← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

س٤: هنالك مجموعة أيضا من الأسئلة تدور حول الحجاب فبعض هذه الأسئلة تبين صفة الحجاب القائم عند بعض النساء في بعض هذه المستشفيات، نأمل من سماحتكم بيان صفة الحجاب الشرعي الذي يجب، وخاصة في مثل هذا الحجاب.

стр. 2522

ج: الحجاب الشرعي هو أن تحجب المرأة كل بدنها عن الرجال: الرأس والوجه والصدر والرجل واليد؛ لأنها كلها عورة بالنسبة للرجل غير المحرم؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ (٢) المراد بذلك أزواج النبي ﷺ ، والنساء وغيرهن كذلك في الحكم، وبين سبحانه أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، وأبعد عن الفتنة، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ (٣) الآية. والوجه من أعظم الزينة والشعر كذلك واليد كذلك، ويمكن أن تحجب المرأة وجهها بالنقاب وهو الذي تبدو منه العينان أو إحداهما ويكون الوجه مستورا؛ لأنها تحتاج إلى بروز عينها لمعرفة الطريق، ويمكنها أن تحتجب بحجاب غير النقاب كالخمار لا يمنعها من النظر إلى طريقها لكن تخفي زينتها وتستر رأسها وجميع بدنها، وعلى المرأة أن تجتنب استعمال الطيب عند خروجها للسوق أو المسجد أو محل العمل إن كانت موظفة؛ لأن ذلك من أسباب الفتنة بها. .

стр. 2523

س٥: ما رأي سماحتكم في أن عمل الطبيب يتطلب في بعض الأحيان رؤية عورة المريض أو مسها للفحص؟ وفي بعض الأحيان أثناء العمليات يعمل الطبيب الجراح في وسط مليء بالدم والبول فهل إعادة الوضوء واجبة في هذه الحالات أم أنه من باب الأفضلية؟ ج: لا حرج أن يمس الطبيب عورة الرجل للحاجة، وينظر إليها للعلاج، سواء العورة الدبر أو القبل، فله النظر والمس للحاجة والضرورة، ولا بأس أن يلمس الدم إذا دعت الحاجة للمسه في الجرح لإزالته أو لمعرفة حال الجرح، ويغسل يده بعد ذلك عما أصابه، ولا ينتقض الوضوء بلمس الدم أو البول، لكن إذا مس العورة انتقض وضوءه؛ قبلا كانت أو دبرا، أما مس الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات فلا ينقض الوضوء ولكن يغسل ما أصابه لكن من مس الفرج من دون حائل يعني

стр. 2524

مس اللحم اللحم فإنه ينتقض وضوءه؛ لقول النبي ﷺ : «من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونهما ستر فقد وجب عليه الوضوء (١) » وهكذا الطبيبة إذا مست فرج المرأة للحاجة فإنه ينتقض وضوءها بذلك إذا كانت على طهارة كالرجل.

стр. 2525

س ٦: ما هو الحكم في التداوي قبل وقوع الداء كالتطعيم؟ ج: لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم (١) » وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه فهكذا إذا خشي من مرض وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان لا بأس بذلك من باب الدفاع، كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد المرض أو الجن أو العين لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر فالواجب الحذر من ذلك.

стр. 2526

س ٧: كيف نوفق بين الحديثين الشريفين: «لا عدوى ولا طيرة (١) » و «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٢) » ؟ ج: لا منافاة عند أهل العلم بين هذا وهذا، وكلاهما قاله النبي ﷺ حيث قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول (٣) » وذلك نفي لما يعتقده أهل الجاهلية من أن الأمراض كالجرب تعدي بطبعها وأن من خالط المريض أصابه ما أصاب المريض، وهذا باطل بل ذلك بقدر الله ومشيئته وقد يخالط الصحيح المريض المجذوم ولا يصيبه شيء، كما هو واقع ومعروف، ولهذا قال النبي ﷺ لمن سأله عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب كلها؟ قال له ﵊: «فمن أعدى الأول (٤) » . وأما قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٥) » وقوله ﷺ في الحديث الآخر: «لا يورد ممرض على مصح (٦) » فالجواب عن ذلك: أنه لا يجوز أن يعتقد العدوى ولكن

стр. 2527

يشرع له أن يتعاطى الأسباب الواقية من وقوع الشر، وذلك بالبعد عمن أصيب بمرض يخشى انتقاله منه إلى الصحيح بإذن الله كالجرب والجذام، ومن ذلك عدم إيراد الإبل الصحيحة على الإبل المريضة بالجرب ونحوه توقيا لأسباب الشر، وحذرا من وساوس الشيطان الذي قد يملي عليه أنما أصابه أو أصاب إبله هو بسبب العدوى.

стр. 2528

س٨: ما حكم مصافحة النساء ؟ ج: مصافحة النساء فيها تفصيل: فإن كانت النساء من محارم المصافح كأمه وابنته وأخته وخالته وعمته وزوجته فلا بأس بها. وإن كانت لغير المحارم فلا تجوز لأن امرأة مدت للنبي ﷺ يدها لتصافحه فقال: «إنني لا أصافح النساء (١) » وقالت عائشة ﵂: «والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا بالكلام (٢) » ﵊ فلا يجوز للمرأة أن تصافح الرجال من غير محارمها ولا يجوز للرجل أن يصافح النساء من غير محارمه للحديثين المذكورين ولأن ذلك لا تؤمن معه الفتنة.

стр. 2529

س٩: أمرتني والدتي بعدم طبخ نوع معين من الأعشاب وأردفت قائلة: إذا طبخت هذه الأعشاب ممكن تسبب لي الوفاة لعدم قدرتي على رائحتها علما أن هذه الأعشاب مشروعة ومباحة. وبالفعل بعد أن تعشيت أنا ووالدتي من تلك الأعشاب توفيت والدتي بعدها بعدة ساعات فهل أنا آثمة في ذلك؟ وهل لي يد في وفاتها؟ وهل علي ذنب في ذلك؟ أفيدوني أفادكم الله. ج: إذا كان الواقع هو ما ذكرت في السؤال فقد أثمت؛ لأن ذلك من العقوق والإساءة إليها، وعليك ذنب في ذلك ما دمت تعلمين أن أمك تتأذى به، وأنها نصحتك ونهتك، فأنت مجرمة في هذا العمل، عاصية قاطعة للرحم، عاقة لوالدتك، وعليك الدية؛ لأن هذا العمل الذي فعلت يعتبر من القتل شبه العمد، وعليك أيضا الكفارة؛ وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن عجزت فصومي شهرين متتابعين ستين يوما مع التوبة إلى الله .

стр. 2530

نسأل الله لنا ولك قبول التوبة والتوفيق لكل خير.

стр. 2531

س١٠: تقام في المستشفى عدة جماعات للصلاة والمساجد قريبة فهل يلزم من بقربها الذهاب للمسجد أم نكتفي بهذه الجماعات داخل المستشفى؟ ج: هذا فيه تفصيل، فالذي لا بد من وجوده في المستشفى كالحارس ونحوه أو المريض الذي لا يستطيع الوصول إلى المسجد فإنه لا يجب عليه الخروج إلى المسجد بل يصلي في محله مع الجماعة التي يستطيع الصلاة معها. أما من يستطيع الوصول إلى المسجد فإنه يجب عليه ذلك عملا بالأدلة الشرعية، ومنها قوله ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، قيل لابن عباس ﵄ ما هو العذر؟ قال: خوف أو مرض (١) » رواه ابن ماجه والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم وإسناده صحيح.

стр. 2532

س١١: إذا ادخر المسلم مبلغا من المال فكيف يكون حساب زكاته في نهاية العام؟ ج: يزكي المسلم كل شيء ملكه من النقود أو عروض التجارة إذا تم حوله، فالذي ملكه في رمضان يزكيه في رمضان، والذي ملكه في شعبان من راتبه أو غيره من النقود أو عروض التجارة يزكيه في شعبان، والذي ملكه في شوال يزكيه في شوال، والذي ملكه في ذي الحجة يزكيه في ذي الحجة، وهكذا كل مال من الأموال المذكورة تتم سنته يزكيه على رأس الحول. وإذا أحب أن يعجل الزكاة قبل تمام الحول لمصلحة شرعية فلا بأس وله في ذلك أجر عظيم، أما اللزوم فلا يلزمه الإخراج إلا بعد تمام الحول.

стр. 2533

س١٢: ما وجهة من يقول بأن الدخان محرم في شرع الله تعالى؟ ج: وجهته أنه مضر ومخدر في بعض الأحيان ومسكر في بعض الأحيان، والأصل فيه عموم الضرر والنبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار (١) » فالمعنى: كل شيء يضر بالشخص في دينه أو دنياه محرم عليه تعاطيه من سم أو دخان أو غيرهما مما

стр. 2534

يضره لقول الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار (٢) » فمن أجل هذا حرم أهل التحقيق من أهل العلم التدخين لما فيه من المضار العظيمة التي يعرفها المدخن نفسه ويعرفها الأطباء ويعرفها كل من خالط المدخنين. وقد يسبب موت الفجاءة وأمراضا أخرى، ويسبب السعال الكثير والمرض الدائم اللازم، كل هذا قد عرفناه، وأخبرنا به جم غفير لا نحصيه ممن قد تعاطى شرب الدخان أو الشيشة أو غير ذلك من أنواع التدخين، فكله مضر وكله يجب منعه، ويجب على الأطباء النصيحة لمن يتعاطاه، ويجب على الطبيب والمدرس أن يحذرا ذلك؛ لأنه يقتدى بهما.

стр. 2535

واجب المسلمين تجاه دينهم ودنياهم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤) أما بعد: فأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأشكره سبحانه على ما من به من هذا اللقاء في سبيل الله وفي طاعته جل وعلا، والتواصي بالحق، وأسأله جل وعلا أن يجعله لقاء مباركا، وأن يعيننا جميعا على ما فيه رضاه، ويعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ثم أشكر أخي صاحب هذا المسجد الأخ سليمان الراجحي على دعوته لي لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يبارك فيه وفي أخيه صالح وفي ذريتهما، وأن يعينهم على كل خير، وأن يبارك في جهودهم، ويجعلنا وإياهم من الهداة المهتدين، ثم أشكر أخي الشيخ عائض بن عبد الله القرني على كلمته، وعلى قصيدته المباركة، وأسأل الله أن يجزيه عن ذلك خيرا. أما ما ذكره عن الفتاوى واستنباطها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ؛ فأقول: إن هذا هو الواجب على أهل العلم وهو الذي نفعله ونهدف إليه ونحرص

стр. 2536

على تطبيق فتاوانا عليه. ولكنني لست معصوما فقد يقع الخطأ مني ومن غيري من أهل العلم، ولكني لا آلو جهدا في تطبيق ما يصدر مني على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا آلو جهدا في استنباط ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل ما يصدر مني من قليل أو كثير، هذا هو جهدي. وأسأل الله أن يجعل ذلك موفقا ومصيبا للحق. وأما ما يتعلق بسؤال أهل العلم والاستفتاء منهم فهذا أمر معلوم قد شرعه الله لعباده، فإن الله جل وعلا أمر بسؤال أهل العلم، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العلم النافع والعمل الصالح - فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وروي عنه ﷺ أنه قال في قوم أفتوا بغير علم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال (٢) » . فالواجب على طالب العلم وعلى كل مسلم أشكل عليه أمر من أمور دينه أن يسأل عنه ذوي الاختصاص من أهل العلم وأن يتبصر وأن لا يقدم على أي عمل بجهل يقوده إلى الضلال. فعلى المسلمين أن يسألوا وعلى أهل العلم أن يبينوا، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل في بيان الحق والدعوة إليه والإفتاء به، وعلى جميع المسلمين أن يسألوا عما أشكل عليهم، وأن يستفتوا أهل العلم. وأهل العلم هم علماء الكتاب والسنة، وهم الذين يرجعون في فتاواهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهؤلاء هم أهل العلم، وليس أهل العلم من يقلد الرجال ولا يبالي بالكتاب والسنة، إنما العلماء هم الذين يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ويرجعون إليهما في كل شيء هؤلاء هم أهل العلم. وعلى طالب العلم أن يتأسى بهم ويجتهد في سلوك طريقهم، وعلى عامة المسلمين أن يسألوهم عما أشكل عليهم في أمر دينهم ودنياهم؛ لأن الله جل وعلا بعث

стр. 2537

الرسل لإصلاح أمر الدين والدنيا جميعا، ولا سيما خاتمهم وإمامهم وأفضلهم نبينا محمد ﵊، فإن الله بعثه للناس عامة للجن والإنس، وجعل رسالته عامة، وفيها صلاح أمر الدنيا والآخرة، فيها صلاح العباد والبلاد في كل شيء، فيها خلاصهم من كل شر، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بدنياهم وأمر معاشهم، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بطاعة ربهم وعبادته وأداء حقه وترك ما نهى عنه، وفيها صلاحهم في كل ما يقربهم من الله ويباعد من غضبه ، وفيها صلاحهم بتوجيه العباد وإرشادهم إلى ما ينفعهم، ويهديهم إلى الطريق السوي، ويبعدهم عن طريق النار وطريق الهلاك والدمار. وعنوان الكلمة: واجب المسلمين تجاه دينهم ودنياهم. فالمسلمون عليهم واجبات تتعلق بدينهم وبالاستقامة عليه، كما شرع الله، وكما أمرهم الله، فإن الله خلقهم ليعبدوه، وأرسل الرسل بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وهذه هي العبادة التي أمرهم الله بها في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وفي قوله سبحانه وبحمده: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٣) وفي قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) وفي قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦) والله بعث رسوله محمدا ﷺ كما بعث الرسل قبله بالدعوة إلى هذه العبادة، والدعوة إلى هذا الدين، بعثه إلى الثقلين الجن والإنس رحمة للعالمين، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧) بعثه معلما ومرشدا

стр. 2538

وهاديا إلى طريق النجاة، معلما لهم كل ما فيه صلاحهم ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وجعله خاتم الأنبياء ليس بعده نبي ولا رسول، ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر بإجماع أهل العلم والإيمان. فمن ادعى أنه نبي أو أوحي إليه بشيء كالقاديانية فهو كافر بالله ضال مضل مرتد عن دين الإسلام، إذا كان يدعي الإسلام فهو ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) وقد تواترت عنه ﵊ الأحاديث الصحيحة بأنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فالواجب على جميع الثقلين اتباعه، والاستقامة على دينه والتفقه في ذلك والسير على ذلك حتى الموت وهذه العبادة التي خلقوا لها لا بد أن يتفقهوا فيها ولا بد أن يعرفوها بالأدلة من الكتاب والسنة فهم خلقوا ليعبدوا الله، وتفسير هذه العبادة يؤخذ عن الله وعن رسوله ﷺ . وقد فسرها الله في كتابه العظيم وفسرها نبيه ﵊ فأصلها توحيد الله والإخلاص له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) هذا أصل هذه العبادة، فأصلها توحيد الله وتخصيصه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وبهذا أنزلت الكتب جميعها من الله لبيان هذه العبادة، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٤) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٥) فالكتب المنزلة من السماء وآخرها القرآن كلها تدعو إلى توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه. والرسل كلهم جميعا كذلك يدعون إلى توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه

стр. 2539

واتباع شريعته والحذر مما نهى عنه . فعلى جميع المكلفين من إنس وجن وعرب وعجم ورجال ونساء، عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده، وأن ينقادوا لما جاء به نبيه محمد ﷺ ، قولا وعملا، فعلا وتركا، فأصل الدين وأساسه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهذا هو أصل هذه العبادة وأساسها أن يعبد الله وحده دون كل ما سواه: بالدعاء والرجاء والخوف والنذر والذبح وسائر العبادات، كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧) فالعبادة حق الله، لا تصلح لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لصنم، ولا لجن، ولا لوثن، ولا غير ذلك، بل هي حق الله، عليك أن تعبده وحده، بدعائك، ورجائك، وخوفك، وذبحك، ونذرك، وصلاتك، وصومك، وحجك، وصدقاتك، وغير ذلك؛ لأنه سبحانه هو المعبود بالحق وما سواه معبود بالباطل قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٨) وكان العرب وغيرهم من الأمم إلا من رحم الله - وهم قليل - حين بعثة محمد ﷺ كانوا على الشرك بالله، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة على صورة فلان وفلان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد النجوم، ويستغيث بها، وينذر لها، إلى غير ذلك، فبعث الله هذا النبي العظيم محمدا ﷺ يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم من هذا الشرك الوخيم، فقام بذلك

стр. 2540

أكمل قيام ﵊، ودعا إلى الله، وأرشد إلى دينه جل وعلا، الذي رضيه للناس، وعلم الناس توحيد الله. مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى توحيد الله والإخلاص لله، وترك عبادة ما سواه جل وعلا. وبعد مضي عشر سنين فرض الله عليه الصلوات الخمس قبل أن يهاجر، أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، وتجاوز السماوات السبع جميعا، ورفع إلى مستوى فوق ذلك، ﵊، وكلمه الله جل وعلا، وأوحى إليه الصلوات الخمس، فنزل بها ﵊، وعلمها الناس، وقام بها المسلمون في مكة، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة، وفرض الله عليه بقية أمور الدين من زكاة وصيام وحج وغير ذلك.

стр. 2541

فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، والحكام والمحكومين، والأغنياء والفقراء، الواجب عليهم جميعا في وقته ﷺ وبعد وقته وفي وقتنا هذا إلى يوم القيامة الواجب على الجميع أن يعبدوا الله وحده وأن ينقادوا لشرعه وأن يتبعوا ما جاء به نبيه محمد ﷺ قولا وعملا وعقيدة. هذا واجب الجميع نحو دينهم، يجب عليهم أن يعبدوا الله ويطيعوا أوامره ويتركوا نواهيه، فالعبادة هي: طاعة الأوامر إخلاصا لله ومحبة له وتعظيما له، من صلاة وزكاة وحج وبر بالوالدين وصلة للرحم، وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وصدق في الحديث، وغير هذا، مع ترك كل ما حرم الله من الشرك بالله؛ وهو أعظم الذنوب، فالشرك الذي هو: صرف العبادة أو بعضها لغير الله أعظم الذنوب، وهو الشرك الأكبر: كدعاء الملائكة أو الأنبياء أو الجن أو أصحاب القبور فيستغيث بهم أو ينذر لهم أو يذبح لهم، وهذا ينافي قول لا إله إلا الله، فإن قول لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله، وهي كلمة التوحيد، وهي أصل الدين وأساس الملة، فدعاء الأموات والأصنام وغيرهم، والاستغاثة بهم، والنذر لهم ينقض هذه الكلمة وينافيها، وهو الشرك الأكبر، والذي يأتي الأموات، ويدعوهم، ويستغيث بهم، وينذر لهم

стр. 2542

ويسألهم النصر على الأعداء أو شفاء المرضى أو يدعو الملائكة أو الرسل أو يدعو الجن ويستغيث بهم أو ينذر لهم ويذبح لهم، كل هذا من الشرك بالله، وكل هذا يناقض قول: لا إله إلا الله، ويخالف قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ويناقض قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وبهذا يعلم كل مسلم أن ما يفعله بعض الجهال عند بعض القبور فيأتي إلى القبر ويقول: يا سيدي فلان اشف مريضي أو انصرني على عدوي. أو أنت تعلم ما نحن فيه انصرنا أو ما أشبه ذلك. هذا من الشرك الأكبر وهذا هو دين الجاهلية، نسأل الله السلامة والعافية. ولا بد أيضا مع توحيد الله والإخلاص له، والحذر من الكفر به، لا بد من الشهادة بأن محمدا رسول الله. هاتان الشهادتان هما أصل الدين وأساس الملة، فعلى كل مكلف أن يؤمن بأن محمدا رسول الله هو عبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني، أرسله الله حقا إلى جميع الثقلين. يجب الإيمان به بالقلب واللسان والعمل، فيؤمن المكلف بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي هو رسول الله حقا إلى جميع الناس، وهو خاتم الأنبياء إيمانا صادقا لا نفاق فيه. ويحققه بالعمل بطاعة الأوامر وترك النواهي، بطاعة أوامر الله: من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغير ذلك. وترك محارم الله: من الشرك بالله، والزنا، والسرقة، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، إلى غير ذلك مما حرم الله. تحقق هاتين الشهادتين يا عبد الله: بطاعة الأوامر وترك النواهي، هذا حق الله عليك أيها العبد، وحق الرسول عليك. فعليك أن تعبد الله وحده بطاعة الأوامر وترك النواهي، والإيمان بأنه ربك وإلهك الحق، وأنه إله الجميع، وأنه سبحانه خالق الكون، ومصرف أحوال الجميع، وأنه ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلا، كل هذا داخل في الإيمان بالله وحده فهو

стр. 2543

سبحانه رب الجميع وخالقهم ومصرف أحوال العباد، فهو سبحانه الخلاق الرزاق، مدبر الأمور، مصرف الأشياء، ليس للعباد خالق سواه، ولا مدبر سواه، فهو النافع الضار، المانع المعطي، الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، الرزاق للعباد، بيده تصريف الأمور كلها، . وهذا ما يسمى توحيد الربوبية، وهو وحده لا يدخل في الإسلام بل لا بد مع ذلك من الإيمان بأنه هو المستحق للعبادة، فلا يستحقها سواه، وهذا معنى لا إله إلا الله. أي لا معبود حق إلا الله، وهذا هو توحيد العبادة، وهو تخصيصه سبحانه بالعبادة وإفراده بها: من دعاء وخوف ورجاء وتوكل وصلاة وصوم وغير ذلك، مع الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأنه سبحانه هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته لا شريك له ولا شبيه له ولا كفو له . وهذا هو توحيد الأسماء والصفات كما تقدم. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) فعلى جميع المكلفين من الثقلين الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في القرآن الكريم: كالعزيز، والحكيم، والسميع، والبصير، والخلاق، والرزاق، والرحمن الرحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته ، وعلى الجميع أيضا الإيمان بما ثبت في السنة سنة النبي ﷺ من أسماء الله وصفاته ثم إمرارها، كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل ولا زيادة ولا نقصان، بل نؤمن بها، ونقرها، ونمرها كما جاءت لا نحرف ولا نغير، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نؤول شيئا من صفات الله بل هي حق كلها يجب إثباتها لله على الوجه اللائق بالله مع الإيمان القطعي بأنه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا. كما أنه لا يشبههم في ذاته، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان وهو الذي

стр. 2544

أجمعت عليه الرسل، ونزلت به الكتب، التي أعظمها وأكملها القرآن الكريم، وهو الحق الذي لا ريب فيه، فعليك يا عبد الله أن تؤمن به وأن تعض عليه بالنواجذ. ولا بد مع هذا كله من الإيمان بالرسول محمد ﷺ واتباعه، مع الإيمان بجميع المرسلين، ولا بد أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من الملائكة والكتب، وأمر الجنة والنار، والبعث والنشور، والحساب والجزاء، وعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بالقدر خيره وشره. لا بد من الإيمان بهذا كله من جميع المكلفين، من الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، والعرب والعجم، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين، والجن والإنس، على الجميع الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله. هذا واجبهم نحو دينهم، وواجب عليهم جميعا أن يؤمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان في الدنيا من الرسل الماضين؛ من آدم ومن بعده من الرسل، وما جاءوا به من الهدى، وأن الله جل وعلا بعثهم لدعوة الناس إلى الخير والهدى والتوحيد، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، عليهم الصلاة والسلام، ولا بد من الإيمان أيضا بكل ما مضى من أخبار الماضين مما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن قص الله علينا أخبارهم. فعليك يا عبد الله أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله في كتابه العزيز وفيما جاءت به سنة رسوله ﷺ الصحيحة، لا بد من هذا الإيمان، ومن ذلك: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه كما تقدم؛ فإن القبر إما روضة من رياض الجنة للمؤمن أو حفرة من حفر النار للكافر. أما العاصي فهو على خطر، وقد يناله في قبره ما شاء الله من العذاب إلا من رحم الله. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ «أنه مر على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من البول (١) » الحديث. ومعنى: «لا يستتر من البول (٢) » ؛ أي لا يتنزه، كما جاء ذلك في رواية أخرى: فعذبا في قبريهما بهاتين المعصيتين. وهذا عذاب معجل.

стр. 2545

وهذا الحديث يبين لنا أن أمر المعاصي خطير، وأن الواجب على المؤمن أن يستقيم على دين الله، قولا وعملا وعقيدة، وأن يحافظ على ما أوجب الله عليه، وأن يحذر ما نهى الله عنه ، وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به رسوله ﷺ ، ومن ذلك ما يتعلق بأحوال القبر وأحوال الناس في قبورهم، فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار. والميت أول ما يوضع في قبره يسأله ملكان عن ربه وعن دينه وعن نبيه. فالمؤمن يثبته الله فيقول: ربي الله والإسلام ديني ومحمد ﷺ نبيي؛ لأنه كان ثابتا في الدنيا على الحق قبل أن يموت، فكان بصيرا بدينه، ثابتا عليه، فلهذا يثبته الله في القبر. وأما الكافر والمنافق إذا سئل فإنه يقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه الإنسان لصعق. وهكذا يحاسبهم الله ويجازيهم بأعمالهم، فالناس يبعثون ويجازون بأعمالهم بعد قيام الساعة، وقد دل الكتاب والسنة على أن إسرافيل ﵇ ينفخ في الصور فيموت الناس الموجودون، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى بعد ذلك، فيبعثهم الله، ويقومون من قبورهم، ومن كل مكان من البحار وغيرها، ويجمعهم الله، ويجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، هذا حق لا ريب فيه، فلا بد من الإيمان بهذا كله، والإعداد له العدة الصالحة؛ لتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته، والحذر من معصيته ، ثم بعد هذا المحشر والقيام بين يدي رب العالمين، ومجازاة الناس بأعمالهم؛ جنهم وإنسهم، ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية. فهذا المقام العظيم وهذا الأمر الجلل لا بد من أن نستحضره وأن نعد له عدته، فيوم القيامة يوم عظيم، وهو يوم الأهوال والشدائد، ومقداره خمسون ألف سنة، كما قال في كتابه الكريم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٣) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤)

стр. 2546

فلا بد من الإعداد لهذا اليوم والإيمان بأنه حق. فعليك يا عبد الله أن تعد له العدة الصالحة بتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته وتعظيم أمره واجتناب نهيه، والتعاون على البر والتقوى مع إخوانك المسلمين، والتواصي بالحق والصبر عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال وتعليم الجاهل، إلى غير ذلك من وجوه الخير والنصح. فعليك يا عبد الله وعليك يا أمة الله العناية بهذا الأمر والإعداد له، وعلى الجميع أن يتقوا الله ويطيعوا أمره، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يعلموا الجاهل، ويرشدوا الضال، وينصحوا لله ولعباده، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ويقول سبحانه وبحمده: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) ويقول : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥)

стр. 2547

والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة رؤية حقيقية، يكلمهم سبحانه ويريهم وجهه الكريم، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. أجمع أهل السنة والجماعة على أن الله سبحانه يراه المؤمنون يوم القيامة، يريهم وجهه الكريم جل وعلا، ويحجب عنه الكفار، كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) فالمؤمنون يرونه سبحانه، والكفار محجوبون عنه هذه الرؤية العظيمة، آمن بها أهل السنة والجماعة، وأجمعوا عليها، وهكذا في الجنة يراه المؤمنون، وذلك أعلى نعيمهم

стр. 2548

كما قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله مع ما يزيدهم الله به من الخير والنعيم المقيم الذي فوق ما يخطر ببالهم. وقال : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٢) ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٣) ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٤) وقال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٥) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٦) فالمؤمنون يرون الله سبحانه في القيامة وفي الجنة رؤية عظيمة حقيقية لكن من دون إحاطة؛ لأنه سبحانه أجل وأعظم من أن تحيط به الأبصار من خلقه كما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٧) والمعنى أنها لا تحيط به؛ لأن الإدراك أخص والرؤية أعم، كما قال تعالى في قصة موسى وفرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٨) فأوضح سبحانه أن التراءي غير الإدراك. وقال جمع من السلف في تفسير الآية المذكورة - منهم عائشة ﵂: إن المراد أنهم لا يرونه في الدنيا. وعلى كلا القولين فليس فيها حجة لمن أنكر الرؤية من أهل البدع؛ لأن الآيات القرآنية الأخرى التي سبق بيانها مع الأحاديث الصحيحة المتواترة كلها قد دلت على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة. وأجمع على ذلك الصحابة ﵃ وأتباعهم من أهل السنة، وشذت الجهمية والمعتزلة والإباضية فأنكروها، وقولهم من أبطل الباطل ومن أضل الضلال. نسأل الله العافية والسلامة مما ابتلاهم به، ونسأل الله لنا وللموجودين منهم الهداية والرجوع إلى الحق.

стр. 2549

وصح عن النبي ﷺ أنه يقول: «يقول الله جل وعلا يوم القيامة لأهل الجنة هل تريدون شيئا أزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ألم تبيض وجوهنا، ألم تثقل موازيننا، ألم تدخلنا الجنة، ألم تنجنا من النار؟! فيقول سبحانه: إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيكشف لهم الحجاب عن وجهه الكريم (١) » فيرونه رؤية حقيقية وذلك أعلا نعيمهم وأحب شيء إليهم، جعلنا الله وإياكم منهم. وقد أجمع أهل الحق من أهل السنة والجماعة على هذه الرؤية كما تقدم. وقد حكى ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري في كتابه: "مقالات الإسلاميين" وحكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر إجماع أهل السنة على ذلك، وذكر أن جمهور أهل السنة يكفرون من أنكر هذه الرؤية. فجمهور أهل السنة والجماعة يرون أن من أنكر هذه الرؤية فهو كافر نسأل الله السلامة والعافية. أما في الدنيا فإنه سبحانه لا يرى فيها. فالرؤية نعيم عظيم، والدنيا ليست دار نعيم، ولكنها دار ابتلاء وامتحان ودار عمل، فلهذا ادخر الله سبحانه رؤيته، ادخرها لعباده في الدار الآخرة حتى النبي ﷺ لم ير ربه في الدنيا عند جمهور العلماء كما سئل عن ذلك فقال: «رأيت نورا (٢) » فلم ير ﵊ ربه يقظة. وقال ﵊: «اعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه فليس أحد يرى ربه في الدنيا أبدا لا الأنبياء ولا غيرهم وإنما يرى في الآخرة . فعلى المسلم أن يؤمن بهذا، وبكل ما جاء به النبي ﷺ ، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن أهل الإيمان يدخلون الجنة، ويرون ربهم سبحانه في القيامة، وفي الجنة كما يشاء سبحانه وأن الكفار يصيرون إلى النار مخلدين فيها نعوذ بالله من ذلك، وأنهم عن ربهم محجوبون لا يرونه لا في القيامة ولا في غيرها، بل هم عن الله محجوبون لكفرهم وضلالهم وأما العاصي فهو على خطر لكن مآله إلى الجنة، وإن دخل النار بسبب معصيته فإنه لا يخلد فيها، بل يخرح منها فيصير إلى الجنة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وأجمع عليه أهل السنة خلافا للخوارج ومن تابعهم.

стр. 2550

وأما المسلم الموحد العاصي فهو على خطر من دخول النار بمعاصيه ومن تعذيبه في القبر بمعاصيه كما تقدم، ولكن مصيره إلى الجنة بعد ذلك وإن دخل النار وإن جرى عليه بعض العذاب. فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن العصاة لا يخلدون في النار خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم، فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن العاصي الموحد المؤمن لا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فإن شاء الله عفى عنه ودخل مع إخوانه في الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف عنه صار إلى النار وعذب فيها على قدر معاصيه، ثم بعد التعذيب والتطهير يصير إلى الجنة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ . هكذا قال أهل السنة والجماعة وقد يعذب العاصي في قبره وقد يعذب في النار؛ لأنه مات على الزنا أو على شرب الخمر أو على عقوق الوالدين أو على الربا أو على غير ذلك من الكبائر إن لم يعف الله عنه، وقد أخبر الله سبحانه في الآية السابقة أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه، كما أخبر الله سبحانه في آية أخرى أن من مات عليه فله النار - والعياذ بالله - مخلدا فيها لا يغفر له، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٣) وأما العاصي فهو تحت مشيئة الله، إن شاء ربنا غفر له وعفا عنه، فضلا منه وجودا وكرما، بسبب أعماله الصالحة، أو بشفاعة الشفعاء، أو بمجرد فضله وإحسانه بدون شفاعة أحد، أو بأسباب أخرى من أعمال صالحة تكون سببا لعفو الله، إلى غير ذلك من الأسباب، هذا إذا لم يتب. أما من تاب فإن الله جل وعلا يلحقه بإخوانه المؤمنين من أول وهلة فضلا منه وإحسانا. . ومن تمام حق الله عليك يا عبد الله في هذه الدار

стр. 2551

أن تعتني بصلاتك وتحافظ عليها في جماعة مع إخوانك المسلمين، وأن تبتعد عن مشابهة المنافقين المتكاسلين عنها، الذين ذمهم الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ومن حق الله عليك أن تؤدي الزكاة زكاة مالك بكل عناية، طيبة بها نفسك، وأن تصوم رمضان كما أمرك الله، وأن تحج البيت مرة واحدة في العمر؛ لأن الله سبحانه أوجب عليك ذلك مع الاستطاعة، وأن تؤدي ما أوجب الله عليك: من بر والديك، وصلة أرحامك، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والجهاد في سبيل الله، إذا تيسر ذلك بالنفس وبالمال وباللسان. وأنتم الآن عندكم جهاد، جهاد إخوانكم الأفغان للشرك بالله والشيوعية، هؤلاء الإخوان المجاهدون لهم حق عليكم أن تساعدوهم بالنفس والمال واللسان، فهم مجاهدون للشرك والإلحاد والشيوعية، فنوصيكم جميعا بمساعدتهم بالنفس والمال واللسان، ومن قال: إنه لا يساعد إلا فلانا منهم أو فلانا فقد غلط وأخطأ، بل الواجب أن يساعد الجميع حتى يفتح الله عليهم ويمكنهم من عدوهم، ومن جملتهم الشيخ جميل الرحمن وفقهم الله جميعا ونصرهم على عدوهم فكلهم مستحقون للمساعدة، كلهم يجب أن يساعد، وكلهم بحمد الله على جهاد شرعي وجهاد إسلامي، وما قد يقع من بعضهم من الخطأ والغلط يعالج بالتي هي أحسن، فكل بني آدم خطاء، فإذا وقع الخطأ والغلط من بعض القادة أو غيرهم ينبه إلى خطئه، وليس أحد منهم معصوما، بل يجب أن يبين له ما قد أخطأ فيه، ويوجه إلى الخير، ويجب أن يعان الجميع على البر والتقوى، وأن يجاهد مع الجميع بالنفس والمال واللسان؛ لأن جهادهم جهاد عظيم وجهاد شرعي لأكفر دولة وأخبثها. ومكاتب هيئة استقبال التبرعات موجودة في الرياض وغيرها، وهكذا محل الراجحي، ومحل السبيعي، كلها تستقبل المساعدة للمجاهدين بأمر خادم الحرمين الشريفين، وفقه الله.

стр. 2552

وهكذا إخواننا في فلسطين لهم حق على جميع الدول الإسلامية وأغنياء المسلمين أن يساعدوهم في جهادهم، وأن يقوموا معهم حتى يتخلصوا من عدو الله اليهود. فاليهود شرهم عظيم وبلاؤهم كبير، وقد آذوا إخواننا المسلمين في فلسطين فالواجب على الدول الإسلامية، وعلى جميع المسلمين القادرين أن يساعدوهم في جهاد أعداء الله من اليهود حتى يحكم الله بينهم وبين المسلمين وهو خير الحاكمين، وذلك بنصر الله لهم على اليهود وإخراجهم من بلاد المسلمين، أو الصلح بينهم وبين دولة فلسطين صلحا ينفع المسلمين ويحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم وقرارهم في بلادهم، وسلامتهم من الأذى والظلم، فيجب على الدول الإسلامية، أن تقوم بهذا الأمر حسب الطاقة والإمكان. وأما بقاؤهم في حرب مع اليهود، وفي أذى عظيم وضرر كبير على رجالهم ونسائهم وأطفالهم، فهذا لا يسوغ شرعا، بل يجب على الدول الإسلامية والأغنياء والمسئولين من المسلمين أن يبذلوا جهودهم ووسعهم في جهاد أعداء الله اليهود أو فيما يتيسر من الصلح - إن لم يتيسر الجهاد - صلحا عادلا يحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم على أرضهم وسلامتهم من الأذى من عدو الله اليهود، مثلما صالح النبي ﷺ أهل مكة. وأهل مكة ذلك الوقت أكثر من اليهود؛ لأن المشركين الوثنيين أكفر من أهل الكتاب، فقد أباح الله طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم ولم يبح طعام الكفار من المشركين ولا نساءهم، وصالحهم النبي ﷺ على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، وكان في هذا الصلح خير عظيم للمسلمين، وإن كان فيه غضاضة عليهم بعض الشيء لكن رضيه النبي ﷺ للمصلحة العامة. فإذا لم يتيسر الاستيلاء على الكفرة والقضاء عليهم فالصلح جائز لمصلحة المسلمين وأمنهم وإعطائهم بعض حقوقهم.

стр. 2553

وهذا أمر مطلوب وقد علم في الأصول المعتبرة أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولهذا صالحهم ﷺ عشر سنين على وضع الحرب، وصبر على بعض الغضاضة في ذلك لمصلحة المسلمين وأمنهم حتى يتصلوا بالنبي ﷺ وحتى يسمعوا القرآن. ولهذا كان صلحا عظيما وفتحا مبينا نفع الله به، وصار الناس يتصلون بالنبي ﷺ وبالصحابة، ودخل بسبب هذا الصلح جم غفير وأمم كثيرة في الإسلام، دخلوا في دين الله وتركوا الكفر بالله ، فعلى جميع المسلمين أيضا أن يتعاونوا على البر والتقوى، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، ويتعلموا دينهم، ويتفقهوا فيه؛ حتى يكونوا على بصيرة بجهادهم وسلمهم وصلحهم وحربهم.

стр. 2554

هكذا يجب على المسلمين أن يتعلموا فالإنسان ما خلق عالما، بل خلق جاهلا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) فالواجب على الجميع من الرجال والنساء التعلم والتفقه في الدين، من طريق المكاتبة، ومن طريق سماع المقالات العلمية في إذاعة القرآن الكريم وغيرها، ومن برنامج نور على الدرب، فهو برنامج مفيد عظيم، وهو يذاع كل ليلة مرتين؛ في نداء الإسلام وفي إذاعة القرآن الكريم، وهذا البرنامج له فائدته العظيمة، وكذلك سماع المواعظ والمحاضرات التي تذاع في إذاعة القرآن الكريم وغيرها. وكذا العناية بخطب الجمعة والاستفادة منها ومن المحاضرات والندوات التي يقوم بها العلماء وحضور حلقات العلم والاستفادة منها. وهذا واجب على الجميع على الرجال والنساء أن يتعلموا ويتفقهوا في دينهم لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٢) » فخيار الناس أهل القرآن الذين يتعلمونه ويعلمونه الناس ويعملون به. وقال ﷺ في الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٣) » وهذا يدل على أن الذي لا يتفقه في الدين ما أراد الله به خيرا نسأل الله العافية.

стр. 2555

فالواجب التعلم والتفقه في الدين على الرجال والنساء، قال ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (١) » . فأوصيكم جميعا أيها الأخوة من الرجال والنساء، وأوصي جميع من تبلغه هذه الكلمة أن يتقي الله، وأن يتعلم ويتفقه في الدين، وأن يعتني بكتاب الله القرآن الكريم، وأن يكثر من تلاوته ويحفظ ما تيسر منه، فإنه كتاب الله فيه الهدى والنور، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) ويقول جل وعلا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦) فالوصية للجميع العناية بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته وتدبر معانيه، والسؤال عما أشكل عليك إذا كنت طالب علم، وهكذا المرأة إذا كانت طالبة علم، فعلى كل منهما أن يعالج ويراجع كتب التفسير فيما أشكل عليه؛ كتفسير ابن كثير والبغوي وغيرهما من كتب التفسير المعروفة التي تذكر الأدلة. فعلى طالب العلم من الرجال والنساء أن يتأمل ويتدبر ويتفقه ويتعلم، وهكذا العامة عليهم أن يسألوا، ويسمعوا خطب الجمعة والمحاضرات والندوات و "نور على الدرب" الذي يسره الله في كل ليلة ففيه سؤالات وأجوبة مهمة تفيد من يسمعها إذا قصد الفائدة. أما التهاون والإعراض فهذا من عمل الكفار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (٨) فالواجب التعلم والتفقه في الدين وسؤال أهل

стр. 2556

العلم عما أشكل. وهذا كتاب الله بين أيدينا فيه الهدى والنور. وهكذا سنة الرسول ﷺ بين أيدينا تدل على الحق وترشد إليه، وتبين ما قد يخفى من كتاب الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) والعلماء موجودون بحمد الله، نسأل الله أن يبارك فيهم، ويعينهم على أداء الواجب، ويكثرهم، ويمنحهم التوفيق، ويوفقهم لكل خير، ويعينهم على ما ينفع الأمة في دينها ودنياها إنه جواد كريم. وقد أخذ الله الميثاق بذلك على الناس أن يتعلموا ويتبصروا ويسألوا ولا يستحيوا من طلب العلم، فإن الله لا يستحي من الحق، فأم سليم امرأة أبي طلحة ﵂ قالت - والناس يسمعون -: «يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي ﷺ : نعم إذا هي رأت الماء (٢) » يعني المني. فإذا احتلم الرجل أو المرأة في النوم في الليل أو النهار فعليهما الغسل إذا رأيا المني، فإذا لم يريا المني فلا غسل عليهما. وهكذا إذا قبل زوجته أو نظر إليها أو تفكر وأنزل المني عليه الغسل، وهكذا المرأة إذا قبلت زوجها أو نظرت إليه أو تفكرت ثم أنزلت المني فعليها الغسل. . فالتعلم والتفقه في الدين من أهم الواجبات، ولا سيما في عصرنا هذا عصر الغربة قلة العلم والعلماء. فالواجب التعلم والتفقه في الدين؛ لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٣) » متفق على صحته. ومما يبشر بالخير أن في كل مكان بحمد الله يقظة عظيمة وصحوة ظاهرة ورغبة في التعلم والتففه في الدين في هذه البلاد وفي أوروبا وفي أمريكا وفي آسيا وفي

стр. 2557

إفريقيا. ففي كل بلد بحمد الله حركة إسلامية ونشاط إسلامي، نسأل الله أن يسدد رأيهم، وأن يعينهم على كل خير، ونسأل الله أن يصلح القائمين على كل نشاط إسلامي، كما نسأله تعالى أن يمنحهم القادة الصالحين، والعلماء الموفقين؛ حتى يقودوا هذه الحركات الطيبة إلى الهدى وإلى الأمام، على الوجه الذي يرضي الله . وعلى كل منا أن يعتني بهذا الأمر، ويساهم فيه بقدر طاقته في تعليم الناس وتوجيههم إلى الخير بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن والإخلاص لله ، وعلى كل منا أن ينصح لله ولعباده عملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة لما قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » رواه مسلم في صحيحه.

стр. 2558

فكل واحد منا من الرجال والنساء عليه النصيحة لله ولعباده. ومن النصيحة لله وللعباد: تعليم الجاهل وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والكلام الطيب والأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة، إلا من ظلم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) والظالم المعتدي له شأن آخر من جهة ولاة الأمور، لكن أنت أيها الناصح تدعو إلى الله بالتي هي أحسن، فتعلم وتوجه وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالحكمة والكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، عملا بالآية السابقة، وبقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) الآية. ومن النصيحة لله ولعباده الدعاء لولاة أمور المسلمين وحكامهم بالتوفيق والهداية

стр. 2559

والصلاح في النية والعمل، وأن يمنحهم الله البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير وتذكرهم به. وهذا حق على كل مسلم في كل مكان في هذه البلاد، وفي غيرها الدعوة لولاة الأمر بالتوفيق والهداية وحسن الاستقامة وصلاح البطانة، وأن يعينهم الله على كل خير، وأن يسدد خطاهم، ويمنحهم التوفيق لما فيه صلاح العباد والبلاد. فكل مسلم يدعو الله لولاة أمور المسلمين بأن يصلحهم الله، وأن يردهم للصواب، وأن يهديهم لما يرضيه سبحانه، هكذا يجب عليك يا عبد الله أن تدعو لولاة الأمور بأن يهديهم الله ويردهم للصواب، إذا كانوا على غير هدى تدعو الله لهم بالهداية والصلاح حتى يستقيموا على أمر الله وحتى يحكموا شريعة الله، ففي تحكيم شريعة الله صلاح للجميع في كل مكان، وفي تحكيم شريعة الله واتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صلاح الدنيا والآخرة؛ لأن الله إذا عرف من عبده نية صالحة وعزيمة صادقة سدد رأيه وأعانه على كل عمل يرضيه في أي مكان؛ لأن في اتباع الشريعة وتعظيم أمر الله ورسوله صلاح أمر الدنيا والآخرة. فكل مسلم في دولته عليه أن يسأل الله لها التوفيق والهداية، وينصح لها، ويعينها على الخير، ويسأل الله لها التوفيق والسداد، ولا يسأم ولا يضعف، وعليه أن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب، لعل الله يجعله مباركا في دعوته ونصيحته، فيكون سببا لهداية من أراد الله له الهداية من أمير أو حاكم أو غيرهما ممن له شأن في الأمة؛ لأن هداية المسئول وهداية من له شأن في الأمة ينفع الله بها العباد والبلاد، ويقتدي به الكثير من الأمة، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١) » وصح عنه ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر ليدعو اليهود: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) » . وهذه نعمة عظيمة لا تتم إلا بالصدق والإخلاص والصبر، والحذر من الأسلوب الشديد العنيف الذي ينفر الناس من الحق، ويسبب الفتن والشرور، بل على الداعي إلى الله والناصح لدين الله أن يتحرى الأساليب المناسبة التي تعين على قبول الحق

стр. 2560

وعلى الرضا به وتنفيذه، وعلى المسلم أيضا أن يجتهد فيما يصلح دنياه، كما يجتهد في صلاح دينه وصلاح أهل بيته، فأهل البيت لهم حق عليك كبير بأن تجتهد في إصلاحهم وتوجيههم إلى الخير؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) فعليك أن تجتهد في إصلاح أهل بيتك. وهم زوجتك وأولادك الذكور والإناث، وإخوانك، فجميع أهل البيت تجتهد في تعليمهم وتوجيههم وإرشادهم، وتحذيرهم مما حرم الله؛ لأنك مسئول عنهم لقول النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (٢) » ، ثم قال ﷺ : «ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) » . فعلينا أن نجتهد في صلاحهم من جهة الإخلاص لله في جميع الأعمال والصدق في متابعة رسول الله لي الله عليه وسلم والإيمان به، ومن جهة الصلاة وغيرها مما أمر الله به سبحانه، ومن جهة البعد عن محارم الله. فعلى كل واحد من الرجال والنساء النصح في أداء ما يجب عليه، فالمرأة عليها أن تجتهد والرجل كذلك. إذ صلاح البيوت من أهم الأمور، قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤) وقال سبحانه عن نبيه إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٥) وكان ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٦) فينبغي التأسي بالأنبياء والأخيار، والعناية بأهل البيت لا تغفل عنهم يا عبد الله من زوجة أو أم أو أب أو جد أو جدة أو إخوة أو أولاد، عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر ضربا
следующие страницы →