يده اليمنى على كفه اليسرى الرسغ والساعد ويضعهما على صدره، هذا هو الأرجح والأفضل، وأخذ المصحف يشغله عن هذه السنن ثم قد يشغل قلبه وبصره في مراجعة الصفحات والآيات وعن سماع الإمام، فالذي أرى أن ترك ذلك هو السنة، وأن يستمع وينصت ولا يستعمل المصحف، فإن كان عنده علم فتح على إمامه وإلا فتح غيره من الناس، ثم لو قدر أن الإمام غلط ولم يفتح عليه ما ضر ذلك في غير الفاتحة، إنما يضر في الفاتحة خاصة؛ لأن الفاتحة ركن لا بد منها، أما لو ترك بعض الآيات من غير الفاتحة ما ضره ذلك إذا لم يكن وراءه من ينبهه. ولو كان واحد يحمل المصحف على الإمام عند الحاجة، فلعل هذا لا بأس به، أما أن كل واحد يأخذ مصحفا فهذا خلاف السنة.
стр. 5847
س: بعض المأمومين يتابعون الإمام في المصحف أثناء قراءته، فهل في ذلك حرج؟
ج: الذي يظهر لي أنه لا ينبغي هذا والأولى الإقبال على الصلاة والخشوع ووضع اليدين على الصدر متدبرين لما يقرأه الإمام لقول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه:
стр. 5848
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) ولقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا (٣) » .
стр. 5849
رفع الصوت بالبكاء (١)
س: ما رأي سماحتكم في ظاهرة ارتفاع الأصوات بالبكاء؟
ج: لقد نصحت كثيرا ممن اتصل بي بالحذر من هذا الشيء، وأنه لا ينبغي لأن هذا يؤذي الناس ويشق عليهم ويشوش على المصلين وعلى القارئ، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن لا يسمع صوته بالبكاء، وليحذر من الرياء، فإن الشيطان قد يجره إلى الرياء، فينبغي له أن لا يؤذي أحدا بصوته ولا يشوش عليهم، ومعلوم أن بعض الناس ليس ذلك
стр. 5850
باختياره بل يغلب عليه من غير قصد وهذا معفو عنه إذا كان بغير اختياره، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه «إذا قرأ يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١) » . وجاء في قصة أبي بكر ﵁ أنه كان إذا قرأ لا يسمع الناس من البكاء، وجاء عن عمر ﵁ أنه كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف، ولكن هذا ليس معناه أنه يتعمد رفع صوته بالبكاء، وإنما شيء يغلب عليه من خشية الله . فإذا غلبه البكاء من غير قصد فلاحرج عليه في ذلك.
стр. 5851
ترديد الإمام لبعض
آيات الرحمة أو العذاب (١)
س: ما حكم ترديد الإمام لبعض آيات الرحمة أو العذاب؟
ج: لا أعلم في هذا بأسا لقصد حث الناس على التدبر والخشوع والاستفادة، فقد روي عنه ﵊ أنه ردد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)
стр. 5852
رددها كثيرا ﵊، فالحاصل أنه إذا كان لقصد صالح لا لقصد الرياء فلا مانع من ذلك، لكن إذا كان يرى أن ترديده لذلك قد يزعجهم ويحصل به أصوات مزعجة من البكاء فترك ذلك أولى حتى لا يحصل تشويش، أما إذا كان ترديد ذلك لا يترتب عليه إلا خشوع وتدبر وإقبال على الصلاة فهذا كله خير.
стр. 5853
ترديد الإمام آيات الصفات (١)
س: ما حكم ترديد آيات الصفات؟
ج: لا أعلم في هذا شيئا منقولا؛ لأن الذي نقل عن النبي ﵊ ليس فيه تفصيل بين آيات الصفات وغيرها فيما نعلم، فقد يكون البكاء والخشوع عندها، فآيات الصفات لا شك أنها مما يؤثر ويستدعي البكاء؛ لأنه يتذكر عظمة الله وعظيم إحسانه، فيبكى مثل قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (٢)
стр. 5854
الآية. فإنه إذا تدبرها أوجب له ذلك البكاء والخشوع من خشية الله جل وعلا، وهكذا ما أشبهها من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) إلى آخر السورة، كل هذه الآيات مما يسبب البكاء، لتذكره عظمة الله وكمال إحسانه وصفاته إلى عباده، وكمال معاني هذه الصفات فيؤثر عليه ما يسبب البكاء، فالتدبر للآيات التي فيها أسماء الله وصفاته مهم جدا كتدبر الآيات التي فيها ذكر الجنة والنار، وفيها ذكر الرحمة والعذاب، وكان ﵊ «إذا مرت به آية التسبيح سبح في صلاة الليل، وإذا مرت به آية وعيد استعاذ، وإذا مرت به آيات الوعد دعا» ، روى ذلك حذيفة ﵁ عنه ﵊ وهذا من فعله ﵊ وسنته الدعاء عند آيات الرجاء، والتعوذ عند آيات الخوف، والتسبيح عند آيات أسماء الله وصفاته.
стр. 5855
البكاء عند الدعاء وعند القراءة
стр. 5856
س: ما حكم من يبكي في الدعاء ولا يبكي عند سماع كلام الله تعالى؟
ج: هذا ليس باختياره فقد تتحرك نفسه في الدعاء ولا تتحرك في بعض الآيات، لكن ينبغي له أن يعالج نفسه ويخشع في قراءته أعظم مما يخشع في دعائه؛ لأن الخشوع في القراءة أهم، وإذا خشع في القراءة وفي الدعاء كان ذلك كله طيبا، لأن الخشوع في الدعاء أيضا من أسباب الإجابة، لكن ينبغي أن تكون عنايته بالقراءة أكثر؛ لأنه كلام الله فيه الهدى والنور، كان النبي ﵊ يتدبر ويتعقل، وهكذا الصحابة - ﵃ وأرضاهم - ويبكون عند تلاوته ولهذا لما قال النبي ﵊ لعبد الله بن مسعود ﵁: «اقرأ علي القرآن. قال عبد الله: كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه أول سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى:
стр. 5857
قال حسبك، قال ابن مسعود: فالتفت إليه أو قال: فرفعت رأسي إليه فإذا عيناه تذرفان (١) » .
يعني يبكي، وظاهره أنه يبكي بكاء ليس فيه صوت، وإنما عرف ذلك بوجود الدمع. كذلك حديث عبد الله بن الشخير أنه «سمع لصدره ﷺ أزيزا كأزيز المرجل من البكاء (٢) » ، فهذا يدل على أنه قد يحصل له صوت لكنه ليس بمزعج.
стр. 5858
حكم التباكي (١)
س: ما حكم التباكي؟ وعن صحة ما ورد في ذلك؟
ج: ورد في بعض الأحاديث: «إن لم تبكوا فتباكوا (٢) » ولكن لا أعلم صحته، وقد رواه أحمد، ولكن لا أتذكر لأن
стр. 5859
صحة الزيادة المذكورة، وهي: «فإن لم تبكوا فتباكوا (١) » إلا أنه مشهور على ألسنة العلماء، لكن يحتاج إلى مزيد عناية، لأني لا أذكر الآن حال سنده والأظهر أنه لا يتكلف، بل إذا حصل بكاء فليجاهد نفسه على أن لا يزعج الناس بل يكون بكاء خفيفا ليس فيه إزعاج لأحد حسب الطاقة والإمكان.
стр. 5860
معنى التغني بالقرآن (١)
س: ما معنى التغني بالقرآن؟
ج: جاء في السنة الصحيحة الحث على التغني بالقرآن، يعني تحسين الصوت به، وليس معناه أن يأتي به كالغناء، وإنما المعنى تحسين الصوت بالتلاوة، ومنه الحديث الصحيح: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به (٢) » وحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به (٣) » ومعناه
стр. 5861
تحسين الصوت بذلك كما تقدم.
ومعنى الحديث المتقدم " ما أذن الله " أي ما استمع الله " كإذنه " أي كاستماعه، وهذا استماع يليق بالله لا يشابه صفات خلقه مثل سائر الصفات، يقال في استماعه سبحانه وإذنه مثل ما يقال في بقية الصفات على الوجه اللائق بالله ، لا شبيه له في شيء كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) والتغني الجهر به مع تحسين الصوت والخشوع فيه حتى يحرك القلوب؛ لأن المقصود تحريك القلوب بهذا القرآن حتى تخشع وحتى تطمئن وحتى تستفيد، ومن هذا قصة أبي موسى الأشعري ﵁ لما «مر عليه النبي ﷺ وهو يقرأ فجعل يستمع له ﵊ وقال: لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود (٣) » .
ولم ينكر عليه النبي ﵊ ذلك، فدل على أن تحبير الصوت وتحسين
стр. 5862
الصوت والعناية بالقراءة أمر مطلوب ليخشع القارئ والمستمع ويستفيد هذا وهذا.
стр. 5863
أقل مدة يختم فيها القرآن (١)
س: ما أقل مدة يختم فيها القرآن؟
ج: ليس فيه حد محدود إلا أن الأفضل أن لا يقرأه في أقل من ثلاث كما في حديث عبد الله بن عمرو: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث (٢) » .
فالأفضل أن يتحرى في قراءته الخشوع والترتيل والتدبر، وليس المقصود العجلة، بل المقصود أن يستفيد وينبغي أن يكثر القراءة في رمضان كما فعل السلف ﵃، ولكن مع التدبر والتعقل، فإذا ختم في كل ثلاث فحسن، وبعض السلف قال: إنه يستثنى من ذلك أوقات الفضائل، وأنه لا بأس أن يختم كل ليلة أو في كل يوم
стр. 5864
كما ذكروا هذا عن الشافعي، وعن غيره، ولكن ظاهر السنة أنه لا فرق بين رمضان وغيره، وأنه ينبغي له أن لا يعجل وأن يطمئن في قراءته، وأن يرتل كما أمر النبي ﵊ عبد الله بن عمرو فقال: «اقرأه في سبع (١) » هذا آخر ما أمره به وقال: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث (٢) » ولم يقل إلا في رمضان، فحمل بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر، والأقرب - والله أعلم - أن المشروع للمؤمن أن يعتني بالقرآن ويجتهد في إحسان قراءته وتدبر القرآن والعناية بالمعاني ولا يعجل، والأفضل أن لا يختم في أقل من ثلاث، هذا هو الذي ينبغي حسب ما جاءت به السنة، ولو في رمضان.
стр. 5865
تحديد الإمام أجرة لصلاته بالناس التراويح (١)
س: ما حكم تحديد الإمام أجرة لصلاته بالناس خصوصا إذا كان يذهب لمناطق بعيدة ليصلي بهم التراويح؟
стр. 5866
ج: التحديد ما ينبغي، وقد كرهه جمع من السلف، فإذا ساعدوه بشيء غير محدد فلا حرج في ذلك. أما الصلاة فصحيحة لا بأس بها إن شاء الله ولو حددوا له مساعدة؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، لكن ينبغي أن لا يفعل ذلك وأن تكون المساعدة بدون مشارطة، هذا هو الأفضل والأحوط كما قاله جمع من السلف رحمة الله عليهم. وقد يستأنس لذلك بقوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص ﵁: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا (١) » . واذا كان هذا في المؤذن فالإمام أولى.
والمقصود أن المشارطة في الإمامة غير لائقة وإذا ساعده الجماعة بما يعينه على أجرة السيارة فهذا حسن من دون مشارطة.
стр. 5867
المداومة على قراءة
بعض سور القرآن في صلاه التهجد
. (١)
стр. 5868
س: ما حكم المداومة على قراءة (سبح اسم ربك الأعلى) و (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) في الركعات الثلاث الأخيرة من صلاة التهجد. وعن ما ورد من قراءة السور الثلاث الأخيرة من القرآن في الركعة الأخيرة التي يوتر بها؟ .
ج: هذا هو الأفضل لكن إذا تركه بعض الأحيان ليعلم الناس أنه ليس بواجب فحسن، وإلا فالأفضل التأسي بالنبي ﷺ فإنه كان يقرأ بـ: (سبح) و (الكافرون) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) في الثلاث التي يوتر بها. لكن إذا تركها الإنسان بعض الأحيان ليعلم الناس أنه ليس بلازم مثل ما قال بعض السلف في ترك قراءة سورة (السجدة) ، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) في بعض الأحيان في صلاة الفجر يوم الجمعة من باب إشعار الناس أنها ليست بلازمة، وإلا فالسنة قراءتهما في
стр. 5869
صلاة الفجر في كل جمعة لكن إذا تركها الإمام بعض الأحيان ليعلم الناس أن هذا ليس بواجب، فهذا لا بأس به مثل ترك قراءة (سبح) و (الكافرون) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) في الثلاث التي يوتر بها كما تقدم؛ ليعلم الناس أن قراءتها ليست بواجبة، لكن الأفضل أن يكثر من قراءتها، ويكون الغالب عليه ذلك، وأما ما ورد من قراءة السور الثلاث الأخيرة من القرآن فضعيف، والمحفوظ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) فقط في الركعة التي يوتر بها.
стр. 5870
حكم دعاء ختم القرآن (١)
س: ما حكم دعاء ختم القرآن؟
ج: لم يزل السلف يختمون القرآن ويقرءون دعاء الختمة في صلاة رمضان، ولا نعلم في هذا نزاعا بينهم، فالأقرب في مثل هذا أنه يقرأ لكن لا يطول على الناس، ويتحرى الدعوات المفيدة والجامعة مثل ما قالت عائشة رضي الله
стр. 5871
عنها: «كان النبي ﷺ يستحب جوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك (١) » .
فالأفضل للإمام في دعاء ختم القرآن والقنوت تحري الكلمات الجامعة وعدم التطويل على الناس يقرأ: (اللهم اهدنا فيمن هديت) الذي ورد في حديث الحسن في القنوت ويزيد معه ما يتيسر من الدعوات الطيبة كما زاد عمر ولا يتكلف ولا يطول على الناس ولا يشق عليهم، وهكذا في دعاء ختم القرآن يدعو بما يتيسر من الدعوات الجامعة، يبدأ ذلك بحمد الله، والصلاة على نبيه ﵊ ويختم فيما يتيسر من صلاة الليل أو في الوتر ولا يطول على الناس تطويلا يضرهم ويشق عليهم.
وهذا معروف عن السلف تلقاه الخلف عن السلف، وهكذا كان مشائخنا مع تحريهم للسنة وعنايتهم بها يفعلون ذلك، تلقاه آخرهم عن أولهم، ولا يخفى على أئمة الدعوة ممن يتحرى السنة ويحرص عليها. فالحاصل أن هذا لا بأس به إن شاء الله ولا حرج فيه بل هو مستحب لما فيه من تحري إجابة الدعاء بعد تلاوة كتاب الله ، وكان أنس ﵁ إذا أكمل القرآن جمع أهله ودعا في خارج الصلاة، فهكذا في الصلاة، فالباب واحد؛ لأن الدعاء مشروع في الصلاة وخارجها وجنس الدعاء مما يشرع في الصلاة فليس بمستنكر.
стр. 5872
ومعلوم أن الدعاء في الصلاة مطلوب عند قراءة آية العذاب وعند آية الرحمة يدعو الإنسان عندها كما فعل النبي ﵊ في صلاة الليل، فهذا مثل ذلك مشروع بعد ختم القرآن، وإنما الكلام إذا كان في داخل الصلاة، أما في خارج الصلاة فلا أعلم نزاعا في أنه مستحب الدعاء بعد ختم القرآن، لكن في الصلاة هو الذي حصل فيه الإثارة الآن والبحث فلا أعلم عن السلف أن أحدا أنكر هذا في داخل الصلاة، كما أني لا أعلم أحدا أنكره خارج الصلاة، هذا هو الذي يعتمد عليه في أنه أمر معلوم عند السلف قد درج عليه أولهم وآخرهم، فمن قال: إنه منكر فعليه الدليل، وليس على من فعل ما فعله السلف، وإنما إقامة الدليل على من أنكره وقال: إنه منكر أو إنه بدعة، هذا ما درج عليه سلف الأمة وساروا عليه وتلقاه خلفهم عن سلفهم وفيهم العلماء والأخيار والمحدثون، وجنس الدعاء في الصلاة معروف من النبي ﵊ في صلاة الليل؛ فينبغي أن يكون هذا من جنس ذاك.
س: ما موضع دعاء ختم القرآن؟ وهل هو قبل الركوع أم بعد الركوع؟
ج: الأفضل أن يكون بعد أن يكمل المعوذتين فإذا أكمل القرآن يدعو سواء في الركعة الأولى أو في الثانية أو في الأخيرة، يعني بعد ما يكمل قراءة القرآن يبدأ في الدعاء بما يتيسر في أي وقت من الصلاة في الأولى منها أو في الوسط أو في آخر ركعة. كل ذلك لا بأس به، المهم أن يدعو عند قراءة آخر القرآن، والسنة أن لا يطول وأن يقتصر على جوامع الدعاء في القنوت وفي دعاء ختم القرآن.
وقد ثبت أن النبي ﷺ «قنت قبل الركوع، وقنت بعد الركوع» ، والأكثر أنه قنت بعد الركوع، ودعاء ختم القرآن من جنس القنوت في الوتر؛ لأن أسبابه الانتهاء من ختم القرآن والشيء عند وجود سببه يشرع فيه القنوت عند وجود
стр. 5875
سببه وهو الركعة الأخيرة بعدما يركع وبعدما يرفع من الركوع لفعل النبي ﵊، وأسباب الدعاء في ختم القرآن هو نهاية القرآن؛ لأنه نعمة عظيمة أنعم الله بها على العبد فهو أنهى كتاب الله وأكمله، فمن هذه النعمة أن يدعو الله أن ينفعه بهدي كتابه وأن يجعله من أهله، وأن يعينه على ذكره وشكره وأن يصلح قلبه وعمله؛ لأنه بعد عمل صالح كما يدعو في آخر الصلاة بعد نهايتها من دعوات عظيمة قبل أن يسلم بعد أن من الله عليه بإكمال الصلاة وإنهائها، وهكذا في الوتر يدعو في القنوت بعد إنهاء الصلاة وإكمالها.
стр. 5876
حكم تخصيص
دعاء معين لختم القرآن (١)
س: هل هناك دعاء معين لختم القرآن؟ وما صحة الدعاء المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؟
ج: لم يرد دليل على تعيين دعاء معين فيما نعلم ولذلك
стр. 5877
يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء ويتخير من الأدعية النافعة كطلب مغفرة الذنوب، والفوز بالجنة والنجاة من النار، والاستعاذة من الفتن، وطلب التوفيق لفهم القرآن الكريم على الوجه الذي يرضي الله ، والعمل به وحفظه ونحو ذلك؛ لأنه ثبت عن أنس ﵁ أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو.
أما النبي ﷺ فلم يرد عنه شيء في ذلك فيما أعلم.
أما الدعاء المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فلا أعلم صحة هذه النسبة إليه، ولكنها مشهورة بين مشائخنا وغيرهم، ولكنني لم أقف على ذلك في شيء من كتبه، والله أعلم.
س: ما حكم تتبع الختمات في المساجد؟
ج: هذا له أسبابه، فإذا كانت رجاء قبول الدعاء لأن الله جل وعلا قد وعد بالإجابة وقد يجاب هذا ولا يجاب هذا، فالذي ينتقل إلى المساجد إذا كان قصده خيرا لعله يدخل في هؤلاء المستجاب لهم يرجو أن الله يجيبهم ويكون معهم فلا حرج في ذلك إذا كان بنية صالحة وقصد صالح، رجاء أن ينفعه الله بذلك ويقبل دعاءهم وهو معهم.
س: ما حكم السفر إلى مكة والمدينة لقصد حضور الختمة؟
ج: السفر إلى مكة أو المدينة قربة وطاعة، للعمرة أو للصلاة في المسجد الحرام أو للصلاه في المسجد النبوي في رمضان وفي غيره بإجماع المسلمين ولا حرج في هذا؛ لأن حضور الختمة ضمن الصلاة في الحرمين وقد يكون معه عمرة فهو خير يجر إلى خير.
س: ما رأي سماحتكم فيما يقوم به بعض الأئمة من التوكيل لمن يقوم مقامه في الصلاة في آخر رمضان بعد ختم القرآن من أجل العمرة؟
ج: الذي يظهر لي التوسعة في هذا وعدم التشديد ولا سيما إذا تيسر نائب صالح يكون في قراءته وصلاته مثل الإمام أو أحسن من الإمام، فالأمر في هذا واسع جدا والمقصود أنه إذا اختار لهم إماما صالحا ذا صوت حسن وقراءة حسنة فلا بأس، أما كونه يعجل في صلاته أو يعجل في ختمته على وجه يشق عليهم من أجل العمرة فهذا لا ينبغي له، بل ينبغي له أن يصلي صلاة راكدة فيها الطمأنينة وفيها الخشوع، ويقرأ قراءة لا تشق عليهم، ولو لم يعتمر ولو لم يختم أيضا لما في ذلك من المصلحة العامة لجماعته ولمن يصلي خلفه.
стр. 5884
أيهما أفضل في نهار رمضان قراءة القرآن أم صلاة التطوع (١)
стр. 5885
س: أيهما أفضل في نهار رمضان قراءة القرآن أم صلاة التطوع؟
ج: كان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات وكان جبريل يدارسه القرآن ليلا، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، هذا هدي الرسول ﷺ في هذا الباب، وفي هذا الشهر الكريم.
أما المفاضلة بين قراءة القارئ وصلاة المصلي تطوعا فتختلف باختلاف أحوال الناس، وتقدير ذلك راجع إلى الله ؛ لأنه بكل شيء محيط.