← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك. قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر؟ قال الله أكثر (١) » .

стр. 2312

س٤: ما هي الآيات التي تدفع السحر؟ . جـ٤: من أسباب دفع السحر والسلامة منه المحافظة على الأذكار والأدعية، والتعوذات اللاتي سبق ذكرها في جواب السؤال الذي قبل هذا. ومن أسباب رفع السحر إذا وقع أن يقرأ الفاتحة وآية الكرسي، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) والمعوذتين، ويكرر هذه السور الثلاث ثلاثا مع النفث على نفسه، أو في ماء يشرب منه، ويغتسل بباقيه. ومما ينفع في ذلك أيضا، قراءة آيات السحر من سورة الأعراف ويونس وطه، وذلك كله من أسباب الشفاء. وآيات الأعراف هي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٣) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٥) وأما الآيات التي في سورة يونس فهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٦) ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٧) ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨) ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩) وأما الآيات التي في سورة طه فهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (١٠) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١١) ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (١٢) ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (١٣) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١٤)

стр. 2313

وهذا العلاج أيضا ينفع من حبس الرجل عن امرأته، كما ينفع بإذن الله في رفع السحر والسلامة من شره، فلله الحمد والشكر على ذلك.

стр. 2314

س٥: كيف يعامل المسلم زميلته في العمل بصرف النظر عن ديانتها، وقد يجتاج إلى التحدث إليها في شئون العمل أثناء العمل؟ وبالنسبة للمرأة المسلمة المتبرجة هل يجوز إفشاء السلام عليها أو الرد على تحيتها من قبل الرجل المسلم، وكيف تحدد العلاقة بين الرجل والمرأة أثناء الوداع؟ وطبيعة العمل تفرض على الرجل المسلم مخالطة النساء العاملات، ومراجعة بعضهن بخصوص العمل، وأحيانا يلمح منهن ما لا يجوز له أن يراه في المرأة دون قصد، وخصوصا إذا كان لباسهن غير محتشم، فهل يلحقه إثم بذلك؟ وإذا أراد هذا المسلم مخاطبة المرأة فهل ينظر إليها أم ينظر إلى الأرض، وإذا كانت طبيعة العمل تفرض على الرئيس المسلم التحدث إلى الموظفة العاملة انفرادا، فهل يقفل باب المكتب عليهما حتى لا يسمع أحد الحديث ... أم ماذا يعمل. وطبيعة مأمورات الشراء التباحث مع التجار عل انفراد مما يضطرها إلى قفل غرفة الاجتماع على ممثل التاجر ومأمورة الشراء، وأحيانا تكون مأمورة الشراء وحدها مجتمعة مع رجلين أو ثلاثة في غرفة مقفلة فما الحكم في تلك الأمور؟ . جـ٥: هذه المسائل التي ذكرها السائل كلها مهمة وخطيرة، والواجب قبل

стр. 2315

كل شيء ألا يعمل المؤمن وسط النساء، فإذا كان العمل بين النساء فالواجب التخلص من ذلك، وأن يلتمس عملا آخر ليس فيه اختلاط؛ لأن هذا المكان مكان فتنة وفيه خطر عظيم؛ لأن الشيطان حريص على إيقاع الفتنة بين الرجل والمرأة. فالواجب على المؤمن أينما كان أن لا يرضى بأن يكون عاملا بين العاملات من النساء، وهكذا الطالب في الجامعات والمدارس المختلطة يجب عليه أن يحذر ذلك، وأن يلتمس مدرسة وجامعة غير مختلطة؛ لأن وجود الشباب بجوار الفتيات وسيلة لشر عظيم، وفساد كبير، والواجب على المؤمن عند الابتلاء بهذه الأمور أن يتقي الله حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا، وأن يغض بصره، ويحذر من النظر إليها أو إلى محاسنها ومفاتنها بل يلقي بصره إلى الأرض، ولا ينظر إليها، ومتى صادف شيئا من ذلك غض بصره. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن نظر الفجأة، فقال للسائل: «اصرف بصرك (١) » وفي اللفظ الآخر: «فإن لك الأولى وليست لك الأخرى (٢) » ، والله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (٣) الآية، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٤) الآية، فعلى المؤمن أن يغض بصره ويحفظ فرجه، فإن صادف شيئا من غير قصد صرف بصره، ويعفو الله عن الأولى التي صادفها ولم يقصدها لذلك. وإذا بلي بالمرأة والتحدث إليها في شيء يتعلق بالعمل، فإنه يتحدث إليها من غير أن يقابل وجهها، ولا ينظر إلى محاسنها، بل يعرض عنها، ويلقي بصره إلى الأرض حتى يقضي حاجته وينصرف. وهذا من الأمور

стр. 2316

الواجبة التي تجب على المؤمن العناية بها. وكذلك المرأة في حال الشراء أو البيع أو غيرهما، ليس لها أن تخلو بالرجل ولا بالرئيس ولا مع المدير، وليس له أن يخلو بها ولا غيرها أيضا، لما في ذلك من الخطر العظيم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم (١) » متفق على صحته، وقال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٢) » خرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁. والمقصود أن الخلوة بالمرأة فيها خطر عظيم، ولو كانت في حاجات تتعلق بها، أو بوظيفتها. فالواجب الحذر من ذلك، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) الآية، وقال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) س٦: كثيرا ما نسمع أن عدم نزول المطر من السماء سببه معاصي العباد، فإذا كان كذلك فهل الذين في الهند وغيرهم، الذين تأتيهم السيول باستمرار، يعبدون الله أكثر مما نحن نعبده، أو أن المسألة دوران فلك ... نرجو توضيح ذلك، حيث بذلك يتحدث الناس؟ . جـ٦: على كل مسلم أن يعلم أن الله خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم، سواء كانوا كفارا أو مسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٦) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٨) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٩)

стр. 2317

وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (١) فهو سبحانه خلق الخلق من جن وإنس وكفار ومسلمين، وتكفل بأرزاقهم، فهو ينزل الأمطار، ويجري الأنهار في البلاد وغيرها، ويرزق هؤلاء وهؤلاء. لكنه سبحانه يؤدب عباده المسلمين إذا فعلوا ما يخالف شرعه وعصوا أمره، فيعاقبهم إذا شاء لينتهوا وليحذروا أسباب غضبه، فيمنع سبحانه القطر، كما منع ذلك جل وعلا في عهد النبي ﷺ ، وهو أصلح الناس، وعهده أصلح العهود، وصحابته أصلح العباد بعد الأنبياء، ومع هذا ابتلوا بالقحط والجدب، حتى طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يستغيث لهم، فقالوا: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فاستغاث لهم في خطبة الجمعة، ورفع يديه، وقال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا (٢) » . فأنزل الله المطر، وهو على المنبر ﷺ أنشأ الله سبحانه سحابة، ثم اتسعت فأمطرت، فخرج الناس تهمهم نفوسهم من شدة المطر، فلم يزل المطر حتى جاءت الجمعة الأخرى، فجاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكه عنا، فضحك ﵊، من ضعف بني آدم، فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر (٣) » . قال أنس ﵁، الراوي لهذا الحديث: فتمزق السحاب في الحال، وصارت المدينة في مثل الجوبة.

стр. 2318

فالمقصود أنه ﷺ وأصحابه ﵃ أصيبوا بالجدب واستغاثوا، وهم خير الناس، تعليما من الله لهم، وتوجيها لهم ولغيرهم إلى الضراعة إليه، وسؤاله من فضله، والتوبة إليه من تقصيرهم وذنوبهم؛ لأن تنبيههم بالجدب ونحوه من المصائب توجيه لهم إلى أسباب النجاة، وليضرعوا إليه، وليعلموا أنه هو الرزاق الفعال لما يريد. فإذا لم يتوبوا، فقد يعاقبهم الله سبحانه بالجدب والقحط وتسلط الأعداء أو غير ذلك من المصائب؛ حتى ينتهوا ويرجعوا إلى الله، ويتوبوا إليه، ما قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقال في قصة أحد لما أصابهم ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجراح لبعضهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) وفي يوم بدر كان النصر للمسلمين والهزيمة للكفار، وأسر منهم سبعون وقتل سبعون، وفي يوم أحد جرى على المسلمين مصائب بأسباب نفوسهم؛ لأن الرسول ﵊ أمر الرماة أن يلزموا الثغر الذي خلف المسلمين، وكانوا خمسين، أمر عليهم عبد الله بن جبير، وقا ل لهم: لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، سواء نصرنا أم لم ننتصر، لا تبرحوا مكانكم. فلما نصر الله المسلمين، وانهزم الكفار ظن الرماة أنها الفيصلة، وأن الأمر انتهى وما بقي إلا جمع الغنائم، فانصرفوا من مكانهم، فأمرهم أميرهم أن يبقوا، وذكرهم بكلام الرسول ﷺ فامتنعوا عليه، وقالوا: إن الأمر انتهى والكفار

стр. 2319

انهزموا. فلما فعلوا ذلك جاءت خيل الكفار من خلف المسلمين، ودخلوا من الثغر الذي أهملوه، وصارت المصيبة على المسلمين بأسبابهم. والمقصود أن المسلمين قد يبتلون بأمور فيها تأديب وتمحيص لهم، وتكفير لذنوبهم، وفيها مصالح كثيرة لهم، منها: أن ينتبهوا، وليعلموا أن النصر بيد الله، وأن كونهم عبدوا الله وحده، وكونهم فيهم رسول الله ﷺ لا يكفي، بل لا بد من العمل بطاعة الله، والقيام بأمره سبحانه، والصبر على جهاد أعدائه، ولهذا نبههم بقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) فإذا كان الرسول وأصحابه تصيبهم عقوبات الذنوب، وبيتلون كما يبتلى غيرهم، فكيف بغيرهم؟ أما أولئك الكفرة فقد فرغ منهم عدو الله الشيطان، وقد أطاعوه وتابعوه في دول كثيرة من العالم، فإذا أجرى الله عليهم النعم، وأدر عليهم الرزق، وجاءتهم الأمطار، فهو استدراح لهم، والعاقبة وخيمة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣) الآية. وقد يعجل الله لهم العقوبات في الدنيا، كما نزلت بهم في الحروب العظمى بسبب الكفر والذنوب، وكما يعاقبون بأنواع العقوبات الأخرى، كالأوبئة والأمراض العامة وغيرها لعلهم يرجعون.

стр. 2320

فالله سبحانه قد يملي ولا يهمل لحكمة بالغة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقد قال : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٣) فقد يملي الله سبحانه للكفرة، ويتابع عليهم النعم من الأمطار وجري الأنهار وحصول الثمار وغير ذلك من النعم، ثم يأخذهم إذا شاء أخذ عزيز مقتدر، كما أنه سبحانه قد يملي للمسلمين مع معاصيهم الكثيرة، ثم يعاقبهم بما يشاء - كما تقدم - تأديبا لهم، وتنبيها. فالواجب على المسلمين أن يأخذوا حذرهم، وأن لا يغتروا بإملاء الله وإنظاره لهم ولغيرهم، مع الإقامة على المعاصي، وأن لا يبادروا بالتوبة النصوح قبل حلول العقوبة ... نسأل الله السلامة والعافية من أسباب غضبه وأليم عقابه.

стр. 2321

حكم من يعتقد أن الرسول ﷺ ليس ببشر

стр. 2322

إذا مات الشخص وهو يعتقد أن الرسول ﷺ ليس ببشر، وأنه يعلم الغيب، وأن التوسل بالأولياء والأموات والأحياء قربة إلى الله ، فهل يدخل النار ويعتبر مشركا؟ علما أنه لا يعلم غير هذا الاعتقاد، وأنه عاش في منطقة علماؤها وأهلها كلهم يقرون بذلك، فما حكمه، وما حكم التصدق عنه والإحسان إليه بعد موته؟ جـ: من مات على هذا الاعتقاد بأن يعتقد أن محمدا ليس ببشر، أي ليس من بني آدم، أو يعتقد أنه يعلم الغيب فهذا اعتقاد كفري يعتبر صاحبه كافر كفرا أكبر، وهكذا إذا كان يدعوه ويستغيث به، أو ينذر له أو لغيره من الأنبياء والصالحين أو الجن أو الملائكة أو الأصنام؛ لأن هذا من جنس عمل المشركين الأولين كأبي جهل وأشباهه، وهو شرك أكبر، ويسمي بعض الناس هذا النوع من الشرك توسلا، وهو غير الشرك الأكبر. وهناك نوع ثان من التوسل ليس من الشرك بل هو من البدع ووسائل الشرك، وهو التوسل بجاه الأنبياء والصالحين أو بحق الأنبياء والصالحين أو بذواتهم، فالواجب الحذر من النوعين جميعا. ومن مات على النوع الأول لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له ولا يتصدق عنه؛ لقول الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)

стр. 2323

وأما التوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده والإيمان به فهو توسل مشروع ومن أسباب الإجابة، لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) الآية، ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه «سمع من يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب (٢) » . وهكذا التوسل بالأعمال الصالحة من بر الوالدين وأداء الأمانة والعفة عما حرم الله ونحو ذلك، كما ورد ذلك في حديث أصحاب الغار المخرج في الصحيحين، وهم ثلاثة، آواهم المبيت والمطر إلى غار فلما دخلوا فيه انحدرت عليهم صخرة من أعلى جبل فسدت الغار عليهم فلم يستطيعوا الخروج، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فتوجهوا إلى الله سبحانه فسألوه ببعض أعمالهم الطيبة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، وإني ذات ليلة نأى بي طلب الشجر فلما رحت عليهما بغبوقهما وجدتهما نائمين فلم أوقظهما، وكرهت أن أسقي قبلهما أهلا ومالا، فلم أزل على ذلك حتى طلع الفجر فاستيقظا وشربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه. أما الثاني فتوسل بعفته عن الزنا حيث كانت له ابنة عم يحبها كثيرا، وأرادها في نفسها فأبت عليه، ثم ألمت بها حاجة شديدة فجاءت إليه تطلب منه المساعدة فأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسها، فوافقت على هذا من أجل حاجتها فأعطاها مائة دينار وعشرين دينار، فلما جلس بين رجليها قالت له: يا عبد الله، اتق الله

стр. 2324

ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله حينئذ، وقام عنها وترك لها الذهب خوفا من الله . فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيت كل واحد أجرته إلا واحدا ترك أجرته فنميتها له حتى بلغت إبلا وبقرا وغنما ورقيقا. فجاء يطلب أجرته فقلت له: كل هذا من أجرتك، يعني الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله، اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك، إنه كله مالك فساقه كله. اللهم إن كنت تعلم إني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا جيعا يمشون. وهذا يدل على أن التوسل بالأعمال الصالحة الطيبة أمر مشروع، وأن الله جل وعلا يفرج به الكربات كما جرى لهؤلاء الثلاثة. أما التوسل بجاه فلان وبحق فلان أو بذات فلان فهذا غير مشروع، بل هو من البدع كما تقدم، والله ولي التوفيق.

стр. 2325

ما يشرع في التوسل بالنبي وما لا يشرع (١) س: ما حكم التوسل بسيد الأنبياء، وهل هناك أدلة على تحريمه؟ . ع. ح جـ: التوسل بالنبي ﷺ فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره، وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة، فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف. وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، أما التوسل بدعائه والاستغاثة به، وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى - فهذا هو الشرك الأكبر، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فعل ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام. وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه ﷺ أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا الله بنبيك أو جاه نبيك، أو حق نبيك، أو جاه الأنبياء، أو حق الأنبياء، أو جاه الأولياء والصالحين، وأمثال ذلك، فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ولا يجوز فعله معه ﷺ ، ولا مع غيره؛ لأن الله لم يشرع ذلك، والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته ﷺ فهو توسل به ﷺ ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة بصره إليه، وليس توسلا بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث، وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.

стр. 2326

وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى: القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه. وهذا الحكم جائز مع غيره ﷺ من الأحياء، كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد علي بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق.

стр. 2327

حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها س: ما حكم التقرب بذبح الذبائح في أضرحة الأولياء الصالحين وقول: (بحق وليك الصالح فلان اشفنا أو ابعد عنا الكرب الفلاني) ؟ . جـ: من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات - شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) والنسك هو " الذبح "، بين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله ... قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة. والذبح من العبادة فيجب إخلاصه لله وحده. وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٧) » .

стр. 2328

وأما قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي - فهذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك؛ لأن الدعاء عباده وكيفيته من الأمور التوقيفية، ولم يثبت عن نبينا ﷺ ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق، فلا يجوز لمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق على صحته، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » ومعنى قوله: فهو رد، أي مردود على صاحبه لا يقبل، فالواجب، على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع. أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته وبتوحيده، وبالأعمال الصالحات، ومنها الإيمان بالله ورسوله ومحبة الله ورسوله ونحو ذلك من أعمال البر والخير، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤) ومنها «أنه ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال ﷺ : لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب (٥) » أخرجه أهل السنن الأربع، وصححه ابن حبان. ومنها حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، فإن الأول منهم توسل إلى الله سبحانه ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته عليه، والثالث توسل إلى الله سبحانه بكونه نمى أجرة

стр. 2329

الأجير ثم سلمها له، ففرج الله كربتهم وقبل دعاءهم وأزال عنهم الصخرة التي سدت عليهم باب الغار، والحديث متفق على صحته. والله ولي التوفيق.

стр. 2330

حكم الذبح لله وللخضر بالحلم س: هذا سؤال وردنا من سوريا من بلدة الرقة من المرسل ح. س يقول في رسالته: كثيرا ما تحلم بعض النساء أنه جاءها رجل وقال لها: اذبحوا لله وللخضر ذبائح وإلا فيقبل عليكم مرض. ويقولون أيضا: إن الذي لا يذبح تنقص عائلته بالموت. أفيدونا أفادكم الله. جـ: هذا الحلم وما أشبهه من الشيطان، يدعو به الناس إلى الشرك؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاث مرات، وليستعذ بالله من الشيطان ومن شر ما رآه ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا (١) » متفق على صحته، فإذا رأى الرجل أو المرأة هذا الحلم أو رأى أنه يضرب أو يهدد بقتل أو نحو ذلك، فإن ذلك من الشيطان فعليه حين يستيقظ أن ينفث عن يساره ثلاث مرات بريق خفيف ويقول: (أعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأيت) ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا. ومعلوم أن الذبح لله عبادة في أي وقت كالضحايا والهدايا، أما الذبح للخضر وغيره من الأنبياء والأولياء فمنكر وشرك بالله ؛ لأن الذبح لله عبادة له ، وصرفه لغيره شرك به سبحانه؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٤) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٥) ولقول النبي ﷺ :

стр. 2331

«لعن الله من ذبح لغير الله (١) » خرجه مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁، فلا يجوز الذبح للخضر ولا للبدوي ولا للحسين ولا لغيرهم من الناس ولا للأصنام ولا للجن، بل الذبح لله وحده، والتقرب بالذبائح يكون لله وحده ؛ كالضحايا والهدايا كما تقدم. أما الخضر ﵇ وغيره من الناس فلا يجوز الذبح لهم، ولا صرف شيء من العبادة لهم، فالتفرب إليهم بالذبائح ليشفعوا لك أو ليشفوا ولدك كل هذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهكذا الذبح للأصنام والجن والكواكب كله شرك أكبر، فيجب الحذر من ذلك كله والتواصي بتركه، والتناصح بذلك حتى يكون الذبح لله وحده كما تجب الصلاة له وحده وسائر العبادات لقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهكذا الدعاء والاستغاثة فلا يستغاث بالخضر ولا بغيره من الخلق، بل يجب أن تكون الاستغاثة بالله وحده فلا يستغاث بالأنبياء ولا بالملائكة ولا بالأصنام ولا بالكواكب ولا بالأموات، وإنما يستغاث بالله وحده ولا يطلب المدد إلا منه سبحانه؛ لأنه سبحانه هو الذي يملك كل شيء وهو القادر على كل شيء . أما الحي القادر الحاضر فلا بأس أن يستعان به فيما يقدر عليه، تقول: يا أخي ساعدني على كذا وهو يسمعك أو بالمكاتبة أو من طريق الهاتف، تقول: أعني علي كذا أو أقرضني

стр. 2332

كذا فهذا لا بأس به؛ لأنه من الأمور العادية ومن الأسباب الحسية فلا حرج فيها؛ لقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وقوله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٣) » رواه مسلم في صحيحه. لكن إذا أتيت إلى الميت وقلت له: يا سيدي البدوي اشف مريضي أو رد غائبي أو المدد المدد، أو يا سيدي الحسين أو يا سيدي يا رسول الله، أو يا سيدي ابن عربي أو ابن علوان أو العيدروس أو يا شيخ عبد القادر أو غيره من الأموات والغائبين، فكل هذا شرك أكبر لا يجوز، فيجب على كل مسلم أن يحذره، وأن ينكر ذلك على من فعله، ويجب على العلماء أن ينصحوا الناس ويعلموهم لقول الله سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) ولقوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٥) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٦) فسمى دعاءهم لغير الله شركا، وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٧) فوصف الداعين لغير الله بأنهم كفار، وأنهم لا يفلحون، فيجب التنبه لهذا الأمر العظيم الذي وقع فيه الكثير من الناس في بلدان كثيرة

стр. 2333

ويجب على أهل العلم أن ينصحوا لله ولعباده، وأن يعلموا هؤلاء الجهال حتى يتوبوا إلى الله سبحانه من دعوة أصحاب القبور، والاستغاثة بهم، ويعلموهم أن يدعوا الله وحده أن يستغيثوا به في حاجاتهم. أما الحي الحاضر القادر فلا بأس بالاستعانة به فيما يقدر عليه كما تقدم، فقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من الرسول ﷺ الشفاعة والعون وهو حي فيشفع لهم ويعينهم على ما ينفعهم، لكن بعد وفاته ﷺ لم يكونوا يسألونه شيئا لعلمهم بأن ذلك لا يجوز. وهكذا يوم القيامة حين يبعثه الله يسأله الناس أن يشفع لهم فيجيبهم إلى ذلك بعد إذن الله له سبحانه؛ لأنه حي حاضر بين أيديهم. أما بعد ما توفاه الله وقبل يوم القيامة فإنه لا يدعى ولا يستغاث به بإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة للأدلة السابقة. وهكذا غيره كالخضر أو نوح أو عيسى لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم؛ لقول النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار (١) » رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁. والمعنى أن من دعا ميتا أو صالحا أو شجرا أو ملكا أو غيرهم فقد جعله ندا لله واتخذه إلها معه، وذلك من الشرك الأكبر الذي يوجب لمن مات عليه الخلود في النار كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على ما دل عليه حديث ابن مسعود المذكور فيجب على أهل العلم وعلى كل من عنده

стр. 2334

بصيرة أن يعلموا الناس العقيدة الصحيحة، ويحذروهم من هذا الشرك في كل مكان، وفي كل زمان؛ لقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقول النبي ﵇: «الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣) » خرجه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، ولقول النبي ﵇: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤) » ، «ولما بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر ليدعو اليهود إلى الإسلام قال له ﵊: ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٥) » متفق على صحته. أقسم ﵇ وهو الصادق وإن لم يحلف - أن هداية واحد على يد الداعية إلى الله خير له من حمر النعم، يعني خير من جميع النوق الحمر، والمعنى خير من الدنيا وما عليها، فدل ذلك على وجوب التناصح والدعوة إلى الله، وبيان حق الله على عباده، وتحذيرهم من الشرك حتى يكون الناس على بينة وعلى بصيرة، كما يدل على أن المقصود من الجهاد هو هداية الكفار وإخراجهم من الظلمات إلى النور لا قتالهم ولا سبي نساءهم وأموالهم، وإنما يلجأ المسلمون إلى القتال عند امتناع الكفار من الدخول في الإسلام، ومن بذل الجزية إذا كانوا من أهلها. والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2335

حكم زيارة النساء للقبور س: هل تشرع زيارة القبور للنساء؟ جـ: ثبت عن رسول الله ﵊ أنه لعن زائرات القبور من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعا، وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر. فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. والسبب في ذلك - والله أعلم - أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال، وقد يفتتن بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده، وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (١) » متفق على صحته. فوجب بذلك سد الذرائع المفضية إلى الفتنة المذكورة ... ومن ذلك ما جاءت به الشريعة المطهرة من تحريم تبرج النساء، وخضوعهن بالقول للرجال وخلوة المرأة بالرجل غير المحرم، وسفرها بلا محرم وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الفتنة بهن، وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄ قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور حتى قبر النبي ﷺ ، وحتى قبر صاحبيه ﵄. وهذا هو المعتمد من حيث الدليل. وأما الرجال فيستحب لهم زيارة القبور وزيارة قبر النبي

стр. 2336

عليه الصلاة والسلام وقبر صاحبيه، لكن بدون شد الرحل؛ لقوله ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » رواه مسلم في صحيحه. وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٢) » متفق على صحته، وإذا زار المسلم مسجد النبي ﷺ دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه، وقبور الشهداء وأهل البقيع، وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل، فلا يسافر لأجل الزيارة ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء، أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (٣) » ، أما إذا شد الرحل إلى المسجد النبوي فإن الزيارة للقبر الشريف والقبور الأخرى تكون تبعا لذلك، فإذا وصل المسجد صلى فيه ما تيسر ثم زار قبر النبي ﷺ ، وزار قبر صاحبيه وصلى وسلم عليه. ﵊ ودعا له ثم سلم على الصديق ﵁ ودعا له، ثم على الفاروق ودعا له، هكذا السنة، وهكذا القبور الأخرى لو زار مثلا دمشق أو القاهرة أو الرياض أو أي بلد يستحب له زيارة القبور لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، فالنبي ﵇ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٤) » ، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين (٥) » هذه هي السنة من دون شد الرحل، ولكن لا يزورهم لدعائهم من دون الله؛ لأن

стр. 2337

هذا شرك بالله وعبادة لغيره، وقد حرم الله ذلك على عباده في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) فبين سبحانه أن دعاء العباد للموتى ونحوهم شرك به سبحانه وعبادة لغيره، وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) فسمى الدعاء لغير الله كفرا، فوجب على المسلم أن يحذر هذا، ووجب على العلماء أن يبينوا للناس هذه الأمور حتى يحذروا الشرك بالله، فكثير من العامة إذا مر بقبور من يعظمهم استغاث بهم وقال: المدد المدد يا فلان أغثني انصرني اشف مريضي، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهذه الأمور تطلب من الله لا من الموتى ولا من غيرهم من المخلوقين. أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه؛ إذا كان حاضرا يسمع كلامك أو من طريق الكتابة أو من طريق الهاتف وما أشبه ذلك من الأمور الحسية، تطلب منه ما يقدر عليه؛ تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف، تقول ساعدني على عمارة بيتي أو على إصلاح مزرعتي؛ لأن بينك وبينه شيئا من المعرفة أو التعاون، وهذا لا بأس به، كما قال الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٥) الآية.

стр. 2338

أما أن تطلب من الميت أو الغائب أو الجماد كالأصنام شفاء مريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله ، يعتبر شركا به ؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) أو تعتفد أنه له سرا يتصرف به في الكون فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان، فالزيارة الشرعية للموتى زيارة إحسان وترحم عليهم، وذكر للآخرة والاستعداد لها، فتذكر أنك ميت مثل ما ماتوا فتستعد للآخرة وتدعو لإخوانك المسلمين الميتين، وتترحم عليهم وتستغفر لهم، وهذه هي الحكمة في شرعية الزيارة للقبور، والله ولي التوفيق.

стр. 2339

هل الذنوب تسبب محق البركة س: الأخت التي رمزت لاسمها بـ أ - ع من الرياض تقول في سؤالها: قرأت أن من نتائج الذنوب العقوبة من الله ومحق البركة فأبكي خوفا من ذلك، أرشدوني جزاكم الله خيرا؟ جـ: لا شك أن اقتراف الذنوب من أسباب غضب الله ومن أسباب محق البركة، وحبس الغيث، وتسليط الأعداء كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (٣) » . فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من الذنوب والتوبة مما سلف منهما مع حسن الظن بالله ورجائه سبحانه المغفرة، والخوف من غضبه وعقابه كما قال في كتابه الكريم عن عباده الصالحين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) وقال

стр. 2340

سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (١) وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) ويشرع للمؤمن والمؤمنة مع ذلك الأخذ بالأسباب التي أباح الله ، وبذلك يجمع بين الخوف والرجاء والعمل بالأسباب متوكلا على الله سبحانه معتمدا عليه في حصول المطلوب والسلامة من المرهوب، والله سبحانه هو الجواد الكريم القائل : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) والقائل سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) وهو القائل سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦) فالواجب عليك أيتها الأخت في الله التوبة إلى الله سبحانه مما سلف من الذنوب، والاستقامة على طاعته مع حسن الظن به ، والحذر من أسباب غضبه، وأبشري بالخير الكثير والعاقبة الحميدة. والله ولي التوفيق.

стр. 2341

الكبائر تؤثر في إسلام العبد س: ما حكم ارتكاب بعض المعاصي لا سيما الكبائر؟ وهل يؤثر ذلك في تمسك العبد بالإسلام؟ جـ: نعم يؤثر ذلك، فإن ارتكاب الكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق وأكل الربا والغيبة والنميمة وغير ذلك من المعاصي يؤثر في توحيد الله والإيمان به ويضعفه، ولكن لا يكفر المسلم بشيء من ذلك ما لم يستحله خلافا للخوارج، فإنهم يكفرون المسلم بفعل المعصية كالزنا والسرقة وعقوق الوالدين وغير ذلك من كبائر الذنوب ولو لم يستحلها، وهذا غلط عظيم من الخوارج، فأهل السنة والجماعة لا يكفرونه بذلك ولا يخلدونه في النار، ولكنهم يقولون: هو ناقص الإيمان والتوحيد، لكن لا يكفر كفرا أكبر بل يكون في إيمانه نقص وضعف؛ ولهذا شرع الله في حق الزاني الحد بالجلد إذا كان بكرا يجلد مائة جلدة ويغرب عاما. وهكذا شارب المسكر يجلد ولا يقتل. وهكذا السارق تقطع يده ولا يقتل. فلو كان الزنا وشرب المسكر والسرقة توجب الكفر الأكبر لقتلوا لقول النبي ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه. فدل ذلك على أن هذه المعاصي ليست ردة، ولكنها تضعف الإيمان وتنقصه، فلهذا شرع الله تأديبهم بهذه الحدود؛ ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ويرتدعوا عما حرم عليهم ربهم سبحانه. وقالت المعتزلة أن العاصي في منزلة بين منزلتين ولكنه

стр. 2342

يخلد في النار إذا مات عليها، فخالفوا أهل السنة ووافقوا الخوارج في ذلك، وكلتا الطائفئين قد ضلت عن السبيل. والصواب هو القول الأول، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو أنه يكون عاصيا ضعيف الإيمان، وعلى خطر عظيم من غضب الله وعقابه، ولكنه ليس بكافر الكفر الأكبر الذي هو الردة عن الإسلام، ولا يخلد في النار أيضا خلود الكفار إذا مات على شيء منها، بل يكون تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها، ثم يخرجه من النار ولا يخلد فيها أبد الآباد إلا الكفار، ثم بعد مضي ما حكم الله عليه من العذاب يخرجه الله من النار إلى الجنة، وهذا قول أهل الحق، وهذا هو الذي تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ خلافا للخوارج والمعتزلة، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فعلق سبحانه ما دون الشرك على مشيئته . أما من مات على الشرك الأكبر فإنه يخلد في النار والجنة عليه حرام؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما العاصي إذا دخل النار فيبقى فيها إلى ما يشاء الله، ولا يخلد خلود الكفار، ولكن قد تطول مدته، ويكون هذا خلودا خاصا مؤقتا ليس مثل خلود الكفار، كما قال سبحانه في آية الفرقان لما ذكر المشرك والقاتل والزاني

стр. 2343

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢) فهو خلود مؤقت له نهاية. أما المشرك فخلوده دائم أبد الآباد، ولهذا قال في حق المشركين في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٣) وقال سبحانه في سورة المائدة في حق الكفرة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٤)

стр. 2344

وجوب التصديق مع الشهادتين س: النطق بالشهادة لا شك أنه لا بد معه من التصديق، فما هو؟ جـ: أولا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله، ولو قالها كاذبا كالمنافقين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة ولم يدخلوا في الإسلام باطنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فلا بد من التصديق بالقلب واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله، فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣)

стр. 2345

وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) وهكذا لو استكبر عن الشهادة بأن محمدا رسول الله، أو قالها كاذبا فإنه يكون كافرا حتى يؤمن بأن محمدا رسول الله، وينقاد لشرعه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم. والله المستعان.

стр. 2346

لا يجوز بدء الكفار بالسلام من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ش ع. ج سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأشير إلى استفتائك المفيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ١٨٤١ وتاريخ ١ \ ٥ \ ١٤٠٨ الذي تسأل فيه عن عدد من الأسئلة، وأفيدك أن الكفار لا يجوز بدؤهم بالسلام، أما المسلمون فالسنة أن يسلم عليهم ولو كانوا مرتكبين لبعض المعاصي، مع بذل النصح لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فإذا أصروا على معاصيهم الظاهرة ولم يقبلوا النصح استحقوا الهجر بترك بداءتهم بالسلام وعدم الرد عليهم، إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية بداءتهم بالسلام أو الرد عليهم. وسبق أن صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتاوى فيما سألت عنه فنرفق لك نسخا منها وفيها الكفاية إن شاء الله. وفق الله الجميع لما فيه رضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2347

طريقة النصيحة لمن يجاهر بالمعاصي س: رسالة وصلت من الكويت باعثها يشكو من أخ له ويقول: إنه يقترف بعض المعاصي، وقد نصحه كثيرا إلا أن الأمر آل به إلى المجاهرة، ويرجو التوجيه في هذا الموضوع؟ جـ: الواجب على المسلمين فيما بينهم التناصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) وقال النبي الكريم ﵊: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٥) » خرجه الإمام مسلم في صحيحه. هاتان الآيتان مع الحديث الشريف كلها تدل على وجوب التناصح والتعاون على الخير والتواصي بالحق. فإذا رأى المسلم من أخيه تكاسلا عما أوجب الله عليه، أو ارتكابا لما حرم الله عليه وجب نصحه وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر حتى يصلح المجتمع، ويظهر الخير ويختفي الشر كما قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦)

стр. 2348

وقال النبي الكريم ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١) » خرجه الإمام مسلم في صحيحه. فأنت أيها السائل ما دمت نصحته ووجهته إلى الخير ولكنه ما زاده ذلك إلا إظهارا للمعصية، فينبغي لك هجره وعدم اتخاذه صاحبا. وينبغي لك أن تشجع غيرك من الذين قد يؤثرون عليه وقد يحترمهم أكثر على نصيحته ودعوته إلى الله لعل الله ينفع بذلك، وإن رأيت أن الهجر يزيده شرا وأن اتصالك به أنفع له في دينه وأقل لشره فلا تهجره؛ لأن الهجر يقصد منه العلاج فهو دواء، فإذا كان لا ينفع بل يزيد الداء داءا فأنت تعمل ما هو الأصلح من الاتصال به وتكرار النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير اتخاذه صاحبا ولا خليلا لعل الله ينفع بذلك، وهذا هو أحسن ما قيل في هذا من كلام أهل العلم ﵏.

стр. 2349

حكم إقامة مراسم العزاء س: تقام مراسم العزاء، يتجمع الناس عند بيت المتوفى خارج المنزل، توضع بعض المصابيح الكهربائية (تشبه تلك التي في الأفراح) ويصطف أهل المتوفى، ويمر الذين يريدون تعزيتهم يمرون عليهم واحدا بعد الآخر، ويضع كل منهم يده على صدر كل فرد من أهل المتوفى ويقول له: (عظم الله أجرك) فهل هذا الاجتماع وهذا الفعل مطابق للسنة؟ وإذا لم يوافق السنة فما هي السنة في ذلك؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا. جـ هذا العمل ليس مطابقا للسنة، ولا نعلم له أصلا في الشرع المطهر، وإنما السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين كهذا الاجتماع، وإنما يشرع لكل مسلم أن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها، وإذا قابله شرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب مثل (أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وجبر مصيبتك) . وإذا كان الميت مسلما دعا له بالمغفرة والرحمة، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضا، ويعزي الرجل المرأة والمرأة الرجل، لكن من دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرما له.. وفق الله المسلمين جميعا للفقه في دينه والثبات عليه، إنه خير مسئول.

стр. 2350

حكم قراءة الفاتحة على قبور الأولياء س: ما حكم من يزور القبور ثم يقرأ الفاتحة وخاصة على قبور الأولياء كما يسمونهم في بعض البلاد العربية المجاورة. بالرغم أن بعضهم يقول: لا أريد الشرك ولكن إذا لم أقم بزيارة هذا الولي فإنه يأتي إلي في المنام ويقول لي: لماذا لم تزرني؟ فما حكم ذلك جزاكم الله خيرا؟ جـ: يسن للرجال من المسلمين زيارة القبور كما شرعه الله سبحانه لقول
следующие страницы →