← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وقد أخبر النبي ﷺ : أن الآيتين من آخر سورة البقرة إذا قرأهما الإنسان في ليلة كفتاه، وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (٣) » أي: كفتاه من كل شر، مع الإيمان الصادق ينفعك الله بهذه الأوراد الشرعية، وأخبر ﷺ أن من قرأ: قل هو الله أحد، والمعوذتين صباحا ومساء (ثلاث مرات) كفتاه من كل سوء، وهكذا عند النوم، فكان يقرؤها ﷺ عند النوم، ينفث في يديه: في كفيه، ويقرأ هذه السور الثلاث عند النوم (ثلاث مرات) ، ويمسح بهما على ما استطاع من جسده ورأسه ووجهه وصدره، وأخبر أنها تكفي من كل سوء، ولما أصابه السحر وكان يخيل إليه، كما قالت عائشة: يخيل إنه فعل الشيء ولم يفعله، أنزل الله هاتين السورتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٤) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٥) فاستعملهما ﷺ مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦) فذهب عنه ما يجيئه، وعافاه الله من ذلك، وقال ﷺ : «ما تعوذ متعوذ بمثل هاتين السورتين (٧) » . فالنصيحة لكل مسلم وكل مسلمة أن يقرأ هذه السور الثلاث

стр. 3642

قل هو الله أحد، والمعوذتين، صباحا ومساء وعند النوم، وفيها الكفاية والخير العظيم، تكفيه من شر السحر وغيره، وأن يكون مؤمنا صادقا مصدقا بما قاله الله ورسوله، وهكذا التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق من أعظم الأسباب في الوقاية، يقول ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١) » ، وإذا قالها ثلاثا كان أكمل، وجاءه رجل فقال: «يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ يعني: من الأذى، فقال ﷺ : أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك (٢) » . وهكذا ثبت عنه أنه ﷺ أنه قال: «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء (٣) » . فنوصي الجميع بهذه الأذكار، وهذه التعوذات الشرعية، وبذلك يحصل الخير العظيم والفائدة الكبيرة والوقاية من كل شر، ومما يعين العبد على ذلك: أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم ففيه الهدى والنور، فالإكثار من تلاوة القرآن فيه التبصير، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التوجيه إلى كل خير، اقرأ القرآن وتدبر معانيه، ففيه الخير العظيم، والدلالة على كل خير، والتحذير من كل شر، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤) ، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٥) أكثر من تلاوته ليلا ونهارا ففيه الشفاء

стр. 3643

والفائدة الكبيرة، يقول الرسول ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه (١) » ، وفيه إرشادك إلى أسباب النجاة، وتعرف الأعمال الطيبة حتى تعمل بها، وتعرف الأعمال الرديئة حتى تحذرها، تعرف صفات المؤمنين والأخيار حتى تأخذ بها، وتعرف صفات الأشرار حتى تحذرها، هذه من أعظم فوائد القرآن، تعرف أخبار الماضين وما جرى عليهم من أسباب أعمالهم الخبيثة وتحذرها، وتعرف أخبار الماضين وما حصل لهم من الخير، أخبار المؤمنين وأخبار الرسل بأسباب أعمالهم الطيبة، فتحرص على أعمالهم الطيبة، واقرأ كتب الأذكار التي ألفها العلماء، وفيها الفائدة العظيمة، وقد جمعت رسالة صغيرة فيها بعض الأذكار والأدعية مفيدة أيضا توجد بين الإخوان، توزع من دار الإفتاء سميتها: (تحفة الأخيار فيما يتعلق بالأدعية والأذكار) ، مختصرة فيما ورد عن النبي ﷺ ، وفيما دل عليه القرآن العظيم. فالمؤمن يعتني بالأذكار الشرعية، والدعوات الشرعية، وقد صح عنه ﷺ : «من تصبح بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره سحر ولا سم (٢) » ، وفي رواية: «مما بين لابتيها (٣) » ، يعني: من جميع تمر المدينة، العجوة وغير العجوة، كما رواه مسلم في الصحيح، ويرجى أن ينفع الله بذلك التمر كله، لكن نص على المدينة؛ لفضل تمرها والخصوصية فيه، ويرجى: أن الله ينفع ببقية التمر إذا تصبح بسبع تمرات، وقد يكون ﷺ ذكر ذلك؛ لفضل خاص، ومعلم خاص لتمر المدينة لا يمنع من وجود تلك الفائدة من أنواع التمر الأخرى التي أشار إليها ﵊، وأظنه جاء في بعض الروايات: "من تمر" من غير قيد.

стр. 3644

فالمقصود: أن الإنسان يأخذ بالأسباب، وأهمها: الأذكار الشرعية، والتعوذات الشرعية، هذا أهم الأسباب. أهمها: طاعة الله ورسوله، والاستقامة على دين الله، والحذر من المعاصي، هذا أهم الأسباب: الاستقامة على دين الله، والحذر مما حرم الله من المعاصي مع استعمال الأذكار الشرعية والدعوات الشرعية، هذه الأسباب التي أرشد الله إليها، وأرشد إليها رسوله ﵊، وفيها الكفاية. وأحذر من سؤال الكهنة والمنجمين والسحرة والعرافين ومن يتهم بذلك، أحذر غاية الحذر. أما الرقية الشرعية من المعروفين بالخير فلا بأس بها. ونسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا وإياهم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن شر كل ذي شر من الناس ومن الجن والإنس، كما نسأله سبحانه: أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، كما أسأله سبحانه: أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يكثر أعوانهم في الخير، وأن يمنحهم الهدى والتوفيق، وأن يجعلهم من أنصار دينه والدعاة إلى سبيله على بصيرة، وأن يعيذهم من شر كل ذي شر، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وأصحابه وسلم.

стр. 3645

ثم أجاب سماحته على أسئلة الحضور واستفساراتهم. وردا على سؤال عن مدى جواز توبة الساحر، وهل يقام عليه الحد بعدها؟ . أجاب سماحته: إذا تاب الساحر توبة صادقة فيما بينه وبين الله نفعه ذلك عند الله، فالله يقبل التوبة من المشركين وغيرهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) لكن في الدنيا لا تقبل. الصحيح: أنه يقتل، فإذا ثبت عند حاكم المحكمة أنه ساحر يقتل، ولو قال: إنه تائب، فالتوبة فيما بينه وبين الله صحيحة إن كان صادقا تنفعه عند الله، أما في الحكم الشرعي فيقتل، كما أمر عمر بقتل السحرة؛ لأن شرهم عظيم، قد يقولون: تبنا، وهم يكذبون، يضرون الناس، فلا يسلم من شرهم بتوبتهم التي أظهروها ولكن يقتلون، وتوبتهم إن كانوا صادقين تنفعهم عند الله.

стр. 3646

وفي سؤال آخر لسماحته عن حكم الصلاة على الساحر ودفنه في مقابر المسلمين بعد قتله. ج: إذا قتل لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يدفن في مقابر الكفرة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يكفن، ونسأل الله العافية.

стр. 3647

أسئلة ألقيت على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بعد تعليقه على ندوة (السحر وأنواعه)

стр. 3648

حكم من يرى: أن السحر لا يضر ما دام أنه لم يسبب شيئا من المشاكل. س ١: ما رأي سماحتكم في رجل استعمل الرقية، ولم ير أنها تنفعه فتحول إلى السحر، ويقول: إنه لا يضر ما دام أنه لا يسبب شيئا من المشاكل؟ ج ١: السحر منكر وكفر، وإذا كان المريض لم يشف بالقراءة فالطب أيضا لا يلزم منه الشفاء؛ لأنه ليس كل علاج ينفع ويحصل به المقصود، فقد يؤجل الله الشفاء إلى مدة طويلة، وقد يموت الإنسان بهذا المرض، وليس من شرط العلاج أن يشفى الإنسان، وليس ذلك بعذر إذا عالج عند إنسان بالقراءة ولم يظهر له الشفاء أن يتوجه إلى السحرة؛ لأن المكلف مأمور بتعاطي الأسباب الشرعية والمباحة، وممنوع من تعاطي الأسباب المحرمة، كما قال النبي ﷺ : «عباد الله، تداووا، ولا تداووا بحرام (١) » . وروي عنه ﷺ أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» . فالأمور كلها بيد الله سبحانه، فهو الذي يشفي من يشاء، ويقدر الموت والمرض على من يشاء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٣) الآية.

стр. 3649

فعلى المسلم الصبر والاحتساب، والتقيد بما أباح الله له من الأسباب، والحذر مما حرم الله عليه، مع الإيمان بأن قدر الله نافذ وأمره سبحانه لا راد له، كما قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 3650

ذكر السحر بعد الشرك وقبل القتل هل هو دليل على عظم خطره ؟ س ٢: ذكر السحر في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله قبل القتل مع عظم القتل في قوله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١) » . فهل هذا دليل على عظم خطره مع أن القتل أشنع، وقد قيل: «إن القتيل يأتي يوم القيامة تقطر أوداجه دما يوم القيامة ممسكا بمن قتله ليحاجه أمام الله: يا رب، سل هذا: فيم قتلني؟ (٢) » . ج ٢: ليس القتل بأشنع من الكفر، فالكفر أعظم من القتل؛ لأن صاحبه مخلد في النار إذا مات عليه. أما القتل فهو كبيرة من الكبائر لكنه دون الشرك، فالقتل أسهل من الشرك؛ لأن المشرك مخلد في النار أبد الآباد إذا مات على شركه، أما القاتل فقد يعفو الله عنه لأسباب كثيرة، وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، بل يخرج منها بعد بقائه فيها ما شاء الله، ويدخل الجنة إذا كان لم يستحل

стр. 3651

القتل، وقد مات على التوحيد والإيمان، كسائر أهل الكبائر دون الشرك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) والخلاصة: أن القتل دون السحر؛ لأن السحر كفر، ولا يتعاطاه الساحر إلا بعد كفره، وبعد عبادته للشياطين؛ ولهذا قرن بالشرك، وقال الله في حق السحرة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢) .

стр. 3652

الطريقة الشرعية للوقاية من السحر س ٣: ما هي الطريقة الشرعية للوقاية من السحر؟ . ج ٣: أن يسأل الله جل وعلا: العافية، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وأن يقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) في اليوم والليلة؛ لقول النبي ﷺ : «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء (١) » ، وكذلك إذا نزل بيتا فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (٢) » ، ويكرر في الصباح والمساء: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق (٣) » ثلاث مرات «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (٤) » ثلاث مرات، كذلك يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم.

стр. 3653

ومن أسباب السلامة أيضا قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) و (المعوذتين) بعد كل صلاة، فهي من أسباب السلامة، وبعد الفجر والمغرب (ثلاث مرات) : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) و (المعوذتين) ، هذه من أسباب السلامة أيضا مع الإكثار من ذكر الله جل وعلا، والإكثار من قراءة كتابه العظيم، وسؤاله : أن يكفيك شر كل ذي شر. ومن أسباب السلامة أيضا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن (٣) » . هذه من التعوذات التي يقي الله بها العبد الشر.

стр. 3654

هل هاروت وماروت ملكان أو بشران ؟ س ٤: هل هاروت وماروت ملكان أو بشران؟ نرجو بيان القول الراجح من أقوال العلماء في ذلك. ج ٤: اختلف العلماء في هذا. والأظهر: أنهما ملكان نزلا ابتلاء وامتحانا، كما قال الله : ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (١) الآية. وقال بعض أهل العلم: إنهما ملكان من بني آدم ابتلي الناس بهما. والقول الأول هو الأظهر. والقراءة على هذا في القول الأول بفتح اللام، وعلى القول الثاني بكسرها.

стр. 3655

فك السحر عن الزوج ليلة الزواج لما يسمى بـ: الربط عن زوجته.

стр. 3656

س ٥: يحدث عندنا في مصر أن كل إنسان حينما يتزوج في أول ليلة زواجه لا يقوم بواجبه نحو زوجته، بحجة أن هناك سحرا ويسمونه: رباط، أو مربوط، أو ربط، يعني: أنه مربوط عن زوجته ولا بد من شيء ليفكه، هل هذا صحيح؟ ج ٥: ليس ذلك بلازم ولكنه قد يقع، فقد يبتلى بعض الناس بأن يسحره غيره بما يمنعه عن زوجته؛ لقول الله : ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) الآية من سورة البقرة، ولكنه إذا استعمل التعوذات الشرعية كفاه الله شر السحرة وغيرهم، وأزال الله ذلك عنه متى وجد. وعليه أن يقرأ على نفسه آية الكرسي، والفاتحة، وآيات السحر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، ويزول بإذن الله، وقد جرب هذا كثيرا، قد يقرأ له قارئ طيب من أهل الخير والصلاح الذين يرجى فيهم الخير، يقرأ هذا في ماء فيشرب منه ويغتسل منه فيذهب عنه الأذى، أو يقرأ عليه وينفث عليه بذلك فيشفيه الله من ذلك، وكل هذا من أسباب العافية.

стр. 3657

هل للساحر توبة ؟ س ٦: أليس للساحر توبة؟ ج ٦: الصحيح: أنه لا توبة له في حكم الظاهر، بل يجب قتله متى ثبت أنه ساحر بالبينة الشرعية لدى المحكمة؛ حماية للمجتمع الإسلامي من شره. والأصل في ذلك: أن عمر ﵁ أمر عماله بقتل السحرة من غير استتابة، وهكذا حفصة ﵂ أم المؤمنين أمرت بقتل

стр. 3658

جارية لها سحرتها، ولم تستتبها. وثبت عن جندب بن عبد الله الصحابي الجليل ﵁ أنه قال: حد الساحر ضربه بالسيف. أما فيما بينه وبين الله فتوبته مقبولة إن صدق في ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «التوبة تهدم ما كان قبلها» ، وقوله ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢) » ، ولأن الله سبحانه قبل توبة المشركين وعفا عنهم، والساحر من جملتهم إذا تاب وصدق.

стр. 3659

أشكال الأذى التي يتعرض لها المبتلى بالسحر وهل يؤثر على عضو الرجل ؟ س٧: ما هي أشكال الأذى التي يتعرض لها الإنسان الذي يبتلى بالسحر؟ وهل يمكن بواسطة السحر التأثير على عضو الرجل؟ ج ٧: قد يترتب عليه آثار: منها الخبل، ومنها بغضه لإخوانه أو لزوجته، أو فلان أو فلانة، ومنها: حبسه عن زوجته، ومنها: أشياء غير ذلك، ومنها: أنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله.... إلى غير ذلك من أنواع الضرر.

стр. 3660

هل سحر رسول الله ﷺ ؟ س ٨: هل سحر رسول الله ﷺ ؟ . ج ٨: سحر وعافاه الله، فالسحر لم يؤثر على رسالته وعلى تبليغه، وإنما شيء أثر فيما بينه وبين أهله ثم زال بحمد الله لما أنزل الله عليه المعوذتين، ورقى نفسه بهما، فأزال الله عنه الأذى.

стр. 3661

حكم تعلم حل وفك السحر عن المسحور س ٩: هل يجوز تعلم حل أو فك السحر عن المسحور؟ . ج ٩: إذا كان بالشيء المباح من الأدعية الشرعية، أو الأدوية المباحة، أو الرقية الشرعية، فلا بأس، أما أن يتعلم السحر ليحل به السحر، أو لمقاصد أخرى فذلك لا يجوز، بل هو من نواقض الإسلام؛ لأنه لا يمكن تعلمه إلا بالوقوع في الشرك، وذلك بعبادة الشياطين من الذبح لهم، والنذر لهم، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والذبح لهم والتقرب إليهم بما يحبون حتى يخدموه بما يحب، وهذا هو الاستمتاع الذي ذكره الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١)

стр. 3662

حكم الذهاب لمن يدعي أنه يعالج السحر س ١٠: مرض لي أخ فترة طويلة من الزمن وذهبت به إلى كثير من المستشفيات ولكن لم يستفد من كل ذلك، وبعد ذلك قالوا: إن عنده بعض السحر، فذهبت به إلى شخص يدعي أنه يعالج مرض السحر، وعالجه بطرق غريبة حسب طرقهم الخاصة والمعروفة للجميع، وقد شفي بإذن الله، وسؤالي: هل أنا آثم بذلك؟ . ج ١٠: إذا كان معروفا بأنه يتعاطى السحر أو علم الغيب، فأنت آثم، وعليك التوبة إلى الله، والرجوع إليه، وعدم العود، وإن كان يتعاطى العلاج بالقراءة والأدعية المباحة فلا بأس؛ لقول النبي ﷺ :

стр. 3663

«من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (١) » رواه مسلم في الصحيح، وقوله ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٢) » ﵊. رواه أهل السنن بإسناد جيد، وقال أيضا ﵊: «ليس منا من سحر أو سحر له، وليس منا من تطير أو تطير له، وليس منا من تكهن أو تكهن له» . فلا يجوز للمسلم أن يأتي هؤلاء الكهنة أو السحرة أو العرافين - وهم الذين يدعون معرفة أمور الغيب - أو يسألهم، فقد يشفى المريض بأسباب كثيرة، وقد لا يشفى، وليس كل مريض يشفى، فقد يعالج بدواء لا يناسب داءه، وقد يكون أجله قد حضر فلا تنفع الأدوية، ونفع الأدوية مشروط بعدم حضور الأجل، كما قال الله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٣) أما إذا جاء الأجل فلا تنفع الأدوية. وفق الله الجميع.

стр. 3664

فوائد مهمة تتعلق بالعقيدة

стр. 3665

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذه فوائد تتعلق بالعقيدة: الفائدة الأولى: جميع الاعتقادات في النجوم، والبروج، والشهور، والأيام، والأماكن كلها باطلة إلا ما ثبت في الشرع المطهر. ولا شك أن الاعتقادات في النجوم التي يتعاطاها الكهنة، والمنجمون، والسحرة، والرمالون وغيرهم كلها اعتقادات موروثة عن الجاهلية، والكفرة من العرب والعجم، وعباد النجوم، ومن عباد الأوثان والأصنام، ومن غيرهم، فإن الشياطين من الإنس والجن يدخلون على الناس اعتقادات فاسدة إذا رأت قلوبهم خالية من العلم النافع، والبصيرة النافذة، والإيمان الصادق، فإنها تدس عليهم علوما فاسدة، واعتقادات خاطئة، فيتقبل أولئك هذه الاعتقادات الفاسدة، وهذه الأعمال السيئة؛ لأن لديهم قلوبا فارغة ليس فيها حصانة، وليس عندهم علم يردها ويدفعها؛ كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا فإن القلوب الخالية من العلوم النافعة تتقبل كل شيء، ويعلق بها كل باطل إلا من رحم الله، فإذا انتشرت العلوم النافعة في البلد أو في القبيلة أو في الدولة، وكثر علماء الخير والهدى والصلاح، وانتشرت العلوم التي جاء بها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ طفئت نار هؤلاء

стр. 3666

الشياطين، وخمدت حركاتهم، وانتقلوا إلى مكان آخر يجدون فيه الفرصة لنشر ما عندهم من الباطل، وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، كلما غلب الجهل كثرت الاعتقادات الفاسدة، والأعمال الضارة المخالفة لشرع الله . وكلما انتشر العلم الشرعي بين الناس في أي مكان، أو في أي قرية ارتحل عنها الجهل والبلاء، وارتحل عنها من يدعو إلى الاعتقادات الفاسدة والظنون الباطلة، والأعمال الشركية ... إلى غير ذلك. وبهذا يعلم أن الناس في أشد الضرورة والحاجة إلى العلم النافع؛ العلم بالله ، وبشرعه وبدينه وبكتابه وبسنة نبيه ﷺ ، وأن التعلق بالنجوم والبروج وغيرهما من المخلوقات أقسام: منها: ما هو كفر أكبر بلا شبهة، ولا خلاف بين أهل العلم، وهو: أن يعتقد أن هذه النجوم والبروج - وهي اثنا عشر برجا - أو الشمس، أو القمر، أو أحدا من الناس أن له التصرف في الكون، أو أنه يدبر بعض الكون فهذا شرك أكبر، وكفر أعظم، نسأل الله العافية؛ لأن الله مصرف الكائنات، ومدبر الأمور، لا مدبر سواه ، ولا خالق غيره، كما قال في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢)

стр. 3667

فهو مدبر الأمور ومصرف الكائنات، وليس معه شريك في ذلك، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي، ولا غير ذلك، ومن زعم أن لله تعالى شريكا في تدبير الأمور العلوية أو السفلية فقد كفر إجماعا. فهو سبحانه الواحد الأحد، الخالق الرازق، ليس له شريك في تدبير الأمور، ولا في خلق الأشياء، ولا شريك له في العبادة، وهو المتصرف في عباده كيف يشاء، كما أنه ليس له شريك في أسمائه ولا في صفاته، وله الكمال المطلق في أسمائه الحسنى وصفاته العليا جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦) الفائدة الثانية: كل من يعتقد أن لبعض النجوم تأثيرا في الحوادث والأحوال الفلكية من سير النجوم، والشمس، والقمر، وأن لها تأثيرا في هذه المخلوقات؛ في تدبيرها وتصريف شئونها، وأن هذه المخلوقات لها تصرف في الكون بإذن الله، ويزعم أن هذا التصرف بإذن الله، وأنها تدبر كذا وتدبر كذا، وهذا أيضا باطل وكفر وضلال. كما يعتقد هذا عباد القبور، فإن عباد القبور، وعباد المشايخ،

стр. 3668

وعباد الصالحين، وعباد الأصنام يعتقدون: أن الله جعل لها شيئا من التصرف في خلقه، وأن لبعض الأولياء تصرفا في الكون يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهذا باطل أيضا، وجهل وكفر وضلال - نسأل الله العافية - بل التصرف لله وحده، وإنما جعل للعباد أشياء محدودة كإعطاء الله الرجل ما يعينه على أسباب الرزق؛ كاليد، والعقل، والسمع، والبصر، وإعطائه ما يعينه على أسباب النسل والذرية؛ من النكاح، وجعل فيه الشهوة، والميل إلى النساء، وجعل للشمس أشياء محدودة من طبعها بسبب حرارتها، ولها آثار في النباتات، هذه الأشياء كلها من خلق الله سبحانه؛ كطبيعة القمر جعله الله تعالى سراجا منيرا، ويعرف به عدد الشهور والأعوام والحساب إلى غير ذلك، وكطبيعة الماء، وطبيعة النار وغيرهما. كل مخلوق جعل الله له طبيعة تخصه ليست متعلقة بالكائنات كلها، أما من ظن أن لبعض المخلوقات تصرفا في الكائنات، أو أن لها تدبيرا في الكائنات؛ من صنم، أو ولي، أو نبي، أو نجم، أو غير ذلك، فهذا كفر وضلال، نسأل الله العافية. الفائدة الثالثة: تتعلق بعلم التسيير لا التأثير: فالتسيير للنجوم والكواكب يستدل به على: أوقات البذر، وأوقات غرس الأشجار، والاستدلال على: جهة القبلة، وعلى دخول أوقات الصلاة، وعلى شبه ذلك، وتمييز الفصول بعضها من بعض، وتمييز الأوقات بعضها من بعض، وهذا يسمى بـ: علم التسيير، ولا بأس به، وهو معروف، فإن الله جعل لكل شيء وقتا مناسبا، وجعل سير الشمس والقمر والنجوم من الدلائل على هذه الأوقات التي يحتاج العباد إلى

стр. 3669

معرفة خصائصها، وما ينتفع به فيها، كما يستدل بالنجوم أيضا على البلدان، وعلى مواضع المياه التي يحتاجها الناس ويريدونها ... إلى غير ذلك، كما قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢) فالله جعل لهذه النجوم في سيرها - خصوصا النجوم المعروفة والنجوم الثابتة - عملا يستدل بها على أشياء كثيرة من أماكن البلاد وجهاتها، وجهة القبلة، وما أشبه ذلك حتى يهتدى بها، ويسار على ضوئها في تلك الأماكن الخافية، كل ذلك جعله سبحانه لمصلحة العباد. ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ لما خطب الناس في يوم مطير، قال لهم ﵊: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا:: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (٣) » . فهذا الذي يظن أو يعتقد: أن المطر من الكواكب، وأن لها تأثيرا فيه، فهذا هو الذي أنكره الله ، وبين الرسول ﷺ إنكاره، فإذا قال: مطرنا بنوء كذا، أو بنجم كذا، هو كافر بالله مؤمن بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بالله كافر بالكوكب. فتبين أن الكواكب ليس لها تأثير في المطر ولا في النبات، بل

стр. 3670

الله هو الذي ينزل المطر، ويخرج النبات وينفع عباده بما يشاء، وإنما جعل الله غيابها وطلوعها علامات يهتدى بها في البر والبحر، وسببا لصلاح بعض النبات ونموه، فإن الله تعالى جعل بعض المخلوقات سببا لبعض المخلوقات الأخرى، وهو الخالق للجميع، أما إذا أراد القائل بقوله: مطرنا بنوء كذا، بأنه وقت وظرف المطر الذي نزل فيه بإذن الله، مثل أن يقول: نزول المطر في وقت الثريا، في وقت الوسمي، ينبت به بإذن الله كذا وكذا، فيخبر بالأوقات التي جرت العادة بوجود هذه الأشياء فيها، فهذا لا بأس به، لكن يجب أن يأتي بـ (في) الدالة على الظرفية فيقول: مطرنا في الربيع، في الشتاء، في وقت ظهور النجم الفلاني، وما أشبه ذلك من باب الخبر عن الأوقات، ولا يجوز أن يقول: مطرنا بنوء كذا؛ لإنكار الله سبحانه ذلك، وحكمه على قائله بأنه كافر به، ولأن ذلك يوهم أن المطر منها؛ فلهذا جاء الحديث الصحيح بالنهي عن ذلك. ولهذا فرق أهل العلم بين مطرنا بنوء كذا وبين مطرنا في كذا وكذا في وقت النجم الفلاني، من باب الخبر عن الأوقات التي جرى فيها نزول المطر، أو جرى فيها النبات الفلاني أو الثمرة الفلانية التي جرت العادة أنها توجد في أوقات معينة، فهذا لا بأس به كما تقدم، وبه يعلم الفرق بين الجائز والمحرم. والله ولي التوفيق. الفائدة الرابعة: تتعلق بالسحر والسحرة: فنقول: لا شك أن تصديق السحرة والمنجمين والرمالين ونحوهم وسؤالهم لا يجوز؛ لأنهم يدعون علم الغيب بأشياء يتخذونها ويلبسون بها على الناس؛ من الخط في

стр. 3671

الأرض، أو ضرب الحصى، أو قراءة الكف، أو السؤال عن برج فلان وفلان، وأنه سيموت له كذا وكذا، أو يذكرون له اسم أمه وأبيه، وأنه إذا كان في وقت كذا كان كذا، وكل هذا باطل، وهو من أعمال المنجمين والسحرة والكهان والمشعوذين، فلا يجوز تصديقهم ولا سؤالهم؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن سؤالهم وتصديقهم، «فقد ثبت أن معاوية بن الحكم جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن عندنا كهانا. قال: لا تأتوهم. قال: وإن منا أناسا يتطيرون. قال: ذلك شيء يجده أحدكم في صدره فلا يصدنكم (١) » . وقال ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٢) » . خرجه مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي، وقال ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٣) » ﷺ ، وقال ﷺ : «الطيرة شرك. قالها ثلاثا (٤) » . فبين ﵊ أن هذه الأمور من أعمال الجاهلية التي يجب اجتنابها وطرحها والحذر منها، وأن لا يؤتى أهلها ولا يسألوا ولا يصدقوا؛ لأن إتيانهم وسؤالهم فيه رفع لشأنهم، ويسبب شيوع أمرهم في البلاد، وتصديق الناس لهم فيما يقولون من الأمور الباطلة التي لا أساس لها، ويسبب بعضها وقوع الشرك، وأنواعا من الباطل والمنكرات، وقد أخبر ﷺ : أن الشياطين تسترق السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من السماء مما تتحدث به الملائكة فيكذبون معها مائة كذبة، فيصدقهم الناس بكذبهم؛ بسبب تلك الكلمة التي استرقوها. فيجب على ولاة الأمور الإنكار عليهم، وعقابهم بما يستحقون شرعا، وأعظم من ذلك من ادعى علم الغيب فإنه يستتاب، فإن تاب

стр. 3672

وإلا قتل كافرا، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه، كما قال : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) الآية من سورة النمل. ولما سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة، قال: «ما المسئول بأعلم من السائل (٢) » . والمعنى: أني لا أعلمها أنا ولا أنت، قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) الآية. وقال سبحانه في سورة النمل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) الآية، وقال سبحانه في سورة النازعات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٦) ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (٧) ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهكذا السحرة يدعون علم الغيب ومن شأنهم التلبيس على الناس، فالواجب قتلهم من غير استتابة على الصحيح. وقد وجد في عهد عمر ﵁ ثلاثة من السحرة، وسئل

стр. 3673

عنهم، فأمر بقتلهم جميعا؛ لأن السحرة ضررهم عظيم مع دعواهم علم الغيب، فيضرون الناس كثيرا. ومن أعمالهم الخبيثة: الصرف، والعطف، والتفريق بين الزوجين والأقارب، بما يفعلون من أعمال السحر وأنواعه الذي يضر الجميع، ويبغض هذا لهذا وهذا لهذا، مما يتلقونه من الجن والشياطين ويخدمونهم به، فالجن تخدم الإنس، والإنس تخدم الجن؛ فالجن تخدم الإنس بإخبارهم ببعض الحوادث في البلدان القريبة والبعيدة، وتعينهم على ظلم الناس، والإنس تخدم الجن بعبادتهم من دون الله، ودعائهم، والنذر لهم، والذبح لهم، ونحو ذلك. وهذا هو استمتاع بعضهم ببعض المذكور في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) فعلى ولاة الأمور؛ من الأمراء والعلماء أن يمنعوا الشرور التي تقع في بعض البلدان من السحرة والمنجمين والكهنة، وأن يجعل في الناس من يسأل عنه حتى يقضى عليهم، فالذي يستحق القتل يقتل، والذي يستحق الحبس يحبس، حتى يسلم الناس من شرهم، ولا يجوز التستر عليهم؛ لما يتعلق بوجودهم من الخطر العظيم والشر الكثير، وقد يعالج بعضهم الناس بالطب العربي وهو يكذب عليهم؛ ليعالجهم بالشعوذة وخدمة الجن، وعبادة الجن من دون الله فينجح مرة ويفشل مائة مرة، وهذا كله من التدليس والتلبيس على

стр. 3674

الناس إدخال الشر عليهم، فبعضهم يقول: هات اسم أمك، هات كذا، هات كذا، وأنا أعرف مرضك وأعطيك الدواء المناسب، فيأخذون الأموال الكثيرة ثم لا يفيدونهم بشيء، ولو أفادوهم لم يكن ذلك مسوغا للمجيء إليهم وسؤالهم ولا تصديقهم، فالشيطان قد يعرف دواء المرض لكن خطره وشره أخطر وأعظم. فالحاصل: أن الاستفادة منهم في بعض الأحيان لا تسوغ المجيء إليهم ولا سؤالهم، ولو زعم بعض الناس أنهم يفيدونهم وأنهم يعالجون المرض بالطب الشعبي ما داموا قد عرفوا أنهم كهان أو سحرة أو مشعوذون، فقد قال الرسول ﷺ : «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو لسحر له» . وقد حذر الرسول ﷺ من هؤلاء، وكانوا موجودين في الجاهلية، فقد كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليهم ويسألونهم عن علم الغيب؛ لجهلهم وضلالهم، وقد أغنى الله تعالى المسلمين عن ذلك بما شرع الله لهم من الأحكام وبما أباح لهم من الرقية الشرعية، والأدعية، والأدوية المباحة، وقد بين كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ ذلك، وجعل الله لهم الشرع حاكما بين الناس يرجعون إليه في كل شيء، فلا حاجة لهم إلى الكهنة، ولا إلى المشعوذين والعرافين والسحرة الذين يتعلمون أشياء يضرون بها الناس، ويفرقون بها بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١)

стр. 3675

فهذه الأشياء السحرية قد تقع، لكن بإذن الله ومشيئته ، لا يقع في ملكه ما لا يريد جل وعلا، وإن كانت هذه الأشياء تجري بمشيئة الله وقدره، فيجب أن نعالج قدر الله بقدره، ويجب أن نحارب كل الشرك والمعاصي، مع العلم بأنه لا يقع شيء منها إلا بمشيئته جل وعلا، ولكنه سبحانه شرع لنا أن نحاربها، وأن نمتنع منها، وأن تقام فيها الحدود الشرعية. فالواجب على العلماء وولاة الأمور أن يحاربوا ما حرم الله ورسوله بما شرع الله من إقامة الحدود والتعزيرات بما يقضي على وجود المنكرات والكفر والضلال. وهكذا الطيرة: مثل أن يتطير الإنسان من طائر، أو حمار، أو شهر كصفر وغيره، أو يوم كيوم الأربعاء وغيره، أو من إنسان، والطيرة هي التي تردك عن حاجتك، وهي من الشرك الأصغر، فيجب الحذر من ذلك، وهكذا إذا تشاءم الإنسان من طائر ينعق كالغراب، أو من البومة، فإذا رآها ذلك اليوم قال: لا أسافر، أو إذا نزلت في بيته تشاءم وظن أنه سيحدث سوء في البيت، وهذا من عمل الجاهلية؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك (١) » ، وفي لفظ آخر: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك (٢) » . فالمسلم يعتصم بالله ويتوكل عليه، ويعمل بالأسباب الشرعية

стр. 3676

ولا يتأثر بهذه الأشياء، ولا يتعلق بها، ولا ترده عن حاجته، فإذا ردته عن حاجته وقع في الشرك وشابه أهل الجاهلية، بل على المسلم أن يتوكل على الله . والتوكل على الله يتضمن أمرين: أحدهما: الاعتماد على الله تعالى، والإيمان بأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئته وقدره. الثاني: الأخذ بالأسباب الشرعية والمباحة في علاج ما ينزل به من الحوادث فيجمع بين الأمرين: الإيمان بالقدر، وفعل الأسباب. فالمسلم يعلم أن المرض بإذن الله ، ولكن يعالجه بالأسباب الشرعية والأدوية المباحة، كما يعالج الظمأ بالشرب، ويعالج الجوع بالأكل، ويعالج الخوف بأسباب الأمن، ويعالج أخطار السرقة بإغلاق بابه، وما أشبه ذلك. وكذلك في البرد يستدفئ بالنار وبالملابس، وهو مع هذا يؤمن بأن كل شيء بيد الله جل وعلا؛ ولهذا قال الرسول ﵊: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان (١) » أخرجه مسلم في الصحيح (٢) . فالمسلم يعالج مريضه ويأخذ بالأسباب، فإذا مات له ميت احتسب وقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل "، ولا يقول: لو أني سافرت إلى بلاد كذا لكان كذا، وكذلك عليه أن يبيع

стр. 3677

ويشتري ويأخذ بالأسباب، فإذا خسر فليقل: " إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل "، ولا يقول: لو أني بعت هذه البضاعة في مكان كذا لكان كذا، انتهى الأمر، وما كتبه الله قد وقع فلا اعتراض على قدر الله، ولكن الأخذ بالأسباب مشروع، فانظر وتأمل إذا كان البيع والشراء في المحل الفلاني أحسن فاعمل بذلك أولا، وأما بعد وقوع الحادث أو الخسارة في البيع فقل: " قدر الله وما شاء فعل "، ودع كلمة (لو) فإنها تفتح عمل الشيطان، كما قال النبي ﷺ . والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. الفائدة الخامسة: بيان وجوب تطبيق السنة المطهرة ومكانتها في الإسلام: لا شك أن السنة المطهرة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط فقد ضل ضلالا بعيدا، وكفر كفرا أكبر، وارتد عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلا عظيما من أصول الإسلام قد أمر الله بالرجوع إليه، والاعتماد عليه، والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم وكذب به وجحده. وقد أجمع علماء الإسلام على أن الأصول المجمع عليها ثلاثة: الأصل الأول: كتاب الله، والأصل الثاني: سنة رسول الله ﵊، والأصل الثالث: إجماع أهل العلم.

стр. 3678

وتنازع أهل العلم في أمور أخرى أهمها القياس، والجمهور على أنه أصل رابع إذا استوفى شروطه المعتبرة. أما السنة فلا نزاع ولا خلاف على أنها أصل مستقل، وأنها هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن الواجب على جميع المسلمين، بل على جميع الأمة: الأخذ بها، والاعتماد عليها، والاحتجاج بها إذا صح السند عن رسول الله ﵊. وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات، وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﵊، كما دل على هذا المعنى إجماع أهل العلم قاطبة على وجوب الأخذ بها، والإنكار على من أعرض عنها أو خالفها، وقد نبغت نابغة في صدر الإسلام أنكرت السنة: وهم الخوارج، فإن الخوارج كفروا كثيرا من الصحابة وغيرهم، وصاروا لا يعتمدون بزعمهم إلا على كتاب الله ؛ لسوء ظنهم بأصحاب رسول الله ﷺ ، وتابعتهم الرافضة فقالوا: لا حجة إلا فيما جاء عن طريق أهل البيت فقط، وما سوى ذلك لا حجة فيه. ونبغت نابغة بعد ذلك - ولا يزال هذا القول يذكر ما بين وقت وآخر - وتسمى هذه النابغة الأخيرة: (القرامطة) ، ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط، ولأن الكتب قد يقع فيها الغلط ... إلى غير ذلك مما قالوه من الترهات والخرافات، والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط، وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا وكفروا بذلك كفرا أكبر بواحا، فإن الله أمر بطاعة رسوله ﵊، واتباع ما جاء به، ولو كان رسوله ﷺ لا يتبع

стр. 3679

ولا يطاع لم يكن للأوامر قيمة، وقد أمر أن تبلغ سنته، وكان إذا خطب أمر أن تبلغ سنته، فدل ذلك: على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع، وأن طاعته واجبة على جميع الأمة كما تجب طاعة الله ، ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحا، قال تعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) فقرن طاعة الرسول بطاعته، ثم علق الرحمة بطاعة الله ورسوله، وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) فأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وكرر الفعل في ذلك، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كان ما أمروا به لا يخالف أمر الله ورسوله، ثم نبه أن العمدة في ذلك على طاعة الله ورسوله، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ولم يقل: إلى أولي الأمر منكم، فدل ذلك: على أن الرد في مسائل النزاع والخلاف إنما يكون لله ولرسوله. قال العلماء: معنى إلى الله: أي إلى كتاب الله، ومعنى الرد إلى الرسول: أي إلى الرسول في حياته، ولسنته بعد وفاته ﵊، فعلم بذلك: أن سنته مستقلة، وأنها أصل مستقل من أصول الإسلام، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٦) إلى أن قال

стр. 3680

سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فجعل الفلاح لمن اتبعه ﵊ دون غيره، فدل ذلك على أن من أنكر سنته ولم يتبعه فإنه ليس بمفلح وليس من المفلحين، ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) فجعل الهداية باتباعه ﵊، وقال في آية أخرى من سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣) وقال في سورة النور أيضا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) وقال في آخر سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) وقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وبذلك يعلم أن المخالف لأمر النبي ﷺ على خطر عظيم من أن تصيبه فتنة بالزيغ والشرك والضلال أو عذاب أليم، وقال
следующие страницы →