← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

توجيهات للأئمة والدعاة ورجال الحسبة الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله ؛ من خطباء المساجد، وأئمة المساجد، ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعة من الدعاة إلى الله ، وجماعة من إخواننا أيضا ممن يحب الخير ويحب أن يسمع الموعظة، وهذه من نعم الله أشكر الله عليها، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم. ثم لقد سمعت هذه الكلمات الطيبة التي تفضل بها أصحاب الفضيلة: الشيخ حسن الحجاجي مدير عام فرع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بمنطقة مكة المكرمة، والشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام، والشيخ أحمد بن موسى السهلي رئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمحافظة الطائف، والشيخ فراج بن علي العقلا مدير عام فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة. كلها كلمات بحمد الله جيدة ومفيدة، وأنا أؤيد ما فيها، وجميع

стр. 3572

ما ذكره المشايخ الأربعة كلمات مفيدة - والحمد لله - وواقعة في محلها، وأنا أؤيد جميع ما ذكره المشايخ، وخاصة ما ذكره الشيخ حسن الحجاجي. لا شك أن الواجب على الوزارة وفقها الله وإدارة الشئون الإسلامية، الواجب عليهما العناية بالمساجد والأئمة والخطباء وأوقاف المسلمين في هذه المملكة، لا شك أن الواجب عليهما عظيم، ونسأل الله أن يزيدهما من التوفيق، ونسأل الله أن يكثر أعوانهما في الخير. الواجب عظيم والحاجة ماسة إلى مضاعفة الجهود فيما يتعلق بالدعاة وتكثيرهم، وتوصيتهم، وتحريضهم على القيام بالواجب في تبليغ دعوة الله إلى عباد الله في المساجد، والجوامع، والسجون، وفي غير ذلك. الدعاة إلى الله جل وعلا عليهم أن يحرصوا على بذل الدعوة حيث أمكن ذلك؛ في المسجد، وفي المدرسة، وفي السجن، وفي أي مكان يتيسر لهم، وأن يعتنوا بهذا الأمر في الحاضرة والبادية، وفي الباخرة، وفي السيارة، وفي الطائرة، أينما كانوا، الدعاة لهم شأن عظيم، هم خلفاء الرسل، وهكذا جميع علماء الشريعة، والدعاة من خواص العلماء، والله بعث الرسل ليدعو إلى الحق ويبشروا وينذروا، وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم نبينا محمد ﵊. فالواجب على العلماء وفقهم الله، وعلى الدعاة بوجه خاص، وعلى القضاة - الواجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يبلغوا دعوة الله حسب الطاقة والإمكان كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)

стр. 3573

وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فعلى الداعي أينما كان والقاضي أينما كان وعلى كل من لديه علم، أن يتقي الله ويبلغ حسب طاقته وحسب علمه، والواجب أن يحذر أن يدعو إلى الله بغير علم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) الواجب على كل داعية وعالم وقاض ومرشد - الواجب عليهم أن يتقوا الله، وأن لا يقولوا بغير علم، ولا يتكلموا إلا عن بصيرة وعن علم؛ حتى لا يضلوا الناس، وحتى يبلغوا الناس دعوة الله وأحكام الله على بصيرة، وأن يصبروا على الأذى في ذلك. الواجب على الداعي إلى الله أن يتأدب بالآداب الشرعية التي قال فيها سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) فالحكمة: هي العلم بما قال الله ، وقال رسوله ﷺ ، مع وضع الأمور في مواضعها، فيتحرى ويضع الأمور في محلها والكلمة في محلها مع ذكر الدليل، قال الله ، قال الرسول ﷺ ، مع الترغيب والترهيب عند الحاجة. هكذا الداعي إلى الله، وهكذا العالم في دروسه وفي دعوته إلى الله ، وإن كان غير معين من جهة ولاة الأمور للدعوة، لكنه مأمور من جهة الله؛ ليعالج الأمور بالدعوة إلى الله، سواء كان معينا من جهة ولاة الأمور أم لا. والواجب على العلماء أن يقوموا بهذه المهمة، هذه مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي مهمة العلماء أيضا، فالواجب على الجميع أن يدعو إلى الله، وأن يبشروا الناس وينذروهم بالحكمة والرفق، وبالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، ولا بالتشهير بأحد، قال فلان: كذا، أو فعل فلان كذا، فالمقصود: بيان الحق والدعوة

стр. 3574

إلى الحق، الدعوة إلى الالتزام بما شرع الله وبما أوجب الله، والحذر مما حرم الله ومما وقع في الناس من الشر، فعلى الداعي إلى الله أن يحذر من الشر من دون بيان أنه فعل فلان كذا، وفعل فلان كذا، أو فعلت الدولة كذا، الواجب بيان المنكر والتحذير منه، وبيان الواجب والدعوة إليه، والدعاء لولاة الأمور وللمسلمين جميعا بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل مع الرفق في كل شيء؛ لقول النبي ﷺ : «لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (١) » ، ويقول ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٢) » . والأصل في هذا: قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) وقال الله جل وعلا لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤) فالواجب على الدعاة الصبر والاحتساب، وتحري الحق، والعناية بالأدلة الشرعية والألفاظ الحسنة في دعوتهم، والرفق بالناس مهما أمكن إلا الظالم؛ فإن الظالم له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٥) فالظالم له شأن آخر يعامل بما يقتضيه ظلمه وردعه عن ظلمه، لكن في الجملة: الداعي إلى الله يتحرى الكلمات الطيبة، ويتحرى الدعوة بالحكمة، والكلام الطيب، والترغيب والترهيب، ويتجنب كل شيء يسبب الفرقة والاختلاف، ويسبب أيضا الوحشة بينه وبين الإخوان. الواجب على الداعي وعلى العالم أن يتحرى الألفاظ المناسبة،

стр. 3575

وأن يرفق في أمره كله، وأن يحرص على الإخلاص لله بأن يكون هدفه إيصال دعوة الله إلى عباد الله، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه، لا لرياء ولا سمعة، ولا عن فخر وخيلاء، ولكن يريد وجه الله والدار الآخرة، ثم يريد بعد ذلك نفع الناس، وإصلاح أوضاعهم، وتقريبهم من الخير وإبعادهم عن الشر، وجمع كلمتهم على الحق، هذا هو المقصود من الداعي والعالم، وهو مقصود الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالمقصود: إيضاح الحق للناس وبيان ما أوجب الله وما حرم الله، وترغيبهم في الخير وتحذيرهم من الشر، وجمع كلمتهم على تقوى الله ودينه، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) هكذا جاء القرآن وجاءت السنة، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢) ويقول : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) فالواجب على الدعاة إلى الله جل وعلا أن يعتنوا بالدعوة، وأن يصبروا، وأن يتحروا الرفق والكلمات الواضحة، وأن يحرصوا على جمع الكلمة وعلى تجنب أسباب الفرقة والاختلاف، لا مع الشباب ولا مع الشيب ولا مع الدولة ولا مع غيرها. الواجب تحري الحق وتحري العبارات الحسنة التي توضح الحق وترشد إليه وتمنع من الباطل، مع الرفق في كل الأمور واجتناب أسباب الفرقة والاختلاف إلا من ظلم، أما من ظلم فله شأن آخر مع الهيئة ومع القضاة ومع ولاة الأمور، الظالم له شأنه وله حكمه، لكن في الجملة: الواجب هو تحري الحق والدعوة إليه، كما قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٤)

стр. 3576

يعني: بما قال الله ، أو قال الرسول ﷺ ، مع تحري الوقت المناسب والكلمات المناسبة، ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) يعني: الترغيب والترهيب بالعبارات الحسنة، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) عند الشبهة، وعند الخلاف، يكون الجدال بالتي هي أحسن، هكذا أمر جل وعلا ونهى بقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) فالواجب على الدعاة وعلى العلماء وعلى كل ناصح أن يتحرى الحكمة والحق والرفق مع أهله ومع أولاده ومع جيرانه، ومع المسلمين عموما في دعوته إلى الله وإرشاده أينما كان، ولا سيما فيما يتعلق بالشرك، فإن الأمر عظيم، التوحيد والشرك هما أهم الأمور وأعظمها، والتوحيد هو أصل الدين. فالواجب في هذا الأمر العناية بإيضاح الحق للناس في توحيد الله وإرشادهم إلى الالتزام به، وتحذيرهم من الشرك كله، دقيقه وكثيره، بالعبارات الحسنة الواضحة؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده علم يتأثر بكل شيء، فالواجب الرفق به، حتى يتبصر ويتعلم ويعرف دين الله، وهكذا من أسلم جديدا يراعى ويلاحظ الرفق به حتى يتفقه في الدين، وهكذا عامة الناس يرفق بهم لكي يتبصروا ويتعلموا ويعرفوا دين الله، ويعرفوا توحيد الله والإخلاص له، ويعلموا أن الواجب هو تخصيص الله بالعبادة: من الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والذبح والنذر. . وغير ذلك من أنواع العبادة. وكثير من الناس يصرف هذه العبادات لأصحاب القبور، أو للجن، أو للشجر والحجر في بلدان كثيرة، فالواجب على الدعاة إلى الله - ولا سيما في المواضع التي يكثر فيها الجهلة، ويكون فيها من قد يدعو غير الله - أن يوضحوا الأمر لهم، وأن يصبروا على الأذى في ذلك، وأن يتحروا

стр. 3577

الرفق والعبارات الواضحة والألفاظ البينة؛ حتى يفهم المخاطب ما يريده الداعية، وحتى يرجع عما هو عليه من الباطل، وحتى يسأل عما أشكل عليه، وتجاب مسألته بما يتضح له به الأمر، ثم الدعوة إلى الصلاة بعد ذلك والزكاة والصيام والحج بعدما يوضح له أمر الشهادتين، فالشهادتان هما الأهم، ثم بعد ذلك الصلاة والزكاة، والصلاة أمرها عظيم؛ فهي عمود الإسلام، والواجب أن يعتني بها العناية العظيمة في كل مكان بعد إفهام الناس التوحيد والشرك، وما يتعلق بالصلاة بعد الشهادتين، فالصلاة الآن لا يخفى على كل من لديه علم ما وقع فيها من التساهل من كثير من الناس. فالواجب على الدعاة أن يعتنوا بالصلاة، وأن يحرضوا الناس على المبادرة إليها والمحافظة عليها في الجماعة في مساجد الله، وهكذا مع النساء في البيوت ومع الأولاد، كل إنسان يعتني بأولاده، بذكورهم وإناثهم، ويعتني بزوجته، ويعتني بأخواته وإخوانه، ويعتني بجيرانه في كل شيء، ولكن أهم شيء الصلاة بعد الشهادتين من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، يقول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (١) » ، ويقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » ، ويقول ﵊: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة (٣) » . ويقول عمر ﵁ فيما يكتب لعماله: (إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع) . والله ولي التوفيق، وهو المسئول أن يصلح أحوالنا جميعا ويهدينا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

стр. 3578

كلمة بمناسبة مسابقة حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية بالقصيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد: فإن الله تعالى قد بعث محمدا ﷺ بالحق، وعلمه الكتاب والحكمة، أي: القرآن والسنة، كما في الحديث الذي رواه أهل السنن بسند صحيح، أنه ﷺ قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (١) » . فالقرآن والسنة هما الأصلان اللذان عليهما مدار الأحكام، ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن قيض لها من يحفظ عليها أمر دينها. فمنذ العصور الأولى والأمة تعتني بالقرآن حفظا ومدارسة وفهما وتأملا وتفسيرا وتعلما وتعليما وإلى اليوم، والحمد لله على ذلك. فهذه المدارس القرآنية والجمعيات الحكومية والخيرية التي تربي النشء على حفظ كتاب الله وفهمه، والعمل به مما يسر كل مسلم، وإن مما يضاعف الفرحة أن نجد إقبال حفاظ القرآن وغيرهم على التففه في الأمور الشرعية، ودراسة السنة النبوية وحفظها وتعلمها وتعليمها. فإن هذه الدروس العلمية المقامة في المساجد في سائر المناطق في منطقة القصيم وغيرها لتعليم الحديث والفقه والتفسير؛ هي من رياض الجنة التي قال فيها النبي ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر (٢) » .

стр. 3579

وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أن الملائكة تتداعى إليها. فنحمد الله على وجودها وكثرتها وكثرة المقبلين عليها، ونسأل الله أن يبارك في عمل القائمين عليها، ويضاعف مثوبتهم ويرزقهم الإخلاص في ذلك، وأن يجزيهم خير الجزاء. وإن مما ينبغي الإشادة به الاهتمام بالسنة النبوية في هذا الوقت، الذي كثر فيه الإعراض عنها والاعتراض عليها من بعض الجهلة، أو من أهل البدع أو غيرهم. فالعمل على نشر السنة واجب، وتعليمها من أفضل القربات وأجل الطاعات، وقد كان السلف الصالح يحرصون على تعليم الطلبة شيئا من السنة النبوية، ويحرصون على حفظها في الصدور، وعدم الاكتفاء بالكتب والمصنفات، خاصة ما يتعلق بمتون الأحاديث، وجوامع الألفاظ. وقد سرني كثيرا ما قام به الإخوة في اللجنة العلمية، ومكتب الدعوة في القصيم من رعاية الدروس وتنظيمها والإشراف عليها؛ لحمايتها من الإفراط والتفريط، ومن الغلو والجفاء، والسير بها إلى الطريق المستقيم، فالحمد لله على ذلك كثيرا، وشكر الله لأصحاب الفضيلة القائمين على مشروع حفظ القرآن والسنة والتفقه في الدين جهدهم وعنايتهم، حيث حفظوا الطلاب وبذلوا لهم من الوقت والجهد الشيء الكثير، ثم أجروا لهم الاختبارات والمسابقات لحفز هممهم على طلب العلم، فضلا عما يقومون به من طباعة الكتب المفيدة وتوزيعها، وغير ذلك من الأعمال النافعة، فجزاهم الله على ذلك كله خير الجزاء، وأفضله وأوفاه.

стр. 3580

وإنها سنة حسنة محمودة، أن يشجع الطلاب على الحفظ، وتجرى لهم الاختبارات، ويعطون الإعانات والجوائز التشجيعية على ذلك؛ دفعا لهم ولغيرهم إلى الخير، فهو عمل طيب مبارك مشكور. وإنني أدعو الإخوة المشايخ وطلبة العلم في سائر المناطق إلى القيام بمثل هذه الأعمال النافعة من تربية النشء على القرآن والسنة علما وعملا، ونرجو أن نسمع في المستقبل عن أعمال خيرية كثيرة من جنس هذه الأعمال، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٣) » . رواه البخاري في صحيحه، ويقول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » . متفق على صحته. وإنني بهذه المناسبة أوصي جميع الطلبة، وجميع المعلمين بتقوى الله سبحانه، وإخلاص النية والصدق في العمل، كما أحثهم على مواصلة الطلب، وعدم الملل أو العجز، وعلى أن يجمعوا بين العلم والعمل، فإن العمل هو ثمرة العلم، وعليهم بالإقبال على القرآن والإكثار من تلاوته ومدارسته، وتفهم معانيه؛ فإنه أصل العلوم وأساسها، كما أحث أولياء الأمور على تشجيع أبنائهم المنتسبين إلى هذه الحلقات وتسهيل أمورهم، وحثهم على ذلك. وإنني أشكر كل من ساهم في تيسير أمر هذا الاجتماع المبارك من المسئولين والتجار والمشايخ وغيرهم.

стр. 3581

فجزى الله الجميع خيرا، كما أدعو الجميع إلى المزيد من المساهمة في دعم هذا المشروع النافع دعما ماديا ومعنويا، فإنه بحسب ما يتوفر من الإمكانات والتسهيلات يكون نجاح العمل واستمراره، وقد جاء في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (١) » . نسأل الله للجميع التوفيق والهداية والسداد، وصلاح القول والعمل، والظاهر والباطن، والله تعالى ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 3582

إيضاح وتكذيب حول مسألة تلبس الجني بالإنسي . الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فلقد اطلعت على ما نشرته صحيفة (المسلمون) ، في عددها الصادر في يوم الجمعة ٣\٨\ ١٤١٦ هـ من الأسئلة الموجهة إلى علي بن مشرف العمري، وأجوبته عنها، وهذا نص ما ذكرته الصحيفة: القرآن ليس شفاء لجميع الأمراض العضوية والنفسية. ابن باز شيخي وأقرني على مذهبي الجديد. أتحدى معالجة السرطان بالقرآن س: هل تعتبر جريان الشيطان من ابن آدم الوارد في الحديث جريانا غير حسي؟ ج: نعم، فعندنا نصوص تدل على هذا، ثم هو استعارة كما قال العلماء، فالحديث الوارد لا يفيد الجريان الحسي، ولو سلمنا جدلا بأنه جريان حسي، فهو خاص بالموسوس؛ لأن الرسول ﷺ قاله في الموسوس. س: إذن ما زلت تصر على أن الجني لا يمكن أن يتلبس بإنسي بأي حال من الأحوال؟ ج: أبدا لا يمكن أن يتلبس الجني بالإنسي. س: إذا أنت لا تعترض إلا على من يقرأ على من به جني؟ ج: نعم. أنا لما كنت في أبها ألقيت محاضرة بذلك، وكنت في

стр. 3583

أبها قبلها، وقد ناقشت البعض فكان يرى عدم التلبس وأراه، ولما عدت لرأيه ألقيت المحاضرة في أبها وكتب عنها، فعندها الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله لما سمع بذلك استغرب وتأثر لما سمع بهذا، فاستدعاني، فذهبت إليه بالطائف فقلت له: يا شيخ، أريدك تستمع إلى ما توصلت إليه - والشيخ حفظه الله رجل عاقل وحبيب وعالم جليل - فاستمع إلى ما قلت من أوله إلى آخره، فقال لي: والله الحق معك، ويجب أن تسير على هذا المنهج ولا تبالي بأحد. س: قال لك: الحق معك. أي: أن الجني لا يتلبس بالإنسي؟ ج: الموضوع ككل لما شرحته له، فخرجت من عند الشيخ ابن باز وكتبت في الصحف: (إخراح الجني من بدن الإنسان ادعاء كاذب) ، فالشيخ ابن باز لديه خلفية، ولو خالفني لرد علي في هذا الموضوع، ولكني بعد أن استوثقت من سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله، وأنه قال لي: (اكتب هذه المعلومات) ، فبدأت بهذا الموضوع. هذه خلاصة ما ذكرته الصحيفة عن علي المذكور في عددها في التاريخ المذكور. فأقول: إن ما ذكره عني علي المذكور من تصحيح مذهبه، قول باطل وكذب لا أساس له من الصحة، وقد نصحته حين اجتمع بي منذ سنة أو أكثر أن يفصل القول في ذلك، وأن يعترف بتلبس الجني بالإنسي كما هو الحق الذي أجمع عليه العلماء، ونقله أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن جميع أهل العلم، كما في الفتاوى (ج ١٩ من ص ٩ إلى ص ٦٥) ، وقد أوضحت لعلي المذكور: أنه ليس كل ما يدعيه الناس من تلبس

стр. 3584

الجني بالإنسي صحيحا، بل ذلك تارة يكون صحيحا في بعض الأحيان، ويكون غير صحيح في أحيان أخرى؛ بسبب أمراض تعتري الإنسان في رأسه تفقده الشعور فيعالج ويشفى، وقد لا يشفى ويموت على اختلال عقله، وقد يختل العقل بأسباب ووساوس كثيرة تعتري الإنسان، فالواجب: التفصيل، وقد أوضح ذلك ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد) ، وقد حصل لشخص من سكان الدلم - حين كنت في قضاء الخرج - خلل في عقله فلما عرض على المختصين ذكروا أن سبب ذلك فتق في الرأس فكوي وبرئ من ذلك بإذن الله. وهذا نص كلام شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى في المجلد المذكور، قال ما نصه بعد كلام سبق: (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة؛ كالجبائي، وأبي بكر الرازي، وغيرهما دخول الجني في بدن المصروع، ولم ينكروا وجود الجن، إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول ﷺ كظهور هذا، وإن كانوا مخطئين في ذلك، ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الجني يدخل في بدن المصروع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) الآية. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: إن قوما يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي، فقال: يا بني، يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه، وهو مبسوط في موضعه) (٢) . وقال أيضا ﵀، في المجلد الرابع والعشرين من الفتاوى (ص ٢٧٦، ٢٧٧) ما نصه: (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة

стр. 3585

رسوله ﷺ واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (٢) » ... إلى أن قال ﵀: وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك. .) إلخ. وبما ذكرنا يعلم بطلان ما ذهب إليه علي المذكور من إنكار دخول الجني في بدن الإنسان، ويعلم كذب علي في دعواه أني صدقته في ذلك وصححت مذهبه، وقد كتبت في ذلك ردا على من أنكر دخول الجني في بدن الإنسي منذ سنوات، ونشر ذلك في كتابي: (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة) ، في المجلد الثالث (ص ٢٩٩-٣٠٨) فمن أحب أن يطلع عليه فليراجعه في محله المذكور. وأما قول علي المذكور: لو أنكر علي لرد علي، فجوابه: أنه ليس كل ما نشر في الصحف من الأخطاء أطلع عليه؛ لكثرة ما ينشر في الصحف، وكثرة مشاغلي عن الاطلاع على ذلك، والله ولي التوفيق، ونسأله سبحانه أن يحفظنا من الخطأ والزلل في القول والعمل. وأما إنكار علي المذكور كون القرآن الكريم شفاء لبعض الأمراض البدنيه فهو أيضا قول باطل، وقد أوضح الله سبحانه أن كتابه شفاء في

стр. 3586

كتابه العظيم، فقال سبحانه في سورة بني إسرائيل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١) وقال سبحانه في سورة فصلت: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) الآية. والآيتان الكريمتان المذكورتان تعمان شفاء القلوب وشفاء الأبدان، ولكن لحصول الشفاء بالقرآن وغيره شروط وانتفاء موانع في المعالج والمعالج، وفي الدواء، فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع حصل الشفاء بإذن الله، كما قال النبي ﷺ : «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله (٣) » رواه مسلم. وكثير من الناس لا تنفعه الأسباب ولا الرقية بالقرآن ولا غيره؛ لعدم توافر الشروط، وعدم انتفاء الموانع، ولو كان كل مريض يشفى بالرقية أو بالدواء لم يمت أحد، ولكن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، فإذا أراد ذلك يسر أسبابه، وإذا لم يشأ ذلك لم تنفعه الأسباب، وقد ثبت عنه ﷺ في حديث عائشة ﵂ «أنه كان إذا اشتكى شيئا قرأ في كفيه عند النوم سورة: وسورة: وسورة: ثلاث مرات، ثم يمسح بهما على ما استطاع من جسده في كل مرة بادئا برأسه ووجهه وصدره (٧) » . وفي مرض موته ﵊ كانت عائشة ﵂ تقرأ هذه السور الثلاث في يديه ﵊ ثم تمسح بهما رأسه ووجهه وصدره رجاء بركتهما، وما حصل فيهما من القراءة، فتوفي ﷺ في مرضه ذلك؛ لأن الله

стр. 3587

سبحانه لم يرد شفاءه من ذلك المرض؛ لأنه قد قضى في علمه سبحانه وقدره السابق أنه يموت بمرضه الأخير ﵊، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل أو شرطة محجم أو كية نار، وما أحب أن أكتوي (١) » . ومعلوم أن كثيرا من الناس قد يعالج بهذه الثلاثة ولا يحصل له الشفاء؛ لأن الله سبحانه لم يقدر له ذلك، وهو سبحانه الحكم العدل، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وفي الصحيحين أن ركبا من الصحابة ﵃ مروا على قوم من العرب وقد لدغ سيدهم، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه، فسألوا الركب المذكور: هل فيكم راق؟ فقالوا: نعم، وشرطوا لهم جعلا على ذلك، فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب فشفاه الله في الحال، وقام كأنما نشط من عقال، فقال الذي رقى لأصحابه: لا نفعل شيئا في الجعل حتى نسأل النبي ﷺ وكان أصحاب اللديغ لم يضيفوهم؛ فلهذا شرطوا عليهم الجعل - فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه بما فعلوا، فقال: «قد أصبتم واضربوا لي معكم بسهم (٢) » ، ففي هذا الحديث الرقية بالقرآن، وقد شفى الله المريض في الحال، وصوبهم النبي ﷺ في ذلك، وهذا من الاستشفاء بالقرآن من مرض الأبدان. وقد أخبر الله سبحانه في آية أخرى في سورة يونس أن الوحي شفاء لما في الصدور، وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وكون القرآن شفاء لما في الصدور لا يمنع كونه شفاء لمرض الأبدان،

стр. 3588

ولكن شفاءه لما في الصدور أعظم الشفائين وأهمهما، ومع ذلك فأكثر الناس لم يشف صدره بالقرآن ولم يوفق للعمل به، كما قال سبحانه في سورة سبحان: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١) وذلك بسبب إعراضهم عنه وعدم قبول الدعوة إليه. وقد قام النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يعالج المجتمع بالقرآن ويتلوه عليهم ويدعوهم إلى العمل به، فلم يقبل ذلك إلا القليل، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فالقرآن شفاء للقلوب والأبدان، ولكن لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله شقاوته فإنه لا ينتفع بالقرآن ولا بالسنة ولا بالدعاة إلى الله سبحانه؛ لما سبق في علم الله من شفائه وعدم هدايته، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) الآية، وقال سبحانه: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٦) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٨) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهكذا الأحاديث الصحيحة.

стр. 3589

وأما تأويل علي بن مشرف الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (١) » بأنه على سبيل الاستعارة، كما حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح عن بعضهم، أو أن ذلك بالنسبة لبعض الموسوسين، كما قاله علي المذكور، فهو قول باطل، والواجب: إجراء الحديث على ظاهره وعدم تأويله بما يخالف ظاهره؛ لأن الشياطين أجناس لا يعلم تفاصيل خلقتهم وكيفية تسلطهم على بني آدم إلا الله سبحانه، فالمشروع لكل مسلم: الاستعاذة به سبحانه من شرهم، والاستقامة على الحق، واستعمال ما شرعه الله من الطاعات والأذكار والتعوذات الشرعية، وهو سبحانه الواقي والمعيذ لمن استعاذ به ولجأ إليه، لا رب سواه، ولا إله غيره، ولا حول ولا قوة إلا به. ونسأل الله سبحانه أن يثبتنا على دينه، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من اتباع الهوى ونزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3590

السحر وأنواعه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن السحر من الجرائم العظيمة، ومن أنواع الكفر، ومما يبتلى به الناس قديما وحديثا في الأمم الماضية، وفي الجاهلية، وفي هذه الأمة، وعلى حسب كثرة الجهل، وقلة العلم، وقلة الوازع الإيماني والسلطاني - يكثر أهل السحر والشعوذة، وينتشرون في البلاد للطمع في أموال الناس والتلبيس عليهم، ولأسباب أخرى، وعندما يظهر العلم ويكثر الإيمان، ويقوى السلطان الإسلامي يقل هؤلاء الخبثاء وينكمشون، وينتفلون من بلاد إلى بلاد لالتماس المحل الذي يروج فيه باطلهم، ويتمكنون فيه من الشعوذة والفساد. وقد بين الكتاب والسنة أنواع السحر وحكمها. فالسحر سمي سحرا؛ لأن أسبابه خفية، ولأن السحرة يتعاطون أشياء خفية يتمكنون بها من التخييل على الناس والتلبيس عليهم، والتزوير على عيونهم، وإدخال الضرر عليهم، وسلب أموالهم إلى غير ذلك، بطرق خفية لا يفطن لها في الأغلب، ولهذا يسمى آخر الليل: سحرا؛ لأنه يكون في آخره عند غفلة الناس وقلة حركتهم، ويقال للرئة: سحر؛ لأنها في داخل الجسم وخفية. ومعناه في الشرع: ما يتعاطاه السحرة من التخييل والتلبيس الذي يعتقده المشاهد حقيقة وهو ليس بحقيقة، كما قال الله سبحانه عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (١) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٣) ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (٤) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٥)

стр. 3591

وقد يكون السحر من أشياء يفعلها السحرة مع عقد ينفثون فيها، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١) وقد يكون من أعمال أخرى يتوصلون إليها من طريق الشياطين فيعملون أعمالا قد تغير عقل الإنسان، وقد تسبب مرضا له، وقد تسبب تفريقا بينه وبين زوجته فتقبح عنده، ويقبح منظرها فيكرهها، وهكذا هي قد يعمل معها الساحر ما يبغض زوجها إليها، وينفرها من زوجها، وهو كفر صريح بنص القرآن، حيث قال : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) فأخبر سبحانه عن كفرهم بتعليمهم الناس السحر، وقال بعدها: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٣) ثم قال سبحانه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤) يعني: هذا السحر وما يقع منه من الشر كله بقدر سابق بمشيئة الله، فربنا جل وعلا لا يغلب، ولا يقع في ملكه ما لا يريد، بل لا يقع شيء في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا

стр. 3592

بقدر سابق؛ لحكمة بالغة شاءها ، ففد يبتلى هؤلاء بالسحر، ويبتلى هؤلاء بالمرض، ويبتلى هؤلاء بالقتل. . . إلى غير ذلك، ولله الحكمة البالغة فيما يقضي ويقدر، وفيما يشرعه سبحانه لعباده، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) يعني: بإذنه الكوني القدري لا بإذنه الشرعي، فالشرع يمنعهم من ذلك ويحرم عليهم ذلك، لكن بالإذن القدري الذي مضى به علم الله وقدره السابق أنه يقع من فلان السحر، ويقع من فلانة، ويقع على فلان، وعلى فلانة، كما مضى قدره: بأن فلانا يصاب بقتل، أو يصاب بمرض كذا، ويموت في بلد كذا، ويرزق كذا، ويغتني أو يفتقر، وكله بمشيئة الله وقدره ، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) فهذه الشرور التي قد تقع من السحرة ومن غيرهم، لا تقع عن جهل من ربنا فهو العالم بكل شيء ، لا يخفى عليه خافية جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥) فهو يعلم كل شيء، ولا يقع في ملكه ما لا يريد ، ولكن له الحكمة البالغة، والغايات المحمودة

стр. 3593

فيما يقضي ويقدر مما يقع فيه الناس من عز وذل، وإزالة ملك، وإقامة ملك، ومرض وصحة، وسحر وغيره. وسائر الأمور التي تقع في العباد كلها عن مشيئة، وعن قدر سابق. وهؤلاء السحرة قد يتعاطون أشياء تخييلية، كما تقدم في قوله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (١) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) يخيل إلى الناظر أن هذه العصي، وأن هذه الحبال حيات تسعى في الوادي، وهي حبال وعصي، لكن السحرة خيلوا للناس لما أظهروا أمام أعينهم من أشياء تعلموها تغير الحقائق على الناس بالنظر إلى أبصارهم، قال سبحانه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٣) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) وهي في الحقيقة ما تغيرت، حبال وعصي، ولكن تغير نظرهم إليها بسبب السحر فاعتقدوها حيات بسبب التلبيس الذي حصل من السحرة، وتسميه بعض الناس: ((تقمير)) ؛ وهو: أن يعمل الساحر أشياء تجعل الإنسان لا يشعر بالحقيقة على ما هي عليه، فيكون بصره لا يدرك الحقيقة فقد يؤخذ من حانوته أو منزله ما فيه ولا يشعر بذلك، يعني: أنه لم يعرف الحقيقة، فقد يرى الحجر دجاجة، أو يرى الحجر بيضة، أو ما أشبه ذلك؛ لأن الواقع تغير في عينيه؛ بسبب عمل الساحر وتلبيسه، فسحرت عيناه،

стр. 3594

وجعل هناك من الأشياء التي يتعاطاها السحرة من المواد ما تجعل عينيه لا تريان الحقيقة على ما هي عليه، هذا من السحر الذي سماه الله: عظيما في قوله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) والصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضررا عظيما؛ فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله. ولهذا ثبت عن عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقى شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر) ، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، وهكذا صح عن حفصة أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب بن عبد الله ﵁ الصحابي الجليل لما رأى ساحرا يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقا) . والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم؛ ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية

стр. 3595

وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم. ومن أصيب بالسحر ليس له أن يتداوى بالسحر، فإن الشر لا يزال بالشر، والكفر لا يزال بالكفر، وإنما يزال الشر بالخير؛ ولهذا لما سئل ﵊ عن النشرة قال: «هي من عمل الشيطان (١) » والنشرة المذكورة في الحديث: هي حل السحر عن المسحور بالسحر. أما إن كان بالقرآن الكريم والأدوية المباحة والرقية الطيبة فهذا لا بأس به، وأما بالسحر فلا يجوز كما تفدم؛ لأن السحر عبادة للشياطين، فالساحر إنما يسحر ويعرف السحر بعد عبادته للشياطين، وبعد خدمته للشياطين، وتقربه إليهم بما يريدون، وبعد ذلك يعلمونه ما يحصل به السحر، لكن لا مانع والحمد لله من علاج المسحور بالقراءة وبالتعوذات الشرعية، بالأدوية المباحة، كما يعالج المريض من أنواع المرض من جهة الأطباء، وليس من اللازم أن يشفى؛ لأنه ما كل مريض يشفى، فقد يعالج المريض فيشفى إذا كان الأجل مؤخرا، وقد لا يشفى ويموت في هذا المرض، ولو عرض على أحذق الأطباء وأعلم الأطباء؛ لأنه متى نزل الأجل لم ينفع الدواء ولا العلاج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٢) وإنما ينفع الطب، وينفع الدواء إذا لم يحضر الأجل وقدر الله للعبد الشفاء، كذلك هذا الذي أصيب بالسحر قد يكتب الله له الشفاء، وقد لا يكتب له الشفاء؛ ابتلاء وامتحانا، وقد يكون لأسباب أخرى الله يعلمها جل وعلا، منها: أنه قد يكون الذي عالجه ليس عنده العلاج المناسب لهذا الداء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 3596

«لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله (١) » ، وقال ﵊: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله (٢) » . ومن العلاج الشرعي: أن يعالج السحر بالقراءة، فالمسحور يقرأ عليه أعظم سورة في القرآن: وهي الفاتحة، تكرر عليه، فإذا قرأها القارئ الصالح المؤمن الذي يعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأنه مصرف الأمور، وأنه متى قال للشيء: كن فإنه يكون، فإذا صدرت القراءة عن إيمان، وعن تقوى، وعن إخلاص، وكرر ذلك القارئ فقد يزول السحر ويشفى صاحبه بإذن الله. وقد مر بعض الصحابة ﵃ على بادية قد لدغ شيخهم، يعني: أميرهم، وقد فعلوا كل شيء ولم ينفعه، فقالوا لبعض الصحابة: هل فيكم من راق؟ قالوا: نعم. فقرأ عليه أحدهم سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال في الحال، وعافاه الله من شر لدغة الحية. والنبي ﵊ قال: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٣) » . وقد رقى ورقي ﵊، فالرقية فيها خير كثير، وفيها نفع عظيم، فإذا قرئ على المسحور بالفاتحة، وبآية الكرسي، وبقل هو الله أحد، والمعوذتين، أو بغيرها من الآيات، مع الدعوات الطيبة الواردة في الأحاديث عن النبي ﷺ ، مثل قوله ﷺ لما رقى بعض المرضى: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (٤) » . يكرر ذلك ثلاث مرات أو أكثر، ومثل ما ورد عنه ﷺ «أن جبريل ﵇ رقاه ﷺ بقوله: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك. ثلاث مرات (٥) » فهذه رقية عظيمة وثابتة

стр. 3597

عن النبي ﷺ ، يشرع أن يرقى بها اللديغ والمسحور والمريض، ولا بأس أن يرقى المريض والمسحور واللديغ بالدعوات الطيبة، وإن لم تكن منقولة عن النبي ﷺ إذا لم يكن فيها محذور شرعا؛ لعموم قوله ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (١) » . وقد يعافي الله المريض والمسحور وغيرهما بغير الرقية وبغير أسباب من الإنسان؛ لأنه سبحانه هو القادر على كل شيء، وله الحكمة البالغة في كل شيء، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) فله سبحانه الحمد والشكر على كل ما يقضيه ويقدره، وله الحكمة البالغة في كل شيء . وقد لا يشفى المريض؛ لأنه قد تم أجله وقدر موته بهذا المرض. ومما يستعمل في الرقية آيات السحر تقرأ في الماء، وهي آيات السحر في الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٣) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٥) وفي يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٦) إلى قوله جل وعلا: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧) وكذلك آيات طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٨) إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٩)

стр. 3598

وهذه الآيات مما ينفع الله بها في رقية السحر، وإن قرأ القارئ هذه الآيات في الماء وقرأ معها سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وبقل هو الله أحد والمعوذتين في ماء ثم صبه على من يظن أنه مسحور، أو محبوس عن زوجته فإنه يشفى بإذن الله، إن وضع في الماء سبع ورقات من السدر الأخضر بعد دقها كان مناسبا، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في (فتح المجيد) عن بعض أهل العلم في باب (ما جاء في النشرة) . ويستحب أن يكرر قراءة السور الثلاث، وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٢) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٣) ثلاث مرات. والمقصود: أن هذه الأدوية وما أشبهها هي مما يعالج به هذا البلاء: وهو السحر، ويعالج به أيضا من حبس عن زوجته، وقد جرب ذلك كثيرا فنفع الله به، وقد يعالج بالفاتحة وحدها فيشفى، وقد يعالج بقل هو الله أحد والمعوذتين وحدها ويشفى. ومن المهم جدا أن يكون المعالج والمعالج عندهما إيمان صادق، وعندهما ثقة بالله، وعلم بأنه سبحانه مصرف الأمور، وأنه متى شاء شيئا كان، وإذا لم يشأ لم يكن ، فالأمر بيده جل وعلا، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فعند الإيمان وعند الصدق مع الله من القارئ والمقروء عليه يزول المرض بإذن الله وبسرعة، وتنفع الأدوية الحسية والمعنوية. نسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يرضيه، إنه سميع قريب. الواجب على كل من لديه علم من الكتاب والسنة أن يبلغ في بلاده، وفي مجتمعه، وفي أهله، حتى يكون الناس على علم بهذه

стр. 3599

الأمور، وحتى ينتشر العلم؛ ولهذا كان ﵊ إذا خطب الناس وذكرهم يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع (١) » ويقول: «بلغوا عني ولو آية (٢) » . فالواجب على من سمع من أهل العلم أن يبلغ الفائدة التي عقلها وفهمها، وليحذر أن يبلغ ما لم يعقل وما لم يفهم؛ لأن بعض الناس قد يبلغ أشياء يغلط فيها فيكون كاذبا ومضرا بمن بلغ عنه وبالمبلغين، فلا يجوز له التبليغ إلا عن علم، وعن تحقق وبصيرة مما سمع حتى يبلغ كما سمع، وكما علم، من دون زيادة ومن دون نقص، وإلا فليمسك حتى لا يكذب على من بلغ عنه، وحتى لا يضر غيره. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3600

السحر والكهانة والتنجيم بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن تعاطي السحر والكهانة والتنجيم من أعظم المنكرات، ومن أعظم الفساد في الأرض، بل من أنواع الكفر الأكبر فيما يتعلق بالسحر والاعتقاد في النجوم، وأن لها تصرفا في المخلوقات، أما الكهانة ففي حكمها تفصيل. ولا شك أن الواجب على كل مسلم عرف الباطل أن ينكره، وأن يحاربه، وأن يتعاون مع إخوانه المسلمين في محاربته، كما قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) وكل مجتمع يقل فيه العلم ويغلب فيه الجهل تكثر فيه هذه الشرور من السحر والكهانة والتنجيم، وسائر أنواع الشعوذة؛ لعدم وجود الرادع عنها، والمنكر لها، وعدم وجود الوازع السلطاني، والوازع الإيماني، وكل مجتمع يكثر فيه أهل الإيمان والعلم ويقل فيه أهل الجهل تقل فيه هذه الشرور وهذه الأباطيل. وقد كانت هذه الجزيرة العربية في منتصف القرن الثاني عشر

стр. 3601

وما قبله بأزمنة كثيرة مليئة من هذه الشرور؛ من الكهانة، والسحر، والشرك بعبادة الأصنام والأوثان والأشجار والجن، وغير ذلك في أرجاء الجزيرة جنوبها وشمالها، حتى يسر الله الإمام المصلح الموفق الشيخ العلامة شيخ الإسلام في عصره: محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه فقام بالدعوة إلى الله، وبذل وسعه في بيان ما شرع الله لعباده وما حرمه عليهم، وبيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وبعث الله به محمدا ﵊، وألف المؤلفات في ذلك، مثل (كتاب التوحيد) ، وقد بين فيه ما يتعلق بالكهانة والسحر والتنجيم، وألف رسالة صغيرة هي: (ثلاثة الأصول) فيها أصول العقيدة، وألف كتاب (كشف الشبهات) الذي بين فيه شبها كثيرة، يشبه فيها أعداء الله على المسلمين من عباد الأصنام والأوثان، وألف العلماء قبله مؤلفات كثيرة في بيان هذه الشرور والتحذير منها، ولكن الله وفقه للقيام بمحاربة هذه الشرور والنشاط فيها، وبذل الدروس المفيدة والمحاضرات العظيمة، وساعده في ذلك من من الله عليه بالهداية من العلماء الأخيار، من أبنائه وغيرهم من علماء عصره الذين وفقهم الله للهداية حتى حاربوا هذه الشرور، وحتى طهر الله بهم هذه الجزيرة منها، ولا سيما شمالها. وحصل في اليمن والهند والشام والعراق وغير ذلك من آثار هذه الدعوة خير كثير، ونقل العلماء إلى بلادهم عن علماء هذه البلاد - حين يجتمعون بهم في الحرمين وغيرهما - هذه العقيدة الطيبة، ونشروها في بلاد كثيرة؛ الهند، والشام، ومصر، والعراق، وغير ذلك، حتى هدى الله بذلك من شاء من أهل تلك البلاد.

стр. 3602

فكل مجتمع ينشط فيه الحق ويكثر فيه دعاة الحق يختفي فيه هؤلاء الضالون من المنجمين والكهنة والسحرة، ودعاة الشرك، وكل مجتمع يغلب فيه الجهل ويقل فيه العلم يكثر فيه الباطل وأهله ويجدون مجالا لنشر أباطيلهم. والواجب على أهل العلم والإيمان في كل مكان في هذه الجزيرة وفي غيرها أن يبذلوا وسعهم في محاربة الباطل، ونشر الحق، بالمحاضرات، والدروس، والندوات، وخطب الجمعة، وخطب الأعياد، وغير ذلك عند كل مناسبة، وفي الإذاعة والتلفاز، وفي الصحافة حتى ينتشر الحق، وحتى يعلم الجهال ما وقعوا فيه من الباطل، وحتى تكشف عورات هؤلاء الضالين من المنجمين والكهنة والرمالين والسحرة، ودعاة الباطل بسائر أنواعه. وإني أنصح كل مسلم أن يعنى بكتاب الله: وهو القرآن الكريم، ويتدبره فيكثر من تلاوته، ويتدبر معانيه، وكذلك يدارسه بعض إخوانه حتى يستفيد بعضهم من بعض، وهكذا يسأل أهل العلم عما أشكل عليه، ويحضر حلقات العلم، ولا سيما في هذا العصر الذي قل فيه العلم وغلب فيه الجهل في غالب الأمصار. والواجب على كل من تهمه نفسه ويخشى عليها الهلاك أن يحرص على طلب العلم وعلى حلقات العلم ليستفيد ويفيد، ولو بعدت دياره، فعليه أن يسافر لطلب العلم لدى علماء السنة حتى يحضر دروسهم ويستفيد مما يقال عن الله وعن رسوله وعن أهل العلم والتحقيق والبصيرة؛ لبيان ما وقع الناس فيه من الباطل، ولبيان ما أوجب الله وما حرم الله حتى يكثر العلم وينتشر الخير، وقد من الله

стр. 3603

سبحانه في أول هذا القرن، وفي آخر القرن الرابع عشر بحركة كثيرة إسلامية، وانتباه ويقظة عظيمة بأسباب المحاضرات والندوات الكثيرة، وما يلقى في الصحف وفي الإذاعات، وفي الخطب المنبرية، وفي غير ذلك من الاجتماعات من أنواع العلم والخير في بلدان كثيرة، فحصل بذلك بحمد الله خير كثير ويقظة وانتباه. فنسأل الله أن يزيد المسلمين خيرا، وأن يوفق علماءهم لنشر ما عندهم من العلم، والاستمرار في ذلك، والصدق فيه والصبر على ذلك، وأن يوفق المسلمين لقبول الحق والانتفاع بأهل العلم والاستفادة منهم، والسؤال عما ينفعهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقد بين الله في كتابه الكريم، وفي سنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم كل ما يحتاجه العباد في أمر دينهم ودنياهم، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال النبي ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني

стр. 3604

فقد أبى (١) » . رواه البخاري في صحيحه، وقال ﷺ : «إنما أنا لكم كالوالد أعلمكم ما ينفعكم» . وقال ﵊: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (٢) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله، وأن يتفقه في الدين عن إخلاص وصدق، وبذلك يوفق إن شاء الله ويفوز بالمطلوب، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (٣) » ، وقال ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٤) » . والأحاديث في الترغيب في العلم والحث عليه كثيرة، فنسأل الله أن يوفق المسلمين في كل مكان للعلم النافع والعمل به، إنه سميع قريب. ومن الوسائل لتحصيل العلم النافع: متابعة ما يبث بواسطة إذاعة القرآن الكريم؛ من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والمحاضرات المفيدة، والندوات العلمية، وبرنامج نور على الدرب، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة. فنوصي جميع المسلمين في كل مكان بأن يستفيدوا من هذه الإذاعة - أعني: إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية - لما في ذلك من الخير العظيم، والعلم النافع، والفوائد المهمة، وكشف الشبهات التي يروجها أهل الباطل. . . إلى غير ذلك من الفوائد النافعة في الدين والدنيا. نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يجزي الحكومة السعودية عن جهودها خيرا، وأن يصلح لها البطانة وينصر بها الحق،

стр. 3605

وأن يوفق علماء المسلمين في كل مكان لنشر الحق والدعوة إليه والصبر على ذلك، إنه جواد كريم. هذا العلم المبثوث من الإذاعة المذكورة علم عظيم ساقه الله إلى الناس في كل مكان بسهولة ويسر؛ ليستفيد منه الإنسان وهو في فراشه، وهو في منزله، وهو في سيارته وغير ذلك، فينبغي أن يغتنم هذا العلم ولا سيما برنامج نور على الدرب، نسأل الله أن ينفع به المسلمين، وأن يمن باستمراره على يد العلماء والأخيار الصالحين الموفقين. أما موضوع السحر والكهانة والتنجيم: فهو موضوع خطير كما أسلفنا في أول هذا الحديث. والخلاصة في هذه الأمور الثلاثة: أن الساحر يتعاطى أمورا يسحر بها الناس تارة بالتخييل، كما قال الله عن سحرة فرعون: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١) يعملون أشياء تغير مناظر الأمور في أعين الناس حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) فهم يفعلون أشياء تسحر العيون حتى يرى الحبل حية والعصا حية تمشي، وهي ليست حية وإنما هي عصا أو حبل، وكذلك يسحرون الناس بأمور أخرى مما يبغض الرجل إلى امرأته، والمرأة إلى زوجها، مما يسحرون به أعينهم، وبما يعطونهم من أدوية خبيثة يتلقونها عن الشياطين، وبما يعقدون من العقد التي

стр. 3606

ينفثون فيها بدعوة غير الله من الشياطين، والاستعانة بهم في إضرار الناس، فيخيل للرجل أن زوجته غير الزوجة المعروفة فيراها في طلعة قبيحة ينفر منها ويبغضها، ويخيل للمرأة أن زوجها غير زوجها المعروف في صورة قبيحة وفي صورة مفزعة، بأسباب ما وقع من هؤلاء المجرمين. فسحرهم على نوعين: نوع يكون بالتخييل والتزوير على العيون حتى ترى الأشياء على غير ما هي عليه. ونوع آخر منه ما يسمى: الصرف والعطف، يكون بالعقد والنفث والأدوية التي يصنعونها من وحي الشياطين، وما تزينه لهم ويدعونهم إليه. وهذا النوع الثاني يحصل به تحبيب الرجل إلى امرأته، أو بغضه لها والعكس، وهكذا غير الزوج والزوجة مع الناس الآخرين؛ ولهذا شرع الله لنا الاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وشرع لنا الاستعاذة من كل سوء. وحكم الساحر الذي يعلم منه أنه يخيل على الناس، أو يترتب على عمله مضرة على الناس؛ من سحر العيون، والتزوير عليها، أو تحبيب الرجل إلى امرأته والمرأة إلى زوجها، أو ضد ذلك مما يضر الناس، متى ثبت ذلك بالبينة لدى المحاكم الشرعية وجب قتل هذا الساحر، ولا يقبل منه توبة ولو تاب. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله بقتل السحرة وعدم استتابتهم، وثبت عن ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها أمرت بقتل الجارية التي سحرتها فقتلت، وثبت عن جندب الخير، ويقال: جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه وجد ساحرا يلعب عند الوليد فأتاه من حيث لا يعلم فقتله، وقال:

стр. 3607

(حد الساحر ضربه بالسيف) يروى عنه مرفوعا وموقوفا، والصحيح عند أهل العلم: أنه موقوف من كلام جندب ﵁. وقد سبق ما ثبت عن عمر ﵁ أنه أمر عماله - أعني: أمراءه- بقتل السحرة، لمنع فسادهم في الأرض، وإيذائهم للمسلمين وإدخالهم الضرر على الناس، فمتى عرفوا وجب على ولاة أمر المسلمين قتلهم، ولو قالوا: تبنا؛ لأنهم لا يؤمنون، لكن إن كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك عند الله ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «التوبة تهدم ما كان قبلها» . والأدلة في هذا كثيرة. أما من جاء إلى ولاة الأمور من غير أن يقبض عليه يخبر عن توبته، وأنه كان فعل كذا فيما مضى من الزمان وتاب إلى الله سبحانه وظهر منه الخير فهذا تقبل توبته؛ لأنه جاء مختارا طالبا للخير معلنا توبته من غير أن يقبض عليه أحد أو يدعي عليه أحد، والمقصود: أنه إذا جاء على صورة ليس فيها حيلة ولا مكر فإن مثل هذا تقبل توبته؛ لأنه جاء تائبا نادما، كغيره من الكفرة ممن يكون له سلف سيئ ثم يمن الله عليه بالتوبة من غير إكراه ولا دعوى عليه من أحد. وأما الكهان: فهم أناس يدعون علم الغيب بواسطة قرنائهم من الجن فيقولون: كان كذا وكذا، وسيكون كذا وكذا، وفلان سوف يصيبه كذا، أو فلان سوف يتزوج فلانة، وفلان سوف يقتل في وقت كذا. . . إلى غير هذا مما يدعون. فهم في هذه الأقوال تارة يكذبون، وقد يقع القدر بما يقولون

стр. 3608

فيظن المغفلون أنه بأسباب صدقهم، ويظن الجهلة ذلك. وتارة بما يلقي إليهم الشياطين مما يسترقون السمع من السماء فيسمع الكلمة الصادقة ويكذب معها الشيء الكثير، كما جاء في الحديث، أنهم يكذبون معها مائة كذبة، وقد يزيدون، كما في الحديث الآخر، وقد يكذبون كذبات لا حصر لها، فيقول الناس: صدقوا في يوم كذا وكذا ثم يصدقونهم في كل شيء، وهذا من الابتلاء والامتحان. وتارة بواسطة الشياطين الذين يتجسسون على الناس، فإن كل إنسان معه شيطان، فهذا الشيطان الذي معك يلقي إليه أولياؤه من الشياطين الذين مع الكهنة وعند الكهنة وعند السحرة فيخبرهم ببعض الأشياء التي فعلها الإنسان حتى يروج باطل هذا الساحر وهذا الكاهن بأسباب ما تلقيه إليه الشياطين مما قد وقع في البيوت والبلدان، ومما قد يسترق من السمع فيظن الجهلة والمغفلون أن هذا بعلمهم وبصيرتهم، وأن عندهم شيئا من علم الغيب. فالواجب الحذر من هؤلاء الكهنة والعرافين، وأن لا يصدقوا ولو قالوا: إنه وقع كذا وكذا مما قد تخبرهم به شياطينهم وأصحابهم في البيوت أو البلدان التي يخبرون عنها، فلا يجوز أن يصدقوا ولا أن يلتفت إلى كلامهم، ولا يجوز أن يقروا على باطلهم، بل يجب على ولاة الأمر منعهم وعقابهم بما يقتضيه الشرع المطهر، فقد «سئل النبي ﷺ عن الكهان فقال: لا تأتوهم. وقال: ليسوا بشيء (١) » . وقال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين ليلة (٢) » رواه مسلم في الصحيح، وقال ﵊: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٣) » ﷺ ،

стр. 3609

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وما ذلك إلا لأن علم الغيب من خصائص الله ، فمن ادعاه كفر بذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١) وقوله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) هكذا يقول عليه الصلاة السلام بما أمره الله أن يبلغ الناس، وأنه لا يعلم الغيب، وقال : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (٤) هكذا أمره الله أن يبلغ الناس ﵊: أنه لا يعلم الغيب، وليس عنده خزائن الله وأنه ليس بملك. فالواجب على المسلم أن يحذر هذه الشرور، وأن يتباعد عنها، وأن لا يأتي أهلها، ولو مات مريضا، فالموت علمه عند الله جل وعلا، وشفاء الأمراض بيد الله ، ليس بيد زيد ولا عمرو، فليعالج بالعلاج الشرعي، العلاج المباح: عند الأطباء، وعند القراء، وعند من يعرفون بالخير؛ عند الأطباء الذين عرفوا مرضه وشخصوه، أو عند غيرهم من القراء المعروفين بالخير من أهل الخير والفضل، ففي كتاب الله شفاء لأمراض كثيرة، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٥)

стр. 3610

وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقد ينفع الله به من أمراض كثيرة، والأمر إلى الله جل وعلا إن شاء نفع بهذا الدواء من الطبيب أو من القارئ، وإن شاء جعل هذا المرض سببا للموت؛ لأنه قد انتهى أمر صاحبه ولا حيلة فيه. وقد رقى بعض الصحابة لديغا من رؤساء العرب، وقد جمعوا له كل شيء وفعلوا كل شيء لعلاجه فلم ينفعه، فمر عليهم ركب من الصحابة ﵃ فقالوا لهم: هل منكم راق؟ قالوا: نعم، فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب: وهي الحمد فقط، كررها عليه حتى شفاه الله وقام كأنما نشط من عقال، وكأنه لم يصب بلدغة، فقد عافاه الله في الحال. فإذا كان القارئ يحمل الإيمان والصدق والإخلاص، وكان المقروء عليه ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم عظمة القرآن، وأنه كلام الله، وأن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، فإنه يتركب من هذا وهذا من إيمان القارئ وإيمان المقروء عليه، ومن صدق هذا وهذا الخير الكثير، وإجابة الدعاء، والتأثر بالقرآن الكريم، وزوال المرض بإذن الله ، ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بكون الساحر أو الكاهن يقرأ القرآن فيقول: هذا طيب، فإن الشياطين قد يقرءون القرآن وهم على شيطنتهم وعلى خبثهم، وقد يقرأ الكفار القرآن ولا ينفعهم ولا يفيدهم؛ لعدم إيمانهم به وعدم إسلامهم، وقد ذكر ابن كثير ﵀ حديثا ثبت في صحيح البخاري: (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
следующие страницы →