← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

ولا يتأثر بهذه الأشياء، ولا يتعلق بها، ولا ترده عن حاجته، فإذا ردته عن حاجته وقع في الشرك وشابه أهل الجاهلية، بل على المسلم أن يتوكل على الله . والتوكل على الله يتضمن أمرين: أحدهما: الاعتماد على الله تعالى، والإيمان بأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئته وقدره. الثاني: الأخذ بالأسباب الشرعية والمباحة في علاج ما ينزل به من الحوادث فيجمع بين الأمرين: الإيمان بالقدر، وفعل الأسباب. فالمسلم يعلم أن المرض بإذن الله ، ولكن يعالجه بالأسباب الشرعية والأدوية المباحة، كما يعالج الظمأ بالشرب، ويعالج الجوع بالأكل، ويعالج الخوف بأسباب الأمن، ويعالج أخطار السرقة بإغلاق بابه، وما أشبه ذلك. وكذلك في البرد يستدفئ بالنار وبالملابس، وهو مع هذا يؤمن بأن كل شيء بيد الله جل وعلا؛ ولهذا قال الرسول ﵊: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان (١) » أخرجه مسلم في الصحيح (٢) . فالمسلم يعالج مريضه ويأخذ بالأسباب، فإذا مات له ميت احتسب وقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل "، ولا يقول: لو أني سافرت إلى بلاد كذا لكان كذا، وكذلك عليه أن يبيع

стр. 3677

ويشتري ويأخذ بالأسباب، فإذا خسر فليقل: " إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل "، ولا يقول: لو أني بعت هذه البضاعة في مكان كذا لكان كذا، انتهى الأمر، وما كتبه الله قد وقع فلا اعتراض على قدر الله، ولكن الأخذ بالأسباب مشروع، فانظر وتأمل إذا كان البيع والشراء في المحل الفلاني أحسن فاعمل بذلك أولا، وأما بعد وقوع الحادث أو الخسارة في البيع فقل: " قدر الله وما شاء فعل "، ودع كلمة (لو) فإنها تفتح عمل الشيطان، كما قال النبي ﷺ . والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. الفائدة الخامسة: بيان وجوب تطبيق السنة المطهرة ومكانتها في الإسلام: لا شك أن السنة المطهرة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط فقد ضل ضلالا بعيدا، وكفر كفرا أكبر، وارتد عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلا عظيما من أصول الإسلام قد أمر الله بالرجوع إليه، والاعتماد عليه، والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم وكذب به وجحده. وقد أجمع علماء الإسلام على أن الأصول المجمع عليها ثلاثة: الأصل الأول: كتاب الله، والأصل الثاني: سنة رسول الله ﵊، والأصل الثالث: إجماع أهل العلم.

стр. 3678

وتنازع أهل العلم في أمور أخرى أهمها القياس، والجمهور على أنه أصل رابع إذا استوفى شروطه المعتبرة. أما السنة فلا نزاع ولا خلاف على أنها أصل مستقل، وأنها هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن الواجب على جميع المسلمين، بل على جميع الأمة: الأخذ بها، والاعتماد عليها، والاحتجاج بها إذا صح السند عن رسول الله ﵊. وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات، وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﵊، كما دل على هذا المعنى إجماع أهل العلم قاطبة على وجوب الأخذ بها، والإنكار على من أعرض عنها أو خالفها، وقد نبغت نابغة في صدر الإسلام أنكرت السنة: وهم الخوارج، فإن الخوارج كفروا كثيرا من الصحابة وغيرهم، وصاروا لا يعتمدون بزعمهم إلا على كتاب الله ؛ لسوء ظنهم بأصحاب رسول الله ﷺ ، وتابعتهم الرافضة فقالوا: لا حجة إلا فيما جاء عن طريق أهل البيت فقط، وما سوى ذلك لا حجة فيه. ونبغت نابغة بعد ذلك - ولا يزال هذا القول يذكر ما بين وقت وآخر - وتسمى هذه النابغة الأخيرة: (القرامطة) ، ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط، ولأن الكتب قد يقع فيها الغلط ... إلى غير ذلك مما قالوه من الترهات والخرافات، والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط، وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا وكفروا بذلك كفرا أكبر بواحا، فإن الله أمر بطاعة رسوله ﵊، واتباع ما جاء به، ولو كان رسوله ﷺ لا يتبع

стр. 3679

ولا يطاع لم يكن للأوامر قيمة، وقد أمر أن تبلغ سنته، وكان إذا خطب أمر أن تبلغ سنته، فدل ذلك: على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع، وأن طاعته واجبة على جميع الأمة كما تجب طاعة الله ، ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحا، قال تعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) فقرن طاعة الرسول بطاعته، ثم علق الرحمة بطاعة الله ورسوله، وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) فأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وكرر الفعل في ذلك، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كان ما أمروا به لا يخالف أمر الله ورسوله، ثم نبه أن العمدة في ذلك على طاعة الله ورسوله، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ولم يقل: إلى أولي الأمر منكم، فدل ذلك: على أن الرد في مسائل النزاع والخلاف إنما يكون لله ولرسوله. قال العلماء: معنى إلى الله: أي إلى كتاب الله، ومعنى الرد إلى الرسول: أي إلى الرسول في حياته، ولسنته بعد وفاته ﵊، فعلم بذلك: أن سنته مستقلة، وأنها أصل مستقل من أصول الإسلام، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٦) إلى أن قال

стр. 3680

سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فجعل الفلاح لمن اتبعه ﵊ دون غيره، فدل ذلك على أن من أنكر سنته ولم يتبعه فإنه ليس بمفلح وليس من المفلحين، ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) فجعل الهداية باتباعه ﵊، وقال في آية أخرى من سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣) وقال في سورة النور أيضا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) وقال في آخر سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) وقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وبذلك يعلم أن المخالف لأمر النبي ﷺ على خطر عظيم من أن تصيبه فتنة بالزيغ والشرك والضلال أو عذاب أليم، وقال

стр. 3681

في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وهذه الآيات وما جاء في معناها كلها دالة على وجوب اتباعه وطاعته ﵊، وأن الهداية والرحمة والسعادة والعاقبة الحميدة كلها باتباعه وطاعته ﵊، فمن أنكر السنة فقد أنكر كتاب الله، ومن قال: إنه اتبع كتاب الله من دون السنة فقد كذب وغلط وكفر؛ لأن القرآن أمر باتباع النبي ﷺ ، فمن لم يتبعه فإنه لم يعمل بكتاب الله ولم يؤمن بكتاب الله؛ إذ كتاب الله أمر بطاعة الرسول ﷺ ، وأمر باتباعه وحذر من مخالفته، فمن زعم أنه يأخذ بالقرآن، ويتبع القرآن دون السنة فقد كذب؛ لأن السنة جزء من القرآن، فطاعة الرسول ﷺ جزء من القرآن، ودل على الأخذ بها القرآن، وأمر بالأخذ بها القرآن، فلا يمكن أن ينفك هذا عن هذا، ولا يمكن أن يكون الإنسان متبعا للقرآن بدون اتباع السنة، ولا يكون متبعا للسنة دون اتباع القرآن، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. ومما جاء في السنة عن رسول الله ﵊ ما رواه الشيخان في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني (٢) » . وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، من يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (٣) » . وهذا واضح في أن من

стр. 3682

عصى الرسول فقد عصى الله، ومن عصى الله فقد أبى دخول الجنة. وفي سنن أبي داود، وصحيح الحاكم بإسناد جيد، عن المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه (١) » . المراد بالكتاب: هو القرآن، ومثله معه: أي السنة - الوحي الثاني- «ألا يوشك رجل شبعان متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه (٢) » . وفي لفظ: «يوشك رجل شبعان على أريكته يحدث بالأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه اتبعناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (٣) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على جميع الأمة أن تعظم سنة رسول الله ﷺ ، وأن تعرف قدرها، وأن تأخذ بها، وتسير عليها، فهي الشارحة والمفسرة لكتاب الله ، والدالة على ما قد يخفى من كتاب الله، والمقيدة لما قد يطلق من كتاب الله، المخصصة لما قد يعم من كتاب الله، ومن تدبر كتاب الله وتدبر السنة عرف ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) فهو المبين للناس ما نزل عليهم ﵊ فإذا كانت سنته غير معتبرة ولا يحتج بها، فكيف يبين للناس دينهم وكتاب ربهم؟! هذا من أبطل الباطل. فعلم بذلك أنه ﷺ هو المبين لكتاب الله، كما قاله الله، وأنه

стр. 3683

المفسر لما قد يخفى من كتاب الله، وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فبين جل وعلا أنه أنزل الكتاب عليه ليبين للناس ما اختلفوا فيه، فإذا كانت سنته لا تبين للناس ولا يحتج بها بطل هذا المعنى، فهو يبين أنه هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، ويفصل النزاع بين الناس فيما اختلفوا فيه، فدل ذلك على أن سنته لازمة الاتباع وواجبة الاتباع، وليس هذا خاصا بأهل زمانه وصحابته ﵃، بل هو لهم ولمن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة، فإن الشريعة شريعة لزمانه ولمن بعد زمانه إلى يوم القيامة، فهو رسول الله إلى الناس عامة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤) فهو رسول الله إلى جميع العالم: الجن والإنس، العرب والعجم، الأسود والأبيض، الغني والفقير، الحكام والمحكومين إلى يوم القيامة، ليس بعده نبي، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام، فوجب أن تكون سنته موضحة لكتاب الله، وشارحة لكتاب الله، ودالة على ما قد يخفى من كتاب الله، وسنته جاءت بأحكام لم يأت بها كتاب الله، جاءت بأحكام مستقلة شرعها الله لم تذكر في كتاب الله ، من ذلك تفصيل

стр. 3684

الصلوات، والزكاة، وتفصيل أحكام الزكاة، وتفصيل أحكام الرضاع، فليس في كتاب الله إلا عن الأمهات والأخوات من الرضاع، وجاءت السنة ببقية المحرمات بالرضاع، فقال الرسول ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١) » ، وجاءت السنة بحكم مستقل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وجاءت بأحكام أخرى مستقلة لم تذكر في كتاب الله في أشياء كثيرة: في الجنايات، والديات، والنفقات، وأحكام الزكاة، والحج ... إلى غير ذلك. ولما قال بعض الناس في مجلس عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه: دعنا من الحديث وحدثنا عن كتاب الله، غضب عمران ﵁ وقال: لولا السنة كيف نعرف أن الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والفجر ركعتان؟! فالسنة بينت تفاصيل الصلاة، وتفاصيل الأحكام، ولم يزل الصحابة ﵃ يرجعون إلى السنة ويتحاكمون إليها، ويحتجون بها، ولما ارتد من ارتد من العرب قام الصديق ﵁ فدعا إلى جهادهم، توقف عمر في ذلك وقال: كيف نقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (٢) » ؟! قال الصديق ﵁: أليست الزكاة من حقها- من حق لا إله إلا الله - والله لو منعوني عناقا - أو قال: عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. ثم وافق المسلمون ووافق الصحابة كلهم، واجتمع رأيهم على قتال المرتدين بأمر الله ورسوله.

стр. 3685

ولما جاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأل، قال: ما أعلم لك شيئا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولكن سوف أسأل الناس، فسأل الناس، فاجتمع رأيهم أن رسول الله ﷺ قضى لها بالسدس عند عدم الأم، فقضى لها بالسدس ﵁ وأرضاه. وهكذا عثمان ﵁ أيضا، لما أشكل عليه حكم المعتدة من الوفاة هل تكون في بيت زوجها أو تنتفل إلى أهلها؟ فشهدت عنده فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيتها، فقضى بذلك عثمان. ولما سمع ابن عباس بعض الناس ينكر عليه الفتوى بالمتعة - أي متعة الحج - ويحتج عليه بقول أبي بكر وعمر ﵄، وأنهما يريان إفراد الحج، قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. ولما ذكر للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى جماعة يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان الثوري، ويسألونه عما لديه وعما يقول، قال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ولما ذكر عند أبي أيوب الأنصاري ﵁ رجل يدعو إلى القرآن وإلى ترك السنة، قال: (دعوه فإنه ضال) . والمقصود: أن السلف الصالح عرفوا هذا الأمر، ونبغت عندهم نوابغ بسبب الخوارج في هذا الباب، فاشتد إنكارهم عليهم، وضللوهم،

стр. 3686

مع أنه إنكار له شبهة بالنسبة إلى الخوارج، وما اعتقدوه في بعض الصحابة ﵃. أما هؤلاء المتأخرون المنكرون للسنة فقد أتوا منكرا عظيما، وبلاء كبيرا، ومعصية عظيمة، حيث قالوا: إن السنة لا يحتج بها، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها، وسار على هذا المنهج وأعلنه كثير من الناس في مصر وفي غيرها، وسموا أنفسهم بالقرآنيين، وقد جهلوا ما قاله علماء السنة، فقد احتاطوا كثيرا للسنة تلقوها أولا عن الصحابة حفظا ودرسوها وحفظوها حفظا كاملا، حفظا دقيقا بعناية تامة، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم ألف العلماء في القرن الثاني وفي القرن الثالث، وقد كثر ذلك في القرن الثالث، فألفوا الكتب وجمعوا الأحاديث حرصا على السنة وحفظها وصيانتها، فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك، ثم نقبوا عن الرجال وعرفوا ثقتهم من ضعيفهم، من سيئ الحفظ منهم، حتى حرروا ذلك أتم تحرير، وبينوا من يصلح للرواية ومن لا يصلح للرواية، ومن يحتج به ومن لا يحتج به. واعتنوا بما قد وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط وعرفوا الكذابين والوضاعين، فألفوا فيهم وأوضحوا أسماءهم، فأيد الله بهم السنة، وأقام بهم الحجة وقطع بهم المعذرة، وزال تلبيس الملبسين، وانكشف ضلال الضالين، وبقيت السنة بحمد الله جلية وواضحة لا شبهة فيها ولا غبار عليها، وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيرا، وإذا رأوا من أحد تساهلا بالسنة أو إعراضا أنكروا عليه، حدث ذات يوم عبد الله بن عمر ﵄ بقول النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١) » . فقال بعض أبنائه: والله لنمنعهن - عن اجتهاد منه وخوف من تساهل النساء في ذلك وليس

стр. 3687

قصده إنكار السنة - فأقبل عليه عبد الله وسبه سبا سيئا، وقال: أقول: قال رسول الله، وتقول: والله لنمنعهن؟! ورأى عبد الله بن مغفل المزني ﵁ بعض أقاربه يخذف بالحصى، فقال له: «نهى رسول الله ﷺ عن الخذف وقال: إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوا (١) » ثم رآه في وقت آخر يخذف، فقال: أقول لك: إن رسول الله نهى عن هذا ثم تخذف؟! لا أكلمك أبدا. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعظمون هذا الأمر جدا، ويحذرون الناس من التساهل بالسنة أو الإعراض عنها أو الإنكار لها بأي رأي من الآراء أو اجتهاد من الاجتهادات، وهكذا علماء السنة بعدهم. قال أبو حنيفة ﵀ في هذا المعنى: إذا جاء الحديث عن رسول الله فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن الصحابة فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال. وقال مالك ﵁: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، يعني: رسول الله ﵊. وقال أيضا: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها: وهو اتباع الكتاب والسنة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا ثم رأيتموني خالفته فاعلموا أن عقلي قد ذهب. وفي لفظ آخر قال: إذا جاء الحديث عن رسول الله وقولي يخالفه، فاضربوا بقولي الحائط. وقال أحمد ﵁: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي، وخذوا من حيث أخذنا.

стр. 3688

وكلام أهل العلم في هذا كثير، والأمر في ذلك واضح وجلي، وقد تكلم أهل العلم في هذا المقام كلاما كثيرا. كأبي العباس ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير رحمهم الله تعالى وغيرهم، وأوضحوا أن من أنكر السنة فقد ضل سواء السبيل. ومن عظم آراء الرجال وقدمها على السنة فقد ضل وأخطأ، وأن الواجب عرض آراء الرجال مهما عظموا على كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فما شهدا له بالقبول قبل وما لم يشهدا له بالقبول لم يقبل، والأصل في هذا: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وقد كتب الحافظ السيوطي ﵀ رسالة سماها: (مفتاح الجنة في الاحتجاح بالسنة) ، وذكر في أولها: أن من أنكر السنة وزعم أنه لا يحتج بها فقد كفر بالإجماع، ونقل كثيرا من كلام السلف في ذلك. فهذه مكانة السنة من الإسلام، وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأنها حجة مستقلة قائمة بنفسها يجب الأخذ بها والرجوع إليها متى صح السند عن رسول الله ﷺ بذلك. فنسأل الله تعالى التوفيق والسداد والاستقامة على ذلك، والعافية من كل ما يخالف شرعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3689

أسئلة وأجوبة على ما سبق العلاج لمن به صرف أو عطف أو سحر، وكيف ينجو المؤمن من ذلك ، وما الأدعية والأذكار لذلك الشيء؟

стр. 3690

س ١: ما العلاج لمن به صرف أو عطف أو سحر؟ وكيف يمكن للمؤمن أن ينجو من ذلك ولا يضره فعله؟ وهل هناك أدعية أو ذكر من القرآن والسنة لذلك الشيء؟ . ج ١: هناك أنواع من العلاج: أولا: ينظر فيما فعله الساحر، إذا عرف أنه مثلا جعل شيئا من الشعر في مكان، أو جعله في أمشاط، أو في غير ذلك، إذا عرف أنه وضعه في المكان الفلاني أزيل هذا الشيء وأحرق وأتلف فيبطل مفعوله ويزول ما أراده الساحر. ثانيا: أن يلزم الساحر إذا عرف أن يزيل ما فعل، فيقال له: إما أن تزيل ما فعلت أو تضرب عنقك، ثم إذا أزال ذلك الشيء يقتله ولي الأمر؛ لأن الساحر يقتل على الصحيح بدون استتابة، كما فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، وقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف (١) » ، ولما علمت حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن جارية لها تتعاطى السحر قتلتها. ثالثا: القراءة؛ فإن لها أثرا عظيما في إزالة السحر؛ وهو أن يقرأ على المسحور أو في إناء آية الكرسي وآيات السحر التي في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة طه، ومعها سورة الكافرون، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، ويدعو له بالشفاء والعافية، ولا سيما

стр. 3691

بالدعاء الثابت عن النبي ﷺ ، وهو: «اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (١) » . ومن ذلك ما رقى به جبرائيل النبي ﷺ ، وهو: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك (٢) » ويكرر هذه الرقية ثلاثا، ويكرر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) و (المعوذتين) ثلاثا. ومن ذلك أن يقرأ ما ذكرناه في ماء ويشرب منه المسحور، ويغتسل بباقيه مرة أو أكثر حسب الحاجة، فإنه يزول بإذن الله تعالى، وقد ذكر هذا العلماء ﵏، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في كتاب: (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) في باب (ما جاء في النشرة) وذكره غيره. رابعا: أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر ويدقها ويجعلها في ماء ويقرأ فيه ما تقدم من الآيات والسور السابقة والدعوات فيشرب منه ويغتسل، كما أن ذلك ينفع في علاج الرجل إذا حبس عن زوجته فتوضع السبع الورقات من السدر الأخضر في ماء فيقرأ فيه ما سبق ثم يشرب منه ويغتسل، فإنه نافع بإذن الله جل وعلا. والآيات التي تقرأ في الماء وورق السدر الأخضر بالنسبة للمسحورين، ومن حبس عن زوجته ولم يجامعها هي كما يلي: ١ - قراءة الفاتحة. ٢ - قراءة آية الكرسي من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)

стр. 3692

٣ - قراءة آيات الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (٢) ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (٣) ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٥) ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (٦) ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٧) ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (٨) ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٩) ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١٠) ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١١) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (١٢) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (١٤) ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (١٥) ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٦) ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١٧) ٤ - قراءة آيات في سورة يونس، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١٨) ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (١٩) ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢٠) ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢١) ٥ - قراءة آيات في سورة طه، وهي قوله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٢٢) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢٣) ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٢٤) ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (٢٥) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٢٦)

стр. 3693

٦ - قراءة سورة الكافرون. ٧ - قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين: وهما سورة الفلق والناس (ثلاث مرات) . ٨ - قراءة بعض الأدعية الشرعية مثل: " اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما " (ثلاث مرات) فهذا طيب، وإذا قرأ مع ذلك " باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك " (ثلاث مرات) فهذا طيب. وإن قرأ ما سبق على المسحور مباشرة ونفث على رأسه أو على صدره فهذا من أسباب الشفاء بإذن الله أيضا كما تقدم.

стр. 3694

حكم حرق الساحر بالنار س ٢: هل يجوز حرق الساحر بالنار؟ . ج ٢: لا يحرق بالنار أحد؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وقال: «إن النار لا يعذب بها إلا الله (١) » بل يقتل بالسيف.

стр. 3695

هل يجوز تغسيل المريض بدم الذبيحة ؟ س ٣: هل يجوز تغسيل المريض بدم الذبيحة؟ . ج ٣: لا يجوز؛ لأنه نجس فلا يجوز التداوي بالنجس.

стр. 3696

حكم الذهاب إلى الكهان لقتل الجن الذي بهم أو يخرجونهم . س ٤: هل يجوز لبعض الناس أن يذهبوا إلى الكهان؛ لعلمهم

стр. 3697

أنهم سوف يقتلون الجن الذي بهم أو يخرجونهم؟ . ج ٤: هذا كله لا يجوز؛ لأن الكهنة يستخدمون الشياطين حتى في عهد الجاهلية، والكاهن له صاحب من الجن يأتيه ويخبره أن في المكان الفلاني كذا، وفي المكان الفلاني حصل كذا، وفي الشام مات فلان إلى غير ذلك. فهكذا تتناقل الشياطين الأخبار، فيظن الجاهل أن هذا الكاهن أو الرمال يعلم الغيب، وإنما هي الشياطين تنقل له بعض الأخبار، فيتظاهر للناس أن عنده معلومات عن الغيب، وقد يستخدم بعض الشياطين الآخرين الذين لهم قوة من ملوك الشياطين ورؤسائهم، فيأتون بهذا الشيطان الذي تلبس في المريض أو في المجنون، فإذا أرضاهم هذا الإنسي بعبادتهم من دون الله أو نذر لهم وذبح لهم من دون الله - إذا أرضاهم بذلك، قد يحضرون الشيطان الذي تحت إمرتهم فيقولون: إما أن تفعل كذا وكذا وإلا قتلناك، وإلا سجناك، وإلا فعلنا بك كذا وكذا، فيدع عمله القبيح من أجل طاعته لسادته من الشياطين والرؤساء، فيحصل نفع للإنسان بهذه الطرق الخبيثة الشركية الضارة، وليس هذا بعذر، ولا يجوز إتيان هؤلاء الكهنة والعرافين أبدا، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم؛ لأن النبي ﷺ زجر عن ذلك. ولو قدر له أنه انتفع به بعض الناس عن طريق الشرك فليس بعذر، فعباد الجن قد ينتفعون بالجن لكن ضررهم أعظم، فقد يأتيهم الجني بأشياء أو بدراهم يسرقها، فهذا ليس بعذر في عبادة الجن واتخاذهم آلهة مع الله - نسأل الله العافية - وكان أهل الجاهلية تكلمهم الأصنام: تأتي الشياطين في جوف الأصنام فيكلمون الناس الذين يعبدونها من دون الله، ويقولون: جرى كذا وكذا، فيغرونهم بالشرك.

стр. 3698

من مات وهو يذبح للجن ويصر على ذلك هل يصلى عليه ويدعى له ؟

стр. 3699

س ٥: إذا مات إنسان وهو يذبح للجن، ومصر على ذلك هل يصلى عليه ويدعى له؟ . ج ٥: لا يجوز أن يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يعتبر من المسلمين، ولا يقبر معهم؛ لأنه مشرك. وهكذا الذي يدعو الجن أو الأولياء أو أهل القبور، وينذر لهم والعياذ بالله.

стр. 3700

كيف سحر الرسول ﷺ ؟ س ٦: كيف يسحر الرسول ﷺ والله يقول له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) ؟ وكيف يسحر وهو يتلقى الوحي عن ربه ويبلغ ذلك للمسلمين، فكيف يبلغ وهو مسحور وقول الكفار والمشركين: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٢) ؟ نرجو إيضاحها، وبيان هذه الشبهات. . ج ٦: هذا ثبت في الحديث الصحيح أنه وقع في المدينة، وعندما استقر الوحي واستقرت الرسالة، وقامت دلائل النبوة وصدق الرسالة، ونصر الله نبيه على المشركين وأذلهم، تعرض له شخص من اليهود يدعى: لبيد بن الأعصم، فعمل له سحرا في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر النخل، فصار يخيل إليه أنه فعل بعض الشيء مع أهله ولم يفعله، لكن لم يزل بحمد الله تعالى عقله وشعوره وتمييزه معه فيم يحدث به الناس، ويكلم الناس بالحق الذي أوحاه الله إليه، لكنه أحس بشيء أثر عليه بعض الأثر مع نسائه، كما قالت عائشة ﵂: «إنه كان يخيل إليه أنه فعل بعض الشيء في البيت مع أهله

стр. 3701

وهو لم يفعله» . فجاءه الوحي من ربه بواسطة جبرائيل ﵇ فأخبره بما وقع، فبعث من استخرج ذلك الشيء من بئر لأحد الأنصار فأتلفه، وزال عنه بحمد الله تعالى ذلك الأثر، وأنزل عليه سبحانه سورتي المعوذتين فقرأهما وزال عنه كل بلاء، وقال ﵊: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما (١) » ولم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يخل بالرسالة أو بالوحي، والله جل وعلا عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها. أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقا شديدا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ .

стр. 3702

معنى قول الله تعالى عن الكهنة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) الآية س ٧: نرجو إيضاح قول الله تعالى عن الكهنة ومن شابههم الذين تركوا طريق الله وذهبوا إلى الشياطين؛ ليتعلموا منهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، كيف يكون ذلك، وهل يحدث ذلك الضرر للمؤمنين الفاسقين؟ وما طريق الوقاية من هذه الشرور والأضرار حيث يروج كثير من

стр. 3703

الكهنة للعوام قدرتهم على ذلك؟ . ج ٧: قد تكون هذه الطرق الخبيثة من خدمة الشياطين، وخدمة من تعاطى هذه الأمور، وصحبتهم لهم، وتعلمهم منهم من أنواع السحرة والكهنة والرمالين والعرافين، وغيرهم من المشعوذين، فيتعاطون هذه الأمور من أجل المال، والاستحواذ على عقول الناس، وحتى يعظمهم الناس فيقولوا: إنهم يعرفون كذا ويعرفون كذا، وهذا واقع، والله يبتلي عباده بالسراء والضراء، ويبتلي عباده بالأشرار والأخيار، حتى يتميز الصادق من الكاذب، وحتى يتميز ولي الله من عدو الله، وحتى يتميز من يعبد الله، ويسعى في سلامة دينه، ويحارب الكفر والنفاق والمعاصي والخرافات، وبين من هو ضعيف في ذلك أو مخلد إلى الكسل والضعف، والله يميز الناس بما يبتليهم به من السراء والضراء، والشدة والرخاء، وتسليط الأعداء والجهاد. حتى يتبين أولياء الله من أعدائه المعاندين لدين الله، وحتى يتبين أهل القوة في الحق من الضعفاء والخاملين، وهذا واقع لا شك فيه، والتوقي لذلك مشروع بحمد الله، بل واجب، وقد شرع الله لعباده أن يتوقوا شرهم بما شرع سبحانه من التعوذات والأذكار الشرعية وسائر الأسباب المباحة، فقد قال النبي ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١) » أخرجه مسلم في صحيحه. وكما أخبر النبي ﷺ : أن «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات في المساء، لم يضره شيء حتى يصبح، ومن قالها ثلاث مرات في الصباح لم يضره شيء حتى يمسي (٢) » ، وكما أخبر النبي ﷺ : أن «من

стр. 3704

قرأ آية الكرسي حين ينام على فراشه لم يضره شيء حتى يصبح (١) » ، وهذا من فضل الله ، وأخبر ﷺ : أن «من قرأ سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) وسورتي الفلق والناس ثلاث مرات عند نومه لم يضره شيء» فهي من أسباب السلامة من كل سوء إذا قرأها المؤمن عند النوم (ثلاث مرات) ، وهكذا بعد الصلوات الخمس، ويشرع تكرارها بعد صلاة الفجر والمغرب ثلاثا، وذلك بعد أن ينتهي من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وذلك من فضل الله على عباده، وإرشاده لهم إلى أسباب العافية والوقاية من شر الأعداء. وهكذا من الأسباب الشرعية الإكثار من الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فهي من أسباب السلامة والعافية؛ لقول النبي ﷺ : «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه. وهكذا العناية بقراءة القرآن الكريم والإكثار منها بالتدبر والتعقل والعناية بأمر الله بطاعته وترك معاصيه. وهكذا الإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كلها من أسباب السلامة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من عمله (٤) » . متفق على صحته.

стр. 3705

ومما يجمع الخير كله للمسلم العناية بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ قولا وعملا، والأخذ بما أوصى به الله عباده وأمرهم به في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين، ومن ذلك أنه أوصى عباده بالتقوى وأمرهم بها في آيات كثيرة، ولا شك أن التقوى هي أعظم الوصايا؛ فهي وصية الله ، ووصية رسوله ﵊، وهي جامعة للخير كله. ومن جملة التقوى العناية بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد أوصى الله بذلك، فقال جل وعلا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) فقال أولا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٦) ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٧)

стр. 3706

والحكمة في ذلك كما قال جمع من أهل التفسير: أن الإنسان إذا تعقل ما خلق له وما أمر به، وما خوطب به، ونظر فيه وتأمله حصل له به التذكر، لما يجب عليه، ولما ينبغي له تركه، ثم بعد ذلك تكون التقوى: بفعل الأوامر وترك النواهي، وبذلك يكمل للعبد العناية بما قرأ، أو بما سمع، فإنه يبدأ بالتعقل والتذكر ثم العمل وهو المقصود. فالوصية بكتاب الله قولا وعملا تشمل الدعوة إليه، والذب عنه، والعمل به؛ لأنه كتاب الله الذي من تمسك به نجا، ومن حاد عنه هلك، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن النبي ﷺ أوصى بكتاب الله، وذلك حينما سئل عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى النبي ﷺ بشيء؟ قال: نعم، أوصى بكتاب الله. فالرسول ﷺ أوصى بكتاب الله لأنه يجمع الخير كله. وفي صحيح مسلم، عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﵊ أوصى في حجة الوداع بكتاب الله، فقال: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله من تمسك به نجا ومن أعرض عنه هلك (١) » . وفي صحيح مسلم أيضا، عن زيد بن أرقم ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (٢) » . فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (٣) » ، فالنبي ﷺ أوصى بكتاب الله، كما أوصى الله بكتابه، ثم الوصية بكتاب الله وصية بالسنة؛ لأن القرآن أوصى بالسنة وأمر بتعظيمها، فالوصية بكتاب الله وصية بسنة رسول الله ﷺ ، وهما الثقلان، وهما الأصلان اللذان لا بد منهما، من

стр. 3707

تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما هلك، ومن أنكر واحدا منها كفر بالله وحل دمه وماله، وقد جاء في رواية أخرى: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به؛ كتاب الله وسنتي» . أخرجها الحاكم بسند جيد. وقد عرفت أيها المسلم: أن الوصية بكتاب الله والأمر بكتاب الله وصية بالسنة وأمر بالسنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) الآية، ويقول أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣) الآية. وهناك آيات كثيرة يأمر فيها سبحانه بطاعته، وطاعة الرسول ﵊، والعلم النافع هو المتلقى عنهما والمستنبط منهما، فهذا هو العلم، فالعلم: قال الله سبحانه، وقال رسول الله ﷺ ، وما جاء عن الصحابة ﵃. لأنهم أعلم بكتاب الله وأعلم بالسنة، فاستنباطهم وأقوالهم يعين طالب العلم، ويرشد طالب العلم إلى الفهم الصحيح عن الله وعن رسوله ﵊، ثم الاستعانة بكلام أهل العلم بعد ذلك: أئمة الهدى؛ كالتابعين، وأتباع التابعين، ومن بعدهم من علماء الهدى، وهكذا أئمة اللغة يستعان بكلامهم على فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فطالب العلم يعنى بكتاب الله سبحانه، ويعنى بالسنة، ويستعين على ذلك بكلام أهل العلم المنقول عن الصحابة ومن بعدهم في

стр. 3708

كتب التفسير والحديث، وكتب أهل العلم والهدى؛ لكي يعرف معاني كتاب الله، فيتعلمه ويعمل به ويعلمه للناس؛ لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ومن ذلك قول الرسول ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » ، وقوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » . وقد حث الرسول ﷺ على المحافظة على كتاب الله وتدبر معانيه؛ لما في ذلك من الأجر العظيم، مثل قول الرسول ﵊: «من قرأ حرفا من القرآن فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (٣) » ، وقوله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» خرجه مسلم في صحيحه (٤) ، وأصحابه: هم العاملون به، كما في الحديث الآخر: وهو قوله ﷺ : «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما» . أخرجه مسلم في صحيحه (٥) . والآيات والأحاديث في فضل القرآن والعمل به وفضل السنة والتمسك بها كثيرة جدا. فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا والمسلمين للتمسك بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، والعمل بهما، إنه جواد كريم.

стр. 3709

حكم الذهاب إلى الكهان والعرافين (١) س: من: أ. ع. م - يقول: هل يجوز الذهاب إلى الكهان والعرافين والمشعوذين وسؤالهم والتداوي عندهم بالزيت ونحوه؟ . ج: لا يجوز الذهاب إلى العرافين والسحرة والمنجمين والكهنة ونحوهم، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم، ولا يجوز التداوي عندهم بزيت ولا غيره؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن إتيانهم وسؤالهم وعن تصديقهم؛ لأنهم يدعون علم الغيب، ويكذبون على الناس، ويدعونهم إلى أسباب الانحراف عن العقيدة. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه، وقال ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٣) » ﷺ ، وقال ﵊: «ليس منا من سحر أو سحر له، أو تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له» . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وفيما أباح الله من التداوي بالرقية الشرعية والأدوية المباحة عند المعروفين بحسن العقيدة والسيرة ما يكفي والحمد لله. والله ولي التوفيق.

стр. 3710

حكم الذهاب إلى السحرة والكهنة بقصد العلاج (١)

стр. 3711

س: قارئ يسأل: ما حكم الذهاب للسحرة والكهنة بقصد العلاج إذا كان مضطرا إلى ذلك؟ . ج: لا يجوز الذهاب إلى الكهان والسحرة والمشعوذين ولا سواهم، بل يجب أن ينبه عليهم ويؤخذ على أيديهم ويمنعوا؛ لقوله ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (١) » رواه مسلم، وقال ﷺ : «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٢) » ﷺ «وسئل عن الكهان، فقال: لا تأتوهم (٣) » ، والكهان يدعون علم الغيب بواسطة شياطينهم، فلا يجوز إتيان الكهان والعرافين، ولا سؤالهم عن شيء، بل يجب أن ينكر عليه، وأن يؤدب حتى لا يعود لشيء من ذلك، لكن يذهب إلى أهل الخير المعروفين بالرقية الشرعية فيرقونه.

стр. 3712

علاج السحر بعد وقوعه س: الأخت التي رمزت لاسمها بـ: ح. س. هـ - من مكناس في المغرب بعثت برسالة طويلة خلاصتها: سؤال عن: كيفية علاج السحر بعد وقوعه. . ج: يعالج السحر بعد وقوعه بالرقية الشرعية والأدوية المباحة، من المعروفين بحسن العقيدة والسيرة، من دون خلوة إذا كانت المريضة امرأة. والله ولي التوفيق.

стр. 3713

المصاب بالعين يعالج بالرقية الشرعية (١) س: تعاني أختي من مرض، وقد غلب على ظننا أنها أصيبت بالعين، وذلك منذ سنتين، وفي إحدى الليالي القريبة وقبل الفجر رأيت إحدى قريباتي وهي تنصحني بأخذ أختي لعلاجها عند شخص أسمته بأحد أحياء مدينتنا، وقولها: إنه سبق أن عالج مثل هذه الحالة بالرقية الشرعية، فبماذا تنصحوننا؟ جزاكم الله خيرا. . ج: يشرع علاج المصاب بالعين بالرقية الشرعية، من الرجل الثقة المعروف بذلك، أو المرأة المعروفة بذلك، لكن إذا كانت الرقية من الرجل فإنه لا يجوز أن يخلو بها، بل يجب أن يكون معهما ثالث تزول به الخلوة. وإن عرف العائن شرع استغساله بأن يغسل وجهه وكفيه في إناء ثم يغتسل به المعين؛ لقول النبي ﷺ في حق العائن: «وإذا استغسلتم فاغسلوا (٢) » . . والله ولي التوفيق.

стр. 3714

يجوز التداوي بالأدوية المباحة شرعا

стр. 3715

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من إخواننا المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، وأعاذني وإياهم من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فالموجب لهذا هو النصيحة والتذكير؛ عملا بقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة. ثلاث مرات. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣) » . ونظرا لكثرة المشعوذين في الآونة الأخيرة ممن يدعون معرفة الطب ويعالجون عن طريق السحر أو الكهانة، وانتشارهم في بعض البلاد واستغلالهم للسذج من الناس ممن يغلب عليهم الجهل - رأيت من باب النصيحة لله ولعباده أن أبين ما في ذلك من خطر عظيم على الإسلام والمسلمين؛ لما فيه من التعلق بغير الله تعالى، ومخالفة أمره وأمر رسوله ﷺ ، فأقول مستعينا بالله تعالى: يجوز التداوي اتفاقا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك؛ ليشخص له مرضه ويعالجه
следующие страницы →