← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 14806–14845 · переход к 14811.

стр. 14806

من الإيمان بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأدى ما عليه، ﵊، حتى توفاه الله. وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده بي، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى جميع الثقلين من المكلفين أن يؤمنوا به وأن يتبعوا شريعته ﵊. فلا يكونون مسلمين ولا يكون هناك إسلام إلا بهذا. يقول الله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) . بين سبحانه أن الواجب على المكلفين من هذه الأمة أن يقولوا هذا، يعني أن يؤمنوا بجميع المرسلين وما جاءوا به، وقال : ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)

стр. 14807

ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وفي آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) فدل ذلك على أن الرسل يجب الإيمان بهم جميعا، وأن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٣) وهم رسل إلى الخلق. كل رسول إلى قومه لينذرهم ويبشرهم، يبشرهم بالجنة إذا أطاعوا واستقاموا وينذرهم بالنار إذا لم يستجيبوا، وهكذا محمد ﷺ ، أرسله الله بشيرا

стр. 14808

ونذيرا يبشر الأمة إذا استجابوا لدعوته بالجنة والسعادة والعز والتمكين، وينذرهم النار والخيبة والخسران والذل والهوان إذا خالفوا أمره ولم يستقيموا على ما جاء به ﵊. فعلم بهذا أن الواجب تصديق جميع المرسلين والإيمان بهم، وأن على من أدرك محمدا ﷺ ، أن يؤمن به وأن يصدقه وأن ينقاد لشرعه، وبهذا يكون قد دخل في الإسلام؛ لأن الإسلام انقياد لأمر الله وتصديق له ولهذا قيل له إسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) يعني انقيادا، يقال: أسلم فلان لفلان انقاد له وذل له وأطاع أمره. فالمسلمون هم المنقادون لأمر الله المطيعون لأمر الله الذي جاء به نبيه محمد ﷺ ، ودل عليه كتابه القرآن، فلا يكون إسلام إلا بهذا. لا يكونون مسلمين ولا يكون لهم إسلام إلا بهذا، يعني إلا بتصديقهم بالرسل الماضين وإيمانهم بما جاءوا به وتصديقهم محمدا ﷺ وإيمانهم به وانقيادهم لما جاء به من الشرع المطهر عن محبة وعن إخلاص وعن

стр. 14809

صدق وعن رغبة ورهبة لا عن كذب ولا عن رياء ولا عن نفاق. وكل رسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، كل رسول بلغ أمته كل خير يعلمه لهم ونصحهم في ذلك وأرشدهم، كما أنه بلغهم كل شر يعلمه لهم. هكذا كل رسول؛ لأن الرسل أنصح الناس وأكثرهم وأكملهم إيمانا، فكل رسول بلغ أمته ودعاها إلى كل خير يعلمه لها في دينها ودنياها ونهاها عن كل شر يعلمه لها في دينها ودنياها. كما ثبت عن رسول الله محمد ﵊ أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (١) » . خرجه الإمام مسلم في صحيحه. هكذا نبينا محمد ﷺ بلغ هذه الأمة كل ما يعلمه لهم من خير، وأنذرهم كل ما يعلمه لهم من شر، فدعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأنذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، كالرسل قبله عليهم الصلاة والسلام، يقول عليه

стр. 14810

الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق (١) » ، وفي اللفظ الآخر: «لأتمم مكارم الأخلاق» فبعثه الله ليدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينذرهم سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال. وكانت الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا بينوا للناس صفة ربهم وخالقهم وتوحيده والإخلاص له والإيمان بالمرسلين بلغوهم أيضا ما أعد الله لهم في الجنة، وما أعد لمن عصاه في النار. هذا كله من تمام العقيدة التي هي عقيدة الإسلام، فالرسل يبينون مع بيانهم حق الله وتوحيده وبيانهم صفاته سبحانه وأسمائه مع ذلك يبينون ما يلزم في العقيدة من الإيمان بملائكة الله التي خلقها لعبادته، وهم من النور خلقهم من النور كلهم عبيد مكرمون كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) ، فالله خلقهم ليعبدوه ويطيعوه وخلقهم من النور وجعلهم ينفذون أوامره في عباده، فالرسل بلغوا عنهم حتى يؤمن بهم العباد وأنهم ملائكة كرام، خلقهم الله لطاعته وتنفيذ أوامره من النور، وخلق بنو آدم

стр. 14811

من الطين، وخلقت الجن من النار وهم أصناف ثلاثة: الملائكة من النور، والجن من النار، وبنو آدم من التراب. فالرسل بينوا هذا وجاءت بذلك الكتب السماوية: كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وبينت الرسل أيضا ما يتعلق بالكتب المنزلة من التوراة والإنجيل وغيرها. وبينوا أيضا مع ما يتبع ذلك من أمر الآخرة والبعث والنشور والحساب والجزاء والوقوف بين يدي الله يوم القيامة، وأن الناس يخرجون من قبورهم ويجازون بأعمالهم، فمن أطاع واتبع ما جاءت به الرسل فله الجنة يوم القيامة، وهي دار كريمة، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، دار أعدها الله لأهل طاعته، فيها كل خير، وكل نعيم، وفيها حياة دائمة، لا كدر فيها، ولا مرض، ولا موت، ولا حزن، بل نعيم دائم، ولا بول وغائط بل نعيم دائم، وحياة دائمة لمن اتقى الله وأطاع الرسل. وهناك دار أخرى هي دار النار (دار الهوان، دار العذاب) أعدها الله لمن خالف الرسل ولم ينقد لما جاءوا به ولم يتبع الرسل، هؤلاء لهم الدار الأخرى وهي: دار الهوان، دار العذاب، دار النكال، أهلها في

стр. 14812

عذاب دائم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (١) ، أما أهل الجنة فهم في نعيم دائم وخير دائم وصحة دائمة كما قال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢) ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٣) ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٤) ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٥) . وفي النار قال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٦) ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٧) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (٨) ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٩) ، أي مقيمون في دار الهون (دار النار) وقال في الآية الأخرى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (١٠) ، وقال عنهم أيضا

стр. 14813

سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (١) . فالله سبحانه بين على أيدي الرسل مصير المتقين المتبعين للرسل وهو الجنة والكرامة في دار أعدها الله لهم فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الأنهار والحور العين واللحوم والمشارب الطيبة والملابس الطيبة إلى غير ذلك من أنواع النعيم. وأعد دارا أخرى بينها الرسل وبينها الله في كتبه، هي دار الهوان، هي دار الشقاء والعذاب. هذه الدار أعدت لمن خالف الرسل ولم يتبع ما جاءوا به، فلا يتم الإسلام إلا بهذا الإيمان، ولا يتم الإسلام ولا يكون العبد مسلما سواء كان رجلا أو امرأة إلا بهذا الإيمان. الإيمان بالبعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، وأن الجنة أعدها الله لمن اتبع الرسل، والنار أعدها الله لمن خالفهم.

стр. 14814

ومن تمام هذه الأصول التي يجب الإيمان بها، وجاءت بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من تمام هذه الأصول: الإيمان

стр. 14815

بالقدر، وأن الله علم الأشياء قبل وجودها، وكتبها عنده ، وأحصاها، وأنه خالق الأشياء وموجدها، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا قدر يشمل أمورا أربعة. الإيمان بأن الله علم كل شيء قبل وجود الأشياء وكتبها عنده ، وهو الخالق لما أوجد منها بمشيئته وقدرته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه أمور أربعة كلها تابعة للقدر: (١) الإيمان بأن الله سبحانه علم كل شيء، وهو العالم بجميع ما كان وما يكون ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) . ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢) . (٢) كتابته لهذه الأشياء، فقد كتب كل شيء ، كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ (٣) .

стр. 14816

وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (١) . (٣) أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ (٢) . (٤) أنه خالق الأشياء وموجدها، : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) هذا كله داخل في الإيمان بالقدر، وهو أصل ثابت من أصول الإيمان التي تقدم شرحها، وقد أخبر النبي عن هذا لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (٤) » ، اليوم الآخر تقدم أنه أخبر فيه عن الوقوف بين يدي الله والحساب والجزاء والجنة والنار، كل هذا داخل في اليوم الآخر «وبالقدر خيره وشره (٥) » يعني: أن الله علم

стр. 14817

الأشياء وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو خالق كل شيء ورب كل شيء. هذه الأصول الستة لا بد في حق المسلم أن يؤمن بها ويقتنع بها، وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم . ولما أخبر النبي ﷺ الصحابة بالقدر، وأن الله كتب كل شيء. سألوه قالوا: «يا رسول الله إذا كان الله كتب كل شيء ففيم العمل؟ قال ﵊: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﵊ قوله تعالى في سورة والليل إذا يغشى: (٢) »

стр. 14818

هكذا بين لهم ﷺ ، والمعنى: أن الله قدر الأشياء وكتبها، وأنه سبحانه الموفق والهادي لمن يشاء. فعلى العبد أن يعمل ويجتهد ويسأل الله التوفيق، ويأخذ بالخير، لأن الله تعالى أعطاه عقلا يميز به بين الخير والشر، والهدى والضلال، وميزه عن البهائم بهذا العقل العظيم، فعليه أن يختار وله مشيئة وله إرادة، فعليه أن يختار الخير ويسأل ربه الهداية إليه ويأخذ به، وعليه أن يبتعد عن الشر ويسأل ربه العافية منه ويحذره ويحذر غيره. هكذا أمر الله تعالى العباد على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام أن يأخذوا بالخير ويلتزموه ويسألوا الله الهداية له والتوفيق لأخذه والتمسك به، وعليهم أن يحذروا الشر ويبتعدوا عنه ويسألوا الله العافية منه، هكذا علمهم ﷺ . ونكتفي في هذه الحلقة بهذا التعريف العام عن الإسلام، وفي الحلقة الأخرى - إن شاء الله - يكون فيه البحث عن شرائع الإسلام التي جاءت بها الرسل وعلموها الناس بعدما أخبروهم بالعقيدة التي يلزمهم أن يعتقدوها في الله ، وفيما أخبرت

стр. 14819

به الرسل عليهم الصلاة والسلام على وجه عام. أما التفصيل في الشرائع من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغيرها من الشرائع، وما شرعه الله من ترك المحارم، هذا له حلقة أخرى - إن شاء الله تعالى - نبين فيها جنس الشرائع، وأن الرسل بدأت بالعقائد التي تتعلق بالقلوب وبالإيمان، ثم بينوا شرائع الإسلام التي جاءت بها الرسل، وبينوها لهم عن أمر الله ، ليعملوا بها ويأخذوا بها، وهي ما بين أفعال وأقوال يأخذ بها المكلف، وبين أعمال وأقوال يتركها. فالشرائع: أفعال وتروك، أشياء تفعل، وأشياء تترك. وجاء محمد ﷺ بأكملها وأتمها، وبعثه بما يتمم مكارم الأخلاق، ويأتي البحث فيها - إن شاء الله - في الحلقة الآتية. وأسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يهدينا صراطه المستقيم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 14820

الأسئلة س ١: شخص نصراني يسأل يقول: كيف أتأكد أن محمدا ﷺ هو آخر الأنبياء ، وأن ما جاء به هو دين الحق وأنه من عند الله؟ ج: يحصل التأكد من ذلك بأمور كثيرة، منها خبره ﷺ الذي أخبر به عنه أنه خاتم الأنبياء، وأعظم من ذلك وقبل ذلك خبر الله في كتابه العظيم. فإن من آمن بأنه رسول الله، وأن الكتاب حق، أيقن بأنه خاتم الأنبياء، لأن القرآن قال إنه خاتم الأنبياء ولأنه قال: «أنا خاتم الأنبياء (١) » . قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) . وتواترت الأحاديث عنه ﷺ أنه قال: «أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي (٣) » فمن آمن بأنه رسول الله للمعجزات

стр. 14821

التي عرضها، والقرآن أعظم معجزة، القرآن نفسه أعظم معجزة دالة على صدقه؛ لأن مثله لا يقوله بشر، ولا يأتي به أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يأتي به كاتب أيضا، ولا قارئ، لما فيه من الأحكام العظيمة والأخبار المغيبة ولما فيه من كمال البلاغة، وكمال البلاغة هو الإحكام والإتقان، وما فيه من أخبار عن يوم القيامة والآخرة، ولا يقدم عليها إلا من هو صادق معلم من جهة الله . ثم ما جرى على يديه من المعجزات العظيمة من انشقاق القمر، هذا من أعظم الآيات التي خصه الله بها، وهكذا ما جرى على يديه من نبوع الماء من بين أصابعه وشاهده المئات من الناس والجمع الغفير من الناس مرات، والبركة في الطعام الذي دعا فيه فصار - وهو قليل جدا - يكفي المئات من الناس والجمع الغفير من الناس، وهو شيء يسير لا يكفي إلا الاثنين والثلاثة ونحو ذلك، ومع أشياء أخرى من المعجزات التي جرت على يديه ﵊، فمن آمن بنبوته صدق بأنه خاتم الأنبياء وصدق بأن القرآن كلام الله؛ لأنه معجزة الأمة.

стр. 14822

س ٢: تقولون: إن المسلم يؤمن برسل الله جميعا ولا يفرق بينهم، ولكن في الشهادة التي يدخل بها الإنسان إلى الإسلام يقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. أليس في ذلك رفض للأنبياء الآخرين؟ ج: هذا يقوله أول ما يسلم الإنسان، لأن هذا هو الرسول الأخير، أمر بأن يصدقه قبل أن يتكلم في الباقين، لأنه هو الرسول المبعوث إليه في زمانه، فعليه أن يسلم بهذه الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم بعد ذلك يعلم ما يتعلق بالرسل جميعا حتى يؤمن بهم، كما يعلم بالملائكة والكتب والجنة والنار بعد ذلك. فالشهادة بأن محمدا رسول الله لا بد منها مع شهادة أن لا إله إلا الله حتى يحكم بإسلامه، ثم بعد ذلك يعلم بقية أمور الدين، وهكذا في عهد عيسى يعلم بعيسى وما جاء به، ثم بعد ذلك يعلم بالأنبياء الماضين حتى يؤمن بهم، وهكذا في عهد موسى، وهكذا في عهد من قبله، يعلم برسوله المرسل إليه في زمانه ويؤمن به مع التوحيد ثم يؤمن بالبقية أي ببقية الرسل، وبقية ما يؤمر به من الإيمان من الجنة والنار والملائكة والكتب،

стр. 14823

هذا بعد إيمانه برسوله الذي في وقته، (الذي بعث إليه) . ومحمد ﷺ هو الرسول الأخير (هو الخاتم) فوجب على الأمة التي في زمانه وبعد زمانه أن يؤمنوا به أولا مع التوحيد، ثم بعد إيمانهم به يصدقون بالرسل الذين قبله؛ لأنه هو الذي أخبر بهم، فلا يمكن تصديق الماضين إلا بتصديق الحاضر الذي بلغ بهم، وهو الذي بلغ عنهم وأخبر عن الرسل الماضين فإذا صدقه المصدق حينئذ يصدق بالماضين.

стр. 14824

س ٣: يقول القرآن: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام هل بإمكانكم توضيح ذلك لنا في ضوء معرفتنا بأنه يكفي أن يقول الله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) ؟ ج: خلق الله سبحانه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر وهو الصادق جل وعلا أنه خلقها في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلقها في لمحة بصر. كما قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) ، ولكن

стр. 14825

ذكر العلماء ﵏ أنه خلقها في ستة أيام ليعلم عباده عدم العجلة وأن يتدبروا الأمور ويتعقلوها، فربهم الذي يعلم كل شيء وهو القادر على كل شيء لم يعجل في خلق السماوات ولا في خلق الأرض بل جعلها في ستة أيام، ولم يعجل في خلق آدم ولم يعجل في خلق الأشياء الأخرى، بل نظمها ودبرها أحسن تنظيم وأحسن تدبير، ليعلم عباده التريث في الأمور وعدم العجلة في الأمور، وأن يعملوا أمورهم منظمة موضحة تامة على بصيرة وعلى علم من دون عجلة وإخلال بما ينبغي فيها، وهو سبحانه مع كونه قادرا على كل شيء وعالما بكل شيء مع ذلك لم يعجل بل خلقها في ستة أيام وهو قادر على خلقها في لمحة أو دقيقة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) ، فجعلها منظمة مدبرة في أيام معدودات، ليعلم عباده كيف يعملون، وكيف ينظمون أمورهم، وكيف يتريثون في الأمور، ولا يعجلون حتى تنتظم مصالحهم، وحتى تستقيم أمورهم على طريقة واضحة وطريقة يطمئنون إليها، فيها مصالحهم، وفيها ما ينفعهم ويدفع الضرر عنهم.

стр. 14826

وقد أشار الله سبحانه إلى هذا المعنى في آيات. قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) ، فأخبر أنه خلقها هكذا؛ ليبلونا وليختبرنا أينا أحسن عملا، وأتقن عملا، وأكمل عملا. فالعجل الذي لا يتدبر الأمور قد يخل بالعمل، فالله خلقها في ستة أيام ليبتلي العباد، بإتقان أعمالهم، وإحسان أعمالهم، وعدم العجلة فيها، حتى لا تختل شؤونهم ومصالحهم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢) ، قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) ، وجعل ما على الأرض من جبال وأشجار ونبات وحيوانات ومعادن وغير ذلك؟ ليبلو العباد (ليختبرهم) أيهم أحسن عملا في استخراج ما في هذه الأرض والاستفادة من

стр. 14827

ذلك والانتفاع بذلك، وقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) . ففي هذه الآيات وما جاء في معناها الدلالة على أنه سبحانه خلق هذه الأشياء بهذا التنظيم وبهذه المدة المعينة ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملا، ما قال أكثر عملا قال أحسن، فالاعتبار بالإتقان والإكمال والإحسان لا بالكثرة.

стр. 14828

س ٤: هل يمنع الإسلام عمل المرأة أو تجارتها؟ ج: لا يمنع الإسلام عمل المرأة ولا تجارتها فالله جل وعلا شرع للعباد العمل وأمرهم به فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ، وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢) وهذا يعم الجميع الرجال والنساء، وشرع التجارة للجميع، فالإنسان مأمور بأن يتجر ويتسبب ويعمل سواء كان رجلا أو امرأة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)

стр. 14829

هذا يعم الرجال والنساء جميعا. وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (١) ، وهذا للرجال والنساء. فأمر بالكتابة عند الدين وأمر بالإشهاد ثم بين أن هذا كله فيما يتعلق بالمداينات، فالكتابة في الدين والإشهاد عام ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (٢) ، أما الإشهاد فيشهد ولهذا قال بعدها: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) . فهذا كله يعم الرجال والنساء، فالكتابة للرجال والنساء في الدين، والتجارة للرجال والنساء، والإشهاد للرجال والنساء،

стр. 14830

فيشهدون على بيعهم ويشهدون في تجاراتهم وكتاباتهم، ولكن التجارة الحاضرة لا حرج في عدم كتابتها؛ لأنها تنقضي ولا يبقى لها علق وهذا يعم الرجال والنساء جميعا. وهكذا ما جاء في النصوص يعم الرجال والنساء كحديث النبي ﷺ حيث قال ﵊: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (١) » وقال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) يعني للجميع. لكن يجب أن يلاحظ في العمل وفي التجارة: أن تكون الخلطة بينهم خلطة بريئة بعيدة عن كل ما يسبب المشاكل واقتراف المنكرات، فيكون عمل المرأة على وجه لا يكون فيه اختلاط بالرجال ولا تسبب للفتنة، ويكون كذلك تجارتها هكذا على وجه لا يكون فيه فتنة مع العناية بالحجاب والستر والبعد عن

стр. 14831

أسباب الفتنة. هذا يلاحظ في البيع والشراء وفي الأعمال كلها؛ لأن الله قال جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) ، وقال سبحانه:، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٣) ، فبيعهن وشراؤهن على حدة بينهن لا بأس به، والرجال على حدة، وهكذا أعمالهن، هذه تعمل طبيبة للنساء، ممرضة للنساء تعلم النساء لا بأس، وهذا طبيب للرجال وهذا يعلم الرجال لا بأس. أما أن تكون طبيبة للرجال والرجل طبيبا للنساء أو تكون ممرضة للرجال والرجل يكون ممرضا للنساء فهذا مما يأباه الشرع لما فيه من الفتنة والفساد. فلا بد مع السماح بالعمل لها وللرجل والتجارة لها وللرجل أن يكون ذلك على وجه ليس فيه خطر على دينها وعرضها،

стр. 14832

وليس خطرا على الرجل، بل تكون أعمالها على وجه ليس فيه ما يسبب التعرض لدينها وعرضها، ولا يسبب أيضا فساد الرجال، وفتنة الرجال، وهكذا عمل الرجال فيما بينهم، ولا يكون بينهم من النساء ما يسبب الفتنة والفساد. بل هؤلاء لهم أعمال وهؤلاء لهم أعمال على طريقة سليمة ليس فيها ما يضر هذا الصنف ولا هذا الصنف، ولا يضر المجتمع نفسه. يستثنى من ذلك ما تدعو الضرورة إليه، فإذا دعت الضرورة إلى أن يتولى الرجل عملا مع المرأة كتطبيبها عند عدم وجود امرأة تطبها، أو عمل المرأة في حق الرجل عند عدم وجود من يطبه وهي تعرف داءه ومرضه فتطبه مع الحشمة والبعد عن أسباب الفتنة ومع البعد عن الخلوة وما أشبه ذلك. فإذا كان هناك عمل من المرأة مع الرجل أو من الرجل مع المرأة في حاجة في ذلك وضرورة إلى ذلك، مع مراعاة البعد عن أسباب الفتنة من الخلوة والتكشف ونحو ذلك مما قد يسبب الفتن، هذا يكون من باب الاستثناء، فلا بأس أن تعمل المرأة فيما يحتاجه الرجل ويعمل الرجل فيما تحتاجه المرأة على وجه لا يكون فيه

стр. 14833

خطر على أحد الصنفين كأن تطبه عند عدم وجود طبيب يطبه وهي تعرف مرضه على وجه لا يكون فيه فتنة ولا خلوة وهكذا يطبها إذا احتيج إلى ذلك؛ لعدم تيسر المرأة التي تطبها وتقوم بحاجتها على وجه لا يكون فيه فتنة ولا يكون فيه خلوة، هكذا وما أشبهه من الأعمال مثل أن تكون في السوق تبيع حاجة مع سترها على الرجال، أو تصلي مع الناس في المسجد مع الحشمة والستر تكون خلف الرجال وتصلي معهم وما أشبه ذلك من الأمور التي لا يكون فيها فتنة ولا يكون فيها خطر على الصنفين. ومن هذا ما فعله النبي ﷺ فإنه ﷺ ربما خطب النساء واجتمع له النساء وذكرهن فهذا مما يفعله الرجل مع النساء، «كان ﷺ في صلاة العيد إذا فرغ من الخطبة وذكر الرجال أتى النساء وذكرهن ووجههن إلى الخير (١) » ، وهكذا في بعض الأوقات يجتمعن ويذكرهن ﵊ ويعلمهن ويجيب على أسئلتهن، فهذا من هذا الباب، وهكذا بعده ﷺ ، يذكرهن الرجل ويعظهن ويعلمهن مع اجتماعهم على طريقة حميدة مع التستر والتحفظ

стр. 14834

والبعد عن أسباب الفتنة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قام الرجل بالمهمة (مهمة الوعظ والتذكير والتعليم) مع الحجاب والتستر ونحو ذلك مما يبعد الصنفين عن الفتنة.

стр. 14835

س ٥: هل يجب أن تتبع الزوجة دين زوجها في الإسلام؟ ج: هذا فيه تفصيل: إن كان الزوج مسلما وهي كتابية محصنة (يهودية أو نصرانية) فلا بأس باختلاف الدين، لا بأس أن يتزوج الرجل المسلم الكتابية وهي المحصنة من اليهود والنصارى؛ لأن الله أذن في هذا في قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (١) . فإذا خطب المسلم كتابية محصنة (يعني معروفة بالإحصان غير مسافحة غير بغي معروفة بأنها حافظة فرجها ليست من البغايا وهن الزواني فإذا خطبها وتزوجها وهي كتابية يهودية أو نصرانية محصنة فلا بأس بذلك.

стр. 14836

أما كونها كافرة من غير اليهود والنصارى فلا، إنما أباح الله سبحانه الكتابية فقط للرجل المسلم، وقال في الآية الأخرى جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١) ، وقال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢) هذا في سورة البقرة، وقال في سورة الممتحنة: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٣) . فالأصل أنه لا يحل لمسلم أن ينكح الكافرة ولا يحل لمسلم أن ينكح الكافر، هذا هو الأصل لا ينكح هذا هذا ولا هذا هذا بل لا بد أن يتفقا في الدين مسلم مع مسلمة أو كافر مع كافرة. لكن في حال واحدة يستثنى اختلاف الدين وهي: إذا كان الرجل مسلما (الزوج مسلما) والمرأة كتابية فقط، والمرأة كتابية (يهودية أو نصرانية) محصنة، شرط الإحصان (أنها سليمة عفيفة) ، فلا بأس أن ينكحها المسلم خاصة كما سن الله ذلك في سورة المائدة، وما عدا الكتابية فليس للمسلم نكاحها (بوذية أو وثنية أو شيوعية أو غير ذلك) وليس للمسلمة أن تنكح كافرا أبدا، المسلمة ليس لها أن تنكح كافرا أبدا، وإنما الاستثناء للمرأة مع المسلم، فالمسلم هو

стр. 14837

الذي يستثنى في حقه نكاح اليهودية أو النصرانية يعني كتابية خاصة دون بقية الكفار، أما الأنثى فليس لها أن تنكح كافرا أبدا، إذا كانت مسلمة ليس لها أن تنكح إلا مسلما؛ لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) ولقوله : ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) يعني لا تزوجوهم حتى يؤمنوا.

стр. 14838

س ٦: هل زيارة القبور وأضرحة الأولياء جائزة في الإسلام؟ ج: الزيارة فيها تفصيل: إن زار القبور، قبور الأولياء وقبور المسلمين عموما، للاعتبار والذكرى في الموت والآخرة، والدعاء لهم، والترحم عليهم. فهذه مشروعة، لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٢) » .

стр. 14839

هذه الزيارة الشرعية وهي تخص الرجال دون النساء؛ لأنه ﷺ لعن زائرات القبور فدل ذلك على أن هذه الزيارة تخص الرجال، كانت الزيارة ممنوعة أولا، في أول الإسلام ممنوعة؟ لأنهم اعتادوا التعلق بالأموات فكان من حكمة الله أن نهاهم عن الزيارة أولا جميعا رجالا ونساء، ثم رخص لهم في الزيارة رجالا ونساء، ثم استقر المنع للنساء وبقي الإذن للرجال؛ لأن النساء لا يصبرن، قد يحدث لهن فتنة عند زيارة القبور بتذكر أقاربهن وأصحابهن، وأزواجهن ونحو ذلك، فكان من حكمة الله أن منعهن من زيارة القبور لئلا يفتن أو يفتن غيرهن. وأقر هذا للرجال خاصة، فهي يقصد منها الذكرى والترحم على الموتى والاستغفار لهم وتذكر الآخرة، حتى لو كانوا كفارا (الميتين) إذا زار القبور للذكرى فقط لا يدعو لهم ولا يسلم عليهم؛ لأنهم كفار، إنما يزور للذكرى كما زار النبي أمه، وكانت ماتت في الجاهلية، واستأذن ربه أن يستغفر لها فلم يؤذن له، فزارها فقط مجرد اعتبار.

стр. 14840

فالقبور التي للمسلمين تزار للدعاء لهم وتذكر الآخرة والموت والاستغفار للموتى فقط، وإن كان الموتى كفارا فالزيارة تكون للذكرى والاعتبار فقط. أما النوع الثاني من الزيارة فهي غير جائزة، وهي أن يزورهم لدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم وطلبهم المدد والعون والغوث، أو التمسح بقبورهم وأحجارهم، أو الطواف بها فهذا كله لا يجوز، وهذه الزيارة لا تجوز، التي يفعلها بعض الجهلة، يزورون القبور ليسألوهم ويستغيثوا بهم، كما يقع هذا في بعض الأحيان من بعض الجهلة مع البدوي أو مع الحسين أو مع الشيخ عبد القادر في العراق أو غير ذلك، هذا لا يجوز. فالزيارة هي نوعان: شرعية، وممنوعة بدعية. فالشرعية أن يزوروا للترحم عليهم وذكر الآخرة وذكر الموت فقط، فهذه شرعية مطلوبة مأمور بها. الزيارة الثانية بدعية منكرة وهي: أن يزور القبور لدعاء الموتى والاستغاثة بالموتى أو الدعاء بهم والتوسل بهم، أو التمسح

стр. 14841

بقبورهم، أو الطواف بها، أو الصلاة عندها، فهذا ممنوع. وهو مختلف (وأنواع) بعضه شرك وبعضه بدعة. فالصلاة عندها والجلوس عندها للدعاء هذا بدعة، أما الطواف بهم ليشفعوا له أو لينفعوه، أو دعاؤهم أو الاستغاثة بهم أو النذر لهم أو طلب المدد فهذا من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ونهى عنه عباده. وفق الله الجميع لما يرضيه وأصلح نية الجميع وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 14842

٣ - محاضرة في العقيدة الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد (١) : فقد قال الله في كتابه الكريم وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤) ، أوضح سبحانه في هذه الآية الكريمة، أنه خلق الثقلين، الجن والإنس ليعبدوه، وهذه العبادة هي: توحيده وطاعته واتباع شريعته، وهي الإسلام والإيمان والهدى، وهي: البر والتقوى، وقد أمرهم الله بهذه العبادة، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥) .

стр. 14843

وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) . ومعنى قضى أمر ووصى، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) . وقد أرسل الله الرسل بذلك، أرسل سبحانه الرسل بهذه العبادة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) . فالواجب على جميع الثقلين: الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، والأغنياء والفقراء والملوك وغيرهم، الواجب على جميع الثقلين أن يعبدوه وحده، وذلك بتوحيده والإخلاص له وتخصيصه بالعبادة، دون كل ما سواه، من صلاة ودعاء وخوف ورجاء، وتوكل ورغبة ورهبة، وصوم وحج وغير هذا، هو المعبود وحده سبحانه، بالحق لا معبود بالحق سواه، كما

стр. 14844

قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) ومن العبادات: الصلاة والصوم والزكاة، والصدقات والحج والعمرة والجهاد، وغير ذلك، فالواجب على جميع الثقلين، أن يعبدوه وحده، وأن يخصوه بالعبادة، يرجون رحمته ويخشون عقابه، ، وعليهم التواصي بذلك والتناصح بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) . أقسم سبحانه وهو الصادق، وإن لم يقسم أن الإنسان في خسران، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، هؤلاء هم الرابحون، والله سبحانه يقسم من خلقه بما يشاء، لا أحد يتحجر عليه جل وعلا، كما أقسم

стр. 14845

بالذاريات، والنجم، والطور، والليل إذا يغشى، وغير ذلك، أما العبد فليس له أن يحلف إلا بالله، العبد إنسان ليس له أن يحلف إلا بربه، كما قال النبي الكريم ﵊، في الحديث الصحيح: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (١) » وقال ﵊: «من حلف بشيء غير الله فقد أشرك (٢) » . فلا يجوز الحلف بغير الله، لا بالأنبياء ولا بغيرهم، ولكن يحلف بالله وحده، فلا يجوز أن يقول بالنبي، ولا بالأمانة ولا بشرف فلان، ولا حياة فلان، هذا لا يجوز. أما ربنا سبحانه فله أن يقسم بما يشاء ، وهذه السورة العظيمة القصيرة تدل على أن الناس في خسران، الرجال والنساء، العرب والعجم، والجن والإنس كلهم في خسران إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، هؤلاء هم الرابحون الذين آمنوا بالله ورسوله، آمنوا بأن الله
следующие страницы →