اللهم إني أستخيرك بعلمك (١) » الحديث.
وهذا يدل على أن الدعاء يكون بعد السلام من الصلاة، والأفضل أن يرفع يديه؛ لأن رفعهما من أسباب استجابة الدعاء، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر ﵁، وهذا نصه: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني له قال: ويسمي حاجته (٢) » . رواه البخاري.
س: تسأل سائلة تقول: ما هي صفة صلاة الشكر، وما صفة صلاة الاستخارة؟
ج: لا أعلم أنه ورد شيء في صلاة الشكر، وإنما الوارد في سجود الشكر وصلاة التوبة، فيشرع للإنسان إذا أذنب ذنبا أن يصلي ركعتين ويتوب إلى الله توبة صادقة، فهذه هي صلاة التوبة؛ لقول النبي ﷺ : «ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتطهر فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين ويتوب إلى الله من ذلك الذنب إلا قبل توبته (١) » . خرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث علي ﵁ عن أبي بكر الصديق ﵁.
وهكذا الشكر له سجود مشروع إذا بشر بشيء يسره بولد، أو فتح للمسلمين، أو بانتصار المسلمين على عدوهم، أو بغير هذا مما يسره فإنه يسجد لله شكرا مثل سجود الصلاة
стр. 5989
ويقول سبحان ربي الأعلى، ويدعو في السجود، ويحمد الله ويثني عليه على ما حصل من الخير؛ لأن النبي ﵊ كان إذا جاءه أمر يسره سجد لله شكرا، ولما بشر الصديق ﵁ بقتل مسيلمة سجد لله شكرا، ولما وجد علي ﵁ المخدج في قتلى الخوارج سجد لله شكرا.
وأما صلاة الاستخارة فهي مثل بقية الصلوات أيضا ركعتين يقرأ فيهما الفاتحة وما تيسر معها وبعد السلام يرفع يديه ويدعو ربه ويستخيره، فيقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسمي حاجته من زواج أو سفر أو غيرهما - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كان شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به (١) » . خرجه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ والله ولي التوفيق.
س: ما حكم صلاة التسابيح؟
ج: اختلف العلماء في حديث صلاة التسابيح، والصواب أنه ليس بصحيح؛ لأنه شاذ ومنكر المتن ومخالف للأحاديث الصحيحة المعروفة عن النبي ﷺ في صلاة النافلة، الصلاة التي شرعها الله لعباده في ركوعها وسجودها وغير ذلك، ولهذا الصواب: قول من قال بعدم صحته لما ذكرنا، ولأن أسانيده كلها ضعيفة، والله ولي التوفيق.
س: يخص بعض الناس شهر رجب ببعض العبادات كصلاة الرغائب وإحياء ليلة (٢٧) منه فهل ذلك أصل في الشرع؟ جزاكم الله خيرا.
ج: تخصيص رجب بصلاة الرغائب أو الاحتفال بليلة (٢٧) منه يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج كل ذلك بدعة لا يجوز، وليس له أصل في الشرع، وقد نبه على ذلك المحققون من أهل العلم، وقد كتبنا في ذلك غير مرة وأوضحنا للناس أن صلاة الرغائب بدعة، وهي ما يفعله بعض الناس في أول ليلة جمعة من رجب، وهكذا الاحتفال بليلة (٢٧) اعتقادا أنها ليلة الإسراء والمعراج، كل ذلك بدعة لا أصل له في الشرع، وليلة الإسراء والمعراج لم تعلم عينها، ولو علمت لم يجز الاحتفال بها؛ لأن النبي ﷺ لم يحتفل بها، وهكذا خلفاؤه الراشدون وبقية أصحابه ﵃، ولو كان ذلك سنة لسبقونا إليها.
стр. 5994
والخير كله في اتباعهم والسير على منهاجهم كما قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » . متفق على صحته، وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » . أخرجه مسلم في صحيحه، ومعنى فهو رد، أي مردود على صاحبه، وكان ﷺ يقول في خطبه: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٤) » . أخرجه مسلم أيضا.
فالواجب على جميع المسلمين اتباع السنة والاستقامة عليها والتواصي بها والحذر من البدع، كلها عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥) وقوله سبحانه:
стр. 5995
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) » . أخرجه مسلم في صحيحه.
أما العمرة فلا بأس بها في رجب، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ «اعتمر في رجب» ، وكان السلف يعتمرون في رجب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ في كتابه: (اللطائف) عن عمر وابنه وعائشة ﵃ ونقل عن ابن سيرين أن السلف كانوا يفعلون ذلك. والله ولي التوفيق.
стр. 5996
صلاة التطوع لا تكون
واجبة إذا اعتاد عليها الإنسان (١)
стр. 5997
س: سائل يقول: صلاة التطوع إذا اعتاد عليها الإنسان هل تكون واجبة؟
ج: لا، لا تكون واجبة. التطوع يكون دائما تطوعا لا يكون واجبا أبدا، لكن بالنسبة للحج والعمرة إذا أحرم بهما الإنسان وجبتا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) فهذا شيء خاص بالحج والعمرة إذا أحرم بهما وجبتا حتى يكملهما، وأما ما سواهما كالصلاة والصيام والصدقة أو نحو ذلك فهذه التطوعات تبقى على حالها تطوعا. فلو شرع في الصلاة جاز له قطعها، ولو شرع في الصيام نافلة جاز له قطعه، ولكن الأفضل له أن يتم ويكمل، ولو أخرج مالا ليتصدق به جاز له أن يرجع قبل أن يسلم ذلك للفقير، لكن الأفضل عدم الرجوع في الصدقة.
والمقصود أن جميع النوافل على حالها هي تطوع حتى
стр. 5998
ينتهي منها إلا الحج والعمرة، فإنهما إذا شرع فيهما وجبا حتى يكملهما.
стр. 5999
هل يأثم من ترك بعض
النوافل التي كان يداوم على أدائها (١)
س: الأخت التي رمزت لاسمها بأم يوسف من مكة المكرمة تقول في سؤالها: هل يأثم المرء بسبب ترك بعض النوافل التي كان يداوم على أدائها؛ لأني مثلا أثناء حملي تركت صوم الاثنين والخميس، أفتونا جزاكم الله خيرا. .
ج: النوافل جميعا يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها مثل صوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وسنة الضحى والوتر، ولكن يشرع للمؤمن أن يواظب ويحافظ على السنن المؤكدة، لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ولأن النوافل يكمل بها نقص الفرائض. والله الموفق.
س: نشاهد بعض الناس يتزاحمون من أجل الصلاة في حجر إسماعيل، فما حكم الصلاة فيه، وهل له مزية؟
ج: الصلاة في حجر إسماعيل مستحب؛ لأنه من البيت، وقد صح عن النبي ﷺ : «أنه دخل الكعبة عام الفتح وصلى فيها ركعتين (١) » . متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄ عن بلال ﵁.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه «قال لعائشة ﵂ لما أرادت دخول الكعبة: صلي في الحجر فإنه من البيت (٢) » .
أما الفريضة فالأحوط عدم أدائها في الكعبة أو في الحجر
стр. 6002
لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك، ولأن بعض أهل العلم قالوا: إنها لا تصح في الكعبة ولا في الحجر؛ لأنه من البيت.
وبذلك يعلم أن المشروع أداء الفريضة خارج الكعبة وخارج الحجر تأسيا بالنبي ﷺ وخروجا من خلاف العلماء القائلين بعدم صحتها في الكعبة ولا في الحجر، والله ولي التوفيق.
стр. 6003
السلام على قارئ القرآن بعد النافلة (١)
س: ما هو الأفضل لمن يكون بجانب قارئ القرآن هل يسلم عليه ويصافحه بعد انتهائه من تحية المسجد، أم أن عدم قطع قراءته وإشغاله عن التلاوة أفضل؟
ج: السنة أن يسلم عليه ويصافحه لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا التقى المسلمان فتصافحا، تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها (٢) » . ويقول أنس ﵁: كان
стр. 6004
أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا. رواه الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح.
ولأن في ذلك تأكيد للمودة والإيناس والتعارف بين المسلمين وقطع القراءة لمصلحة عارضة أمر مطلوب، والله ولي التوفيق.
انتهى الجزء الحادي عشر ويليه
بمشيئة الله الجزء الثاني
عشر وأوله باب صلاة الجماعة.
стр. 6005
صفحة فارغة
стр. 6006
صفحة فارغة
стр. 6007
صفحة فارغة
стр. 6008
صفحة فارغة
стр. 6009
صفحة فارغة
стр. 6010
صفحة فارغة
стр. 6011
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وجوب أداء الصلاة جماعة (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من تبلغه هذه النصيحة من إخواننا المسلمين أئمة المساجد والمأمومين وسواهم، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فغير خاف على الجميع عظم شأن الصلاة في الإسلام إذ هي عموده، بها يستقيم دين المسلم وتصلح أعماله ويعتدل سلوكه في شئون دينه ودنياه متى أقيمت على الوجه المشروع؛ عقيدة وعبادة وتأسيا برسول الله ﷺ لما لها من خاصية قال الله عنها في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢) وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤) وكما أن هذا شأنها فهي أيضا مطهرة لأدران الذنوب ماحية للخطايا. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت
стр. 6012
رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا (١) » متفق عليه.
فحري بالمسلم تجاه فريضة هذا شأنها أن لا يفرط فيها، كيف وهي الصلة بينه وبين ربه تعالى كما أنها جديرة بالتفقه في أحكامها وغير ذلك مما شرع الله فيها حتى يؤديها المؤمن بعناية في الخشوع والإحسان والطمأنينة ظاهرا وباطنا. فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله (٢) » رواه مسلم.
فعليكم معشر المسلمين بتقوى الله في أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة أن تقيموها محافظين عليها وحافظين لها عما يبطلها أو ينقص كمالها من تأخير لها عن أوقاتها الفاضلة من
стр. 6013
غير عذر شرعي، أو التثاقل عن أدائها جماعة في المساجد، أو الإتيان فيها بما يذهب الخشوع ويلهي القلوب عن استحضار عظمة من تقفون بين يديه تعالى، وتدبر لكلامه وذكره ومناجاته جل شأنه من نحو تشاغل في أمور خارجة عنها، أو حركات غير مشروعة فيها كالذي يحدث من البعض عبثا من كثرة تعديل لباسه من غترة وعقال ونظر إلى الساعة أو تمسيح شعر لحيته ونحو ذلك بعد الإحرام بها. كل هذا مما ينافي الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها وسبب قبولها أو ينقصه أو يضعفه. وللتحذير من مثل هذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليقوم في الصلاة ولا يكتب له منها إلا نصفها إلى أن قال إلا عشرها (١) » رواه أبو داود بإسناد جيد.
فعلى الجميع عامة وعلى الأئمة خاصة أن يكونوا على جانب كبير من الفقه في أحكام الصلاة، وأن يكونوا قدوة حسنة في إقامة هذه الشعيرة العظيمة لأنه يقتدي بهم المأمومون ويتعلم منهم الجاهل والصغير، وربما ظن البعض من العامة أن
стр. 6014
ما يفعله الإمام ولو كان خلاف السنة أنه سنة، ولا سيما بعض المسلمين الوافدين من بعض البلدان الخارجية ممن لا يعرف أحكام الصلاة على الوجه المشروع، كما أن مما تساهل فيه بعض الأئمة وبعض المأمومين العناية بتسوية الصفوف واستقامتها والتراص فيها وهو أمر يخشى منه غضب الله سبحانه، للوعيد الوارد في ذلك. فعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم (١) » رواه مسلم.
وفي المتفق عليه عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم (٢) » .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة (٣) » متفق عليه.
стр. 6015
فكانت سنة رسول الله ﷺ الحث على تسوية الصفوف، والحث على المحافظة على أداء الصلوات في المساجد جماعة كما درج عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان سلفا وخلفا، وفي ذلك الأجر العظيم من الله، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح (١) » متفق عليه.
وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة (٢) » رواه مسلم.
وإذ علم هذا فمما يجب الحذر منه ظاهرة التثاقل من البعض عن صلاة العشاء وصلاة الفجر في المساجد جماعة وهي عادة خطيرة؛ لأنها من صفات المنافقين لما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أثقل الصلاة على
стр. 6016
المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا (١) » . فلا عذر ولا رخصة دونما عذر شرعي لمن سمع النداء فلم يجب لقول النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر (٢) » واستأذنه رجل أعمى ليس له قائد يلازمه هل له رخصة أن يصلي في بيته قال له ﷺ : «هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم قال: فأجب (٣) » ، وفي رواية أخرى قال: «لا أجد لك رخصة (٤) » . وعن ابن مسعود ﵁ قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى وأنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم
стр. 6017
لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (١) رواه مسلم.
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها دليل على وجوب حضور الجماعة حيث ينادى بالصلاة وفي امتثال ذلك طاعة الله ورسوله وسعادة الدارين والبعد عن مشابهة أهل النفاق وصفاتهم.
فأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يرزقنا جميعا الاستقامة على دينه. والمحافظة على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن وأدائهن بالطمأنينة والخشوع الكامل رغبة فيما عند الله وحذرا من عذابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 6018
التهاون بأداء صلاة الجماعة منكر عظيم (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه، ونظمني وإياهم في سلك من خافه واتقاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد بلغني أن كثيرا من الناس قد يتهاونون بأداء الصلاة في الجماعة ويحتجون بتسهيل بعض العلماء في ذلك فوجب علي أن أبين عظم الأمر وخطورته، ولا شك أن ذلك منكر عظيم وخطره جسيم، فالواجب على أهل العلم التنبيه على ذلك والتحذير منه لكونه منكرا ظاهرا لا يجوز السكوت عليه.
ومن المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بأمر عظم الله شأنه في كتابه العظيم، وعظم شأنه رسوله الكريم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها وأدائها في الجماعة،
стр. 6019
وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها، من صفات المنافقين، فقال تعالى في كتابه المبين: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)
وكيف يعرف الناس محافظة العبد عليها، وتعظيمه لها، وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه وتهاون بشأنها وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الصلاة في الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) ؛ لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٤) الآية.
فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب وشدة الخوف، فكيف بحال السلم؟ ولو كان أحد يسامح في ترك الصلاة في جماعة، لكان المصافون للعدو، المهددون
стр. 6020
بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك، علم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحد التخلف عن ذلك.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار (١) » الحديث. وفي مسند الإمام أحمد عنه ﷺ أنه قال: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم (٢) » .
وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق أو مريض ولقد كان الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٣) . وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في
стр. 6021
المسجد الذي يؤذن فيه (١) . وفيه أيضا عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. (٢) .
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم قال: فأجب (٣) » . وصح عنه ﷺ أنه قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر (٤) » . قيل لابن عباس ﵄: ما هو العذر؟ قال:
стр. 6022
(خوف أو مرض) .
والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرة جدا، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر، والمبادرة إليه، والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين، امتثالا لأمر الله ورسوله، وحذرا مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعادا عن مشابهة أهل النفاق الذين وصفهم الله بصفات ذميمة من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٢)
ولأن التخلف عن أدائها في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية، ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام، لقول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٣) » . خرجه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁.
وقال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم
стр. 6023
الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » . رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربع بإسناد صحيح.
والآيات والأحاديث في تعظيم شأن الصلاة، ووجوب المحافظة عليها وإقامتها كما شرع الله والتحذير من تركها كثيرة ومعلومة، فالواجب على كل مسلم أن يحافظ عليها في أوقاتها، وأن يقيمها كما شرع الله، وأن يؤديها مع إخوانه في الجماعة في بيوت الله، طاعة لله سبحانه ولرسوله ﷺ ، وحذرا من غضب الله وأليم عقابه.
ومتى ظهر الحق واتضحت أدلته، لم يجز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان أو فلان؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢)
ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)
ولا يخفى ما في الصلاة في الجماعة من الفوائد الكثيرة،
стр. 6024
والمصالح الجمة، ومن أوضح ذلك التعارف والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
ومن الناس من قد يسهر بالليل ويتأخر عن صلاة الفجر، وبعضهم يتخلف عن صلاة العشاء، ولا شك أن ذلك منكر عظيم وتشبه بأعداء الدين المنافقين الذين قال الله فيهم سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١) وقال فيهم ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣) وقال سبحانه في حقهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٤) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٥)
стр. 6025
فيجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من مشابهة هؤلاء المنافقين في أعمالهم وأقوالهم، وفي تثاقلهم عن الصلاة وتخلفهم عن صلاة الفجر والعشاء حتى لا يحشر معهم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا (١) » متفق على صحته.
وقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٢) » رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بإسناد حسن.
وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه وصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن مشابهة الكفار والمنافقين، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.