← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ينفثون فيها بدعوة غير الله من الشياطين، والاستعانة بهم في إضرار الناس، فيخيل للرجل أن زوجته غير الزوجة المعروفة فيراها في طلعة قبيحة ينفر منها ويبغضها، ويخيل للمرأة أن زوجها غير زوجها المعروف في صورة قبيحة وفي صورة مفزعة، بأسباب ما وقع من هؤلاء المجرمين. فسحرهم على نوعين: نوع يكون بالتخييل والتزوير على العيون حتى ترى الأشياء على غير ما هي عليه. ونوع آخر منه ما يسمى: الصرف والعطف، يكون بالعقد والنفث والأدوية التي يصنعونها من وحي الشياطين، وما تزينه لهم ويدعونهم إليه. وهذا النوع الثاني يحصل به تحبيب الرجل إلى امرأته، أو بغضه لها والعكس، وهكذا غير الزوج والزوجة مع الناس الآخرين؛ ولهذا شرع الله لنا الاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وشرع لنا الاستعاذة من كل سوء. وحكم الساحر الذي يعلم منه أنه يخيل على الناس، أو يترتب على عمله مضرة على الناس؛ من سحر العيون، والتزوير عليها، أو تحبيب الرجل إلى امرأته والمرأة إلى زوجها، أو ضد ذلك مما يضر الناس، متى ثبت ذلك بالبينة لدى المحاكم الشرعية وجب قتل هذا الساحر، ولا يقبل منه توبة ولو تاب. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله بقتل السحرة وعدم استتابتهم، وثبت عن ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها أمرت بقتل الجارية التي سحرتها فقتلت، وثبت عن جندب الخير، ويقال: جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه وجد ساحرا يلعب عند الوليد فأتاه من حيث لا يعلم فقتله، وقال:

стр. 3607

(حد الساحر ضربه بالسيف) يروى عنه مرفوعا وموقوفا، والصحيح عند أهل العلم: أنه موقوف من كلام جندب ﵁. وقد سبق ما ثبت عن عمر ﵁ أنه أمر عماله - أعني: أمراءه- بقتل السحرة، لمنع فسادهم في الأرض، وإيذائهم للمسلمين وإدخالهم الضرر على الناس، فمتى عرفوا وجب على ولاة أمر المسلمين قتلهم، ولو قالوا: تبنا؛ لأنهم لا يؤمنون، لكن إن كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك عند الله ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «التوبة تهدم ما كان قبلها» . والأدلة في هذا كثيرة. أما من جاء إلى ولاة الأمور من غير أن يقبض عليه يخبر عن توبته، وأنه كان فعل كذا فيما مضى من الزمان وتاب إلى الله سبحانه وظهر منه الخير فهذا تقبل توبته؛ لأنه جاء مختارا طالبا للخير معلنا توبته من غير أن يقبض عليه أحد أو يدعي عليه أحد، والمقصود: أنه إذا جاء على صورة ليس فيها حيلة ولا مكر فإن مثل هذا تقبل توبته؛ لأنه جاء تائبا نادما، كغيره من الكفرة ممن يكون له سلف سيئ ثم يمن الله عليه بالتوبة من غير إكراه ولا دعوى عليه من أحد. وأما الكهان: فهم أناس يدعون علم الغيب بواسطة قرنائهم من الجن فيقولون: كان كذا وكذا، وسيكون كذا وكذا، وفلان سوف يصيبه كذا، أو فلان سوف يتزوج فلانة، وفلان سوف يقتل في وقت كذا. . . إلى غير هذا مما يدعون. فهم في هذه الأقوال تارة يكذبون، وقد يقع القدر بما يقولون

стр. 3608

فيظن المغفلون أنه بأسباب صدقهم، ويظن الجهلة ذلك. وتارة بما يلقي إليهم الشياطين مما يسترقون السمع من السماء فيسمع الكلمة الصادقة ويكذب معها الشيء الكثير، كما جاء في الحديث، أنهم يكذبون معها مائة كذبة، وقد يزيدون، كما في الحديث الآخر، وقد يكذبون كذبات لا حصر لها، فيقول الناس: صدقوا في يوم كذا وكذا ثم يصدقونهم في كل شيء، وهذا من الابتلاء والامتحان. وتارة بواسطة الشياطين الذين يتجسسون على الناس، فإن كل إنسان معه شيطان، فهذا الشيطان الذي معك يلقي إليه أولياؤه من الشياطين الذين مع الكهنة وعند الكهنة وعند السحرة فيخبرهم ببعض الأشياء التي فعلها الإنسان حتى يروج باطل هذا الساحر وهذا الكاهن بأسباب ما تلقيه إليه الشياطين مما قد وقع في البيوت والبلدان، ومما قد يسترق من السمع فيظن الجهلة والمغفلون أن هذا بعلمهم وبصيرتهم، وأن عندهم شيئا من علم الغيب. فالواجب الحذر من هؤلاء الكهنة والعرافين، وأن لا يصدقوا ولو قالوا: إنه وقع كذا وكذا مما قد تخبرهم به شياطينهم وأصحابهم في البيوت أو البلدان التي يخبرون عنها، فلا يجوز أن يصدقوا ولا أن يلتفت إلى كلامهم، ولا يجوز أن يقروا على باطلهم، بل يجب على ولاة الأمر منعهم وعقابهم بما يقتضيه الشرع المطهر، فقد «سئل النبي ﷺ عن الكهان فقال: لا تأتوهم. وقال: ليسوا بشيء (١) » . وقال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين ليلة (٢) » رواه مسلم في الصحيح، وقال ﵊: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٣) » ﷺ ،

стр. 3609

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وما ذلك إلا لأن علم الغيب من خصائص الله ، فمن ادعاه كفر بذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١) وقوله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) هكذا يقول عليه الصلاة السلام بما أمره الله أن يبلغ الناس، وأنه لا يعلم الغيب، وقال : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (٤) هكذا أمره الله أن يبلغ الناس ﵊: أنه لا يعلم الغيب، وليس عنده خزائن الله وأنه ليس بملك. فالواجب على المسلم أن يحذر هذه الشرور، وأن يتباعد عنها، وأن لا يأتي أهلها، ولو مات مريضا، فالموت علمه عند الله جل وعلا، وشفاء الأمراض بيد الله ، ليس بيد زيد ولا عمرو، فليعالج بالعلاج الشرعي، العلاج المباح: عند الأطباء، وعند القراء، وعند من يعرفون بالخير؛ عند الأطباء الذين عرفوا مرضه وشخصوه، أو عند غيرهم من القراء المعروفين بالخير من أهل الخير والفضل، ففي كتاب الله شفاء لأمراض كثيرة، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٥)

стр. 3610

وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقد ينفع الله به من أمراض كثيرة، والأمر إلى الله جل وعلا إن شاء نفع بهذا الدواء من الطبيب أو من القارئ، وإن شاء جعل هذا المرض سببا للموت؛ لأنه قد انتهى أمر صاحبه ولا حيلة فيه. وقد رقى بعض الصحابة لديغا من رؤساء العرب، وقد جمعوا له كل شيء وفعلوا كل شيء لعلاجه فلم ينفعه، فمر عليهم ركب من الصحابة ﵃ فقالوا لهم: هل منكم راق؟ قالوا: نعم، فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب: وهي الحمد فقط، كررها عليه حتى شفاه الله وقام كأنما نشط من عقال، وكأنه لم يصب بلدغة، فقد عافاه الله في الحال. فإذا كان القارئ يحمل الإيمان والصدق والإخلاص، وكان المقروء عليه ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم عظمة القرآن، وأنه كلام الله، وأن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، فإنه يتركب من هذا وهذا من إيمان القارئ وإيمان المقروء عليه، ومن صدق هذا وهذا الخير الكثير، وإجابة الدعاء، والتأثر بالقرآن الكريم، وزوال المرض بإذن الله ، ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بكون الساحر أو الكاهن يقرأ القرآن فيقول: هذا طيب، فإن الشياطين قد يقرءون القرآن وهم على شيطنتهم وعلى خبثهم، وقد يقرأ الكفار القرآن ولا ينفعهم ولا يفيدهم؛ لعدم إيمانهم به وعدم إسلامهم، وقد ذكر ابن كثير ﵀ حديثا ثبت في صحيح البخاري: (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .

стр. 3611

قال دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إن قد كذبك وسيعود. فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ أنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية

стр. 3612

وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي ﷺ : أما إنه صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا. قال: ذاك شيطان (١) » اهـ. والمقصود: أن الشياطين وهكذا نوابهم وأولياؤهم من الكهنة والمنجمين والرمالين والعرافين قد يقرءون القرآن كثيرا عند العامة، وعند الناس حتى يوهموا أنهم ليسوا أهل شر، وليسوا أهل فساد حتى يأخذوا أموال الناس ويبتزوها بكذبهم وافترائهم وما ينقلونه عن شياطين الجن، وما يفعلونه من الشرك بالله وعبادة غيره من الذبح للجن والاستغاثة بهم والنذر لهم ... إلى غير هذا من ولايتهم لهم، فإن الجن يستمتعون بالإنس حتى يعبدوهم من دون الله، والإنس يستمتعون بالجن بما يخبرونهم به من أمور الغيب. فالواجب الحذر من هذه البلايا وهذه المحن، وتحذير الناس من ذلك، وأن يكتفي من عنده المريض بما شرع الله وأباح من العلاج الحسي المعروف عند الأطباء المعروفين، فكل مرض له طبيب خاص به، فيطلب من الأطباء المختصين أن يعالجوه، ومن القراء المعروفين بحسن العقيدة والقراءة على المرضى أن يقرءوا عليه. والله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، ثم إن المريض نفسه عليه أن يتحصن بحصن الله، وعليه أن يجتهد بالتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ويكثر من ذلك صباحا ومساء ويقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء

стр. 3613

في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) صباحا ومساء، كل هذه من أسباب السلامة والحفظ من كل بلاء، وهكذا قراءة: آية الكرسي بعد كل صلاة بعد الأذكار الشرعية، وقراءتها عند النوم، وقراءة: قل هو الله أحد، والمعوذتين بعد كل صلاة من أسباب العافية والسلامة، وقراءتها بعد المغرب وبعد الفجر (ثلاث مرات) كل ذلك من أسباب العافية والسلامة إن شاء الله، وهكذا قراءة السور الثلاث المذكورة عند النوم (ثلاث مرات) ؛ تأسيا بالنبي ﷺ في ذلك، فقد كان إذا اشتكى يقرأ السور الثلاث المذكورة في كفيه عند النوم ثلاث مرات يمسح في كل مرة بيديه على ما استطاع من جسده بادئا برأسه ووجهه وصدره، هكذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، وعلى المريض أن يلجأ إلى الله سبحانه دائما، يسأله العافية من كل شيطان ومن كل شر، فالعبد يلجأ إلى الله ويتضرع إليه دائما ويسأله من فضله، والله سبحانه هو القريب المجيب جل وعلا، وهو القادر على كل شيء، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) وينبغي للمؤمن أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن يصبر ويحتسب، مع الدعاء وبذل الأسباب المباحة النافعة ويأخذ بها، وهو يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٢) وقد

стр. 3614

ثبت عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لابنه: (إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف) . فالمؤمن يتعاطى الأسباب ويفعلها، مع الإيمان بأن قدر الله نافذ، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، حتى يكون مطمئن القلب، مستريح النفس، مستريح البال، ولا يمنعه ذلك من تعاطي الأسباب الشرعية والحسية المباحة. وأما التنجيم فإنه أيضا شعبة من شعب دعوى علم الغيب، وهو من عمل العرافين والمشعوذين، قال فيه النبي ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد (١) » . والمنجم يلبس على الناس، ويقول: إذا صادف اسمك أو اسم أمك أو اسم أبيك نوء كذا ونوء كذا جرى كذا وكذا، وربما شبه على الناس فقال: أعطني اسمك واسم أمك واسم أبيك وأنا أنظر - بزعمه أنه ينظر في النجوم - فإذا توافقت الأسماء على ما يزعم يكون كذا ويقع كذا ويقع كذا، وكل هذا من الخرافات والباطل، وكله من التلبيس على الناس حتى يأخذوا أموالهم بغير حق، وقد يصادف القدر حاجة شخص فيظن المسكين أنه بأسباب هذا المنجم أو بأسباب هذا الكاهن حصل هذا الأمر، وقد يكون وصف لشخص دواء آخر غير ما يزعمه عن النجوم والتنجيم من الأدوية المعروفة، والتي يعرفها لهذا المرض فيظن المريض أنه حصل له الشفاء بأسباب دعوى هذا المنجم علم الغيب، أو من أسباب تعاطيه النظر في النجوم، أو غير ذلك. فالحاصل: أن وجود الشفاء في بعض الأحيان بعد إتيان الكهان أو المنجمين أو الرمالين أو غيرهم لا يدل على صحة ما هم عليه.

стр. 3615

فالمشركون أنفسهم عباد الأصنام، قد يأتون إلى الصنم ويسألونه فيقع لهم ما أرادوا بإذن الله صدفة ولحكمة أرادها الله جل وعلا، أو بواسطة الشياطين فصارت ابتلاء وامتحانا لا من الصنم، فالصنم ما فعل شيئا، والجني الذي عنده ما فعل شيئا، ولكن قد يوافق القدر أن هذا المرض يزول، وهذا البلاء يزول بعدما جاء هذا المسكين إلى الصنم وسأله أو ذبح له، فيقع ذلك ابتلاء وامتحانا، من غير أن يكون ذلك من عمل الساحر، أو من عمل الصنم، أو من عمل الجن، أو غير ذلك، فيقع للمشركين أشياء تغريهم بأصنامهم حتى يعبدوها من دون الله. فلا ينبغي للعاقل أبدا أن يغتر بما يقع على أيدي هؤلاء المنجمين، أو الكهنة والعرافين أو السحرة، بل يجب أن يبتعد عنهم وألا يصدقهم، ولما «سئل النبي ﷺ عن النشرة وهي حل السحر عن المسحور قال: هي من عمل الشيطان (١) » يعني: حل السحر على يد الساحر، هو من عمل الشيطان؛ لأنه يحله بدعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وعمل ما حرمه الله، ولكن حل السحر إذا كان بالأدوية المباحة، والرقية الشرعية، والدعاء الشرعي، من طريق الأطباء المختصين، أو من طريق القراء المعروفين بحسن العقيدة أمر أباحه الله جل وعلا، ولا بأس به، وقد صحت السنة عن رسول الله ﷺ بما يدل على جوازه، بل على استحبابه، مثل قوله ﷺ : «عباد الله، تداووا، ولا تداووا بحرام (٢) » ، وقوله ﷺ : «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله (٣) » ، وقوله ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٤) » . والأحاديث في هذا الباب كثيرة. والله ولي التوفيق.

стр. 3616

أسئلة وأجوبة تتعلق بالسحر والكهانة والتنجيم وغيرها من هم الرمالون ؟ س١: من هم الرمالون؟ . ج١: الرمالون: هم الذين يضربون في التراب ويخطون خطوطا وربما يضعون عليها ودعا أو حجارة أو كذا أو كذا، ويقولون: إنه يقع كذا أو يقع كذا، أو يصير كذا ويصير كذا، يشبهون بذلك على الناس ويدعون به علم الغيب، وذلك باطل، ولا يجوز إقرارهم عليه ولا تصديقهم، بل يجب على ولاة الأمر منعهم من ذلك وعقابهم بما يقتضيه الشرع المطهر، وقد روى الإمام أحمد ﵀ بإسناد حسن، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت (١) » . والعيافة: زجر الطير، كما تفعل العرب في الجاهلية، إذا مر بهم الغراب ينعق قالوا: يكون كذا ويكون كذا، أو رأوا حمارا مشوها أو دابة مشوهة أو إنسانا مشوها تطيروا بهذا ورجعوا عن حاجاتهم، هذه من عيافة الجاهلية. والطرق: هو الخطوط في الأرض، يخطون في الرمل وفي التراب، وربما حفروا أشياء، وربما وضعوا ودعا أو حجرا أو نوى يزعمون: أنه بهذا يكون كذا وكذا. والجبت: هو الشيء الذي لا خير فيه، ويطلق على الصنم، وعلى السحر، وعلى كل ما لا خير فيه.

стр. 3617

ما المقصود بالرقم في حديث إلا "رقما في ثوب "؟ س٢: جاء في بعض كتب فضيلتكم عن التصوير: " إلا رقما في ثوب " ما المقصود بالرقم، هل هو الصورة أم هو معنى آخر؟

стр. 3618

ج٢: فسر العلماء ﵏ الرقم بأمرين: أحدهما: أنه الصورة التي تكون في البسط ونحوها مما يداس ويمتهن كالوسائد، فهذا معفو عنه؛ لأن الرسول ﷺ عفا عنه، والمقصود: العفو عن استعماله، أما التصوير فلا يجوز. والثاني: أنه النقوش التي تكون في الثياب من غير الصور، فإن النقوش في الثياب لا تضر وليس حكمها حكم الصورة، إنما المحرم صورة ما له روح من آدمي أو غيره؛ لما ثبت عن النبي ﷺ «أنه دخل يوما على عائشة ورأى ثوبا فيه صورة فغضب وهتكه وقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم. قالت عائشة: فجعلت منه وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ (١) » ، وخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، «عن النبي ﷺ أنه كان على موعد مع جبرائيل ﵇ فتأخر عنه، فخرج إليه ينتظره فقال له جبرائيل: إن في البيت تمثالا وسترا فيه صورة وكلبا فمر برأس التمثال أن يقطع حتى يكون كهيئة الشجرة، ومر بالستر أن يتخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن، ومر بالكلب أن يخرج. ففعل النبي ﷺ ، فدخل جبرائيل ﵇. قال أبو هريرة: وكان الكلب جروا تحت نضد في البيت أدخله الحسن أو الحسين (٢) » .

стр. 3619

هل الساحر يقوم بسحر أعين الجالسين معه أم يتعدى سحره ؟ س٣: سمعنا أن من السحر الخداع، كالذي يقوم بسحب السيارة بشعرة من شعره، فهل الساحر يقوم بسحر أعين الجالسين معه فقط، أم يتعدى سحره إلى أعين الحاضرين معه وغير الحاضرين؟ ذلك لأننا نشاهد في منازلنا وعبر شاشات التلفاز من يقوم بسحب

стр. 3620

سيارة بشعره أو بفمه، ونحن لم نكن بجواره حتى يسحر أعيننا فعلى أي شيء يدل ذلك؟ جزاكم الله خيرا. ج٣: الساحر يسحر المشاهدين الذين يشهدون عمله، وقد يكون هناك من يساعده في هذه العملية ولا يراه المشاهدون من الشياطين الذين يساعدونه، فهم يروننا ولا نراهم، وقد يكون سحر العين بما فعل من الشعوذة مثل من يخرج من جيبه أو فمه طائرا أو بيضة أو غير ذلك في أعين الناس، والأمر بخلاف ذلك، كما قال الله في سحرة فرعون في سورة الأعراف: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقال في سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٢) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٣) وقد يكون ذلك فيما يجره من الأثقال بشعرة أو شعرتين مما ساعده فيه الشياطين، وهم لا يرون، ولكنهم يجرونها معه ويساعدونه وهم لا يرون، بل لهم طرق أخرى مكنهم الله منها بحيث لا نراهم، وهم يفعلون الشيء الذي يساعد أولياءهم من الإنس، كما قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) نسأل الله العافية.

стр. 3621

هل يعالج المسلم نفسه بنفسه بالقراءة والنفث في الماء ؟ س٤: هل يمكن للمسلم أن يعالج نفسه بنفسه بالقراءة والنفث في الماء؟ ج٤: كان النبي ﷺ إذا أحس بمرض ينفث في يديه (ثلاث مرات) بـ (قل هو الله أحد) و (المعوذتين) ، ويمسح بهما في كل مرة ما استطاع من جسده عند النوم ﵊، بادئا برأسه ووجهه وصدره، كما أخبرت بذلك عائشة ﵂ في الحديث الصحيح، ورقاه جبرائيل لما مرض في الماء بقوله: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك (١) » (ثلاث مرات) ، وهذه الرقية مشروعة ونافعة. وقد قرأ ﷺ في ماء لثابت بن قيس ﵁، وأمر بصبه عليه، كما روى ذلك أبو داود في الطب بإسناد حسن ... إلى غير هذا من أنواع الرقية التي وقعت في عهده ﵊، ومن ذلك أنه ﷺ رقى بعض المرضى بقوله: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (٢) » .

стр. 3622

هل الإنسان مسير أم مخير ؟ س٥: هل الإنسان مسير أو مخير؟ ج٥: الإنسان مسير وميسر ومخير، فهو مسير وميسر بحسب ما مضى من قدر الله، فإن الله قدر الأقدار وقضى ما يكون في العالم قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، قدر كل شيء ، وسبق علمه بكل شيء، كما قال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)

стр. 3623

وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (١) وقال في كتابه العظيم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) فالأمور كلها قد سبق بها علم الله وقضاؤه ، وكل مسير وميسر لما خلق له، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٤) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (٥) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٦) ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ (٧) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٨) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٩) وقال النبي ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء (١٠) » أخرجه مسلم في صحيحه. ومن أصول الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره، فالإنسان ميسر ومسير من هذه الحيثية لما خلق له على ما مضى من قدر الله، لا يخرج عن قدر الله، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١١) وهو مخير أيضا من جهة ما أعطاه الله من العقل والإرادة والمشيئة، فكل إنسان له عقل إلا أن يسلب كالمجانين، ولكن الأصل هو العقل، فمن كان عنده العقل فهو مخير يستطيع أن يعمل الخير والشر، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (١٢) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٣) وقال جل وعلا: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١٤)

стр. 3624

فللعباد إرادة، ولهم مشيئة، وهم فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) فالعبد له فعل وله صنع وله عمل، والله سبحانه هو خالقه وخالق فعله وصنعه وعمله، وقال : ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٤) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٦) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) فكل إنسان له مشيئة، وله إرادة، وله عمل، وله صنع، وله اختيار؛ ولهذا كلف، فهو مأمور بطاعة الله ورسوله، وبترك ما نهى الله عنه ورسوله، مأمور بفعل الواجبات، وترك المحرمات، مأمور بأن يعدل مع إخوانه ولا يظلم، فهو مأمور بهذه الأشياء، وله قدرة، وله اختيار، وله إرادة؛ فهو المصلي، وهو الصائم، وهو الزاني، وهو السارق، وهكذا في جميع الأفعال؛ هو الآكل، وهو الشارب. فهو مسئول عن جميع هذه الأشياء؛ لأن له اختيارا وله مشيئة، فهو مخير من هذه الحيثية؛ لأن الله أعطاه عقلا وإرادة ومشيئة وفعلا، فهو ميسر ومخير، مسير من جهة ما مضى من قدر الله، فعليه أن يراعي القدر فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٨) إذا أصابه شيء مما يكره، ويقول: قدر الله وما شاء فعل، يتعزى بقدر الله، وعليه أن

стр. 3625

يجاهد نفسه ويحاسبها بأداء ما أوجب الله، وبترك ما حرم الله، بأداء الأمانة، وبأداء الحقوق، وبالنصح لكل مسلم، فهو ميسر من جهة قدر الله، ومخير من جهة ما أعطاه الله من العقل والمشيئة والإرادة والاختيار، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار. فقال بعض الصحابة ﵃: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال ﵊: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. ثم تلا ﵊ قوله تعالى: (٧) » . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على ما ذكرنا. والله ولي التوفيق.

стр. 3626

مصير من لم يتبلغ بالإسلام يوم القيامة س٦: ما هو مصير من لم يتبلغ بالإسلام يوم القيامة، باعتباره لم يتبلغ ولم يعرف الإسلام؟ ج٦: هذا حكمه حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنهم يمتحنون يوم القيامة: فمن نجح منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فمن لم تبلغه دعوة الإسلام ممن يكون نشأ في جاهلية بعيدة عن المسلمين، كما في زماننا، مثلا في أطراف أمريكا أو شواطئ أفريقيا البعيدة عن

стр. 3627

الإسلام، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لم يبلغها الإسلام، فهذا يمتحن يوم القيامة، يؤمر وينهى في ذلك اليوم: فإن أجاب الأمر وأطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، وقد بسط العلامة: ابن القيم ﵀ هذا المعنى في كتابه (طريق الهجرتين) في آخر الكتاب في بحث سماه: (طبقات المكلفين) ، وأطال في هذا، وبين كلام أهل العلم، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك. فالإنسان الذي لم تبلغه الدعوة؛ لكونه بعيدا عن الإسلام والمسلمين، أو إنسان بلغ وهو مجنون أو معتوه ليس له عقل، وكأولاد المشركين إذا ماتوا صغارا بين المشركين في أحد أقوال أهل العلم في شأنهم، كلهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أجاب دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، نسأل الله السلامة. والقول الصواب في أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا قبل التكليف: أنهم من أهل الجنة؛ لصحة الأحاديث الدالة على ذلك.

стр. 3628

حكم لعب الورق والشطرنج والكيرم س٧: ما هو حكم لعب الورق والشطرنج والكيرم؟ ج٧: حكم اللعب بهذه الأشياء المنع؛ لكونها من آلات اللهو الصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا هو المعروف عند أهل العلم؛ لأنها تشغل وتلهي وتصد عن الخير، وفيها مغالبة قد تفضي إلى شر عظيم بين اللاعبين، وقد تشغلهم عن ما أوجبه الله عليهم.

стр. 3629

حكم شرب الدخان والشيشة س٨: ما هو حكم شرب الدخان والشيشة؟ ج٨: حكم ذلك أنها من المحرمات؛ لما فيها من الخبث والأضرار الكثيرة، فالله سبحانه إنما أباح لعباده الطيبات وحرم عليهم

стр. 3630

الخبائث، كما قال جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) وقال سبحانه في وصف نبيه ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) فجميع أنواع التدخين ليست من الطيبات، بل كلها من الخبائث؛ لما فيها من الأضرار الكثيرة، فليست من الطيبات التي أباحها الله. فالواجب تركها، والحذر منها، وجهاد النفس في ذلك؛ لأن النفس أمارة بالسوء إلا من رحم الله، فينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه في ترك ما يضره من هذه الخبائث وغيرها.

стр. 3631

حكم لبس ساعة الذهب أو تشبه الذهب س٩: هل يجوز لبس ساعة الذهب أو الساعة الصفراء ذات اللون الذي كأنه لون ذهب؟ ج٩: يجوز ذلك للنساء، أما الرجل فلا يجوز له ذلك إذا كانت الساعة من الذهب أو مطلية بالذهب؛ لقول النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها (١) » . أما إن كان تشبه الذهب وليست ذهبا فالأولى للرجل: تركها؛ صيانة لعرضه عن التهمة بمخالفة الشرع المطهر.

стр. 3632

أفضل العلوم لزكاة النفوس في الدنيا والآخرة س١٠: ما هو أفضل العلوم لزكاة النفوس في الدنيا والآخرة الواجب على المسلم الالتزام به؟ ج١٠: أفضل العلوم لزكاة النفوس: توحيد الله سبحانه،

стр. 3633

وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وأصلها: توحيد الله، والإخلاص له، وتحقيق معنى لا إله إلا الله بإخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، والإخلاص له في كل الأعمال، ثم بقية الأوامر من الصلاة والزكاة وغير هذا، وترك ما حرم الله، مع مخالقة الناس بالخلق الحسن والحلم والصبر والجود والكرم وكف الأذى، هكذا يكون المؤمن، يقول النبي ﷺ : «البر حسن الخلق (١) » ، ويقول ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة - يعني في ضواحي الجنة - لمن ترك المراء وإن كان محقا، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه (٢) » . فالحلم، والجود، والكرم، وحسن الخلق، والمبادرة إلى الخيرات، والبعد عن السيئات، والحرص على نفع الناس، كل هذا من الأخلاق العظيمة التي تزكي النفوس، كما قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٣) أي: بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ واتباع شريعته، ونفع الناس ورحمتهم، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٤) أي: بالمعاصي والمخالفات. والله ولي التوفيق.

стр. 3634

تعليق على آراء العلماء المشاركين في ندوة (السحرة والمشعوذين) (١) .

стр. 3635

علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء على آراء العلماء المشاركين في الندوة التي عقدت بجامع الإمام: تركي بن عبد الله بالرياض حول السحرة والمشعوذين بقوله: سمعنا جميعا هذه الندوة المباركة العظيمة المفيدة في شأن السحر والسحرة من أصحاب الفضيلة: الشيخ يوسف بن محمد المطلق، والشيخ إبراهيم بن عبد الله الغيث، والشيخ عمر بن سعود العيد، ولقد أجادوا وأفادوا، وأوضحوا الكثير من شأن السحر والسحرة، وأعمالهم الخبيثة، وطرقهم المنحرفة، وعظيم ضررهم، وأوضحوا - أيضا - شيئا من العلاج والتوقي من شرهم، فجزاهم الله خيرا وضاعف مثوبتهم، وزادنا وإياكم وإياهم علما وهدى وتوفيقا، ونفعنا جميعا بما سمعنا وعلمنا. لا شك أن السحرة شرهم عظيم وخطرهم كبير، وهم موجودون من قديم الزمان، فقد كانوا في عهد فرعون، وقد استعان بهم في محاربة ما جاء به موسى ﵊، وجمعهم لذلك، فأبطل الله كيدهم، وأظهر موسى عليهم، وهدى الله السحرة فأسلموا؛ لما رأوا من الآيات العظيمة التي جاء بها موسى ﵊. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (١) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)

стр. 3636

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١) ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٢) ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) فالمقصود: أن السحرة استعان بهم الخبيث فرعون على موسى، وقال تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٤) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥) فالآيات الكريمات وما جاء في معناها تبين أن السحر له وجود وله حقيقة، وأن السحرة يستعملون سحرهم فيما يضر الناس. فالواجب الحذر منهم، وعدم إتيانهم، وعدم تصديقهم، والله جل وعلا هو القادر على إبطال سحرهم ولا يضرون أحدا إلا بإذنه سبحانه، كمل قال جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٦) فكل شيء بإذنه جل وعلا، لا يكون في هذا العالم شيء بغير علمه، فهو مدبر الأمور ، ولا يكون في ملكه ما لا يريد، فله الحكمة البالغة فيما يقع في هذا العالم من خير وشر. .. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٧) والنبي الكريم ﵊ حذر منهم، كما حذر منهم

стр. 3637

الله جل وعلا في كتابه العظيم، وأبان شرهم، وقد قال الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١) ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٢) ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٣) ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤) وهن: الساحرات ينفثن في العقد، ويقلن ما لديهن من الكلمات الباطلة، فيتم ما أردن بإذن الله، وقد لا يتم ذلك إذا لم يرد الله ذلك، فقد روى النسائي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك (٥) » . وقد أبان الله جل وعلا السحرة في قوله جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٦) فجعل تعليم السحر من أعمال الكفر، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٧) فدل ذلك على: أن تعلمه كفر، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٨) فمن أراد الله أن ينضر بذلك أصابه الضرر، ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (٩) فالضرر عظيم نعوذ بالله، ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (١٠) أي: من حظ ولا نصيب. نسأل الله العافية، ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١١) ثم قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٢) فدل على أنه ضد الإيمان وضد التقوى، وما ذلك إلا أنهم يتوصلون لسحرهم بعبادة الشياطين، والتقرب إليهم بما يريدون من ذبح ونذر وسجود

стр. 3638

وغير ذلك، فالسحرة يتقربون للشياطين بعبادتهم من دون الله، فيساعدونهم على ما يريدون من الضرر بالناس بكسب الدنيا. فالواجب على كل مسلم الحذر منهم، ومن سؤالهم، وقد أخبر النبي ﷺ : أن السحر من السبع الموبقات - يعني: المهلكات- كما في الصحيحين أنه ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١) » . فأعظمها الشرك بالله، ثم السحر، والسحر من الشرك؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بمن يرضون به وبما يريدون من ذبح ونذر وسجود وغير ذلك. وقد يكون سحرهم بالتخييل - ولم يتعرض المشايخ للتخييل - والله بين: أنهم أيضا يخيلون للناس، كما قال جل وعلا في سورة طه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) فهم قد يخيلون للناس بإلقاء حبال يظنون أنها حيات تسعى، وعصي كذلك يخيل للناظر أنها حيات، وإنما هي تخييل للأعين، فلما ألقى موسى عصاه التقفتها وذهبت بهذه الحبال والعصي، فلما رآها السحرة آمنوا وخروا سجدا مؤمنين بما جاء به موسى ﵊، ولما توعدهم فرعون لم يبالوا به ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٣) ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤)

стр. 3639

فالمقصود: أن السحرة قد يستعملون أشياء يغيرون بها الحقائق بإذن الله ، من أعمال كثيرة: من طعام وشراب وغير ذلك، وقد يخيلون تخييلا فيراه الرائي على غير ما هو عليه، يخيلون له أشياء فيرى الحبل أو العصا حية تمشي، وقد يخيل أنه خرج من فمه طيور أو حيات أو عقارب يخرجها من جوفه، وليس له حقيقة، كله تخييل، يلبس عليه بما يصنعون من التخييل، ومن ذلك أنهم يخيلون إليه قبح صورة امرأته حتى يكرهها ويبغضها، أو يخيل إليها قبح صورته إذا أقبل عليها حتى تكرهه وتبغضه ... إلى غير هذا مما يفعلون، وكله كفر، كل سحرهم كفر، سواء بأعمالهم الشيطانية التي يضرون بها الناس، أو بالتخييل الذي يخيل إلى الشخص أنه خلاف ما هو عليه، يخيل إليه أنه حيوان قبيح، ويخيل أن زوجها أسود بعدما كان أبيض، ويخيل إليها أن زوجها مريض إلى غير ذلك، وهو يخيل إليه أنها كذا وأنها كذا بسبب عمل السحرة، فعند ذلك تقع البغضاء والعداوة والفرقة. فالواجب على كل مسلم: أن يحذر هؤلاء، وأن يبتعد عن سؤالهم، وقد سمعت فيما ذكره الشيخ عمر شيئا من علاماتهم كسؤالهم عن الأم: أمك من هي؟ وسؤالهم: أصابك كذا وأصابك كذا فيما مضى، مما خبرهم به الجن، هذه من علامات أنهم سحرة وكهنة، والكاهن عند العرب: هو الشخص الذي له صاحب من الجن يخبره عن بعض الأشياء التي تقع، والغيب لا يعلمه إلا الله، يقول سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١) لكن هؤلاء يخبرون: أن قد وقع له كذا

стр. 3640

ووقع لأمه كذا، من الأشياء الواقعة التي حفظها الشياطين وأدلوا بها إليه، فالشياطين تخبر بها على الساحر، والساحر يخبر بها على المريض، فيظن المريض لجهله أن عنده علما، وأنه ينبغي أن يستطب، وأن يؤخذ بقوله. فالواجب الحذر من ذلك، وعدم سؤال السحرة والكهنة والمنجمين، فلا يسألون ولا يصدقون، يقول ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (١) » ، فكيف إذا صدقه؟ ويقول: «من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٢) » ﷺ . من صدقه في دعوى علم الغيب كفر، وإنما هم يخبرون عن أشياء واقعة، وأما علم الغيب فإلى الله، ما سيقع إلى الله وهم يخبرون عن أشياء، وقع لك كذا، أو لأمك أو لأبيك أو لأخيك أو لفلان، حتى يروجوا على الناس بأباطيلهم. فينبغي للمؤمن، بل الواجب عليه أن يحذر هؤلاء، ويحذر سؤالهم، ويتحرز بالأوراد الشرعية والأذكار الشرعية، ويبتعد عن خرافات السحرة والمشعوذين، ومن اعتصم بالله كفاه الله جل وعلا، لكن أكثر الناس ليس عندهم عناية بالأوراد الشرعية، ولا عناية بالقرآن، ولا عناية بما جاء عن النبي ﷺ ؛ ولهذا تتمكن منهم الشياطين، وتلبس عليهم، وتزين لهم الباطل؛ لجهلهم وإعراضهم، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤)

стр. 3641

وقد أخبر النبي ﷺ : أن الآيتين من آخر سورة البقرة إذا قرأهما الإنسان في ليلة كفتاه، وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (٣) » أي: كفتاه من كل شر، مع الإيمان الصادق ينفعك الله بهذه الأوراد الشرعية، وأخبر ﷺ أن من قرأ: قل هو الله أحد، والمعوذتين صباحا ومساء (ثلاث مرات) كفتاه من كل سوء، وهكذا عند النوم، فكان يقرؤها ﷺ عند النوم، ينفث في يديه: في كفيه، ويقرأ هذه السور الثلاث عند النوم (ثلاث مرات) ، ويمسح بهما على ما استطاع من جسده ورأسه ووجهه وصدره، وأخبر أنها تكفي من كل سوء، ولما أصابه السحر وكان يخيل إليه، كما قالت عائشة: يخيل إنه فعل الشيء ولم يفعله، أنزل الله هاتين السورتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٤) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٥) فاستعملهما ﷺ مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦) فذهب عنه ما يجيئه، وعافاه الله من ذلك، وقال ﷺ : «ما تعوذ متعوذ بمثل هاتين السورتين (٧) » . فالنصيحة لكل مسلم وكل مسلمة أن يقرأ هذه السور الثلاث

стр. 3642

قل هو الله أحد، والمعوذتين، صباحا ومساء وعند النوم، وفيها الكفاية والخير العظيم، تكفيه من شر السحر وغيره، وأن يكون مؤمنا صادقا مصدقا بما قاله الله ورسوله، وهكذا التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق من أعظم الأسباب في الوقاية، يقول ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١) » ، وإذا قالها ثلاثا كان أكمل، وجاءه رجل فقال: «يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ يعني: من الأذى، فقال ﷺ : أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك (٢) » . وهكذا ثبت عنه أنه ﷺ أنه قال: «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء (٣) » . فنوصي الجميع بهذه الأذكار، وهذه التعوذات الشرعية، وبذلك يحصل الخير العظيم والفائدة الكبيرة والوقاية من كل شر، ومما يعين العبد على ذلك: أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم ففيه الهدى والنور، فالإكثار من تلاوة القرآن فيه التبصير، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التوجيه إلى كل خير، اقرأ القرآن وتدبر معانيه، ففيه الخير العظيم، والدلالة على كل خير، والتحذير من كل شر، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤) ، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٥) أكثر من تلاوته ليلا ونهارا ففيه الشفاء

стр. 3643

والفائدة الكبيرة، يقول الرسول ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه (١) » ، وفيه إرشادك إلى أسباب النجاة، وتعرف الأعمال الطيبة حتى تعمل بها، وتعرف الأعمال الرديئة حتى تحذرها، تعرف صفات المؤمنين والأخيار حتى تأخذ بها، وتعرف صفات الأشرار حتى تحذرها، هذه من أعظم فوائد القرآن، تعرف أخبار الماضين وما جرى عليهم من أسباب أعمالهم الخبيثة وتحذرها، وتعرف أخبار الماضين وما حصل لهم من الخير، أخبار المؤمنين وأخبار الرسل بأسباب أعمالهم الطيبة، فتحرص على أعمالهم الطيبة، واقرأ كتب الأذكار التي ألفها العلماء، وفيها الفائدة العظيمة، وقد جمعت رسالة صغيرة فيها بعض الأذكار والأدعية مفيدة أيضا توجد بين الإخوان، توزع من دار الإفتاء سميتها: (تحفة الأخيار فيما يتعلق بالأدعية والأذكار) ، مختصرة فيما ورد عن النبي ﷺ ، وفيما دل عليه القرآن العظيم. فالمؤمن يعتني بالأذكار الشرعية، والدعوات الشرعية، وقد صح عنه ﷺ : «من تصبح بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره سحر ولا سم (٢) » ، وفي رواية: «مما بين لابتيها (٣) » ، يعني: من جميع تمر المدينة، العجوة وغير العجوة، كما رواه مسلم في الصحيح، ويرجى أن ينفع الله بذلك التمر كله، لكن نص على المدينة؛ لفضل تمرها والخصوصية فيه، ويرجى: أن الله ينفع ببقية التمر إذا تصبح بسبع تمرات، وقد يكون ﷺ ذكر ذلك؛ لفضل خاص، ومعلم خاص لتمر المدينة لا يمنع من وجود تلك الفائدة من أنواع التمر الأخرى التي أشار إليها ﵊، وأظنه جاء في بعض الروايات: "من تمر" من غير قيد.

стр. 3644

فالمقصود: أن الإنسان يأخذ بالأسباب، وأهمها: الأذكار الشرعية، والتعوذات الشرعية، هذا أهم الأسباب. أهمها: طاعة الله ورسوله، والاستقامة على دين الله، والحذر من المعاصي، هذا أهم الأسباب: الاستقامة على دين الله، والحذر مما حرم الله من المعاصي مع استعمال الأذكار الشرعية والدعوات الشرعية، هذه الأسباب التي أرشد الله إليها، وأرشد إليها رسوله ﵊، وفيها الكفاية. وأحذر من سؤال الكهنة والمنجمين والسحرة والعرافين ومن يتهم بذلك، أحذر غاية الحذر. أما الرقية الشرعية من المعروفين بالخير فلا بأس بها. ونسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا وإياهم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن شر كل ذي شر من الناس ومن الجن والإنس، كما نسأله سبحانه: أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، كما أسأله سبحانه: أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يكثر أعوانهم في الخير، وأن يمنحهم الهدى والتوفيق، وأن يجعلهم من أنصار دينه والدعاة إلى سبيله على بصيرة، وأن يعيذهم من شر كل ذي شر، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وأصحابه وسلم.

стр. 3645

ثم أجاب سماحته على أسئلة الحضور واستفساراتهم. وردا على سؤال عن مدى جواز توبة الساحر، وهل يقام عليه الحد بعدها؟ . أجاب سماحته: إذا تاب الساحر توبة صادقة فيما بينه وبين الله نفعه ذلك عند الله، فالله يقبل التوبة من المشركين وغيرهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) لكن في الدنيا لا تقبل. الصحيح: أنه يقتل، فإذا ثبت عند حاكم المحكمة أنه ساحر يقتل، ولو قال: إنه تائب، فالتوبة فيما بينه وبين الله صحيحة إن كان صادقا تنفعه عند الله، أما في الحكم الشرعي فيقتل، كما أمر عمر بقتل السحرة؛ لأن شرهم عظيم، قد يقولون: تبنا، وهم يكذبون، يضرون الناس، فلا يسلم من شرهم بتوبتهم التي أظهروها ولكن يقتلون، وتوبتهم إن كانوا صادقين تنفعهم عند الله.
следующие страницы →