← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 14911–14950 · переход к 14916.

стр. 14911

سبحانه وتعالى، وقال : ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١) . هذه حال المنافقين يقولون بالأفواه ما ليس في القلوب؛ لأنهم مكذبون بقلوبهم، غير مصدقين بنبينا محمد ﷺ ، وغير مؤمنين بكتاب الله ، فهم كاذبون في دعوى الإيمان، غير صادقين، ولهذا قال الله سبحانه عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) ، وقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٦)

стр. 14912

ليس عندهم إيمان، عندهم التردد، وعندهم الكذب وعندهم الشك والريب، هذه حال المنافقين، وهذا إيمانهم الكاذب الذي بينه الله عنهم جل وعلا، وأنهم يدعونه باللسان ويخالفونه بالأعمال والقلوب، فالمؤمن الصادق هو الذي آمن بالله حقا، وآمن بما جاء به الرسول ﵊، مما دل عليه كتاب الله : من أقوال وأعمال وعقائد، وطابق ما في قلبه ما قاله لسانه، وما عملت به جوارحه، هكذا الإيمان الصادق، هكذا الإيمان الحق، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب وعلق عليه السعادة والكرامة في الدنيا والآخرة قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)

стр. 14913

هذا هو الإيمان الصادق، وعد الله أهله بالرحمة والجنة والكرامة، وقال : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) . في آيات كثيرات كلها تدل على وجوب الإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢) .

стр. 14914

فالإيمان الحق يتضمن الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره كما تقدم، وتقدم أن هذه الستة هي أصول الإيمان وهي أركانه ومبانيه، ويلتحق بها ويتفرع عنها الإيمان بكل ما فرضه الله ورسوله، فإن ذلك داخل في الإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضا كل ما يتعلق بأخبار الآخرة، وأخبار الجنة والنار، وأخبار الحساب والجزاء، كله داخل

стр. 14915

في الإيمان باليوم الآخر، ويتعلق بذلك أيضا كل ما يتعلق بالقدر، وفيه قدر كل ما هو داخل في القدر، وكل ما يتعلق بالإيمان بما يكون في آخر الزمان، وما مر به الزمان، كله داخل في الإيمان بالله ، وإذا صدق المرء بلسانه وقلبه، وصدق بجوارحه فهو المؤمن حقا، وهو الإيمان الذي درج عليه صحابة النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهو يزيد وينقص، يزيد بالأعمال الصالحات، من صلاة وصوم وجهاد، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وصدقات وقراءة قرآن وأذكار، ودعوة إلى الله إلى غير ذلك، وينقص بالمعاصي والمخالفات، ينقص بذلك كما قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهي مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها وهو مؤمن (١) » متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «وإن وصلى وصام وزعم أول مسلم (٢) » .

стр. 14916

وهذا يدل على أن الإيمان يرتفع بهذه المعاصي الكبيرة، ويبقى أصله فقط، وأن أصله باق مع المسلم، لكن كماله وتمامه يرتفع بهذه الكبائر: كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وأكل أموال الناس ونحو ذلك؛ لأن هذا ينافي الإيمان الواجب، ويرتفع الإيمان الواجب الذي يمنعه مما حرم الله، ومن كون إيمانه كاملا، ومن كون إيمانه الواجب حاضرا: لمنعه من هذه المعاصي، ومن هذه الكبائر، ولهذا قال ﵊: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (١) » . فدل ذلك على أن الإيمان يضعف وينقص، حتى لا يمنع من الزنا، وحتى لا يمنع من شرب الخمر، وحتى لا يمنع من السرقة، وحتى لا يمنع من أكل أموال الناس، في ضعفه وما خالطه من شهوة جامحة، ورغبة في الدنيا وشهواتها، ومن موافقة النفس وهواها، على الوقوع فيما حرم الله ، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، ليس المعنى أنه يكفر كما تقول الخوارج، لا ولكنه يرتفع منه الإيمان الكامل، ويرتفع منه الإيمان الواجب، ويبقى معه أصل الإيمان الذي كان به مسلما، فيرتفع هذا الإيمان الواجب، ويزول هذا الإيمان الواجب بما يفعل من الفواحش والمنكرات،

стр. 14917

وإذا تاب ورجع تاب الله عليه، ورجع إليه إيمانه الواجب الكامل، ويدل على هذا أنه ﵊ لم يحكم على الزاني بالردة، ولا على السارق بالردة فيقتل، ولا على شارب الخمر بالردة فيقتل، فقد جاء في هذا حدود: فالزاني يرجم إن كان محصنا، ويجلد إن كان غير محصن مائة جلدة ويغرب عاما، ولو كان الزنا ردة وكفرا لقتل؛ كما قال النبي ﵊: «من بدل دينه فاقتلوه (١) » ، وهكذا السارق تقطع يده ولا يقتل، فدل ذلك على أن إسلامه باق، وأن أصل إيمانه باق، ولكنه أتى جريمة أوجبت قطع يده، تعزيرا وتنكيلا وردعا عن هذه المنكرات، وهكذا شارب الخمر لم يأمر بقتله، بل أمر أن يجلد، فدل ذلك على أن شرب الخمر لا ينافي الإيمان بالكلية، ولكن ينافي كماله وينافي الإيمان الواجب، ويبقى معه أصل الإيمان، الذي به صح إسلامه، ولهذا لم يؤمر بقتل من شرب الخمر، بل يحد حده الشرعي، وهو الجلد بأربعين جلدة، أو ثمانين جلدة، كما رأى عمر ﵁ وأرضاه، وتبعه أهل العلم في ذلك.

стр. 14918

وهكذا الغاصب للأموال لا يقتل ولكن يعزر، ويؤدب ويردع بما يراه ولي الأمر: من جلد وسجن ونحو ذلك، حتى يرتدع عن أموال الناس، وهكذا المحارب الذي يحارب، ويقطع الطريق، فإنه لا يكون مرتدا إذا لم يستحل ذلك، ولكنه يكون ناقص الإيمان، وضعيف الإيمان، ويستحق أن يعاقب بما شرع الله عقوبته، من قتل وصلب وتقطيع الأيدي والأرجل، والنفي من الأرض. وبهذا تعلم أن الإيمان الحق، وأن الإيمان الصادق، هو الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، والإيمان بكل ما شرعه الله ورسوله من قول وعمل وعقيدة، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كما قال أصحاب السنة والجماعة، وهم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان، إذا أطعنا واستقمنا زاد الإيمان، وإذا عصينا وضيعنا نقص الإيمان، كما سمعت في الدلائل، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١) . في آيات كثيرات وقد سمعت الحديث: «لا يزني

стр. 14919

الزاني حين يزني وهو مؤمن (١) » الحديث. فعلم بذلك أن الإيمان يزداد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والمخالفات، وهو قول وعمل وعقيدة، هكذا قال أهل السنة والجماعة، وهكذا دل كتاب الله ودلت سنة رسول الله ﵊، أنه قول وعمل وعقيدة، وبعبارة أخرى أنه التصديق باللسان، والعمل بالجوارح، والتصديق بالجنان، هكذا الإيمان الصادق: قول وعمل يطابقان ما في قلبك من الإيمان بالله ورسوله، ومن الإيمان بكل ما شرعه الله ورسوله، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، خلافا للخوارج والمعتزلة فإنهم قالوا: لا يزيد ولا ينقص، فإما أن يوجد مرة، وإما أن يزول كله، وعندهم الزاني والسارق ونحوهما قد خرجا من الإيمان، وصارا إلى الكفر والضلال عند الخوارج، وصارا في منزلة بين منزلتين عند المعتزلة، واتفقوا جميعا على أنه في النار مخلد فيها كسائر الكفار، وهذا قول باطل من قول الخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إنه ناقص الإيمان، وإنه ضعيف الإيمان، ولم يخرج من الإيمان بالكلية، بل إيمانه ناقص، وإيمانه ضعيف، وليس من الكفار وليس مخلدا

стр. 14920

في النار، إذا فعل ذلك عن شهوة، وغلبة في هواه، لا عن تكذيب، ولا عن استحلال، فإنه يكون ضعيف الإيمان، وله حكم أهل الإسلام، وهو مؤمن بالجنة، وإن جرى عليه ما يجري من عقاب يوم القيامة، ومن تعذيب بأسباب أعماله السيئة، فإن مصيره إلى الجنة ولا يخلد في النار، أبدا، وإنما يخلدون في النار الكفار بالله والمنافقين، المنافقون النفاق الأكبر، هؤلاء هم الذين يخلدون في النار، أما العصاة فمن دخلها منهم فهو مؤمن مسلم، موحد لم يستحل المعاصي وإنما فعلها لهوى وشهوة، وطمع ونحو ذلك، فهذا لا يخلد في النار، إذا دخلها فهو مؤمن ناقص الإيمان، مسلم ضعيف الإيمان، إذا دخل النار بمشيئة الله فإنه لا يخلد، وقد يعفى عنه ولا يخلد في النار؛ لأن ما دون الشرك تحت مشيئة الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فهو حكم على أهل الشرك بأنه لا يغفر لهم إذا ماتوا عليه، أما العصاة فإنهم تحت مشيئة الله سبحانه، بإسلامهم وأعمالهم الصالحة، وإن شاء عذبهم على قدر جرائمهم

стр. 14921

التي ماتوا عليها غير تائبين: من زنا أو سرقة أو غير ذلك، ومآلهم بعد التطهير والتمحيص إلى الجنة، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﵊ أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، مثقال ذرة من إيمان، مثقال دينار من إيمان، إلى غير ذلك. هذه النصوص المتواترة عن رسول الله ﵊ تدل على أن العاصي لا يخلد في النار، ولكنه يعذب إذا دخلها، يعذب بما شاء على قدر المعاصي التي مات عليها غير تائب، ثم بعد تطهيره وتنقيته من الخبث يخرجه الله من النار إلى نهر الحياة كما جاء في هذه النصوص عن رسول الله ﵊، وينبتون في النهر كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم بعد أن يستتم خلقه يدخله الله الجنة برحمته . وبهذا علمنا الإيمان الصادق الحق، وعلمنا الإيمان الكاذب، فالإيمان الصادق هو الذي فيه تطابق القلب واللسان، وتصديق الجوارح وأنه يزيد وينقص ويضعف ويقوى، وأن العصاة وإن كانوا دخلوا في الإيمان الصادق، وهم من أهله لكن العاصي

стр. 14922

ينقص إيمانه، ويضعف إيمانه بقدر معاصيه التي اقترفها، ومن أدى الواجبات وتباعد عن المحرمات؛ كمل إيمانه، ومن توسع في الطاعات والأعمال الصالحات، كان من السابقين المقربين وكانت منزلته أعلى من غيره. وبهذا يعلم حقيقة الإيمان الصادق، وحقيقة أعمال أهله، وأنهم هم الصفوة، وهم خلاصة هذه الأمة، الذين صدقوا في اتباع الرسول ﷺ ، واستقاموا على طريقه: قولا وعملا وعقيدة. هؤلاء هم أهل الإيمان الحق، وهم أهل الإيمان الصادق، وإن جرى منهم شيء من السيئات والمعاصي، كان بذلك إيمانهم ضعيفا، وكان إيمانهم بذلك ناقصا، فعليهم أن يحققوا إيمانهم بالتوبة الصادقة، وبالرجوع إلى الله والإنابة إليه، وباتباع التوبة بالعمل الصالح، وبهذا يعود إليهم إيمانهم، وكمال إيمانهم بالتوبة الصادقة، والعمل الصالح.

стр. 14923

أما صفات المؤمنين، فكثيرة قد أشار إليها سبحانه مجملة ومفصلة، في قوله :

стр. 14924

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) هذه من صفات أهل الإيمان التفصيلية. أما القولية فيما بينهم: فيتحابون في الله، ينصح بعضهم بعضا، ويوالي بعضهم بعضا، لا يخذل بعضهم بعضا، ولا يفسد بعضهم بعضا، ولا يسب بعضهم بعضا، متوائمين فيما بينهم، يتحابون في الله، ويتواصون بالحق والصبر عليه، ويتعاونون على البر والتقوى، أينما كانوا لا غش ولا حقد، ولا حسد بينهم ولا غير ذلك، مما حرم الله، وإذا وجدت من نفسك أيها المسلم شيئا من هذه المعاصي، فاعرف أن هذا نقص في إيمانك، ونقص في دينك، وضعف في إيمانك، وأنك بهذا خرجت عن كمال الإيمان، وعن تمام الإيمان، إلى ما ألت إليه، وإلى ما أنت صرت إليه، من نقص وضعف بسبب المعاصي التي أقدمت عليها. ومن صفاتهم أنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، هذه من صفات أهل

стр. 14925

الإيمان، ومن صفاتهم ما قاله الرسول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه (١) » ، فهم يتعاونون ويدعم بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا على الخير، ومن صفاتهم قوله ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢) » . فمن صفاته أنه كامل النصيحة، كامل المحبة لأخيه، يحب لأخيه كل خير، ويكره له كل شر، ومن صفاتهم ما جاء في الحديث الصحيح: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٣) » . كل هذا من صفات أهل الإيمان، ومن صفاتهم

стр. 14926

ما دل عليه قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣) . هذه من صفاتهم العظيمة، ومن صفاتهم العظيمة أيضا أنهم عند ذكر الله توجل القلوب، وعند تلاوة كتابه يزداد إيمانهم، وعلى ربهم يتوكلون في كل أمورهم، عليه يعتمدون مع الأخذ بالأسباب، ومع الأخذ بالأعمال التي شرعها الله لتمام التوكل، فمن تمام التوكل الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأعمال فلا توكل إلا بأسباب، ولا أسباب إلا بتوكل، فالمؤمن يجمع بينهما: يعتمد على الله، بقلبه ويفوض إليه أموره، مع أخذه بالأسباب، مع تعاطي أسباب الجنة والبعد عن أسباب النار، ومع الأخذ بالأسباب الشرعية في كسب وطلب الحلال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، فهم في إيمانهم صادقون صابرون، وعلى ربهم يتوكلون وبالأعمال

стр. 14927

الصالحة يأخذون، وعليها يعتمدون، وبترك الأعمال السيئة يعتمدون أيضا، ويواظبون ويحافظون، وهكذا يأخذون بكل ما شرع الله، وبكل ما أباح الله من الأسباب فلا يضيعونها، فالتوكل من دون أسباب عجز أيضا، والأسباب من دون توكل عجز أيضا، فالتوكل الصادق الذي شرعه الله لعباده، الذي يجمع بين الأمرين: بين الاعتماد على الله وبين الأخذ بالأسباب، والأعمال التي شرعها الله وأمر بها . ومما ورد في صفات المؤمنين قوله ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يبغضه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (١) » .

стр. 14928

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والآيات كثيرة، ويكفينا ما أشرنا إليه من آيات وأحاديث في بيان صفات المؤمنين وأخلاقهم وأعمالهم الطيبة، وفي بيان الإيمان الحق الذي رضي الله على أهله، ومدحهم ووعدهم الجنة والكرامة، والإيمان الباطل الكاذب الذي ذم الله أهله، وعابهم ووصفهم بالنفاق ووعدهم عليه بالدرك الأسفل من النار. وبهذا علمنا الإيمان الصادق الإيمان الحق، وأعمال أهله وصفاتهم، وعلمنا الإيمان الباطل الكاذب، وصفات أهله وأنهم أهل النفاق، وأهل الكذب والخيانة والغش والخداع. نسأل الله العافية من صفاتهم وأخلاقهم، ونسأله سبحانه أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحقق إيماننا جميعا، وأن يوفقنا للصدق في القول والعمل، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.

стр. 14929

٦ - بيان أهمية التوحيد س: نريد من سماحتكم أن توجهوا نداء إلى الناس تبينون فيه أهمية الدعوة إلى الله وتفسر النافي لمعنى (لا إله إلا الله) . (١) . الجواب: في كتاب الله العظيم الكفاية العظيمة والدعوة إلى هذا الحق العظيم، فقد دعاهم مولاهم في كتابه العظيم في آيات كثيرة إلى أن يعبدوه وحده، وهكذا رسوله ﷺ دعاهم إلى ذلك بمكة والمدينة مدة ثلاث وعشرين سنة، يدعو إلى الله ويبصر الناس بدينهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) وقال جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٦)

стр. 14930

وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وقال : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٢) في آيات كثيرة، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٤) » متفق على صحته. وقال ﵊: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار (٥) » . وقال ﵊: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا

стр. 14931

دخل النار (١) » . فالواجب على جميع أهل الأرض من المكلفين أن يعبدوا الله وحده، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يشهدوا أن محمدا رسول الله، وأن يخصوا الله بدعائهم وخوفهم ورجائهم واستغاثتهم وصومهم وصلاتهم وسائر عباداتهم، وهكذا طوافهم بالكعبة يطوفون بالكعبة تقربا إلى الله وعبادة له وحده ، وأن يحذروا دعوة غير الله بأصحاب القبور أو بالأصنام أو الأنبياء أو غير ذلك، فالعبادة حق الله وحده، لا يجوز لأحد أن يصرفها لغيره ، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، الصلاة عبادة، والصوم عبادة، والصدقة عبادة، والحج عبادة، وخوف الله عبادة، ورجاؤه عبادة، والنذر عبادة، والذبح عبادة، وهكذا لا يستغيث إلا بالله، ولا يطلب المدد إلا من الله ؛ لأنه خالقه وربه ومعبوده هو الحق ، وقد بعث الله الرسل كلهم بذلك من أولهم إلى آخرهم من

стр. 14932

أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، كلهم يدعون الناس إلى توحيد الله كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) . وكان ﷺ يقول لأهل مكة: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (٣) » هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء، من العجم والعرب، من الجن والإنس، في جميع أرض الله، يجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يخصوه بالعبادة ، وألا يعبدوا معه سواه لا صنما ولا نبيا ولا ملكا ولا جنيا ولا شجرا ولا غير ذلك، العبادة حق الله وحده: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) هذا هو الواجب على جميع المكلفين من جن وإنس، من عرب وعجم

стр. 14933

من ذكور وإناث من ملوك وعامة، يجب على الجميع أن يعبدوا الله وحده، وأن يخصوه بدعائهم وخوفهم ورجائهم وتوكلهم واستغاثاتهم ونذورهم وذبحهم وصلاتهم وصومهم ونحو ذلك، كما قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) . لكن خوف الإنسان ما يضره واتخاذ الأسباب غير داخل في العبادة، خوفه من اللص حتى يغلق الباب ويتخذ الحرس لا حرج في ذلك كما قال الله عن موسى لما خاف فرعون قال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٥) خائف من شر فرعون، وخوف الأمور الحسية، وخوف الظلمة واتخاذ الأسباب هذا غير داخل في العبادة،

стр. 14934

فإذا خاف من اللصوص وأغلق بابه وجعل حارسا على ماله، أو خاف حين سفره من اللصوص أو قطاع الطريق وحمل السلاح وسلك الطريق الآمنة، كل هذا لا بأس به، وهكذا إذا خاف الجوع أكل وإذا خاف الظمأ شرب، وإذا خاف البرد لبس ما يدفئه وما أشبه ذلك من الأمور الحسية المعروفة لا حرج في ذلك، وهكذا إذا استعان بأخيه في مزرعته، في إصلاح سيارته، في بناء بيته، هذه أمور عادية غير داخلة في العبادة، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) لموسى، هذه أمور عادية يقدر عليها المخلوق، التصرف مع المخلوق الحي الحاضر في أشياء يقدر عليها من تعاون في بناء، في مزرعة، في جهاد، وغر ذلك هذا غير داخل فيما يتعلق بالعبادة. لكن دعاء الميت، دعاء الشجر، دعاء الصنم، دعاء الجن، دعاء الملائكة، دعاء الأنبياء؛ ليستغيث بهم هذا هو الشرك الأكبر، أو دعاء الحي في أمور لا يقدر عليها، يعتقد فيه أن له تصرفا في الكون، كما يفعل بعض الصوفية مع مشايخهم يدعونهم مع الله

стр. 14935

ويعتقدون أن لهم تصرفا في الكون، فإن لهم سرا يستطيعون معه أن يعلموا الغيب أو ينفعوا الناس بما لا يقدر عليه إلا الله ، هذه أمور شركية حتى مع الأحياء، نسأل الله السلامة.

стр. 14936

٧ - التوحيد أصل الدين وأساس الملة س: سماحة الشيخ: أرجو بيان أهمية التوحيد، وبيان ذلك خصوصا وقد زهد كثير من الشباب فيه وفقكم الله؟ (١) ج: معرفة التوحيد هي أصل الأصول وأصل الدين كما تقدم، أصل الدين أن تعلم معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هذا هو أعظم واجب، وهو أول شيء دعت إليه الرسل ودعا إليه نبينا ﵊، تفقيه الناس بالشهادتين، وأن يخلعوا الأوثان والأصنام، وأن يعبدوا الله وحده. هذا أول شيء دعت إليه الرسل، وهذا هو الواجب على كل مسلم مكلف: وأن يوحد الله، وأن يخصه بالعبادة قبل كل

стр. 14937

شيء، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) . فالواجب على كل مكلف: أن يتفقه في الدين، وأن يخص الله بالعبادة، وأن يعرف معنى (لا إله إلا الله) ، ومعنى شهادة (أن محمدا رسول الله) ، وأن معنى الأولى: توحيد الله والإخلاص له، وصرف العبادة له دون كل ما سواه، والإيمان بأن هذا هو الحق، وهو أصل الدين وأساس الملة، كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٥) مع الإيمان برسول الله وأنه رسول حقا، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب،

стр. 14938

وأن الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وأن الأعمال لا تقبل إلا بالأمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ .

стр. 14939

٨ - توحيد الربوبية أنكره شواذ لا عبرة بهم س: الشيوعيون والملاحدة في عصرنا ينكرون وجود الله، ألا يعتبر هذا إنكارا لتوحيد الربوبية، خلاف ما قاله بعض أهل العلم، بأن أحدا من الكفار لم ينكر توحيد الربوبية؟ (١) ج: ذكر العلماء أن توحيد الربوبية أمر معترف به عند الأمم، وإنما أنكره شواذ من الناس لا عبرة بهم، منهم المجوس حيث قالوا: إن هناك إلهين: النور والظلمة، وأن النور أعظم من الظلمة، وأنه خلق الخير، وأن الظلمة خالقة الشر، وأما إنكار الآلهة بالكلية فهذا قد قاله مكابرة فرعون، وهكذا الفلاسفة الأقدمون. والملاحدة معروفون بأنهم يرون الأفلاك آلهة، وأن لها حركتها المعروفة، لكن جمهور المشركين وعامتهم يقرون بالرب،

стр. 14940

وأن هناك ربا خلق ورزق وهو في العلو، وإنما تقربوا إليه بما فعلوا من الشركيات. وكفار قريش أنكروا المعاد، وهم يقرون بأن الله ربهم وخالقهم، ولكنهم أشركوا في العبادة وأنكروا المعاد، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ (١) ، وأنكروا الجنة والنار، فبعث الله محمدا ﷺ إليهم وإلى غيرهم من الجن والإنس بإرشادهم إلى الحق، وإنكار ما هم عليه من الباطل، فاتبعه من أراد الله له السعادة، وكفر به الأكثرون كغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 14941

٩ - لا تزهدوا في الحق لقلة السالكين ولا تغتروا بالباطل لكثرة الهالكين (١) إن التقوى كلمة جامعة تجمع الخير كله وحقيقتها أداء ما أوجب الله، واجتناب ما حرمه الله على وجه الإخلاص له والمحبة والرغبة في ثوابه والحذر من عقابه، وقد أمر الله عباده بالتقوى ووعدهم عليها بتيسير الأمور وتفريج الكروب وتسهيل الرزق وغفران السيئات والفوز بالجنات. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣) . فيا معشر المسلمين راقبوا الله سبحانه وبادروا إلى التقوى في جميع الحالات، وحاسبوا أنفسكم في جميع أقوالكم وأعمالكم ومعاملاتكم، وتداركوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم، وتفقهوا في دينكم، وبادروا إلى أداء ما أوجب عليكم واجتنبوا ما حرم الله

стр. 14942

لتفوزوا بالعز والأمن والهداية والسعادة في الدنيا والآخرة، واحذروا من الانكباب على الدنيا وإيثارها على الآخرة. قال بعض السلف ﵏: لا تزهد في الحق لقلة السالكين ولا تغتر بالباطل لكثره الهالكين. وأوصي إخواني المسلمين بخمسة أمور: الأول: الإخلاص لله وحده في جميع القربات القولية والعملية والحذر من الشرك كله دقيقه وجليله، وهذا أوجب الواجبات وأهم الأمور. الثاني: التفقه في القرآن وسنة الرسول ﷺ والتمسك بهما وسؤال أهل العلم عن كل ما أشكل عليكم في أمر دينكم، والحذر من اتباع الهوى، وعليكم بالتمسك بالحق والدعوة إليه والحذر مما خالفه للفوز بخيري الدنيا والآخرة. الثالث: إقامة الصلوات الخمس والمحافظة عليها في الجماعة، فإنها من أهم الواجبات وأعظمها بعد الشهادتين، وهي عمود الدين والركن الثاني من أركان الإسلام، وهي أول شيء يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة.

стр. 14943

الرابع: العناية بالزكاة والحرص على أدائها كما أوجب الله، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة، أما غير المكلف من المسلمين كالصغير والمجنون فالواجب على وليه العناية بإخراج زكاة ماله كلما حال عليه الحول؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة، والدالة على وجوب الزكاة في مال المسلم مكلفا كان أو غير مكلف. الخامس: يجب على كل مكلف من المسلمين أن يطيع الله ورسوله في كل ما أمر الله ورسوله، كصيام رمضان وحج البيت مع الاستطاعة وسائر ما أمر الله به ورسوله، وأن يعظم حرمات الله، ويتفكر فيما خلق لأجله وأمر به، ويحاسب نفسه في ذلك دائما، فإن كان قد قام بما أوجب عليه فرح بذلك وحمد الله عليه وسأله الثبات، وأخذ حذره من الكبر والعجب وتزكية النفس، وإن كان قد قصر فيما أوجب الله عليه بادر إلى التوبة الصادقة والندم والاستقامة على أمر الله، والإكثار من الذكر والاستغفار والضراعة إلى الله سبحانه وسؤاله، والتوبة من سالف الذنوب والتوفيق لصالح

стр. 14944

القول والعمل، ومتى وفق العبد لهذا الأمر العظيم فذلك عنوان سعادته ونجاته في الدنيا والآخرة. فاتقوا الله عباد الله وعظموا أمره ونهيه وبادروا بالتوبة إليه من جميع ذنوبكم، واعتمدوا عليه وحده وتوكلوا عليه فإنه خالق الخلق ورازقهم، ونواصيهم بيده سبحانه، لا يملك أحدهم لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. قدموا - رحمكم الله - حق ربكم وحق رسوله على حق غيره، وطاعة غيره كائنا من كان، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وأحسنوا الظن بالله وأكثروا من ذكره واستغفاره، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

стр. 14945

١٠ - بيان اشتداد غربة الإسلام في آخر الزمان س: ثبت عن النبي ﷺ في حديث طويل «يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل (١) » ما المقصود بالكفر في الحديث وكيف يكون بيع الدين؟ (٢) ج: لقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم (٣) » بادروا بالأعمال يعني الصالحة «فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلما ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل (٤) » المعنى أن الغربة في الإسلام تشتد حتى يصبح المؤمن مسلما، ثم يمسي كافرا، وبالعكس يمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، وذلك بأن يتكلم بالكفر، أو يعمل به من أجل الدنيا، فيصبح مؤمنا ويأتيه من يقول له: تسب الله

стр. 14946

وتسب الرسول، تدع الصلاة ونعطيك كذا وكذا، تستحل الزنا، تستحل الخمر، ونعطيك كذا وكذا، فيبيع دينه بعرض من الدنيا، ويصبح كافرا، أو يمسي كذلك أو يقولوا: لا تكن مع المؤمنين نعطيك كذا وكذا لتكون مع الكافرين، فيغريه بأن يكون مع الكافرين وفي حزب الكافرين، وفي أنصارهم، حتى يعطيه المال الكثير، فيكون وليا للكافرين، وعدوا للمؤمنين، وأنواع الردة كثيرة جدا، وغالبا ما يكون ذلك بسبب الدنيا، حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، لهذا قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا (١) » وفي لفظ آخر: «بادروا بالأعمال الصالحة، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا، أو موتا مجهزا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو الدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر (٢) » المؤمن يبادر بالأعمال، يحذر قد يبتلى بالموت العاجل، موت الفجأة، قد يبتلى بمرض يفسد عليه قوته، فلا يستطيع العمل، يبتلى بهرم، يبتلى بأشياء أخرى، على الإنسان أن يغتنم حياته وصحته

стр. 14947

وعقله، بالأعمال الصالحات، قبل أن يحال بينه وبين ذلك تارة بأسباب يبتلى بها، من مرض وغيره، وتارة بالطمع في الدنيا، وحب الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وتزيينها من أعداء الله، والدعاة إلى الكفر والضلال.

стр. 14948

١١ - كلمة عن الأدب مع الله سبحانه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه أما بعد (١) : فيسرنا أن نستضيف في بداية هذه الحلقة سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية والرئيس العام لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ليحدثنا عن الأدب مع الله : مظاهره الحسنة، وما يناقضه من مظاهر سوء الأدب مع الله جل وعلا. الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

стр. 14949

فإن الواجب على جميع المكلفين هو التأدب مع الله، وذلك بإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والإيمان به، وبكل ما أخبر به سبحانه في كتابه العظيم، على لسان رسوله محمد ﵊، عن أسمائه وصفاته وعن الآخرة، والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك، يجب على كل مكلف أن يؤمن بالله، وأن يخصه بالعبادة، وألا يشرك به شيئا ، فأعظم الأدب توحيد الله، والإخلاص له، وأعظم سوء الأدب، الشرك بالله وصرف بعض العبادة لغيره ، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ، ويقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) . فأعظم الأدب وأهمه وأوجبه: إخلاص العبادة لله

стр. 14950

وحده، وترك عبادة ما سواه، وأن يخص بالعبادة، من دعاء وخوف ورجاء وتوكل، ورغبة ورهبة وذبح ونذر، واستغاثة وغير ذلك، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) . وبهذا يعلم أن ما يفعله الجهلة من دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم والذبح لهم، أن هذا هو الشرك الأكبر، هذا هو عبادة غير الله، وهذا داخل في قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) ، وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٤) ، وفي قوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) ، وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) .
следующие страницы →