← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

العلم عما أشكل. وهذا كتاب الله بين أيدينا فيه الهدى والنور. وهكذا سنة الرسول ﷺ بين أيدينا تدل على الحق وترشد إليه، وتبين ما قد يخفى من كتاب الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) والعلماء موجودون بحمد الله، نسأل الله أن يبارك فيهم، ويعينهم على أداء الواجب، ويكثرهم، ويمنحهم التوفيق، ويوفقهم لكل خير، ويعينهم على ما ينفع الأمة في دينها ودنياها إنه جواد كريم. وقد أخذ الله الميثاق بذلك على الناس أن يتعلموا ويتبصروا ويسألوا ولا يستحيوا من طلب العلم، فإن الله لا يستحي من الحق، فأم سليم امرأة أبي طلحة ﵂ قالت - والناس يسمعون -: «يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي ﷺ : نعم إذا هي رأت الماء (٢) » يعني المني. فإذا احتلم الرجل أو المرأة في النوم في الليل أو النهار فعليهما الغسل إذا رأيا المني، فإذا لم يريا المني فلا غسل عليهما. وهكذا إذا قبل زوجته أو نظر إليها أو تفكر وأنزل المني عليه الغسل، وهكذا المرأة إذا قبلت زوجها أو نظرت إليه أو تفكرت ثم أنزلت المني فعليها الغسل. . فالتعلم والتفقه في الدين من أهم الواجبات، ولا سيما في عصرنا هذا عصر الغربة قلة العلم والعلماء. فالواجب التعلم والتفقه في الدين؛ لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٣) » متفق على صحته. ومما يبشر بالخير أن في كل مكان بحمد الله يقظة عظيمة وصحوة ظاهرة ورغبة في التعلم والتففه في الدين في هذه البلاد وفي أوروبا وفي أمريكا وفي آسيا وفي

стр. 2557

إفريقيا. ففي كل بلد بحمد الله حركة إسلامية ونشاط إسلامي، نسأل الله أن يسدد رأيهم، وأن يعينهم على كل خير، ونسأل الله أن يصلح القائمين على كل نشاط إسلامي، كما نسأله تعالى أن يمنحهم القادة الصالحين، والعلماء الموفقين؛ حتى يقودوا هذه الحركات الطيبة إلى الهدى وإلى الأمام، على الوجه الذي يرضي الله . وعلى كل منا أن يعتني بهذا الأمر، ويساهم فيه بقدر طاقته في تعليم الناس وتوجيههم إلى الخير بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن والإخلاص لله ، وعلى كل منا أن ينصح لله ولعباده عملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة لما قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » رواه مسلم في صحيحه.

стр. 2558

فكل واحد منا من الرجال والنساء عليه النصيحة لله ولعباده. ومن النصيحة لله وللعباد: تعليم الجاهل وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والكلام الطيب والأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة، إلا من ظلم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) والظالم المعتدي له شأن آخر من جهة ولاة الأمور، لكن أنت أيها الناصح تدعو إلى الله بالتي هي أحسن، فتعلم وتوجه وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالحكمة والكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، عملا بالآية السابقة، وبقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) الآية. ومن النصيحة لله ولعباده الدعاء لولاة أمور المسلمين وحكامهم بالتوفيق والهداية

стр. 2559

والصلاح في النية والعمل، وأن يمنحهم الله البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير وتذكرهم به. وهذا حق على كل مسلم في كل مكان في هذه البلاد، وفي غيرها الدعوة لولاة الأمر بالتوفيق والهداية وحسن الاستقامة وصلاح البطانة، وأن يعينهم الله على كل خير، وأن يسدد خطاهم، ويمنحهم التوفيق لما فيه صلاح العباد والبلاد. فكل مسلم يدعو الله لولاة أمور المسلمين بأن يصلحهم الله، وأن يردهم للصواب، وأن يهديهم لما يرضيه سبحانه، هكذا يجب عليك يا عبد الله أن تدعو لولاة الأمور بأن يهديهم الله ويردهم للصواب، إذا كانوا على غير هدى تدعو الله لهم بالهداية والصلاح حتى يستقيموا على أمر الله وحتى يحكموا شريعة الله، ففي تحكيم شريعة الله صلاح للجميع في كل مكان، وفي تحكيم شريعة الله واتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صلاح الدنيا والآخرة؛ لأن الله إذا عرف من عبده نية صالحة وعزيمة صادقة سدد رأيه وأعانه على كل عمل يرضيه في أي مكان؛ لأن في اتباع الشريعة وتعظيم أمر الله ورسوله صلاح أمر الدنيا والآخرة. فكل مسلم في دولته عليه أن يسأل الله لها التوفيق والهداية، وينصح لها، ويعينها على الخير، ويسأل الله لها التوفيق والسداد، ولا يسأم ولا يضعف، وعليه أن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب، لعل الله يجعله مباركا في دعوته ونصيحته، فيكون سببا لهداية من أراد الله له الهداية من أمير أو حاكم أو غيرهما ممن له شأن في الأمة؛ لأن هداية المسئول وهداية من له شأن في الأمة ينفع الله بها العباد والبلاد، ويقتدي به الكثير من الأمة، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١) » وصح عنه ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر ليدعو اليهود: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) » . وهذه نعمة عظيمة لا تتم إلا بالصدق والإخلاص والصبر، والحذر من الأسلوب الشديد العنيف الذي ينفر الناس من الحق، ويسبب الفتن والشرور، بل على الداعي إلى الله والناصح لدين الله أن يتحرى الأساليب المناسبة التي تعين على قبول الحق

стр. 2560

وعلى الرضا به وتنفيذه، وعلى المسلم أيضا أن يجتهد فيما يصلح دنياه، كما يجتهد في صلاح دينه وصلاح أهل بيته، فأهل البيت لهم حق عليك كبير بأن تجتهد في إصلاحهم وتوجيههم إلى الخير؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) فعليك أن تجتهد في إصلاح أهل بيتك. وهم زوجتك وأولادك الذكور والإناث، وإخوانك، فجميع أهل البيت تجتهد في تعليمهم وتوجيههم وإرشادهم، وتحذيرهم مما حرم الله؛ لأنك مسئول عنهم لقول النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (٢) » ، ثم قال ﷺ : «ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) » . فعلينا أن نجتهد في صلاحهم من جهة الإخلاص لله في جميع الأعمال والصدق في متابعة رسول الله لي الله عليه وسلم والإيمان به، ومن جهة الصلاة وغيرها مما أمر الله به سبحانه، ومن جهة البعد عن محارم الله. فعلى كل واحد من الرجال والنساء النصح في أداء ما يجب عليه، فالمرأة عليها أن تجتهد والرجل كذلك. إذ صلاح البيوت من أهم الأمور، قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤) وقال سبحانه عن نبيه إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٥) وكان ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٦) فينبغي التأسي بالأنبياء والأخيار، والعناية بأهل البيت لا تغفل عنهم يا عبد الله من زوجة أو أم أو أب أو جد أو جدة أو إخوة أو أولاد، عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر ضربا

стр. 2561

خفيفا يعينهم على طاعة الله ويعودهم أداء الصلاة في وقتها حتى يستقيموا على دين الله ويعرفوا الحق، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ . فكل واحد منا عليه ذلك الدور، وكل امرأة عليها ذلك فعلى المرأة والرجل التعاون على البر والتقوى في صلاح البيوت وتحذير الأولاد مما يضرهم، فيعلمون ما أوجب الله عليهم ذكورا وإناثا، وينهون عما حرم الله عليهم كالتخلف عن الصلوات وشرب المسكر وتعاطي المخدرات والتدخين وحلق اللحى أو تقصيرها وإسبال الثياب والنميمة والغيبة وسماع الأغاني والملاهي وغير ذلك من المعاصي، هذا مما يجب عليك نحو ولدك وأختك وغيرهما من أهل البيت. فالتعاون واجب على البر والتقوى؛ لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) هؤلاء هم الرابحون من الرجال والنساء في سابق الزمان وفي الزمان الحاضر، وفيما يأتي من الزمان وهم الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا ثم نفذوا الإيمان وحققوه بالأعمال الصالحة بفعل ما أوجب الله وترك ما حرم الله، ثم تواصوا بالحق فدعوا إلى الله وعلموا الناس وأرشدوهم وتواصوا بالصبر. هؤلاء هم الناجون وهم الرابحون وهم السعداء في الدنيا والآخرة، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٥) يعني أنهم أحبة فيما بينهم لا يغتاب بعضهم بعضا ولا ينم بعضهم على بعض ولا يخونه في الأمانة ولا يؤذيه ولا يظلمه ولا يشهد عليه بالزور إلى غير ذلك من الأعمال والأقوال التي تنافي الولاية والمحبة. فهم إخوة أحباب متعاونون على كل خير، ثم قال سبحانه وبحمده: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦) والمعنى أنهم لا يسكتون عن إنكار

стр. 2562

المنكر ولا يداهنون بل كل منهم يأمر أخاه بالمعروف وينهاه عن المنكر بالكلام الطيب والأسلوب الحسن. ثم قال سبحانه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات، هذا شأنهم، يستقيمون على دين الله، ويتباعدون عن محارم الله، ويقفون عند حدود الله، ويرشدون الناس إلى الخير، وينصحونهم بعبارات حسنة وأسلوب جيد، مع الإخلاص لله، والصبر والمصابرة. وهكذا المؤمن يسعى في أمور دنياه لا يكون كلا على الناس، يكتسب الكسب الحلال، ويبيع ويشتري، ويفعل كل ما يصلح أمر دنياه، فيتخذ المزرعة كما كان الأنصار ﵃، ويبيع ويشتري، كما كان المهاجرون ﵃، لا يكون عالة على الآخرين، يسألهم ويشق عليهم، بل يجتهد في أن يغنيه الله عن الناس، يتعاطى الأسباب المشروعة والكسب الحلال، ويجتهد في طلب الرزق بالطرق المباحة والشرعية. من بيع وشراء، وزراعة، وحرفة أخرى مباحة؛ كالحدادة والنجارة والخرازة والخياطة، أو يشتغل عند الناس في مزارعهم وفي بنائهم وفي غير ذلك من الأعمال المباحة، فيستخدم هذا الجسم الذي أنعم الله عليه به في طاعة الله ورسوله، وفي كسب الحلال الذي يغنيه الله به عن الناس، ويشرع له أن يتعاطى الأدوية المباحة التي يعينه الله بها على بقاء صحته وسلامة جوارحه. والخلاصة: أن المشروع للمسلم أن يفعل الأسباب المباحة التي تنفعه في دنياه وأخراه، وفي صحة بدنه، وفي كسب الحلال وترك الحرام، وفي الاستغناء عن الناس؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير (٢) » . ثم قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان (٣) » رواه الإمام مسلم في صحيحه.

стр. 2563

وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده (١) » رواه البخاري في الصحيح «وسئل ﷺ : أي الكسب أطيب؟ قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور (٢) » أخرجه البزار وصححه الحاكم. فأنت يا عبد الله اجتهد في طلب الرزق واكتسب الحلال واستغن عن الحاجة إلى الناس وسؤالهم، وعليك بالكسب الحلال الطيب البعيد عن الغش والخيانة والكذب، واكتسب المباح بالصدق وأداء الأمانة، سواء كان ذلك في بيع وشراء أو تجارة أو حدادة أو خرازة أو كتابة أو بناء أو غير ذلك من الأعمال المباحة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٣) » متفق على صحته. أسأل الله بأسمائه الحسنى أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لما يرضيه، وأن يرزق الجميع الاستقامة على الحق، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه رضاه ولكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، ويجعلهم هداة مهتدين، صالحين مصلحين، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، وإلزام الشعوب بها، وأن يعيذهم من نزغات الشيطان ومضلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يوفق المسلمين في كل مكان للفقه في الدين، والاستقامة عليه، والتعاون على البر والتقوى، وأن يعيننا وإياكم على كل ما فيه رضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 2564

أسئلة مهمة والإجابة عليها بعد المحاضرة س١: نال بعض العلمانيين من الدعاة ومن بعض طلبة العلم، وتكلموا في مسائل الشريعة، وهم ليسوا من أهلها، وقد انتشر هذا الأمر بين عامة المسلمين فاختلط عليهم الأمر، ونريد من سماحتكم تبيين ما في هذه القضية، والله يرعاكم. ج: يجب على المسلم أن يحتاط لدينه وأن لا يأخذ الفتوى ممن هب ودب لا مكتوبة ولا مذاعة ولا من أي طريق لا يتثبت منه، سواء كان القائل علمانيا أو غير علماني، لا بد من التثبت في الفتوى؛ لأنه ليس كل من أفتى يكون أهلا للفتوى فلا بد من التثبت. والمقصود أن المؤمن يحتاط لدينه فلا يعجل في الأمور، ولا يأخذ الفتوى من غير أهلها، بل يتثبت حتى يقف على الصواب، ويسأل أهل العلم المعروفين بالاستقامة وفضل العلم حتى يحتاط لدينه. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وأهل الذكر هم أهل العلم بالكتاب والسنة فلا يسأل من يتهم في دينه أو لا يعرف علمه أو يعرف بأنه منحرف عن جادة أهل السنة.

стр. 2565

س ٢: هل يغير المنكر باليد، ولمن يكون التغيير باليد، مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟ ج: الله ﷻ وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، وما ذاك إلا

стр. 2566

لأهميته وشدة الحاجة إليه. وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١) » رواه مسلم في الصحيح. فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور، والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع. أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، كما نص على ذلك أهل العلم. أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه. فيقول يا أخي: اتق الله هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن. ثم بعد اللسان القلب يعني يكره بقلبه المنكر، ويظهر كراهته، ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب، والله ولي التوفيق.

стр. 2567

س ٣: بعض الناس يحاولون النيل من شباب الصحوة بحجة أن فيهم تطرفا وتزمتا فما تعليق سماحتكم على ذلك؟ ج: الواجب تشجيع الشباب على الخير وشكرهم على نشاطهم في الخير مع توجيههم إلى الرفق والحكمة وعدم العجلة في الأمور؛ لأن الشباب وغير الشباب يكون عندهم زيادة غيرة فيقعون فيما لا ينبغي. فالواجب توجيه الشيخ والشاب إلى أن يتثبت في الأمور وأن يتحرى الحق في كل أعماله حتى تقع الأمور منه في موقعها. وقد رأى رجل في عهد النبي ﷺ بعض المنكرات فحملته الغيرة لله على أن قال لصاحب المنكر: والله لا يغفر الله لك فقال الله : «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك (١) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. وما ذلك إلا لأنه تجاوز الحد الشرعي بجزمه بأن الله لا يغفر لصاحب هذا المنكر وذلك

стр. 2568

يوجب على المؤمن التثبت والحذر من خطر اللسان وشدة الغيرة. والمقصود أن الشاب والشيخ وغيرهما كلهم عليهم واجب إنكار المنكر لكن بالرفق والحكمة والتقيد بنصوص الشرع، فلا يزيدون على الحد الشرعي فيكونون غلاة كالخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم ولا ينقصون فيكونون جفاة متساهلين بأمر الله. ولكن يتحرون الوسط في كلامهم وإنكارهم وتحريهم للأسباب التي تجعل قولهم مقبولا ومؤثرا، ويبتعدون عن الوسائل التي قد تنفر من قبول قولهم ولا ينتفع بهم المجتمع؛ لقول الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) الآية. وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢) » . وقوله ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه (٣) » . رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂.

стр. 2569

س ٤: إن هداية الناس ثمرة لانتشار العلم الشرعي بين الناس، ولكن من الملاحظ أن الباطل أكثر انتشارا عبر الصحافة وكافة وسائل الإعلام ومناهج التدريس. فما موقف الدعاة والعلماء من هذا؟ ج: هذه واقعة منتشرة في الزمان كله، وحكمة أرادها الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) لكن هذا يختلف ففي بلاد يكثر وفي بلاد يقل، وفي قبيلة يكثر وفي قبيلة يقل. وأما بالنسبة إلى الدنيا فأكثر الخلق على غير الهدى، ولكن هذا يتفاوت بالنسبة إلى بعض الدول وفي بعض البلاد وبعض القرى وبعض القبائل.

стр. 2570

فالواجب على أهل العلم أن ينشطوا وأن لا يكون أهل الباطل أنشط منهم. بل يجب أن يكونوا أنشط من أهل الباطل في إظهار الحق والدعوة إليه أينما كانوا: في الطريق وفي السيارة وفي الطائرة وفي المركبة الفضائية وفي بيته وفي أي مكان، عليهم أن ينكروا المنكر بالتي هي أحسن، ويعلموا بالتي هي أحسن، بالأسلوب الطيب والرفق واللين. يقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ويقول سبحانه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٣) » ويقول ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٤) » . فلا يجوز لأهل العلم السكوت وترك الكلام للفاجر والمبتدع والجاهل فإن هذا غلط عظيم، ومن أسباب انتشار الشر والبدع واختفاء الخير وقلته وخفاء السنة. فالواجب على أهل العلم أن يتكلموا بالحق ويدعوا إليه وأن ينكروا الباطل ويحذروا منه، ويجب أن يكون ذلك عن علم وبصيرة، كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٥) وذلك بعد العناية بأسباب تحصيل العلم من الدراسة على أهل العلم وسؤالهم عما أشكل وحضور حلقات العلم، والإكثار من تلاوة القرآن الكريم وتدبره، ومراجعة الأحاديث الصحيحة حتى تستفيد وتنشر العلم كما أخذته عن أهله بالدليل مع الإخلاص والنية الصالحة والتواضع، ويجب أن تحرص على نشر العلم بكل نشاط وقوة، وألا يكون أهل الباطل أنشط في باطلهم، وأن تحرص على نفع المسلمين في دينهم ودنياهم. وهذا واجب العلماء شيوخا وشبابا أينما كانوا بأن ينشروا الحق بالأدلة الشرعية، ويرغبوا الناس فيه، وينفروهم من الباطل، ويحذروهم منه؛ عملا بقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٧) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٨) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٩)

стр. 2571

هكذا يكون أهل العلم أينما كانوا، يدعون إلى الله ويرشدون إلى الخير، وينصحون لله ولعباده بالرفق فيما يأمرون به وفيما ينهون عنه وفيما يدعون إليه، حتى تنجح دعوتهم، ويفوز الجميع بالعاقبة الحميدة والسلامة من كيد الأعداء. والله المستعان.

стр. 2572

س٥: أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) . ج: معنى الآية الكريمة عند العلماء أن الله سبحانه منورها، فجميع النور الذي في السماوات والأرض ويوم القيامة كل من نوره سبحانه. والنور نوران: نور مخلوق وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة وفي الجنة وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم. وهكذا نور الكهرباء والنار كله مخلوق وهو من خلقه . أما النور الثاني: فهو غير مخلوق بل هو من صفاته . والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق وما سواه مخلوق، فنور وجهه ، ونور ذاته ، كلاهما غير مخلوق، بل هما صفة من صفاته جل وعلا. وهذا النور العظيم وصف له سبحانه وليس مخلوقا بل هو صفة من صفاته كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة . وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة.

стр. 2573

س ٦: ما تفسير قوله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) من هو المستثنى هنا؟ ج: الله أعلم. وقال بعض أهل العلم: إنهم الملائكة وقال بعضهم: إنهم الشهداء. والله هو أعلم بمراده بذلك.

стр. 2574

س٧: أنا أحب الدعوة إلى الله، ومتحمس لها، ولكن ليس عندي أسلوب حسن، فهل يكفي في ذلك اختياري لشريط لأحد العلماء والدعاة وأهديه لأقاربي والمسلمين عامة؟

стр. 2575

ج: نعم. الشريط إذا كان من عالم معروف بحسن العقيدة وسعة العلم إذا أهديته إلى إخوانك فقد أحسنت، ولك مثل أجره؛ لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. أما أنت فلا مانع من أن تتكلم بما تعلم من الحق بالأسلوب الحسن. مثل حث الناس على الصلاة في الجماعة وأداء الزكاة وتحذيرهم الغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وما حرم الله من الفواحش؛ لأن هذه الأمور وأمثالها معلومة للمسلمين من العلماء وغيرهم.

стр. 2576

س ٨: نريد من سماحتكم تشجيع الدعاة وطلبة العلم على إقامة الدروس والمحاضرات في كافة أنحاء البلاد حيث لوحظ الجفاء في بعض المناطق وقلة الدعاة وتكاسل طلبة العلم وإحجامهم عن الدروس والمحاضرات، مما يسبب انتشار الجهل وعدم العلم بالسنة وانتشار الشركيات والبدع، حفظكم الله. ج: لا شك أن الواجب على العلماء أينما كانوا أن ينشروا الحق، وينشروا السنة، ويعلموا الناس، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك، بل يجب على أهل العلم أن ينشروا الحق بالدروس في المساجد التي حولهم، وإن كانوا غير أئمة فيها. وفي خطب الجمعة من أئمة الجوامع يجب على كل واحد أن يعتني بخطبة الجمعة ويتحرى حاجة الناس، وهكذا المحاضرات والندوات يجب على القائمين بها أن يتحروا حاجة الناس، ويبينوا لهم ما قد يخفى عليهم من أمور دينهم، وما يلزم نحو إخوانهم من الجيران وغيرهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وتعليم الجاهل بالرفق والحكمة. ومتى سكت العلماء ولم ينصحوا ولم يرشدوا الناس تكلم الجهال فضلوا وأضلوا، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (١) » رواه الإمام البخاري في صحيحه. فنسأل الله السلامة من كل سوء، لنا، ولإخواننا المسلمين.

стр. 2577

وبما ذكرنا يعلم أن الواجب على أهل العلم أينما كانوا في القرى والمدن وفي القبائل وفي هذه البلاد وفي كل مكان أن يعلموا الناس وأن يرشدوهم بما قال الله ورسوله ﷺ ، وما أشكل عليهم في ذلك وجب عليهم أن يراجعوا الكتاب والسنة، ويراجعوا كلام أهل العلم. فالعالم يتعلم إلى أن يموت، ويتعلم ليعلم ما أشكل عليه، ويراجع كلام أهل العلم بالأدلة حتى يفتي الناس ويعلمهم على بصيرة، وحتى يدعو إلى الله على بصيرة. فالإنسان في حاجة إلى العلم إلى أن يموت ولو كان من الصحابة ﵃، فكل إنسان محتاج إلى طلب العلم والتفقه في الدين؛ ليعلم ويتعلم، فيراجع القرآن الكريم، ويتدبره، ويراجع الأحاديث الصحيحة وشروحها، ويراجع كلام أهل العلم؛ حتى يستفيد، ويتضح له ما أشكل عليه، ويعلم للناس مما علمه الله، سواء كان في بيته أو في المدرسة أو في المعهد أو في الجامعة أو في المساجد التي حوله أو في السيارة أو في الطائرة أو في أي مكان أو في المقبرة إذا حضر عند الدفن ولم ينقض القبر بأن جلسوا ينتظرون، يذكرهم بالله كما كان النبي ﷺ يفعل. والمقصود أن العالم ينتهز الفرصة في كل مكان مناسب واجتماع مناسب، ولا يضيع الفرصة، بل ينتهزها ليذكر، ويعلم بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، والتثبت والحذر من القول على الله بغير علم. والله ولي التوفيق.

стр. 2578

القضاء والقدر من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم (..........) ؛ سلمه الله وتولاه آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ (بدون) وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق. وما تضمنه من الإفادة عن عزمكم على تأليف كتاب مختصر يتضمن بيان مذهب السلف الصالح في مسألة القضاء والقدر التي قد غلط فيها كثير من الناس، ورغبتكم في أن نكتب إليكم في الموضوع رسالة مختصرة تشتمل على بيان الحق في هذا الأمر الجليل كان معلوما. وإني بهذه المناسبة أسأل المولى أن يسدد خطاكم ويمنحكم التوفيق لإصابة الحق فيما تكتبون، وإنها لهمة عالية وعزم مبارك، أرجو أن يحقق الله لكم بذلك ما تريدون من إيضاح الحق بدليله، وكشف اللبس وإزاحة الشبهة، إنه جواد كريم. ويسرني أن أساهم في هذا العمل الجليل بما أشرتم إليه فأقول: قد دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دل على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، ومن ذلك قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣) وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما

стр. 2579

سأله جبرائيل عن الإيمان قال ﵊: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله، قال: صدقت (١) » الحديث، وهذا لفظ مسلم. وخرج مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبرائيل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان فأجابه بقوله: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره فقال له جبرائيل صدقت (٢) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقد ذكر العلماء ﵏ أن الإيمان بالقدر يجمع أربعة أمور: الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي وعلم مقاديرها وأزمانها وآجال العباد وأرزاقهم وغير ذلك، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. الثاني: من مراتب الإيمان بالقدر: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر، وطاعة ومعصية، وآجال وأرزاق، وغير ذلك، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٦) في آيات كثيرة سبق بعضها آنفا. وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار "، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون

стр. 2580

لعمل أهل الشقاوة (١) » ثم قرأ رسول الله ﵊ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٢) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (٣) الآيتين، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله بن مسعود المخرج في الصحيحين في ذكر خلق الجنين وأنه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. الأمر الثالث: من مراتب الإيمان بالقدر: أنه لا يوجد في ملكه ما لا يريد ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته. كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٤) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٦) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٩) وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠) والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، معلومة من كتاب الله، والإرادة في هذه الآية بمعنى المشيئة، وهي إرادة كونية قدرية، بخلاف الإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١١) ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١٢) ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١٣) فالإرادة في هذه الآيات الثلاث إرادة شرعية أو دينية، بمعنى المحبة، والفرق بين الإرادتين: الأولى: لا يتخلف مرادها أبدا بل ما أراده الله كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١٤) أما الإرادة الشرعية فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف. وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر

стр. 2581

الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق؛ لأنه قد أوضح الحجة والدليل، وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبينها، ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر، فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا؛ لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين، ومما يزيد المقام بيانا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل والله الموفق. الأمر الرابع من مراتب الإيمان بالقدر: أن الله هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال، فالجميع خلق الله سبحانه، وكل ذلك واقع بمشيئته وقدرته، فالعباد وأرزاقهم وطاعاتهم ومعاصيهم كلها خلق الله وأفعالهم، تنسب إليهم فيستحقون الثواب على طيبها والعقاب على خبيثها، والعبد فاعل حقيقة، وله مشيئة، وله قدرة قد أعطاه الله إياها، والله سبحانه هو خالقه وخالق أفعاله وقدرته ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) فلا يخرج شيء من أفعال العباد ولا غيرهم عن قدرة الله ولا عن مشيئته، فعلم الله شامل، ومشيئته نافذة، وقدرته كاملة، لا يعجزه سبحانه شيء، ولا يفوته أحد كما قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤)

стр. 2582

والعرش وما دونه من سماوات وأرضين وملائكة وبحار وأنهار وحيوان، وغير ذلك من الموجودات كلها وجدت بمشيئة الله وقدرته، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ولا شريك له في ذلك كله، كما أنه لا شريك له في عبادته ولا في أسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٥) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧) فالله سبحانه هو الخالق وما سواه مخلوق، وصفاته كذاته ليست مخلوقة، وكلامه من صفاته والقرآن الكريم من كلامه المنزل على رسوله ﷺ ، فهو كلام الله منزل غير مخلوق بإجماع أهل السنة، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة. وبما ذكرنا يتضح لطالب الحق أن مراتب القدر أربع من آمن بها وأحصاها فقد آمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر العلماء هذه المراتب في كتب العقائد، وأوضحوها بأدلتها، وممن ذكر ذلك باختصار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (العقيدة الواسطية) وذكرها وأوسع فيها الكلام تلميذه المحقق العلامة الكبير أبو عبد الله ابن القيم في كتابه: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وهو كتاب نفيس عظيم الفائدة نادر المثل أو معدومه ننصح بقراءته والاستفادة منه. والله أسأل سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة عليه، وأن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم. إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2583

نصيحة لحكام المسلمين وعلمائهم س: ما هي النصيحة الغالية لحكام وعلماء المسلمين وأنتم تمارسون الدعوة الإسلامية في أشرف أرض وفي أوسع نطاق؟

стр. 2584

ج: نصيحتي لحكام المسلمين أن يتمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأن يحكموها في الشعوب التي يتولون مسئوليتها تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) والآيات القرآنية في ذلك كثيرة. وبذلك تتحقق سعادة الشعوب الإسلامية وتستقر الأوضاع المتقلبة في العالم الإسلامي ويجد الحاكم والمحكوم بغيته من السعادة والطمأنينة والأمن ويفوز الجميع بالسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. أما نصيحتي لعلماء المسلمين فهي أن يبينوا للناس الحق بأقوالهم وأعمالهم، وأن يدعوا الناس إلى الله بإخلاص وشجاعة وأن لا يخافوا في ذلك لومة لائم؛ لأن عليهم مسئولية عظيمة، ولأنهم يعلمون ما لا يعلمه غيرهم. أسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجمع قلوب المسلمين قادة وشعوبا على ما يرضيه، وأن يعيذهم جميعا من شرور وسيئات أعمالهم وأن يهديهم صراطه المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2585

نصيحة لقادة الدول العربية

стр. 2586

حضرات أصحاب الجلالة والفخامة من قادة الدول العربية، وفقهم الله لما فيه رضاه وصلاح أمر عباده آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد: فبمناسبة هذا الاجتماع العظيم الذي تعلق عليه الشعوب العربية والأمة الإسلامية الآمال الكبيرة لإزالة آثار العدوان اليهودي، والقضاء على عصابات الصهاينة، واسترجاع الأرض السليبة من أيديهم، رأيت أنه من الحق علي نصحا لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ، ولكم أيها القادة، وإسهاما في الإصلاح العام، ومعذرة إلى الله أن أبعث إلى حضراتكم من الجامعة الإسلامية في بلد المصطفى ﷺ الوصايا التالية: -. أولا: تقوى الله في جميع الأمور والتواصي بالاستقامة على دينه، وتحكيم شريعته، والتحاكم إليها، ومحاربة ما خالفها من المبادئ والأعمال؛ لأنكم قادة العرب والمسلمين وبصلاحكم واجتماع كلمتكم على الهدى يصلح الله شعوبكم وسائر المسلمين إن شاء الله، وتعلمون جميعا أنه لا عزة لكم ولا منعة ولا هيبة ولا انتصارا محققا ومضمونا على الأعداء إلا بالتمسك بالإسلام وتحكيمه، والتحاكم إليه، كما جرى على ذلك سلفكم الصالح، فأيدهم الله، ونصرهم كما وعدهم سبحانه في قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وفي الإسلام حل لجميع المشاكل وإصلاح لجميع الشئون، وتحقيق العدالة بين الجميع بأكمل معانيها إذا صلح القصد وبذلت الجهود ووسدت الأمور إلى أهلها. ثانيا: التسامح وصفاء القلوب وتوحيد الصف واتفاق الكلمة على هدف

стр. 2587

واحد وهو اتباع الشريعة وترك ما خالفها والعمل على إزالة أثر العدوان اليهودي، والقضاء على ما يسمى بدولة إسرائيل نهائيا، وتكاتف جميع الجهود والقوى لهذا الغرض النبيل، مع الاستعانة بالله والاستنصار به في ذلك؛ عملا بقول الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) وما جاء في هذا المعنى من الآيات والأحاديث. ثالثا: تكوين جيش مشترك قوي موحد مجهز بأكمل الأسلحة الممكنة تحت قيادة موحدة أمينة مرضية من الجميع، تستند إلى مجلس شورى مكون من وزراء الدفاع وأركان الجيش في جميع الدول العربية، ومن أحب أن ينضم إليها من الدول الإسلامية ليسير المجلس في جميع شئونه على قواعد ثابتة وأسس مدروسة من الجميع؛ رجاء بأن يحقق الغرض المطلوب، ولا يخفي على حضراتكم ما في هذا المجلس من الخير العظيم والحيطة والسير على هدي الشريعة وتعاليمها الحكيمة، والعمل بقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣) وقوله سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٤) رابعا: الحياد التام وعدم الانحياز إلى كتلة شرقية أو غربية وبذل الجهود على أن تكونوا كتلة مستقلة تستفيد من خبرات غيرها وسلاحه، من غير انحياز أو تدخل من الغير في شئونها الداخلية أو الخارجية، ولا يخفى أن هذا الحياد أقرب إلى السلامة في الدين والدنيا، وأكمل في العزة والكرامة والهيبة، وأسلم من تدخل الأعداء في شئونكم، والاطلاع على أسراركم، وقد صح «عن رسول الله ﷺ أنه قال لرجل أراد أن يغزو معه يوم بدر: هل أسلمت؟ قال: لا، قال: ارجع؛ فلن نستعين بمشرك (٥) » مع أنه ﷺ استأجر دليلا مشركا في طريق الهجرة واستعار من بعض المشركين دروعا يوم حنين، فدل ذلك على أن الاستعانة بسلاح الأعداء والاستفادة من خبرتهم لا مانع منهما وليستا بداخلتين في الاستعانة التي نفاها النبي ﷺ في الحديث السابق إذا لم يكن لهم

стр. 2588

دخل في شئوننا ولا مشاركة في الجيش. هذا ما بدا لي عرضه على حضراتكم على سبيل الإشارة والإيجاز، والله المسئول أن يصلح قلوبكم وأعمالكم، ويسدد خطاكم، ويجمع كلمتكم على ما فيه سعادتكم وسعادة المسلمين جميعا، وانتصاركم على عدوكم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2589

نصيحة عامة (١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فهذه نصيحة أقدمها لإخواني في الله للتذكير بحقه والدعوة إلى طاعته عملا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٧) » . رواه مسلم. وأعظم ما أوصيكم به ونفسي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، وهي وصية الله ووصية رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٨) وقال النبي ﷺ لأصحابه في خطب كثيرة: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة (٩) » وحقيقة التقوى فعل ما أوجب الله من الطاعة واجتناب ما حرم الله من المعصية، وقد أمر الله بالتقوى ووعد أهلها بتفريج الكروب وتيسير الأمور وغفران السيئات وإعظام الأجر والرزق، من حيث لا يحتسبون، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (١١) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (١٥)

стр. 2590

وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) والآيات في الأمر بالتقوى والحث عليها وبيان ما أعد لأهلها من الخير الكثير كثيرة معلومة. فالواجب علينا وعليكم أيها الإخوة في الله تقوى الله في السر والعلانية والشدة والرخاء، وذلك بفعل ما أوجب الله عليكم من الصلاة والزكاة وغير ذلك من الطاعات، وترك ما حرم الله عليكم من جميع الذنوب والمنكرات، فمن فعل ما أوجب الله عليه، واجتنب ما نهاه الله عنه؛ رغبة في ثواب الله وحذرا من عقابه، فهو من المتقين الموعودين بالنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة. وأعظم ما يجب على العبد إخلاص العبادة لله وحده وترك الشرك كله، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥) وهذا معنى لا إله إلا الله؛ لأن معناها بإجماع أهل العلم لا معبود حق إلا الله، كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٦) فمن صلى لغير الله أو صام لغير الله أو سجد لغير الله أو دعا غير الله كالأموات والأشجار والأحجار ونحو ذلك، فقد أشرك بالله وأبطل قول لا إله إلا الله، كذلك من ذبح لغير الله كالذين يذبحون للأولياء والجن والزيران تقربا إليهم أو خوفا من شرهم، فكل هذا من الشرك الذي حرمه الله وتوعد أهله بالنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (٨) والنسك هو الذبح، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٩) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١١)

стр. 2591

وقال النبي ﷺ : «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار (١) » وقال النبي ﷺ «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٢) » وقال النبي ﷺ «لعن الله من ذبح لغير الله (٣) » ومن الشرك الأصغر الرياء والحلف بغير الله كالحلف بالكعبة، والحلف بالنبي ﷺ ، والحلف بالأمانة وغير ذلك من المخلوقات؛ لقول النبي ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله ما هو؟ قال: الرياء (٤) » وقال النبي ﷺ «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٥) » متفق عليه وقال ﵊ «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٦) » رواه أبو داود والترمذي، وحديث ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح، وروى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك (٧) » وقال ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا (٨) » . والأحاديث في النهي عن الحلف بغير الله والترهيب في ذلك كثيرة فالواجب على جميع المسلمين الحذر والتحذير من ذلك وتخصيص الله سبحانه بالحلف مع تحري الصدق في ذلك؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به، والله سبحانه هو المستحق لكل تعظيم وإجلال. ومن أنواع الشرك الأصغر: قول: (ما شاء الله وشئت يا فلان) ، (وهذا من الله ومنك) ، (لولا الله وأنت) ، (ولولا الله وفلان) ، وهذا كله من الشرك الأصغر؛ لقول النبي ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان (٩) » وقال ابن عباس في قول الرجل لصاحبه: (ما شاء الله وشئت) ، (ولولا الله وفلان) : هذا كله بالله شرك «وقال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ ما شاء الله وحده (١٠) » فالواجب على كل مسلم أن يتفقه في دينه، وأن يحذر الشرك كله قليله وكثيره وصغيره وكبيره، وأن يتفقه في الدين، ويسأل عما أشكل عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١١)

стр. 2592

وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » . ومن المنكرات الشركية أيضا: السحر والكهانة والتطير وتعليق التمائم، سواء كانت من القرآن أو غيره، والرقى التي فيها شرك، والتي لا يعرف معناها. وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٣) » وروى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه (٤) » وقال ﷺ : «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٥) » ﷺ ، وروى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاته أربعين ليلة (٦) » وقال ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٧) » وقال النبي ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٨) » رواه مسلم. والرقى التي لا يعرف معناها يجب تركها والنهي عنها مخافة أن يكون فيها شرك، وروى الإمام أحمد ﵀ عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (٩) » وفي رواية له: «ومن تعلق تميمة فقد أشرك (١٠) » وقال ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : «الطيرة شرك الطيرة شرك (١١) » وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك (١٢) » والأحاديث في التحذير من الكهانة والسحر والطيرة والترهيب من سؤال الكهان والسحرة وتصديقهم كثيرة، فالواجب على المسلم الحذر من هذه المنكرات

стр. 2593

وإنكارها على من تعاطاها؛ حذرا من عقاب الله وطلبا لثوابه وامتثالا لأوامر رسوله ﷺ . ومن أعظم المنكرات التي يجب تركها والتحذير منها: ترك الصلاة والتهاون بها وعدم أدائها في الجماعة، وقد قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٣) » وقال ﵇: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٤) » وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (٥) » . ومن أهم واجبات الصلاة وإظهار شعائر الإسلام: أداء الصلاة في المساجد في الجماعات كما كان النبي ﷺ وأصحابه يفعلون ذلك، وصح عنه ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم (٦) » وقال ﵇: «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر (٧) » وقال ابن مسعود ﵁: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافط على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة خطاها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط بها عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم.

стр. 2594

وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العظيم أن التكاسل عن الصلوات من صفات أهل النفاق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وقال تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٢) وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا (٣) » . فالواجب علينا وعليكم أيها المسلمون المحافظة على الصلوات الخمس في المساجد، والتناصح في ذلك، والإنكار على من تخلف عنها وهجره وترك مجالسته؛ حتى يتوب اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه وتباعدا عن مشابهة المنافقين الذين توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار. نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية والتوفيق لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يمن علينا بخشيته ومراقبته، وأن ينصر دينه ويخذل أعداءه، وأن يوفق ولاة أمرنا وسائر أمراء المسلمين لما يرضيه، ويصلح بطانتهم، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن آمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 2595

نصيحة موجهة إلى الملك فيصل بن عبد العزيز للدعوة إلى الله من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة جلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز وفقه الله لكل خير وبارك في حياته آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: -. بعده: حفظكم الله لا يخفي على جلالتكم مركزكم العظيم الذي هو محط آمال المسلمين بعد الله ، وذلك بسبب ولايتكم لقبلة المسلمين ومهاجر الرسول الأعظم ﷺ . فمن هذه البقاع المباركة شع نور الرسالة، فأضاء الكون، ومزق أستار الظلام، ومن هذه البقاع المقدسة حمل الرعيل الأول مشعل الهداية إلى العالم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله فدان لهم سكان الأرض وساد الإسلام. أقول: إنه بحكم ولايتكم لهذه البقاع المقدسة وميراثكم لتراث الأسلاف الكرام فإنه يتحتم عليكم ولا شك حمل راية الدعوة إلى هذا الدين القويم وراية الجهاد في سبيل الله حيث أمكن، وقد فعلتم ذلك مشكورين، فالحمد لله على توفيقكم لذلك. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين تحذيرا للأمة من كتمان الحق وتشجيعا على الجهاد والدعوة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) وقال جل وتقدس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وقال النبي ﷺ في خطبته يوم الحج الأكبر: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب (٥) »
следующие страницы →