الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١) » .
واحتج أيضا بفعل النبي ﷺ تلك الليالي، وقال: إن الوحي قد انقطع وزال الخوف من فرضيتها، فصلاها المسلمون جماعة في عهده ﷺ ثم صلوها في عهد عمر واستمروا على ذلك.
والأحاديث ترشد إلى ذلك، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عنه ﷺ «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة (٢) » خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بأسانيد صحيحة فدل ذلك على شرعية القيام جماعة في رمضان، وأنه سنة الرسول ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وفي ذلك مصالح كثيرة في اجتماع المسلمين على الخير واستماعهم لكتاب الله وما قد يقع من المواعظ والتذكير في هذه الليالي العظيمة، ويشرع للمسلمين في هذا الشهر العظيم دراسة القرآن الكريم ومدارسته في الليل والنهار تأسيا بالنبي - صلى الله عليه
стр. 5812
وسلم - فإنه كان يدارس جبرائيل القرآن كل سنة في رمضان، ودارسه إياه في السنة الأخيرة مرتين، ولقصد القربة والتدبر لكتاب الله والاستفادة منه والعمل به وهو من فعل السلف الصالح، فينبغي لأهل الإيمان من ذكور وإناث أن يشتغلوا بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتعقلا ومراجعة لكتب التفسير للاستفادة والعلم.
стр. 5813
عدد ركعات صلاة التراويح (١)
س: ما عدد ركعات صلاة التراويح، وهل لها عدد محدد؟ وما أفضل ما تصلى به؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فقد ثبت عن النبي ﵊ ما يدل على التوسعة في صلاة الليل وعدم تحديد ركعات معينة، وأن السنة أن يصلي المؤمن وهكذا المؤمنة مثنى مثنى، يسلم من كل اثنتين، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر
стр. 5814
رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى (١) » .
فقوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى (٢) » خبر معناه الأمر، يعني: " صلوا في الليل مثنى مثنى " ومعنى مثنى مثنى يسلم من كل اثنتين، ثم يختم بواحدة وهي الوتر، وهكذا كان يفعل ﵊، فإنه كان يصلي من الليل مثنى مثنى ثم يوتر بواحدة ﵊ كما روت ذلك عائشة ﵂ وابن عباس وجماعة، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل عشر ركعات، يسلم من كل اثنتين، ثم يوتر بواحدة (٣) » ، وقالت ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا (٤) » متفق عليه.
وقد ظن بعض الناس أن هذه الأربع تؤدى بسلام واحد، وليس الأمر كذلك، وإنما مرادها أنه يسلم من كل اثنتين
стр. 5815
كما ورد في روايتها السابقة، ولقوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى (١) » ولما ثبت أيضا في الصحيح من حديث ابن عباس أنه ﵊ كان يسلم من كل اثنتين.
وفي قولها ﵂: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٢) » ما يدل على أن الأفضل في صلاة الليل في رمضان وفي غيره إحدى عشرة، يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة، وثبت عنها ﵂، وعن غيرها أيضا أنه ربما صلى ثلاث عشرة ركعة ﵊.
فهذا أفضل ما ورد، وأصح ما ورد عنه ﵊ الإيتار بثلاث عشرة أو إحدى عشرة ركعة، والأفضل إحدى عشرة، فإن أوتر بثلاث عشرة فهو أيضا سنة وحسن، وهذا العدد أرفق بالناس وأعون للإمام على الخشوع في ركوعه وسجوده وفي قراءته، وفي ترتيل القراءة وتدبرها، وعدم العجلة في كل شيء، وإن أوتر بثلاث وعشرين كما فعل ذلك عمر والصحابة ﵃ في بعض الليالي من رمضان فلا بأس؛ فالأمر واسع، وثبت عن عمر والصحابة ﵃ أنهم أوتروا بإحدى عشرة كما في حديث عائشة.
فقد ثبت عن عمر هذا وهذا، ثبت عنه ﵁ أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثا وعشرين. وهذا يدل على التوسعة في ذلك، وأن الأمر
стр. 5816
عند الصحابة واسع كما دل عليه قوله ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى (١) » .
ولكن الأفضل من حيث فعله ﷺ إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وسبق ما يدل على أن إحدى عشرة أفضل لقول عائشة ﵂: «ما كان يزيد ﷺ في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة (٢) » يعني غالبا.
ولهذا ثبت عنها ﵂ أنه صلى ثلاث عشرة وثبت عن غيرها فدل ذلك على أن مرادها الأغلب، وهي تطلع على ما كان يفعله عندها، وتسأل فإنها كانت أفقه النساء وأعلم النساء بسنة الرسول ﵊، وكانت تخبر عما يفعله عندها وما تشاهده وتسأل غيرها من أمهات المؤمنين ومن الصحابة، وتحرص على العلم، ولهذا حفظت علما عظيما وأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ بسبب حفظها العظيم وسؤالها غيرها من الصحابة عما حفظوه رضي الله عن الجميع. وإذا نوع فصلى في بعض الليالي إحدي عشرة، وفي بعضها ثلاث عشرة فلا حرج فيه فكله سنة، ولكن لا يجوز أن يصلي أربعا جميعا بل السنة والواجب أن يصلي اثنتين اثنتين؛ لقوله ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى (٣) » وهذا
стр. 5817
خبر معناه الأمر. ولو أوتر بخمس جميعا أو بثلاث جميعا في جلسة واحدة فلا بأس فقد فعله النبي ﵊، لكن لا يصلي أربعا جميعا أو ستا جميعا أو ثمان جميعا؛ لأن هذا لم يرد عنه ﵊، ولأنه خلاف الأمر في قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى (١) » ولو سرد سبعا أو تسعا فلا بأس، ولكن الأفضل أن يجلس في السادسة للتشهد الأول، وفي الثامنة للتشهد الأول ثم يقوم ويكمل.
كل هذا ورد عنه ﵊، وجاء عنه ﵊ أنه سرد سبعا ولم يجلس، فالأمر واسع في هذا، والأفضل أن يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة كما تقدم في حديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى (٢) » .
هذا هو الأفضل وهو الأرفق بالناس أيضا، فبعض الناس قد يكون له حاجات يحب أن يذهب بعد ركعتين أو بعد تسليمتين أو بعد ثلاث تسليمات، فالأفضل والأولى بالإمام أن يصلي اثنتين اثنتين ولا يسرد خمسا أو سبعا، وإذا فعله بعض الأحيان لبيان السنة فلا بأس بذلك، أما سرد الشفع، والوتر مثل صلاة المغرب فلا ينبغي، وأقل أحواله الكراهة؛ لأنه ورد النهي عن تشبيهها بالمغرب فيسردها سردا ثلاثا بسلام واحد وجلسة واحدة، والله ولي التوفيق.
س: إذا صلى الإنسان في رمضان مع من يصلي ثلاثا وعشرين ركعة واكتفى بإحدى عشرة ركعة ولم يتم مع الإمام، فهل فعله هذا موافق للسنة؟
ج: السنة الإتمام مع الإمام، ولو صلى ثلاثا وعشرين لأن الرسول ﷺ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة (١) » ، وفي اللفظ الآخر: «بقية ليلته (٢) » .
فالأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف، سواء صلى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة أو ثلاثا وعشرين أو غير ذلك.
هذا هو الأفضل أن يتابع الإمام حتى ينصرف، والثلاث والعشرون فعلها عمر ﵁ والصحابة فليس فيها نقص وليس فيها إخلال، بل هي من السنن - سنن الخلفاء الراشدين - ودل عليها حديث ابن عمر ﵄ عن
стр. 5820
النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى (١) » متفق عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يحد فيه عددا معينا، بل قال: «صلاة الليل مثنى مثنى (٢) » الحديث.
لكن إذا اقتصر الإمام في التراويح على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة كان أفضل يسلم من كل ثنتين؛ لأن هذا هو الغالب من فعل النبي ﷺ ، ولأن ذلك هو الأرفق بالناس في رمضان وفي غيره، ومن زاد أو نقص فلا حرج؛ لأن صلاة الليل موسع فيها، والله ولي التوفيق.
س: هل الأفضل للإمام التنويع في عدد الركعات أم الاقتصار على إحدى عشرة ركعة؟
ج: لا أعلم في هذا بأسا، فلو صلى بعض الليالي إحدى عشرة، وفي بعضها ثلاث عشرة فلا شيء فيه، ولو زاد فلا بأس، فالأمر واسع في صلاة الليل، لكن إذا اقتصر على إحدى عشرة لتثبيت السنة وليعلم الناس صلاته حتى لا يظنوا أنه ساه فلا حرج في ذلك.
س: ما حكم تتبع المساجد طلبا لحسن صوت الإمام لما ينتج عن ذلك من الخشوع وحضور القلب؟
ج: الأظهر والله أعلم أنه لا حرج في ذلك إذا كان المقصود أن يستعين بذلك على الخشوع في صلاته، ويرتاح في صلاته ويطمئن قلبه؛ لأنه ما كل صوت يريح، فإذا كان قصده من الذهاب إلى صوت فلان أو فلان الرغبة في الخير وكمال الخشوع في صلاته فلا حرج في ذلك، بل قد يشكر على هذا ويؤجر على حسب نيته، والإنسان قد يخشع خلف إمام ولا يخشع خلف إمام بسبب الفرق بين القراءتين والصلاتين، فإذا كان قصد بذهابه إلى المسجد البعيد أن يستمع لقراءته لحسن صوته وليستفيد من ذلك وليخشع في صلاته لا لمجرد الهوى والتجول، بل لقصد الفائدة والعلم وقصد الخشوع في الصلاة، فلا حرج في ذلك وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: «أعظم الناس أجرا في الصلاة
стр. 5825
أبعدهم فأبعدهم ممشى (١) » فإذا كان قصده أيضا زيادة الخطوات، فهذا أيضا مقصد صالح.
س: ما حكم التنقل بين المساجد فكل ليلة في مسجد طلبا لحسن الصوت؟.
ج: لا أعلم في هذا بأسا، وإن كنت أميل إلى أنه يلزم المسجد الذي يطمئن قلبه فيه ويخشع فيه؛ لأنه قد يذهب إلى مسجد آخر لا يحصل له فيه ما حصل في الأول من الخشوع والطمأنينة، فأنا أرجح حسب القواعد الشرعية أنه إذا وجد إماما يطمئن إليه ويخشع في صلاته وقراءته يلزم ذلك أو يكثر من ذلك معه، والأمر في ذلك واضح لا حرج فيه بحمد الله، فلو انتقل إلى إمام آخر لا نعلم فيه بأسا إذا كان قصده الخير وليس قصده شيئا آخر من رياء أو غيره، لكن الأقرب من حيث القواعد الشرعية أنه يلزم المسجد الذي فيه الخشوع والطمأنينة وحسن القراءة أو فيه تكثير المصلين بأسبابه إذا صلى فيه كثر المصلون بأسبابه يتأسون به، أو لأنه يفيدهم وليس عندهم من يفيدهم ويذكرهم بعض الأحيان، أو يلقي عليهم درسا، بمعنى أن يحصل لهم بوجوده فائدة، فإذا كان هكذا فكونه في هذا
стр. 5826
المسجد الذي فيه الفائدة منه أو من غيره، أو كونه أقرب إلى خشوع قلبه والطمأنينة وتلذذه بالصلاة فيه فكل هذا مطلوب.
стр. 5827
هل الأفضل للإمام أن يكمل
قراءة القرآن في صلاة التراويح (١)
س: هل الأفضل للإمام أن يكمل قراءة القرآن في صلاة التراويح؟
ج: الأمر في هذا واسع، ولا أعلم دليلا يدل على أن الأفضل أن يكمل القراءة، إلا أن بعض أهل العلم قال: يستحب أن يسمعهم جميع القرآن حتى يحصل للجماعة سماع القرآن كله، ولكن هذا ليس بدليل واضح، فالمهم أن يخشع في قراءته ويطمئن ويرتل ويفيد الناس ولو ما ختم، ولو ما قرأ إلا نصف القرآن أو ثلثي القرآن فليس المهم أن يختم وإنما المهم أن ينفع الناس في صلاته، وفي خشوعه وفي قراءته حتى يستفيدوا ويطمئنوا، فإن تيسر له أن يكمل القراءة فالحمد لله، وإن لم يتيسر كفاه ما فعل، وإن بقي عليه بعض الشيء؛ لأن
стр. 5828
عنايته بالناس وحرصه على خشوعهم وعلى إفادتهم أهم من كونه يختم، فإذا ختم بهم من دون مشقة وأسمعهم القرآن كله فهذا حسن.
стр. 5829
أفضلية ختم القرآن في رمضان (١)
س: هل يمكن أن يستفاد من مدارسة جبريل ﵇ للنبي ﷺ القرآن في رمضان أفضلية ختم القرآن؟
ج: يستفاد منها المدارسة وأنه يستحب للمؤمن أن يدارس القرآن من يفيده وينفعه؛ لأن الرسول ﵊ دارس جبرائيل للاستفادة؛ لأن جبرائيل هو الذي يأتي من عند الله جل وعلا، وهو السفير بين الله والرسل.
فجبرائيل لا بد أن يفيد النبي ﷺ أشياء من جهة الله ، من جهة إقامة حروف القرآن ومن جهة معانيه التي أرادها الله، فإذا دارس الإنسان من يعينه على فهم القرآن ومن يعينه على إقامة ألفاظه فهذا مطلوب، كما دارس - النبي صلى الله
стр. 5830
عليه وسلم - جبرائيل، وليس المقصود أن جبرائيل أفضل من النبي ﵊، لكن جبرائيل هو الرسول الذي أتى من عند الله فيبلغ الرسول ﵊ ما أمره الله به من جهة القرآن ومن جهة ألفاظه ومن جهة معانيه، فالرسول ﵊ يستفيد من جبرائيل من هذه الحيثية، لا أن جبرائيل أفضل منه ﵊ بل هو أفضل البشر، وأفضل من الملائكة ﵊، لكن المدارسة فيها خير كثير للنبي ﷺ وللأمة؛ لأنها مدارسة لما يأتي به من عند الله وليستفيد مما يأتي به من عند الله .
وفيه فائدة أخرى وهي أن المدارسة في الليل أفضل من النهار؛ لأن هذه المدارسة كانت في الليل ومعلوم أن الليل أقرب إلى اجتماع القلب وحضوره والاستفادة أكثر من المدارسة نهارا.
وفيه أيضا من الفوائد: شرعية المدارسة وأنها عمل صالح حتى ولو في غير رمضان؛ لأن فيه فائدة لكل منهما ولو كانوا أكثر من اثنين فلا بأس يستفيد كل منهم من أخيه ويشجعه على القراءة وينشطه، فقد يكون لا ينشط إذا جلس وحده لكن إذا كان معه زميل له يدارسه أو زملاء كان ذلك أشجع له وأنشط له مع عظم الفائدة فيما يحصل بينهم من المذاكرة
стр. 5831
والمطالعة فيما قد يشكل عليهم كل ذلك فيه خير كثير.
ويمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة؛ لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن، وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجبا؛ لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة.
стр. 5832
ختم القرآن
في التراويح والتهجد عمل حسن (١)
س: يحرص كثير من الأئمة على أن يختموا القرآن في التراويح والتهجد لإسماع الجماعة جميع القرآن فهل في ذلك حرج؟
ج: هذا عمل حسن فيقرأ الإمام كل ليلة جزءا أو أقل لكن في العشر الأخيرة يزيد حتى يختم القرآن ويكمله هذا إذا
стр. 5833
تيسر بدون مشقة، وهكذا دعاء الختم فعله الكثير من السلف الصالح، وثبت عن أنس ﵁ خادم النبي ﷺ أنه فعله، وفي ذلك خير كثير والمشروع للجماعة أن يؤمنوا على دعاء الإمام رجاء أن يتقبل الله منهم، وقد عقد العلامة ابن القيم ﵀ بابا في كتابه: " جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام " ذكر فيه حال السلف في العناية بختم القرآن فنوصي بمراجعته للمزيد من الفائدة.
س: الذي لا يتمكن من الختم يشعر بشيء من الألم فما رأيكم؟
ج: لا حرج في ذلك والأمر في هذا واسع والحمد لله إن ختم فهو أفضل حتى يسمع الجماعة جميع القرآن وحتى يفوز الجميع بالأجر العظيم في هذا الشهر الكريم، وإن حال حائل دون ذلك ولم يتيسر للإمام ختم القرآن فلا حرج في ذلك، والمشروع للإمام أن يراعي المأمومين ولا يشق عليهم ويرفق بهم، فإذا كانت الإطالة تشق عليهم تركها مراعاة لترغيبهم في الصلاة وعدم تركها، فإذا صلى بهم إحدى عشرة ركعة فهو أفضل أو ثلاث عشرة ركعة مع الترتيل والاطمئنان في الركوع والسجود فذلك أفضل من كثرة القراءة والركعات ومن صلاها عشرين أو أكثر فلا بأس، ولكن الاقتصار على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة أفضل؛ لأنه ﷺ لم يحفظ
стр. 5834
عنه أنه زاد على ذلك كما قالت عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (١) » الحديث متفق عليه.
وثبت عنها ﵂ وعن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ «صلى في بعض الليالي ثلاث عشرة ركعة (٢) » ، وقد صلى الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁ ثلاثا وعشرين ركعة، وصلوا في بعض الليالي إحدى عشرة ركعة وذلك يدل على التوسعة وعدم الحرج.
стр. 5835
س: ما رأيكم حفظكم الله ونفع بعلومكم فيما يفعله بعض الأئمة من تخصيص قدر معين من القرآن لكل ركعة ولكل ليلة؟
ج: لا أعلم في هذا شيئا؛ لأن الأمر يرجع إلى اجتهاد الإمام فإذا رأى أن من المصلحة أن يزيد في بعض الليالي أو بعض الركعات لأنه أنشط، ورأى من نفسه قوة في ذلك، ورأى من نقسه تلذذا بالقراءة فزاد بعض الآيات لينتفع وينتفع من خلفه، فإنه إذا حسن صوته وطابت نفسه بالقراءة وخشع فيها ينتفع هو ومن وراءه، فإذا زاد بعض الآيات في بعض الركعات
стр. 5836
أو في بعض الليالي فلا نعلم فيه بأسا، والأمر واسع بحمد الله تعالى.
стр. 5837
مراعاة حال الضعفاء من
كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح (١)
س: هل ينبغي للإمام مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح؟
ج: هذا أمر مطلوب في جميع الصلوات، في التراويح وفي الفرائض لقوله ﷺ : «أيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والصغير وذا الحاجة (٢) » فالإمام يراعي المأمومين ويرفق بهم في قيام رمضان، وفي العشر الأخيرة، وليس الناس سواء، فالناس يختلفون فينبغي له أن يراعي أحوالهم ويشجعهم على المجيء وعلى الحضور؛ فإنه
стр. 5838
متى أطال عليهم شق عليهم ونفرهم من الحضور، فينبغي له أن يراعي ما يشجعهم على الحضور ويرغبهم في الصلاة ولو بالاختصار وعدم التطويل، فصلاة يخشع فيها الناس ويطمئنون فيها ولو قليلا خير من صلاة يحصل فيها عدم الخشوع ويحصل فيها الملل والكسل.
стр. 5839
ضابط عدم التطويل في الصلاة (١)
س: ما الضابط في عدم التطويل فبعض الناس يشكون من التطويل؟
ج: العبرة بالأكثرية والضعفاء، فإذا كان الأكثرية يرغبون في الإطالة بعض الشيء وليس فيهم من يراعى من الضعفة والمرضى أو كبار السن فإنه لا حرج في ذلك، وإذا كان فيهم الضعيف من المرضى أو من كبار السن، فينبغي للإمام أن ينظر إلى مصلحتهم.
ولهذا جاء في حديث عثمان بن أبي العاص قال له النبي ﷺ : «اقتد بأضعفهم (٢) » وفي
стр. 5840
الحديث الآخر: «فإن وراءه الضعيف والكبير (١) » كما تقدم، فالمقصود أنه يراعي الضعفاء من جهة تخفيف القراءة والركوع والسجود وإذا كانوا متقاربين يراعي الأكثرية.
стр. 5841
الفرق بين التراويح والقيام
والإطالة في العشر الأواخر (١)
س: هل هناك فرق بين التراويح والقيام؟ وهل من دليل على تخصيص العشر الأواخر بطول القيام والركوع والسجود؟
ج: الصلاة في رمضان كلها تسمى قياما كما قال ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢) » فإذا قام ما تيسر منه مع الإمام سمي قياما، ولكن في العشر
стр. 5842
الأخيرة يستحب الإطالة؛ لأنه يشرع إحياؤها بالصلاة والقراءة والدعاء؛ لأن الرسول ﵊ «كان يحيي الليل كله في العشر الأخيرة» ، ولهذا شرعت الإطالة فيها كما أطال النبي ﷺ ، فإنه «قرأ في بعض الليالي بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة» ، فالمقصود أنه ﵊ كان يطيل في العشر الأخيرة ويحييها؛ فلهذا شرع للناس إحياؤها والإطالة فيها حتى يتأسوا به ﷺ ، بخلاف العشرين الأول، فإنه ما كان النبي ﵊ يحييها كان يقوم وينام ﵊ كما جاء ذلك في الأحاديث، أما في العشر الأخيرة فكان ﵊ يحيي الليل كله، ويوقظ أهله، ويشد المئزر ﵊، ولأن فيها ليلة مباركة، ليلة القدر.
стр. 5843
جواز حمل الإمام المصحف يقرأ منه (١)
س: ما حكم حمل الإمام للمصحف؟
ج: لا بأس بهذا على الراجح، وفيه خلاف بين أهل
стр. 5844
العلم، لكن الصحيح أنه لا حرج أن يقرأ من المصحف إذا كان لم يحفظ، أو كان حفظه ضعيفا وقراءته من المصحف أنفع للناس وأنفع له فلا بأس بذلك. وقد ذكر البخاري ﵀ تعليقا في صحيحه عن عائشة ﵂ أنه كان مولاها ذكوان يصلي بها في الليل من المصحف (١) .
والأصل جواز هذا، ولكن أثر عائشة يؤيد ذلك أما إذا تيسر الحافظ فهو أولى؛ لأنه أجمع للقلب، وأقل للعبث؛ لأن حمل المصحف يحتاج وضع ورفع وتفتيش الصفحات فيصار إليه عند الحاجة، وإذا استغنى عنه فهو أفضل.
стр. 5845
حمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح (١)
س: ما حكم حمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح؟
ج: لا أعلم لهذا أصلا، والأظهر أن يخشع ويطمئن ولا يأخذ مصحفا، بل يضع يمينه على شماله كما هي السنة، يضع
стр. 5846
يده اليمنى على كفه اليسرى الرسغ والساعد ويضعهما على صدره، هذا هو الأرجح والأفضل، وأخذ المصحف يشغله عن هذه السنن ثم قد يشغل قلبه وبصره في مراجعة الصفحات والآيات وعن سماع الإمام، فالذي أرى أن ترك ذلك هو السنة، وأن يستمع وينصت ولا يستعمل المصحف، فإن كان عنده علم فتح على إمامه وإلا فتح غيره من الناس، ثم لو قدر أن الإمام غلط ولم يفتح عليه ما ضر ذلك في غير الفاتحة، إنما يضر في الفاتحة خاصة؛ لأن الفاتحة ركن لا بد منها، أما لو ترك بعض الآيات من غير الفاتحة ما ضره ذلك إذا لم يكن وراءه من ينبهه. ولو كان واحد يحمل المصحف على الإمام عند الحاجة، فلعل هذا لا بأس به، أما أن كل واحد يأخذ مصحفا فهذا خلاف السنة.
стр. 5847
س: بعض المأمومين يتابعون الإمام في المصحف أثناء قراءته، فهل في ذلك حرج؟
ج: الذي يظهر لي أنه لا ينبغي هذا والأولى الإقبال على الصلاة والخشوع ووضع اليدين على الصدر متدبرين لما يقرأه الإمام لقول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه:
стр. 5848
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) ولقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا (٣) » .
стр. 5849
رفع الصوت بالبكاء (١)
س: ما رأي سماحتكم في ظاهرة ارتفاع الأصوات بالبكاء؟
ج: لقد نصحت كثيرا ممن اتصل بي بالحذر من هذا الشيء، وأنه لا ينبغي لأن هذا يؤذي الناس ويشق عليهم ويشوش على المصلين وعلى القارئ، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن لا يسمع صوته بالبكاء، وليحذر من الرياء، فإن الشيطان قد يجره إلى الرياء، فينبغي له أن لا يؤذي أحدا بصوته ولا يشوش عليهم، ومعلوم أن بعض الناس ليس ذلك
стр. 5850
باختياره بل يغلب عليه من غير قصد وهذا معفو عنه إذا كان بغير اختياره، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه «إذا قرأ يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١) » . وجاء في قصة أبي بكر ﵁ أنه كان إذا قرأ لا يسمع الناس من البكاء، وجاء عن عمر ﵁ أنه كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف، ولكن هذا ليس معناه أنه يتعمد رفع صوته بالبكاء، وإنما شيء يغلب عليه من خشية الله . فإذا غلبه البكاء من غير قصد فلاحرج عليه في ذلك.