← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

عليهم الصلاة والسلام، يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) . هذه العبادة هي توحيد الله وطاعته، وهي التقوى والإيمان، وهي البر والهدى؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) الآية. فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، الواجب عليهم جميعا أن يتقوا الله، وذلك بتوحيده والإخلاص له، واتباع رسوله ﵊، هذه العبادة التي خلقوا لها، وأصلها وأساسها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، هذا أساس الدين وأصله؛ الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، معناها: لا معبود حق إلا الله، يشهد المؤمن والمؤمنة بأنه لا معبود حق إلا الله، ويشهد أن

стр. 14877

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي، المكي ثم المدني هو رسول الله، ﷺ حقا، وأن الواجب اتباعه والإيمان بما جاء به وتصديقه، واتباع شريعته، هذا هو الواجب على الجميع، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) . هذه العبادة التي خلقوا لها، أن يخصوا الله بالعبادة: بدعائهم وخوفهم ورجائهم، وذبحهم واستغاثتهم وصلاتهم وغير هذا، وعليهم مع هذا أن يشهدوا أن محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب، هو رسول الله حقا إلى جميع الثقلين، جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، ذكورهم وإناثهم، على جميع المكلفين أن يشهدوا بذلك، يشهدوا أنه لا إله إلا الله، أي لا معبود حق إلا الله، ويشهدوا أن محمدا بن عبد الله هو رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)

стр. 14878

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) ، وبعد ذلك أيضا يلزم الإيمان، وبقية أركان الإسلام: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ لقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت (٢) » هذه الأركان لا بد منها مع الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هذه أصول الإيمان الستة، ويتبع ذلك جميع ما أمر الله به ورسوله يتبع الإيمان والإسلام كل ما أمر الله به ورسوله، كما يدخل في ذلك ترك كل ما نهى الله عنه ورسوله، كله داخل في الإسلام والإيمان، فعلى جميع المكلفين أن يؤمنوا بالله ورسوله، وأن يؤمنوا بالأركان الستة للإيمان، وأن يعملوا بالأركان الخمسة للإسلام: الشهادتين، الصلاة، الزكاة، الصيام، والحج، ويؤمنوا بأنها فرض

стр. 14879

على الجميع، كما أن عليهم أن يؤمنوا بأن الله حرم عليهم الشرك، وحرم عليهم جميع المعاصي التي بينها الله في كتابه، وبينها رسوله ﵊، من الزنا والسرقة وشرب المسكر والربا، وغيرها مما حرمه الله، يجب على جميع المكلفين الإيمان بكل ما أوجبه الله، والإيمان بكل ما حرمه الله، وعليهم العمل، وذلك بأداء فرائض الله، وترك محارم الله، والوقوف عند حدود الله، يرجون ثواب الله ويخشون عقابه، ويشرع لهم المسارعة إلى الخيرات، في النوافل؛ لأنها يكمل بها الفرائض. يشرع لكل مؤمن ومؤمنة المسارعة إلى الخيرات، صلاة النافلة، صدقة النافلة، الإكثار من ذكر الله، حج النافلة، عمرة النافلة، إلى غير ذلك مما شرع الله من النوافل، ومتى سارع المؤمن إلى ذلك وسابق إلى ذلك، صار من المقربين مع الطبقة العليا، فإن طبقات المسلمين ثلاث: الطبقة الأولى: الظالم لنفسه، صاحب المعاصي. الطبقة الثانية: المقتصد، الذي أدى الفرائض وترك المحارم. الطبقة الثالثة: المقربون، وهم السابقون للخيرات، مع أداء

стр. 14880

الفرائض، يسارعون إلى الطاعات والأعمال الصالحات التي لا تجب عليهم، يرجون ثواب الله ويخشون عقابه. فالوصية لأبنائي الطلبة، ولجميع المستمعين أن يتقوا الله في كل مكان، وفي كل حال، وفي كل زمان، وأن يستقيموا على دين الله، وأن يحذروا محارم الله، وأن يقفوا عند حدود الله يرجون ثواب الله ويخشون عقابه، عملا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٢) يعني ما تطلبون. ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) أولئك ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) ، وقال سبحانه لنبيه عليه الصلاة

стр. 14881

والسلام: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (١) . فالواجب على جميع المكلفين الاستقامة، يعني الثبات على الحق، والسير عليه من أداء الفرائض، وترك المحارم حتى الموت، هذا الواجب على الجميع، أن يتقوا الله ويلزموا حقه، يلزموا أداء الفرائض وترك المحارم عن إيمان بالله ورسوله، وعن رغبة فيما عند الله، وعن إخلاص وصدق، يرجون ثواب الله ويخشون عقابه، حتى الموت، ولهذا قال الله سبحانه لنبيه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) . هذا الواجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يستقيموا على دينه، وأن يتركوا محارمه، وأن يحبوا في الله وأن يبغضوا في الله، ويوالوا في الله ويعادوا في الله، لهذا خلقوا وبهذا أمروا، وذلك هو العبادة التي هم مخلوقون لها، في قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)

стр. 14882

وهي العبادة التي خلقوا لها في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١) . فالواجب المجاهدة في هذا، سؤال الله التوفيق، كل واحد يسأل ربه التوفيق والإعانة، يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) ، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) ، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٦) ، ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٧) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٨) .

стр. 14883

فمن اتقى الله، وحفظ لسانه، واستقام أصلح الله له العمل، وغفر له الذنب، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، هذه هي التقوى، من يطع الله ورسوله، هذه هي التقوى، وهذا دين الله، وهذا هو الإيمان بالله ورسوله، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) . نسأل الله أن يوفق الجميع للعمل النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا وإياكم جميعا الفقه في دينه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. والوصية مرة أخرى: العمل بما ذكرنا، والدعوة إلى الله أن تعملوا وأن تكونوا دعاة إلى الله، في كل مكان ترجون ثواب الله وتخشون عقاب الله، عملا بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ، وعملا بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) .

стр. 14884

هكذا أمرنا ربنا جل وعلا، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) . نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أتباع الرسول على بصيرة، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على رسولنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 14885

الأسئلة س ١: هناك من يقول: إن هذا القول وهو قول السلف: إنا لا نكفر أحدا من أهل الملة بذنب ما لم يستحله، يقول هذا هو قول المرجئة؟ ج: هذا غلط، هذا قول أهل السنة لا يكفر بذنب ما لم يستحله، الزاني لا يكفر، وشارب الخمر لا يكفر، بل عاص، إلا إذا استحل ذلك، هذا قول أهل السنة خلافا للخوارج، الخوارج هم الذين يكفرون بالذنوب، أما أهل السنة فيقولون: عاص يجب

стр. 14886

عليه الحد، وتجب عليه التوبة لكن لا يكفر، إذا لم يستحل الذنب، زنا ولم يستحل، شرب الخمر ولم يستحل، وأشباه ذلك، أكل الربا ولم يستحل، لا يكون كافرا، يكون عاصيا ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان، خلافا للخوارج والمعتزلة، هذا قول أهل السنة والجماعة، أما إذا استحله، قال: الزنا حلال يكفر، أو قال: الخمر حلال يكفر، عند أهل السنة والجماعة جميعا، أو قال: الربا حلال يكفر، أو قال: عقوق الوالدين حلال يكفر، لكن إذا فعله من غير اعتقاد، وهو يعلم أنه حرام، عق والديه يعلم أنه حرام، زنا يعلم أنه حرام، شرب الخمر يعلم أنه حرام، هذا عاص، ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان عند أهل السنة ولا يكفر، لكن يستحق أن يقام عليه حد الخمر، حد الزنا، يؤدب عن العقوق، يؤدب عن أكل الربا. لا بأس طيب.

стр. 14887

س ٢: هل العلماء الذين قالوا بعدم كفر من ترك أعمال الجوارح، مع تلفظه بالشهادتين، ووجود أصل الإيمان القلبي هل هم من المرجئة؟ ج: هذا من أهل السنة والجماعة، من قال بعدم كفر من

стр. 14888

ترك الصيام، أو الزكاة، أو الحج، هذا ليس بكافر، لكنه أتى كبيرة عظيمة، وهو كافر عند بعض العلماء، لكن على الصواب لا يكفر كفرا أكبر، أما تارك الصلاة فالأرجح فيه أنه كفر أكبر، إذا تعمد تركها، وأما ترك الزكاة، والصيام، والحج، فهو كفر دون كفر، معصية وكبيرة من الكبائر، والدليل على هذا أن النبي ﷺ قال في من منع الزكاة: «يؤتى به يوم القيامة يعذب بماله» ، كما دل عليه القرآن الكريم: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١) ، أخبر النبي أنه يعذب بماله، بإبله، وبقره، وغنمه، وذهبه، وفضته، ثم يرى سبيله بعد هذا إلى الجنة أو إلى النار، دل على أنه لم يكفر، كونه يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، دل على أنه متوعد، قد يدخل النار، وقد يكتفي بعذاب البرزخ، ولا يدخل النار، بل يكون إلى الجنة بعد العذاب الذي في البرزخ.

стр. 14889

س ٣: هل يمكن صدور كفر عملي يخرج من الملة، في الأحوال الطبيعية؟ ج: الكفر العملي يخرج من الملة: مثل السجود لغير الله، والذبح لغير الله، هذا كفر عملي يخرج من الملة، الذي يذبح للأصنام أو إلى الكواكب، أو إلى الجن كفر عملي أكبر، وهكذا لو صلى لهم أو سجد لهم، يكفر كفرا عمليا أكبر، وهكذا لو سب الدين أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو بالرسول هذا كفر عملي أكبر، عند جميع أهل السنة والجماعة.

стр. 14890

س ٤: السجود والذبح لغير الله ، إذا كان عن جهل، أو كذا هل فيه فرق بين الجهل والتعمد؟ ج: هذه من الأمور التي لا تجهل، من عملها يكفر وعليه التوبة إذا كان صادقا، عليه التوبة فمن تاب تاب الله عليه، المشركون تابوا وتاب الله عليهم يوم الفتح، وهم معروف كفرهم وضلالهم، في مكة فلما فتح الله مكة، ودخلوا في دين الله قبل الله منهم. أما سجود معاذ بن جبل للنبي ﷺ فهو

стр. 14891

متأول يحسب أنه جائز، وبين له النبي ﷺ حرمة ذلك، بعدما استقرت الشريعة، علمه أن السجود لله؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١) وانتهى الأمر، كان معاذ جاهلا فعلمه النبي ﷺ ، بعد أن استقرت الشريعة، علمه وعلم الأمة أن السجود لله، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٢) ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (٣) ، فالذي بين للمسلمين أن من يسجد لغير الله يكون كافرا، وعليه التوبة.

стр. 14892

س ٥: هل تبديل القوانين يعتبر كفرا مخرجا من الملة؟ ج: إذا استباحها، فحكم بقانون غير الشريعة، يكون كافرا كفرا أكبر، أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة كان عاصيا لله من أجل الرشوة، أو من أجل إرضاء فلان، وهو يعلم أنه محرم يكون كفرا دون كفر، أما إذا فعله مستحلا له، يكون كفرا أكبر، كما قال ابن عباس في قول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)

стр. 14893

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) ، قال: ليس مثل من كفر بالله، لكنه كفر دون كفر. إلا إذا استحل الحكم بالقانون أو استحل الحكم بكذا أو كذا غير الشريعة يكون كافرا، أما إذا فعله لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأجل إرضاء بعض الشعب، أو ما أشبه ذلك، هذا يكون كفرا دون كفر.

стр. 14894

س ٦: هل فيه فرق بين التبديل ككل والحكم في قضية واحدة؟ ج: إن كان لم يقصد بذلك الاستحلال، وإنما حكم بذلك لأجل أسباب أخرى يكون كفرا دون كفر، أما إذا قال: يباح لا حرج في الحكم بغير ما أنزل الله، وإن قال الشريعة أفضل، لكن إذا

стр. 14895

قال: ما فيه حرج مباح يكفر بذلك كفرا أكبر، سواء قال: إن الشريعة أفضل أو مساوية، أو رآه أفضل من الشريعة، كله كفر، نسأل الله العافية يعني في جميع الصور، لكن يجب منع ذلك وهو كفر دون كفر، يجب أن يمنع ولو قال: إني ما استحللته، ولو قال: إن بيني وبين فلان عداوة أو رشوة، يجب أن يمنع، ما يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله، مطلقا، ولو بينه وبين المحكوم عليه عداوة، أو لأسباب أخرى، يجب على ولي الأمر أن يمنع من ذلك، وأن يحكم بشرع الله.

стр. 14896

س ٧: أعمال الجوارح هل تعتبر كمالا للإيمان أو تعتبر كصحة للإيمان ؟ ج: أعمال الجوارح فيها ما هو كمال للإيمان، وفيها ما تركه مناف للإيمان، والصواب أن الصوم يكمل الإيمان، الصدقة من كمال الإيمان، وتركها نقص في الإيمان وضعف في الإيمان، ومعصية، أما الصلاة فالصواب أن تركها كفر أكبر، نسأل الله العافية، وهكذا كون الإنسان يأتي بالأعمال الصالحات، هذا من كمال الإيمان، وكونه يكثر من الصلاة ومن صوم

стр. 14897

التطوع، ومن الصدقات، هذا من كمال الإيمان، مما يقوى به إيمانه.

стр. 14898

س ٨: ما هي وصيتكم الأخيرة والكلمة الأخيرة في هذا اللقاء؟ ج: وصيتي الأخيرة التفقه في الدين وتدبر القرآن والإكثار من قراءة القرآن وتدبر معانيه والمذاكرة فيما بينهم، فيما دل عليه القرآن والسنة، والقراءة في كتب أهل السنة، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، يقرأ كتبهما ففيها خير عظيم، وكتب السلف، مثل تفسير ابن جرير، كتاب التوحيد لابن خزيمة، شرح السنة للبغوي، ومثل كتاب شرح الطحاوية لابن أبي العز، والحموية، والتدمرية، كلها كتب عظيمة مفيدة. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل.

стр. 14899

٥ - الإيمان الحق وصفات المؤمنين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين (١) . أما بعد: أيها الإخوة الكرام قد سمعتم عنوان المحاضرة، وهو (الإيمان الحق وصفات المؤمنين) فهما ذات شقين: أحدهما تعريف الإيمان الحق. والثاني: تعريف صفات المؤمنين. وسأتكلم إن شاء الله على الشقين جميعا. أما الشق الأول: فهو الإيمان الحق: وتعريفه: هو التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله قولا وعملا وعقيدة، هذا هو الإيمان الحق: التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله وبكل ما شرعه الله لعباده من قول وعمل وعقيدة، هذا هو الإيمان الحق.

стр. 14900

ودل على ذلك آيات كثيرات من كتاب الله منها قوله جل وعلا: ﴿الم﴾ (١) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) ، وقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٦) . فبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة صفات المؤمنين، وبين المؤمن حقا وأنه من آمن بالله وملائكته إلى آخره، كما بين في الآيات السابقات في أول البقرة

стр. 14901

أن المتقين هم أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، هم أهل الإيمان بالآخرة والإيمان بما أنزل على محمد ﵊، والإيمان بما أنزل على من قبله مع إقامتهم الصلاة، ومع أدائهم الزكاة ومع إيمانهم بالغيب، والإيمان بالغيب وبما أنزل الله على النبي ﷺ ، وبما أنزل على الأنبياء، مع العمل هذا هو الإيمان الحق، الذي تطابق فيه القلب واللسان، وتنقاد له الجوارح هذا هو الإيمان الحق، ولهذا قال في أهله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) . فالمعنى أن هؤلاء قد ثبتوا على الهدى واستقروا عليه، ووفقهم الله للفلاح بإيمانهم الصادق، وعملهم الصالح وقولهم بالألسنة ما يطابق القلوب، وما تصدقه الأعمال، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢) المعنى ولكن من البر: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٣) آمن بقلبه وصدق بالعمل

стр. 14902

﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (١) إذا عاهدوا صدقوا وهم يؤمنون قولا وعملا وعقيدة ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (٢) هذا من عمل القلب وتصدقه الجوارح، فصبر القلب الصادق تصدقه الجوارح، ويصدقه الكلام: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (٣) البأساء هي الفقر والحاجة، والضراء هي الأمراض والجراح، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٤) حين الحرب ولقاء الأعداء، هؤلاء المؤمنون صبر في البأساء والضراء، في الشدة والرخاء وفي حال لقاء الأعداء. هذا من دلائل صحة الإيمان، وأن إيمانه حق ليس كإيمان المنافقين الذين يقولون بالألسنة ما ليس في القلوب ولهذا قال بعد ذلك في تمام الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٥) هؤلاء الذين قالوا وعملوا وكذبوا بالظنون، هم أهل الصدق وهم أهل التقوى وهم أهل الإيمان، فالإيمان الحق عقيدة يصدقها اللسان، وتصدقها الجوارح وذلك هو الإيمان بالله، وبرسله وبكتبه وبالملائكة وباليوم الآخر، وبالقدر خيره

стр. 14903

وشره، هذه أصوله، وهذه أركانه، وهذه منازله ومبانيه كما جاء في الحديث الشريف، حديث عمر ﵁، حين سأل جبرائيل نبينا ﵊ عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره (١) » ، وهذه الستة هي أصول الإيمان ومبانيه، وعليها مداره ويتبعها التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله من فروع الإيمان بالله، ومن تحقيق الإيمان بالله الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، من الجنة والنار والحساب والجزاء وأخبار الرسل الماضين وما جرى عليهم وما جرى لأممهم، وما يكون يوم القيامة، إلى غير ذلك كله داخل في الإيمان، وهكذا تفاصيل الإيمان بالرسل والملائكة، واليوم الآخر كله داخل في الإيمان. وهكذا الإيمان بالقدر يشمل أمورا أربعة: يشمل الإيمان بعلم الله بما يقع في العالم من خير وشر، ومن ظهور ممالك وسقوط أخرى، ومن آجال وأرزاق، ومن أعمال وصحة وأمراض وغير

стр. 14904

ذلك، فهو يعلم كل شيء : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) .

стр. 14905

الأمر الثاني: أنه كتب كل شيء ، كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) . والأمر الثالث: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويدل على هذا آيات كثيرات كما قال جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٣) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ، (٥) وقال : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٦)

стр. 14906

وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ، وقال : ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٢) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣) . والأمر الرابع: خلقه للأشياء وإيجاده لها،. بمحض مشيئته وقدرته الكاملة ، وعلمه التام كما قال : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٤) ، وقال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٥) . وهذه الأربعة: هي خلاصة الإيمان بالقدر، ومجموع قدرات الإنسان أن تؤمن بأن الله علم الأشياء كلها، من أعمال وآجال وأرزاق وغير ذلك، وكتب ذلك عنده ، وأنه سبحانه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير،

стр. 14907

وأنه الخلاق العليم، ليس هناك خالق سواه . فالإيمان بهذه الأصول الستة هو: أصل الإيمان بما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام، من شرائع وأخبار وعلى رأسهم إمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ﵊، فالإيمان الحق والإيمان الصادق هو الإيمان بهذه الأصول الستة، والإيمان بما يلتحق بها من كل ما أخبر الله به ورسوله، مما كان وما سيكون في آخر الزمان، وفي يوم القيامة وفي الجنة والنار وغير ذلك، ويلتحق بذلك أيضا الإيمان بكل ما شرعه الله ورسوله من أعمال وأقوال وعقائد، كله داخل في الإيمان الصادق الحق. وهذا يوجب على العبد أن يستقيم على أمر الله، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله، حتى يؤدي ما أوجب الله على بصيرة، وحتى يدع ما حرم الله على بصيرة، وحتى يصدق بكل ما أخبر الله به ورسوله عن علم وهدى وبصيرة، وهذا الإيمان الحق يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي؛ وقد جاء في السنة الصحيحة عن رسول الله ﵊ ما يدل على أن كل ما أخبر الله به ورسوله، وكل

стр. 14908

ما شرعه الله يسمى إيمانا لما تقدم، من هذا قوله ﵊ في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: «آمركم بالإيمان بالله. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم (١) » فسمي هذه إيمانا فدل ذلك على أن الإيمان يطلق على العمل، كما يطلق على التصديق بالقول، وكما يطلق على التصديق باللسان، وجاء أيضا عنه ﵊ في الصحيحين أنه قال ﵊: «الإيمان بضع وستون شعبة (٢) » ، وفي لفظ مسلم: «بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٣) » .

стр. 14909

فسمى جميع أعمال الدين إيمانا ومن جملتها الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، سمي ذلك إيمانا في قوله: «فأفضلها قول لا إله إلا الله (١) » مع الشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن هاتين الشهادتين لا تغني إحداهما عن الأخرى، ولا تنفك إحداهما عن الأخرى بل لا بد منهما جميعا، فلا إسلام ولا إيمان إلا بهما جميعا، وجعل جميع ما شرعه الله إيمانا؟ فدل ذلك على أن الإيمان يطلق على ما يكون في القلب، وعلى ما تقوم به الجوارح، وعلى ما ينطق به اللسان مما شرعه الله ورسوله، وكذلك سمى إماطة الأذى عن الطريق إيمانا وهي من أعمال الجوارح، وسمى الحياء إيمانا وهو من أعمال القلب. فدل ذلك على أن ما يقوم به الإنسان مما شرعه الله، وأن تصديقه بما أخبر به الله ورسوله، كله يسمى إيمانا، كما أن أعماله الشرعية من صلاة وصوم وحج، وزكاة وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، كله يسمى إيمانا، وهكذا أقواله من قراءة أو من أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، وأذكار ودعائه الله ، كل ذلك يسمى إيمانا، فالإيمان الحق هو الذي

стр. 14910

يتطابق فيه القلب واللسان والجوارح على ما شرعه الله ، وعلى ما أخبر الله به ورسوله، يسمى إيمانا. ويسمى إيمانا حقا؛ لأنه تطابق فيه القلب واللسان، وصدقت به الجوارح، هذا هو الإيمان الحق الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب وجاء به كتاب الله القرآن الكريم، وجاءت به سنة رسوله ﵊. وضد ذلك الإيمان الباطل، الإيمان الكاذب، وهو الإيمان باللسان دون القلب، وهو إيمان أهل النفاق، فإنهم يقولون بالألسنة ما ليس في القلوب، وبالأفواه ما ليس في الضمائر. هؤلاء هم أهل النفاق الذين كذبوا بقلوبهم، وصدقوا بالألسنة مجاملة ومراعاة لحاجاتهم الحاضرة، ومقاصدهم الدنيوية كما قال في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (٣)

стр. 14911

سبحانه وتعالى، وقال : ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١) . هذه حال المنافقين يقولون بالأفواه ما ليس في القلوب؛ لأنهم مكذبون بقلوبهم، غير مصدقين بنبينا محمد ﷺ ، وغير مؤمنين بكتاب الله ، فهم كاذبون في دعوى الإيمان، غير صادقين، ولهذا قال الله سبحانه عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) ، وقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٦)

стр. 14912

ليس عندهم إيمان، عندهم التردد، وعندهم الكذب وعندهم الشك والريب، هذه حال المنافقين، وهذا إيمانهم الكاذب الذي بينه الله عنهم جل وعلا، وأنهم يدعونه باللسان ويخالفونه بالأعمال والقلوب، فالمؤمن الصادق هو الذي آمن بالله حقا، وآمن بما جاء به الرسول ﵊، مما دل عليه كتاب الله : من أقوال وأعمال وعقائد، وطابق ما في قلبه ما قاله لسانه، وما عملت به جوارحه، هكذا الإيمان الصادق، هكذا الإيمان الحق، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب وعلق عليه السعادة والكرامة في الدنيا والآخرة قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)

стр. 14913

هذا هو الإيمان الصادق، وعد الله أهله بالرحمة والجنة والكرامة، وقال : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) . في آيات كثيرات كلها تدل على وجوب الإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢) .

стр. 14914

فالإيمان الحق يتضمن الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره كما تقدم، وتقدم أن هذه الستة هي أصول الإيمان وهي أركانه ومبانيه، ويلتحق بها ويتفرع عنها الإيمان بكل ما فرضه الله ورسوله، فإن ذلك داخل في الإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضا كل ما يتعلق بأخبار الآخرة، وأخبار الجنة والنار، وأخبار الحساب والجزاء، كله داخل

стр. 14915

في الإيمان باليوم الآخر، ويتعلق بذلك أيضا كل ما يتعلق بالقدر، وفيه قدر كل ما هو داخل في القدر، وكل ما يتعلق بالإيمان بما يكون في آخر الزمان، وما مر به الزمان، كله داخل في الإيمان بالله ، وإذا صدق المرء بلسانه وقلبه، وصدق بجوارحه فهو المؤمن حقا، وهو الإيمان الذي درج عليه صحابة النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهو يزيد وينقص، يزيد بالأعمال الصالحات، من صلاة وصوم وجهاد، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وصدقات وقراءة قرآن وأذكار، ودعوة إلى الله إلى غير ذلك، وينقص بالمعاصي والمخالفات، ينقص بذلك كما قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهي مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها وهو مؤمن (١) » متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «وإن وصلى وصام وزعم أول مسلم (٢) » .
следующие страницы →