلام واعتبار أن المنتسب إليه مسلم لا بد أن يقر ويؤمن بالرسل الماضين. ففي عهد نوح لا بد أن يؤمن بنوح، وفي عهد هود لا بد أن يؤمن بهود مع التوحيد لله والإخلاص لله وعبادته وحده.
وفي عهد صالح كذلك، وفي عهد شعيب كذلك، وفي عهد إبراهيم كذلك، وفي عهد لوط كذلك، وفي عهد يوسف وإسحاق ويعقوب كذلك، وهكذا في عهد موسى وهارون اللذين أنزل الله عليهما التوراة، لا بد من الإيمان بهما مع توحيد الله والإخلاص له واعتقاد أن موسى وهارون أنبياء من أنبياء الله ورسل الله، فلو وحد الله وعبده وحده وأدى أمره ولكن لم يؤمن بالأنبياء ما صح إسلامه.
ثم بعد بعث عيسى كذلك، لما بعث الله عيسى ابن مريم فلا بد من الإيمان به، فاليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى صاروا كفارا؛ لأنهم ما آمنوا بعيسى ولو وحدوا الله ولو عبدوه ولو صاموا وصلوا ما يكونون مسلمين، حتى يؤمنوا بالرسول الذي
стр. 14805
أدركوه وعلموا أنه جاء من عند الله، لا بد من الإيمان به كعيسى ﵊.
ثم بعد عيسى لما جاء محمد ﷺ وجب الإيمان بمحمد، ومن لم يؤمن به فهو كافر ولو آمن بجميع الرسل الماضين، لا بد من الإيمان بمحمد ﷺ وبما بعثه الله به إلى الناس عامة من الجن والإنس، لا بد من توحيد الله وإخلاص العبادة لله - لا بد - من الإيمان بجميع المرسلين، ومن جملتهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﵊ لا بد - من الإيمان به واعتقاد أنه رسول الله حقا إلى الجن والإنس (إلى جميع الثقلين) وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، فلا يثبت الإسلام إلا بهذا في حق من كان بعد محمد ﷺ (من كان في عصره أو بعده) فلا يكون مسلما إلا بإيمانه بجميع الأنبياء من عهد آدم إلى محمد ﷺ ، لا بد من الإيمان بهم واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم أنبياء الله وأوحى الله إليهم وبلغوا ما أوحي إليهم، بلغوه وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة ولم يقصروا، لا بد من الإيمان بهذا وخاتمهم محمد ﷺ ، لا بد
стр. 14806
من الإيمان بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأدى ما عليه، ﵊، حتى توفاه الله. وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده بي، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى جميع الثقلين من المكلفين أن يؤمنوا به وأن يتبعوا شريعته ﵊. فلا يكونون مسلمين ولا يكون هناك إسلام إلا بهذا.
يقول الله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) .
بين سبحانه أن الواجب على المكلفين من هذه الأمة أن يقولوا هذا، يعني أن يؤمنوا بجميع المرسلين وما جاءوا به، وقال : ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)
стр. 14807
ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وفي آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)
فدل ذلك على أن الرسل يجب الإيمان بهم جميعا، وأن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٣) وهم رسل إلى الخلق. كل رسول إلى قومه لينذرهم ويبشرهم، يبشرهم بالجنة إذا أطاعوا واستقاموا وينذرهم بالنار إذا لم يستجيبوا، وهكذا محمد ﷺ ، أرسله الله بشيرا
стр. 14808
ونذيرا يبشر الأمة إذا استجابوا لدعوته بالجنة والسعادة والعز والتمكين، وينذرهم النار والخيبة والخسران والذل والهوان إذا خالفوا أمره ولم يستقيموا على ما جاء به ﵊.
فعلم بهذا أن الواجب تصديق جميع المرسلين والإيمان بهم، وأن على من أدرك محمدا ﷺ ، أن يؤمن به وأن يصدقه وأن ينقاد لشرعه، وبهذا يكون قد دخل في الإسلام؛ لأن الإسلام انقياد لأمر الله وتصديق له ولهذا قيل له إسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) يعني انقيادا، يقال: أسلم فلان لفلان انقاد له وذل له وأطاع أمره.
فالمسلمون هم المنقادون لأمر الله المطيعون لأمر الله الذي جاء به نبيه محمد ﷺ ، ودل عليه كتابه القرآن، فلا يكون إسلام إلا بهذا. لا يكونون مسلمين ولا يكون لهم إسلام إلا بهذا، يعني إلا بتصديقهم بالرسل الماضين وإيمانهم بما جاءوا به وتصديقهم محمدا ﷺ وإيمانهم به وانقيادهم لما جاء به من الشرع المطهر عن محبة وعن إخلاص وعن
стр. 14809
صدق وعن رغبة ورهبة لا عن كذب ولا عن رياء ولا عن نفاق.
وكل رسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، كل رسول بلغ أمته كل خير يعلمه لهم ونصحهم في ذلك وأرشدهم، كما أنه بلغهم كل شر يعلمه لهم. هكذا كل رسول؛ لأن الرسل أنصح الناس وأكثرهم وأكملهم إيمانا، فكل رسول بلغ أمته ودعاها إلى كل خير يعلمه لها في دينها ودنياها ونهاها عن كل شر يعلمه لها في دينها ودنياها. كما ثبت عن رسول الله محمد ﵊ أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (١) » . خرجه الإمام مسلم في صحيحه.
هكذا نبينا محمد ﷺ بلغ هذه الأمة كل ما يعلمه لهم من خير، وأنذرهم كل ما يعلمه لهم من شر، فدعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأنذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، كالرسل قبله عليهم الصلاة والسلام، يقول عليه
стр. 14810
الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق (١) » ، وفي اللفظ الآخر: «لأتمم مكارم الأخلاق» فبعثه الله ليدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال.
وكانت الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا بينوا للناس صفة ربهم وخالقهم وتوحيده والإخلاص له والإيمان بالمرسلين بلغوهم أيضا ما أعد الله لهم في الجنة، وما أعد لمن عصاه في النار. هذا كله من تمام العقيدة التي هي عقيدة الإسلام، فالرسل يبينون مع بيانهم حق الله وتوحيده وبيانهم صفاته سبحانه وأسمائه مع ذلك يبينون ما يلزم في العقيدة من الإيمان بملائكة الله التي خلقها لعبادته، وهم من النور خلقهم من النور كلهم عبيد مكرمون كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) ، فالله خلقهم ليعبدوه ويطيعوه وخلقهم من النور وجعلهم ينفذون أوامره في عباده، فالرسل بلغوا عنهم حتى يؤمن بهم العباد وأنهم ملائكة كرام، خلقهم الله لطاعته وتنفيذ أوامره من النور، وخلق بنو آدم