← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم د \ م. أ. ح سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشير إلى كتابكم الذي جاء فيه: نرجو من فضيلتكم توضيح معاني هذه الآيات الكريمة التالية: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (١) والآية: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) والآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) والآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) وحديث الجارية الذي رواه مسلم، حينما سألها رسول الله ﷺ وقال: «أين الله؟ قالت: في السماء. وقال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال الرسول ﷺ : أعتقها؛ فإنها مؤمنة (٥) » . نرجو توضيح معاني هذه الآيات الكريمة، وتوضيح معنى حديث رسول الله ﷺ للجارية؟

стр. 3887

وأفيدك: بأن المعنى العام للآيات الكريمات والحديث النبوي الشريف، هو الدلالة على عظمة الله ، وعلوه على خلقه، وألوهيته لجميع الخلائق كلها، وإحاطة علمه وشموله لكل شيء كبيرا كان أو صغيرا، سرا أو علنا، وبيان قدرته على كل شيء، ونفي العجز عنه . وأما المعنى الخاص لها: فقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١) ففيها الدلالة على عظمة الكرسي وسعته، كما يدل ذلك على عظمة خالقه سبحانه وكمال قدرته، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه سبحانه محتاجة وفقيرة إليه، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٣) ففيها الدلالة على أن المدعو الله في السماوات وفي الأرض، ويعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه: الله، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن أو الإنس، وفيها الدلالة على سعة علم الله سبحانه، واطلاعه على عباده، وإحاطته بما يعملونه، سواء كان سرا أو جهرا، فالسر

стр. 3888

والجهر عنده سواء ، فهو يحصي على العباد جميع أعمالهم خيرها وشرها. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (١) فمعناها: أنه سبحانه هو إله من في السماء وإله من في الأرض، يعبده أهلهما، وكلهم خاضعون له، أذلاء بين يديه إلا من غلبت عليه الشقاوة فكفر بالله ولم يؤمن به، وهو الحكيم في شرعه وقدره، العليم بجميع أعمال عباده سبحانه. وقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) فمعناها: أنه مطلع سبحانه على جميع عباده، أينما كانوا يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله من الملائكة الكرام والكاتبين الحفظة أيضا مع ذلك يكتبون ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له. والمراد بالمعية المذكورة في هذه الآية عند أهل السنة والجماعة: معية علمه ، فهو معهم بعلمه، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء مع أنه سبحانه فوق جميع الخلق قد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، ولا يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) ثم ينبئهم يوم القيامة بجميع

стр. 3889

الأعمال التي عملوها في الدنيا؛ لأنه سبحانه بكل شيء عليم، وبكل شيء محيط، عالم الغيب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. أما حديث الجارية التي أراد سيدها إعتاقها كفارة لما حصل منه من ضربها، فقال لها النبي ﷺ : «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة (١) » ، فإن فيه الدلالة على علو الله على خلقه، وأن الاعتراف بذلك دليل على الإيمان، هذا هو المعنى الموجز لما سألت عنه. والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحيحة الدالة على أسماء الله وصفاته مسلك أهل السنة والجماعة، وهو: الإيمان بها، واعتقاد صحة ما دلت عليه، وإثباته له سبحانه على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو المسلك الصحيح الذي سلكه السلف الصالح واتفقوا عليه، كما يجب على المسلم الذي يريد السلامة لنفسه وتجنيبها الوقوع فيما يغضب الله العدول عن طريق أهل الضلال الذين يؤولون صفات الله، أو ينفونها عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وسبق أن صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى في إثبات العلو لله سبحانه، فنرفق لك نسخة منها؛ لمزيد الفائدة، كما نرفق لك نسخة من (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرحها للشيخ محمد خليل الهراس، وفيها بحث موسع في الموضوع الذي سألت عنه. ونسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل به، وأن يوفق الجميع لما يرضيه، إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3890

تفسير قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) الآية

стр. 3891

س: مذكور في القرآن الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١) فما معنى هذا؟ ج: قد ذكر أهل العلم ﵏ في تفسير هذه الآية ما معناه: أن هذه الآية خبر معناه النهي، أي: لا تكرهوا على الدين الإسلامي من لم يرد الدخول فيه؛ فإنه قد تبين الرشد، وهو دين محمد ﷺ وأصحابه وأتباعهم بإحسان، وهو توحيد الله بعبادته وطاعة أوامره وترك نواهيه ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢) وهو: دين أبي جهل وأشباهه من المشركين الذين يعبدون غير الله من الأصنام والأولياء والملائكة والأنبياء وغيرهم، وكان هذا قبل أن يشرع الله سبحانه الجهاد بالسيف لجميع المشركين إلا من بذل الجزية من أهل الكتاب والمجوس، وعلى هذا تكون هذه الآية خاصة لأهل الكتاب، والمجوس إذا بذلوا الجزية والتزموا الصغار فإنهم لا يكرهون على الإسلام؛ لهذه الآية الكريمة، ولقوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) فرفع سبحانه عن أهل الكتاب القتال إذا أعطوا الجزية والتزموا الصغار. وثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه «أخذ الجزية من مجوس هجر (٤) » ، أما من سوى أهل الكتاب والمجوس من الكفرة

стр. 3892

والمشركين والملاحدة فإن الواجب مع القدرة دعوتهم إلى الإسلام فإن أجابوا فالحمد لله، وإن لم يجيبوا وجب جهادهم، حتى يدخلوا في الإسلام، ولا تقبل منهم الجزية؛ لأن الرسول ﷺ لم يطلبها من كفار العرب، ولم يقبلها منهم، ولأن أصحابه ﵃ لما جاهدوا الكفار بعد وفاته ﷺ لم يقبلوا الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس، ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فلم يخيرهم سبحانه بين الإسلام وبين البقاء على دينهم، ولم يطالبهم بجزية، بل أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فدل ذلك على أنه لا يقبل من جميع المشركين ما عدا أهل الكتاب والمجوس إلا الإسلام، وهذا مع القدرة، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد صح عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى منها: قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (٢) » متفق على صحته، فلم يخيرهم النبي ﷺ بين الإسلام وبين البقاء على دينهم الباطل، ولم يطلب منهم الجزية. فدل ذلك: أن الواجب إكراه الكفار على الإسلام، حتى يدخلوا فيه ما عدا أهل الكتاب والمجوس؛ لما في ذلك من سعادتهم ونجاتهم

стр. 3893

في الدنيا والآخرة، وهذا من محاسن الإسلام؛ فإنه جاء بإنقاذ الكفرة من أسباب هلاكهم وذلهم وهوانهم وعذابهم في الدنيا والآخرة، إلى أسباب النجاة والعزة والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذا قول أكثر أهل العلم في تفسير الآية المسئول عنها، أما أهل الكتاب والمجوس فخصوا بقبول الجزية والكف عن قتالهم إذا بذلوها لأسباب اقتضت ذلك، وفي إلزامهم بالجزية إذلال وصغار لهم، وإعانة للمسلمين على جهادهم وغيرهم، وعلى تنفيذ أمور الشريعة ونشر الدعوة الإسلامية في سائر المعمورة، كما أن في إلزام أهل الكتاب والمجوس بالجزية حملا لهم على الدخول في الإسلام، وترك ما هم عليه من الباطل والذل والصغار؛ ليفوزوا بالسعادة والنجاة والعزة في الدنيا والآخرة، وأرجو أن يكون فيما ذكرنا كفاية وإيضاح لما أشكل عليكم. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه، إنه خير مسئول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3894

تفسير قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) الآية س: سائل يسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ج: هذه الآية نزلت في آخر حياة النبي ﷺ ، وكان الرسول ﷺ قد عهد إلى بعض المشركين عهدا معلوما، وبعضهم بينه وبينهم عهد مطلق، وبعضهم لا عهد له، فأنزل الله هذه الآية فيها البراءة من المشركين، وفيها نبذ العهود إليهم؛ ولهذا قال سبحانه:

стр. 3895

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (٢) الآية. فالله سبحانه أمر رسوله أن يتبرأ منهم، ومن كان له عهد فهو إلى مدته، ومن كان عهده مطلقا أو لا عهد له جعله الله له أربعة أشهر، وبعث الصديق ﵁ وعليا ﵁ ومن معهما في عام تسع من الهجرة ينادون في الموسم: من كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد أو له عهد مطلق فله أربعة أشهر، بعدها يكون حربا للرسول ﷺ إلا أن يدخلوا في الإسلام، هذا هو معنى الآية عند أهل العلم.

стр. 3896

تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) الآية س: سائل يسأل عن: تفسير الآية الرابعة من السورة الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ج: الذين لهم عهد أمر الله رسوله أن يتم عهدهم لهم، ما لم يغيروا أو ينقضوا العهد أو يظاهروا أعداء المسلمين، فإن ظاهروهم وجب قتالهم، وإن نقضوا العهد فكذلك، ولذلك لما ساعدت قريش بني بكر على خزاعة انتقض عهد قريش وبني بكر، وحاربهم النبي ﷺ يوم الفتح، ودخل مكة وفتحها عنوة عام ثمان من الهجرة؛ لنقضهم العهد؛ لأن خزاعة كانت في حلف النبي ﷺ ، وكانت بنو بكر في حلف قريش وعهدهم، فهجدت بنو بكر خزاعة - يعني: تعدت عليهم - وأتوهم

стр. 3897

بغتة - أي: فجاءة - وقاتلوهم وهم في حلف رسول الله ﷺ ، فاستنجدوا بالرسول ﷺ وطلبوا منه أن ينصرهم ووعدهم النصر، وكانت قريش قد ساعدتهم بالمال والسلاح؛ فلهذا غزاهم النبي ﷺ وفتح الله عليه مكة؛ لنقضهم العهد، وكان قد عاهدهم عشر سنين، فلما نقضوا العهد بمساعدتهم بني بكر انتقض عهدهم، وغزاهم النبي ﷺ وفتح الله عليه.

стр. 3898

تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) الآيات س: من الآية رقم ٧٦ إلى الآية رقم ٧٨ من سورة التوبة، إن أمكن تفسير مركز للآيات. وهل ينطبق ذلك على عبد قد عاهد الله على ترك معصية ما وأغلظ في القول بأن يسخط الله ويغضب عليه إن هو عاد إليها؟ ج: الآيات المشار إليها، وهي قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢) ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٤) هي دالة على أن من عاهد الله أن يفعل شيئا ثم أخلف عهده أنه بذلك قد تخلق بأخلاق المنافقين، وأنه على خطر عظيم من أن يعاقب بالنفاق في قلبه جزاء له على إخلافه الوعد وكذبه، وهو سبحانه بذلك يحذر عباده من أخلاق المنافقين، ويحثهم سبحانه على الصدق والوفاء بالعهود، ويوضح لهم سبحانه أنه يعلم سرهم

стр. 3899

ونجواهم، ولا يخفى عليه شيء من شئونهم، وهذا لا يمنع التوبة، فمن تاب إلى الله سبحانه توبة نصوحا تاب الله عليه من جميع الذنوب، سواء كانت كفرا أو نفاقا أو دونهما، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) وقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٤) » ، وصح أيضا عنه ﷺ أنه قال: «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها (٥) » .

стр. 3900

تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١) (٢) س: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٣) فما معنى الآية؟ وما المراد بالشرك في الآية الكريمة؟ ج: قد أوضح العلماء معناها كابن عباس وغيره. وأن معناها: أن المشركين إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض ومن خلقهم؟ يقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون الأصنام والأوثان؛ كاللات، والعزى، ونحوهما، ويستغيثون بها، وينذرون ويذبحون لها،

стр. 3901

فإيمانهم هذا هو: توحيد الربوبية، ويبطل ويفسد بشركهم بالله تعالى ولا ينفعهم، فأبو جهل وأشباهه يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وخالق السماوات والأرض، ولكن لم ينفعهم هذا الإيمان؛ لأنهم أشركوا بعبادة الأصنام والأوثان. هذا هو معنى الآية عند أهل العلم.

стр. 3902

تفسير قوله تعالى: ﴿الم﴾ (١) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢) س: ما تفسير هذه الآيات الكريمات منها قوله تعالى: ﴿الم﴾ (٣) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٤) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٥) ؟ أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآية الكريمة، ومن هم الروم المذكورون فيها؟ ج: الروم: هم النصارى المعروفون، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالا تارة يدال هؤلاء على هؤلاء، وتارة هؤلاء على هؤلاء، أخبر الله أنهم غلبوا، غلبتهم الفرس: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٦) ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٧) فوقع ذلك فغلبت الروم الفرس، وكان ذلك في أول مبعث النبي ﷺ حين كان الرسول ﵊ في مكة، وكان ذلك من الآيات والدلائل على صدقه ﷺ ، وأنه رسول الله حقا؛ لوقوع الأمر، كما أخبر الله به في كتابه العظيم.

стр. 3903

فالله جل وعلا هو العالم بالمغيبات، ويخبر نبيه بما يشاء منها ، كما أخبره عن الكثير مما يكون في آخر الزمان، كما أخبره فيما مضى من الزمان من أخبار عاد، وثمود، وقوم نوح، وفرعون وغيرهم، وكما أخبره أيضا ﵊ عما يكون يوم القيامة، ومن حال أهل الجنة وأهل النار إلى غير ذلك، فهذا من جملة الأخبار الغيبية التي أخبر بها القرآن ووقعت كما أخبر، وكان ذلك من علامة صدق الرسول محمد ﷺ ، وقد فرح المسلمون بذلك؛ لأن الروم أقرب إلى المسلمين من الفرس؛ لأنهم أهل كتاب، والفرس عباد أوثان؛ ولهذا قال : ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية.

стр. 3904

تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (١) الآية س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢) ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣) ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤) ؟ ج: هذه الآية الكريمة فسرها الرسول ﷺ لأبي ذر ﵁، وهو قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٥) ذكر النبي ﷺ لأبي ذر، قال: «يا أبا ذر أتدري ما مستقرها؟ فقال أبو ذر: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ : مستقرها أنها تسجد تحت عرش ربها ذاهبة وآيبة بأمره (٦) » ،

стр. 3905

سجودا الله أعلم بكيفيته . وهذه المخلوقات كلها تسجد لله وتسبح له جل وعلا تسبيحا وسجودا يعلمه سبحانه، وإن كنا لا نعلمه ولا نفقهه، كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) الآية، هذا السجود يليق به لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ومن هذا قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣) فالشمس تجري كما أمرها الله تطلع من المشرق وتغيب من المغرب إلى آخر الزمان، فإذا قرب قيام الساعة طلعت من مغربها، وذلك من أشراط الساعة العظمى، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فإذا انتهى هذا العالم وقامت القيامة كورت، كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٤) فتكور ويذهب نورها وتطرح هي والقمر في جهنم؛ لأنهما قد ذهبت الحاجة إليهما بزوال هذه الدنيا. والمقصود: أنها تجري لمستقر لها ذاهبة وآيبة، ومستقرها سجودها تحت العرش في سيرها طالعة وغاربة، كما تقدم ذكر ذلك

стр. 3906

في الحديث الصحيح، ذلك بتقدير العزيز العليم، وهو الذي قدر لها ذلك. العزيز، ومعناه: المنيع الجناب الغالب لكل شيء، العليم بأحوال خلقه . والله ولي التوفيق.

стр. 3907

تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١) س: ما هو المراد بكلمة (اللمم) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٢) . . . الآية؟ ج: إن علماء التفسير -يرحمهم الله- اختلفوا في تفسير ذلك، وذكروا أقوالا في معناه، أحسنها قولان: أحدهما: أن المراد به: ما يلم به الإنسان من صغائر الذنوب، كالنظرة والاستماع لبعض ما لا يجوز من محقرات الذنوب وصغائرها ونحو ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف، واحتجوا على ذلك بقوله سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣) قالوا: المراد بالسيئات المذكورة في هذه الآية: هي صغائر الذنوب، وهي: اللمم؛ لأن كل إنسان يصعب عليه التحرز من ذلك، فمن رحمة الله سبحانه أن وعد المؤمنين بغفران ذلك لهم إذا اجتنبوا

стр. 3908

الكبائر، ولم يصروا على الصغائر. وأحسن ما قيل في ثبوت الكبائر: إنها المعاصي التي فيها حد في الدنيا؛ كالسرقة، والزنى، والقذف، وشرب المسكر، أو فيها وعيد في الآخرة بغضب من الله أو لعنة أو نار؛ كالربا، والغيبة، والنميمة، وعقوق الوالدين. ومما يدل على غفران الصغائر باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر: قول النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، فهو مدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان الكلام، وزنى الأذن الاستماع، وزنى اليد البطش، وزنى الرجل الخطى، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١) » . ومن الأدلة على وجوب الحذر من الصغائر والكبائر جميعا وعدم الإصرار عليها: قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٣) القول الثاني: أن المراد باللمم: هو ما يلم به الإنسان من المعاصي، ثم يتوب إلى الله من ذلك، كما قال في الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (٤) الآية، وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) وما جاء في معنى ذلك من الآيات الكريمات، وقول النبي ﷺ :

стр. 3909

«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون (١) » ؛ ولأن كل إنسان معرض للخطأ. والتوبة النصوح يمحو الله بها الذنوب، وهي المشتملة على الندم على ما وقع من المعصية، والإقلاع عنها، والعزيمة الصادقة على ألا يعود إليها؛ خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء مغفرته. ومن تمام التوبة إذا كانت المعصية تتعلق بحق الآدميين؛ كالسرقة، والغضب، والقذف، والضرب، والسب، والغيبة، ونحو ذلك - أن يعطيهم حقوقهم، أو يستحلهم منها إلا إذا كانت المعصية غيبة - وهي: الكلام في العرض - ولم يتيسر استحلال صاحبها؛ حذرا من وقوع شر أكثر، فإنه يكفي في ذلك أن يدعو له بظهر الغيب، وأن يذكره بما يعلم من صفاته الطيبة، وأعماله الحسنة في الأماكن التي اغتابه فيها، ولا حاجة إلى إخباره بغيبته إذا كان يخشى الوقوع في شر أكثر. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحفظنا وإياكم من كل سوء، وأن يمن علينا جميعا بالاستقامة على دينه، والسلامة من أسباب غضبه، والتوبة إليه سبحانه من جميع ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم.

стр. 3910

تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ (١) الآيات س: أرجو تفسير قوله تعالى من سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) ، وما هي الأمور التي تنهى النفس عن الهوى؟ وهل يكون عمل المرأة من هذه الأمور التي يجب نهي النفس عنها في حالة عدم احتياجها

стр. 3911

للعمل ماديا؟ ج: هذه الآية آية عظيمة ومعناها واضح، وقبلها يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (١) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ (٤) الآية، أي: خاف القيام بين يدي الله؛ فلهذا نهى نفسه عن هواها المحرم، أي: نهاها عن المعاصي التي تهواها النفس، وهذا هو الذي له الجنة والكرامة؛ فإن النفس قد تميل إلى الزنا والخمر والربا، وإلى أشياء أخرى مما حرم الله، وتهوى ذلك لأسباب، فإذا وفق الله المؤمن أو المؤمنة لمحاربة هذا الهوى ومخالفته وعدم الانصياع إليه صار هذا من أسباب دخول الجنة. وعمل المرأة لا بأس به إذا كان مباحا أو مشروعا، ولا يترتب عليه شيء من المعاصي كالخلوة بالرجل الأجنبي، أو عصيان الزوج، أو نحو ذلك مما حرم الله عليها.

стр. 3912

تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) س: أرجو تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٤) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥) . ج: الآية الكريمة المذكورة على ظاهرها، والويل إشارة إلى شدة العذاب، والله سبحانه يتوعد المصلين الموصوفين بهذه الصفات التي ذكرها وهي قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٧) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٨) السهو عن الصلاة: هو الغفلة عنها والتهاون بشأنها، وليس المراد تركها؛ لأن الترك كفر أكبر وإن

стр. 3913

لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء. نسأل الله العافية. أما التساهل عنها: فهو التهاون ببعض ما أوجب الله فيها كالتأخر عن أدائها في الجماعة في أصح قولي العلماء، وهذا فيه الوعيد المذكور. أما إن تركها عمدا فإنه يكون كافرا كفرا أكبر، وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء كما تقدم؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » ، خرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح، ولقوله ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٢) » ، خرجه الإمام مسلم في صحيحه، فهذان الحديثان وما جاء بمعناهما حجة قائمة وبرهان ساطع على كفر تارك الصلاة وإن لم يجحد وجوبها. أما إن جحد وجوبها فإنه يكفر بإجماع العلماء ولو صلى، أما السهو فيها فليس هو المراد في هذه الآية، وليس فيه الوعيد المذكور؛ لأنه ليس في مقدور الإنسان السلامة منه، وقد سها النبي ﷺ في الصلاة غير مرة، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وهكذا غيره من الناس يقع منه السهو من باب أولى، ومن السهو عنها الرياء فيها كفعل المنافقين. فالواجب أن يصلي المؤمن لله وحده، يريد وجهه الكريم، ويريد الثواب عنده ؛ لعلمه بأن الله فرض عليه الصلوات الخمس فيؤديها إخلاصا لله، وتعظيما له، وطلبا لمرضاته ، وحذرا من عقابه. ومن صفات المصلين الموعودين بالويل: أنهم يمنعون الماعون، والماعون، فسر بـ: بالزكاة، وأنهم يمنعون الزكاة؛ لأن الزكاة قرينة

стр. 3914

الصلاة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) وقال آخرون من أهل العلم: إنه العارية، وهي التي يحتاج إليها الناس ويضطرون إليها. وفسره قوم بـ: الدلو لجلب الماء، وبالقدر للطبخ ونحوه. ولكن منع الزكاة أعظم وأكبر. فينبغي للمسلم أن يكون حريصا على أداء ما أوجب الله عليه، وعلى مساعدة إخوانه عند الحاجة للعارية؛ لأنها تنفعهم وتنفعه أيضا ولا تضره.

стр. 3915

مدى صحة قصة الغرانيق س: ورد في تفسير الجلالين في سبب نزول الآية (٥٢) من سورة الحج: أن الرسول ﵊ وهو يقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (١) ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٢) أن الشيطان ألقى على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فهل هناك ما يدل على صحة هذه القصة من أحاديث الرسول ﷺ أم هي من الإسرائيليات؟ أفيدونا أفادكم الله. ج: ليس في إلقاء هذه الألفاظ في قراءته ﷺ حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رويت عن النبي ﷺ في أحاديث

стр. 3916

مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إلقاء الشيطان في قراءته ﷺ في آيات النجم وهي قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (١) الآيات، شيء ثابت بنص الآية في سورة الحج، وهي قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فقوله سبحانه: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ (٣) أي: تلا، وقوله سبحانه: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٤) أي: في تلاوته، ثم إن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته؛ ابتلاء وامتحانا، كما قال سبحانه بعد هذا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥) الآيات. فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦) وصح عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (٧) » ، متفق على صحته. والله ولي التوفيق.

стр. 3917

شرح حديث: «أمرت أن أقاتل الناس (١) » الحديث

стр. 3918

س: سائل يرجو شرح هذا الحديث: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » . ج: هذا الحديث صحيح، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى (٢) » . . . الحديث، وهذا على ظاهره، فإن من أتى بالشهادتين وهو لا يأتي بهما قبل ذلك، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يعتبر مسلما حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام، يعني: إلا بما يوجبه الإسلام عليه بعد ذلك، كأن يزني فيقام عليه حد الزنا؛ إن كان بكرا فبالجلد والتغريب، وإن كان ثيبا فبالرجم الذي ينهي حياته، وهكذا بقية أمور الإسلام يطالب بها هذا الذي أسلم وشهد هذه الشهادة وأقام الصلاة وآتى الزكاة. فيطالب بحقوق الإسلام، وهو معصوم الدم والمال إلا أن يأتي بناقض من نواقض الإسلام، أو بشيء يوجب الحد عليه، وهكذا قوله في الحديث الآخر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٣) » . هذا الحديث مثل ذاك الحديث: من أتى بالتوحيد والإيمان بالرسالة فقد دخل في الإسلام، ثم يطالب بحق الإسلام، فيطالب

стр. 3919

بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، فإن أدى ما أوجب الله عليه فهو مسلم حقا، وإن امتنع عن شيء أخذ بحق الله فيه، وأجبر وألزم بحقوق الله التي أوجبها على عباده. وهذا هو الواجب على جميع من دخل في دين الإسلام أن يلتزم بحق الإسلام، فإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام.

стр. 3920

شرح حديث: «من علق تميمة فقد أشرك (١) » س: ذكر في الحديث: أن «من علق تميمة فقد أشرك (٢) » أرجو شرح هذا الحديث. ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٣) » ، رواه أحمد وأبو داود، والتمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع وبالحجب والحروز، وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له (٤) » ، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك (٥) » . والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي والله أعلم: أن من علقها سيعتقد فيها النفع، ويميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده، وكل ذلك كاف في إنكارها والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم، وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركا أكبر.

стр. 3921

صحة حديث: ليلة أسري بي رأيت نساء.. الحديث

стр. 3922

س: ما صحة حديث روي عن علي ﵁، «أنه دخل وفاطمة على رسول الله ﷺ ، فوجداه يبكي، فسئل عن ذلك، فقال: ليلة أسري بي رأيت نساء من أمتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهن؛ لما رأيت من شدة عذابهن، رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها» . .، إلخ الحديث؟ ج: هذا الخبر معروف يتداوله كثير من الناس، وهو باطل ومكذوب على النبي ﷺ ، وليس له أصل، وهو من الموضوعات المكذوبة على النبي ﷺ ، وعلى علي وفاطمة ﵄، وما أكثر ما يكذبه بعض الشيعة على علي ﵁. فينبغي لمن وقع في يده شيء من هذا أن يتلفه، ويخبر من حوله بأنه كذب. والله المستعان.

стр. 3923

وجوب بر الوالدين

стр. 3924

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن الله قرن حق الوالدين بحقه في آيات كثيرة، مثل قوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهذه الآيات تدل على وجوب برهما، والإحسان إليهما وشكرهما على إحسانهما إلى الولد من حين وجد في بطن أمه إلى أن استقل بنفسه وعرف مصالحه. وبرهما يشمل الإنفاق عليهما عند الحاجة، والسمع والطاعة لهما في المعروف، وخفض الجناح لهما، وعدم رفع الصوت عليهما، ومخاطبتهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، كما قال الله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٤) ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٥)

стр. 3925

وفي الصحيحين: عن النبي ﷺ أنه سئل: «أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله (١) » ، وقال ﷺ : «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» خرجه الترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، والأحاديث في وجوب برهما والإحسان إليهما كثيرة جدا. وضد البر: هو العقوق لهما، وذلك من أكبر الكبائر؛ لما ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ -ثلاثا- قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور (٢) » ، وفي الصحيحين أيضا، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه. قيل: يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٣) » ، فجعل ﷺ التسبب في سب الوالدين سبا لهما. فالواجب على كل مسلم ومسلمة العناية ببر الوالدين، والإحسان إليهما، ولا سيما عند الكبر والحاجة إلى العطف والبر والخدمة، مع الحذر كل الحذر من عقوقهما والإساءة إليهما بقول أو عمل. والله المسئول أن يوفق المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يفقههم
следующие страницы →