س: ذكرتم أن الرؤية في الباكستان لهلال رمضان وشوال تتأخر بعد السعودية يومين، وسألتم: هل تصومون مع السعودية أو مع الباكستان؟
ج: الذي يظهر لنا من حكم الشرع المطهر أن الواجب عليكم الصوم مع المسلمين لديكم؛ لأمرين:
стр. 7737
أحدهما: قول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون (١) » خرجه أبو داود وغيره بإسناد حسن، فأنت وإخوانك مدة وجودكم في الباكستان ينبغي أن يكون صومكم معهم حين يصومون، وإفطاركم معهم حين يفطرون؛ لأنكم داخلون في هذا الخطاب، ولأن الرؤية تختلف بحسب اختلاف المطالع. وقد ذهب جمع من أهل العلم منهم ابن عباس ﵄ إلى أن لأهل كل بلد رؤيتهم.
الأمر الثاني: أن في مخالفتكم المسلمين لديكم في الصوم والإفطار تشويشا ودعوة للتساؤل والاستنكار وإثارة للنزاع والخصام، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالحث على الاتفاق والوئام والتعاون على البر والتقوى وترك النزاع والحلاف؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ لما بعث معاذا وأبا موسى ﵄ إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا (٣) » .
стр. 7738
٢١ - لا حرج على من كان في بلد غير
إسلامي أن يصوم برؤية بلد يحكم الشريعة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخت في الله ج. س. ك. وفقها الله لكل خير، آمين (١) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فقد وصل إلي كتابكم الكريم المؤرخ في ٦\١٠\١٣٨٩ هـ وما به علم، ونشكركم على تهنئتكم بحلول عيد الفطر المبارك هنأكم الله بكل خير وتقبل من الجميع وأعاده علينا وعليكم وعلى سائر المسلمين أعواما كثيرة على حال خير واستقامة، إنه خير مسئول.
أما ما ذكرتم عن صومكم معنا وفطركم معنا لكونكم أقمتم في أسبانيا أيام رمضان فلا بأس ولا حرج عليكم في ذلك؛ لقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٢) » وهذا
стр. 7739
عام لجميع الأمة، والمملكة العربية السعودية أولى الدول بالاقتداء بها؛ لاجتهادها في تحكيم الشريعة زادها الله توفيقا وهداية، ولأنكم في بلاد لا تحكم الإسلام، ولا يبالي أهلها بأحكام الإسلام.
أما السؤال عن الجمع بين الصلاتين فالأمر فيه واسع، وقد دل الشرع المطهر على جوازه في وقت الأولى والثانية أو بينهما؛ لأن وقتهما صار وقتا واحدا في حق المعذور كالمسافر، والمريض، ويجوز الكلام بين الصلاتين المجموعتين بما تدعو له الحاجة، وأما الوتر فيدخل وقته من حين الفراغ من صلاة العشاء، ولو كانت مجموعة مع المغرب جمع تقديم، ونسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه وأن يثبتنا وإياكم عليه حتى نلقاه، وأن يمن عليكم بالشفاء، والعافية ويعيدكم إلى وطنكم سالمين، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
стр. 7740
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
س: إنني مبتعث من الدولة إلى أمريكا وقد حصل أن صمنا شهر رمضان لهذه السنة ١٤١٥ هـ بنقصان شهر شعبان (٢٩) يوما دون تحر للهلال؛ لأن السماء كانت ملبدة بالغيوم، وما صمنا إلا على ما أخبرتنا به بعض المراكز الإسلامية لدينا وفعلته، والحجة هي أن الدولة السعودية صامت بنقصان الشهر أي: شعبان، مع العلم أن معظم المراكز الإسلامية صاموا بتمام الشهر أي: شعبان على وفق التقويم الموجود لديهم، فأينا الصحيح؟ وماذا على المخطئ فينا أن يفعل؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فالجواب: من صام بصوم السعودية فقد أصاب؛ لأن الهلال قد ثبتت رؤيته بالبينة الشرعية مساء الاثنين ليلة الثلاثاء، وقد قال النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا
стр. 7741
لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (١) » أخرجه البخاري في صحيحه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ومن لم يصم إلا يوم الأربعاء فعليه قضاء اليوم، وهو يوم الثلاثاء بتوقيت المملكة العربية السعودية.
стр. 7742
٢٢ - حكم الاعتماد على الحساب الفلكي (١)
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد كثر الكلام حول العمل بالحساب الفلكي في دخول شهر رمضان وخروجه وتحديد الأعياد، فرأيت إيضاح الحكم وبيانه لعامة الناس في هذه البلاد وغيرها ليكونوا على بصيرة في عبادتهم لربهم، فأقول وبالله التوفيق:
إن الله علق بالهلال أحكاما كثيرة كالصوم والحج والأعياد والعدد والإيلاء وغيرها؛ لأن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار، ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، ولأن رسول الله ﷺ جعل الحكم بالهلال معلقا على الرؤية وحدها؛ لأنها الأمر الطبيعي الظاهر الذي يستطيعه عامة الناس، فلا يحصل لبس على أحد في أمر دينه، كما قال ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب
стр. 7743
ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين (١) » ، وقال ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٢) »
ومن هذا يتبين أن المعول عليه في إثبات الصوم والفطر وسائر الشهور هو الرؤية، أو إكمال العدة، ولا عبرة شرعا بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءا وانتهاء بإجماع أهل العلم المعتد بهم، ما لم تثبت رؤيته شرعا. وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات، ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله وقوله مردود؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ، ولا مع إجماع السلف. أما حساب سير الشمس والقمر فلا يعتبر في هذا المقام؛ لما ذكرنا آنفا، ولما يأتي:
أ- أن النبي ﷺ أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا
стр. 7744
لرؤيته (١) » وحصر ذلك فيها بقوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه (٢) » .
وأمر المسلمين إذا كان غيم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم. ولو كان قولهم هو الأصل وحده، أو أصلا آخر مع الرؤية في إثبات الشهر لبين ذلك. فلما لم ينقل ذلك، بل نقل ما يخالفه، دل ذلك على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣)
ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم، أو غلبة الظن بوجود الهلال، أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية مردودة؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصرية لا علمية، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة من غيرهم.
стр. 7745
وجرى العمل في عهد النبي ﷺ وعهدهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت. ولا يصح أيضا أن يقال: إن النبي ﷺ حين قال: «فإن غم عليكم فاقدروا له (١) » أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية «فاقدروا له ثلاثين (٢) » وما في معناها.
ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم، والحديث قيد القدر له بحالة الغيم.
ب- أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس من العامة والخاصة في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة؛ لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب، ودعوى زوال وصف الأمية بعلم النجوم عن الأمة غير مسلمة، ولو
стр. 7746
سلمت فذلك لا يغير حكم الله؛ لأن التشريع عام للأمة في جميع الأزمنة.
جـ - أن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحدا منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فمن باب أولى.
د- تقدير المدة التي يمكن معها رؤية الهلال، بعد غروب الشمس لولا المانع من الأمور الاعتبارية الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار أهل الحساب، وكذا تقدير المانع، فالاعتماد على ذلك في توقيت العبادات لا يحقق الوحدة المنشودة. ولهذا جاء الشرع باعتبار الرؤية فقط دون الحساب رحمة للأمة وحسما لمادة الاختلاف وردا لهم إلى أمر يعرفونه جميعا أينما كانوا.
هذا وينبغي الانتباه إلى أن اختلاف المطالع من المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين أهل العلم، وقد درستها هيئة كبار العلماء في إحدى دوراتها السابقة واتخذت قرارا بالأكثرية مضمونه: أن الأرجح قول من قال: إن لكل بلد رؤيته وعليهم أن يرجعوا إلى علمائهم في ذلك؛ عملا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث كريب عن ابن عباس، ونصه: عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام. قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان
стр. 7747
وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته. فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . (١) . اهـ.
فأما قول من قال: إنه ينبغي أن يكون المعتبر رؤية هلال مكة خاصة، فلا أصل له ولا دليل عليه، ويلزم منه أن لا يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من سكان جهات أخرى إذا لم ير الهلال بمكة.
وختاما أسأل الله أن يمن على المسلمين بالفقه في دينه، والعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يعيذهم من مضلات الفتن، وأن يولي عليهم خيارهم إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 7748
٢٣ - لا يجوز الاعتماد في دخول
شهر رمضان على المفكرة والتقاويم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ الكريم ج. ع. ح. زاده الله من العلم والإيمان وجعله مباركا أينما كان، آمين. (١)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في ٢ | ٨ \ ١٣٨٤ هـ، وسرني منه علم صحتكم، واهتمامكم بأمر دينكم فالحمد لله على ذلك، وأسأل الله سبحانه أن يزيدكم من العلم والهدى، وأن يثبتنا جميعا على دينه الحق الذي بعث به نبيه محمدا ﷺ ، وأن يبلغكم من العلم النافع آمالكم، وأن ينفع بكم المسلمين، ويعصمنا وإياكم من مضلات الفتن، إنه سميع قريب.
أيها الابن الكريم، إن مكانكم خطير، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وسؤاله دائما الثبات على الحق، والعافية من الفتن،
стр. 7749
والاجتهاد في دراسة القرآن الكريم، وما تيسر من سيرة الرسول الأمين ﵊ في بعض الأوقات الخاصة التي يحصل لكم فيها فرصة المطالعة، مع الدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه العظيمة حسب الإمكان، جعلكم الله من الهداة المهتدين. أما سؤالكم عن الصوم في ألمانيا فهذا جوابه:
أما دخول الشهر فلا يجوز الاعتماد فيه على المفكرة والحساب؛ لقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (١) » ، وقوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة (٢) » ، إذا عرف هذا فالواجب أن تعتمدوا في ذلك على ما يثبت لديكم من دخول الشهر بالرؤية من طريق السفارة السعودية، أو غيرها من سفارات الدول الإسلامية، أو من رؤية من حولكم من المسلمين للهلال وهكذا الخروج، أما زمن الصيام فاعتمدوا فيه على ما قد عرف عندكم في البلاد، فإذا كان المعروف عندكم أن النهار في مثل أيام رمضان تسع ساعات، فصوموا تسع ساعات، وهكذا لو كان أكثر أو أقل، فإذا كان هناك شك فاحتاطوا بزيادة نصف ساعة أو ساعة لبراءة الذمة،
стр. 7750
والتأكد من إكمال الصيام وفقكم الله ويسر أمركم واذكروا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٢) » ويكفي في مثل هذه الأمور عند خفاء طلوع الفجر أو غروب الشمس العمل بغالب الظن والدلائل التي يستفاد منها ذلك والحمد لله، وهو سبحانه القائل في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه.
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
стр. 7751
س: في بعض بلاد المسلمين يعمد الناس إلى الصيام دون اعتماد على رؤية الهلال، وإنما يكتفون بالتقاويم، فما حكم ذلك؟ .
ج: قد أمر النبي ﷺ المسلمين يصوموا «لرؤية الهلال ويفطروا لرؤيته، فإن غم عليهم أكملوا العدة ثلاثين، (١) » متفق عليه، وقال ﵊: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وخنس إبهامه في الثالثة وقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار بأصابعه كلها (٢) » . يعني بذلك أن الشهر يكون تسعا وعشرين، ويكون ثلاثين، وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٣) » وقال ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (٤) » والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكلها
стр. 7752
تدل على وجوب العمل بالرؤية، أو إكمال العدة عند عدم الرؤية، كما تدل على أنه لا يجوز اعتماد الحساب في ذلك، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز الاعتماد على الحساب في إثبات الأهلة. انتهى، وهو الحق الذي لا ريب فيه. والله ولي التوفيق.
стр. 7753
٢٤ - الأحاديث الصحيحة تدل على وجوب اعتماد الرؤية أو إكمال العدد وعدم اعتبار الحساب
س: أيجوز صوم رمضان وصلاة العيد على حساب التقويم؟ (١)
ج: لا يجوز اعتماد التقويم وهو الحساب في الصوم والفطرة؛ لأن ذلك يخالف الأحاديث الصحيحة، وإنما العمدة على الرؤية؛ لقول النبي ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٢) » ، وقوله ﵊: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وخنس إبهامه
стр. 7754
في الثالثة. والشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار بأصابعه كلها (١) » الحديث. يعني بذلك ﷺ أن الشهر يكون تسعا وعشرين، ويكون ثلاثين، وقال ﵊: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين (٢) » . وكلها أحاديث صحيحة ولها ألفاظ متعددة كلها متفقة في المعنى، وهي تدل على وجوب اعتماد الرؤية أو إكمال العدد، وأنه لا يجوز اعتماد الحساب، وبذلك قال أهل العلم الذين يعتد بأقوالهم. والله الموفق.
стр. 7755
٢٥ -
ليس لأحد أن يحتج لإبطال الرؤية لقول أصحاب المراصد أو يشترط لصحتها موافقة أصحاب المراصد
اطلعت على ما نشرته صحيفة (الجزيرة) في عددها الصادر يوم السبت ٢ \ ١٢ \ ١٤٠٠ هـ تحت عنوان: رمضان الماضي ٣٠ يوما وليس ٢٩، بقلم الأخ أحمد المسعري. واحتج على ذلك بأن المراصد العالمية بما فيها مرصد جامعة الرياض أكدت حسابات أم القرى بأن شهر رمضان الماضي كان ٣٠ يوما ولم يكن ٢٩. وزعم أن الهلال في مساء يوم الأحد الموافق ٢٩ رمضان قد غرب قبل الشمس بمدة لا تقل عن عشر دقائق في جميع أنحاء المملكة ... إلخ.
وتعلق أيضا بأن مؤتمر إسطامبول قد وضع قواعد للرؤية الحكيمة لحل هذه المشكلة.
ولما كان هذا الموضوع له أهمية كبيرة لتعلقه بصوم المسلمين وفطرهم وحجهم، رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة تتضمن إيضاح الحق وإبطال ضده، فأقول: إن الأحاديث
стр. 7756
الصحيحة قد استفاضت عن رسول الله ﷺ بالأمر باعتماد الرؤية وإكمال العدة وعدم الالتفات إلى الحساب. فوجب على المسلمين جميعا أينما كانوا أن يأخذوا بذلك ويعتمدوه، ولا يجوز لهم أن يكذبوا الثقات في رؤية الهلال بأن المرصد الفلاني زعم كذا، أو بأن المراصد الأخرى زعمت كذا، أو بأن مؤتمر إسطامبول وضع كذا.
وقد سبق الجميع المعلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فوضع للمسلمين قواعد واضحة، يعرفها العالم والجاهل والحضري والبدوي والحاسب وغيره، فقال ﵊: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١) » وفي لفظ: «فصوموا ثلاثين (٢) » ، وفي لفظ آخر: «فاقدروا له ثلاثين (٣) » ، وفي حديث آخر: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٤) » ، وقال عليه الصلاة
стр. 7757
والسلام: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) »
وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا (٢) » ، وعن أمير مكة الحارث بن حاطب ﵁ قال: «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما (٣) » . وهما حديثان صحيحان.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار بأصابعه العشر
стр. 7758
ثلاث مرات، وقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وخنس إبهامه في الثالثة (١) » والمعنى: أنه يكون تارة ثلاثين ويكون تارة تسعا وعشرين. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولم يحلهم النبي ﷺ في إثبات الشهور إلى الحساب، بل أحالهم إلى أمر مشاهد يراه الناس في السماء، وعند عدم الرؤية أمرهم بإكمال العدة، وقد أجمع سلف الأمة من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان من أهل العلم المعتبرين على ذلك، فلا يجوز لأحد أن يحتج على إبطال الرؤية بمجرد دعوى أصحاب المراصد أو بعضهم مخالفة الرؤية لحسابهم، كما لا يجوز لأحد أن يشترط لصحة الرؤية أن توافق ما يقوله أصحاب المراصد؛ لأن ذلك تشريع في الدين لم يأذن به الله، ولأن ذلك تقييد لما أطلقه الله ورسوله، واعتراض على صاحب الشريعة الذي لا ينطق عن الهوى، وتكليف للناس بما لا يعرفه إلا نفر قليل من الناس، فيضيقون بذلك ما وسعه الله.
ومن المعلوم أنه لا أحسن ولا أكمل من حكم الله ورسوله في كل شيء كما قال الله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) فنصيحتي لجميع المسلمين ولجميع الحاسبين بوجه أخص أن يتقوا الله، وأن يحذروا
стр. 7759
مخالفة رسول الله ﷺ والتشريع للناس بما لم يأذن به الله، وقد قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وفي الصحيحين عنه ﷺ : أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله (٥) » ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني
стр. 7760
فقد أبى (١) » .
والأدلة على إبطال التعلق بالحساب في إثبات الأهلة كثيرة جدا، وقد حكى أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إجماع أهل العلم على عدم الاعتماد على الحساب في إثبات الأهلة، وهو ﵀ من أعلم الناس بالإجماع والخلاف. وهذا الإجماع يؤيد ما دلت عليه السنة المتواترة عن الرسول ﷺ بذلك. وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ومقنع لطالب الحق. وأسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه والثبات عليه، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7761
٢٦ - من اعتبر الحساب الفلكي شرطا
لصحة الرؤية فقد استدرك على الله
ورسوله ﷺ (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الدستور الأردنية في عددها الصادر يوم ١٧\٩\١٤٠٧ هـ بقلم الدكتور علي عبندة مدير الأرصادات العامة وعضو لجنة المواقيت في وزارة الأوقاف الأردنية. وما نشر في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ ١٥\١١\١٤٠٧ هـ بقلم المهندس أمين عامر، والخبر المنسوب للدكتور رشاد قبيص مدير معهد البحوث الفلكية، الذي نشرته جريدة الأخبار المصرية غرة رمضان سنة ١٤٠٧ هـ عفا الله عنا وعنهم- من جزمهم باعتماد الحساب في إثبات الأهلة. وزعم الدكتور علي عبندة بأن الحقائق العلمية تؤكد عدم إمكانية رؤية هلال رمضان مساء الاثنين ٢٧\٤\١٩٨٧م مطلقا، حيث قال بغيابه قبل غروب الشمس بحوالي ٢٠ دقيقة بناء على ما ذكره
стр. 7762
قبل ذلك من أن الحسابات الفلكية الدقيقة، وجداول التقويم الهجري الإسلامي الذي أقرته معظم البلدان الإسلامية ومن بينها الأردن، إلى آخر ما ذكر.
وبناء على ذلك رأيت أن أوضح للقراء ما في هذا الكلام من الخطر العظيم والجرأة على دين الله ورسوله، ونبذ ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ وراء الظهر، وتقديم أقوال الفلكيين وأصحاب التقاويم على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من تعليق إثبات دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال أو إكمال العدة.
وحكمه ﷺ يعم زمانه وما بعده إلى يوم القيامة؛ لأن الله بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وهو سبحانه يعلم أن الفلكيين قد يخالفون ما يشهد به الثقات من رؤية الأهلة، ولم يأمر عباده في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ بالاعتماد على الحساب الفلكي، أو اعتباره شرطا في صحة الرؤية، ومن اعتبر ذلك فقد استدرك
стр. 7763
على الله وعلى رسوله ﷺ وألزم المسلمين بشرط لا أصل له في شرع الله المطهر، وهو ألا تخالف الرؤية ما يدعيه الفلكيون من عدم ولادة الهلال أو عدم إمكان رؤيته.
وقد صرحت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ بإبطال هذا الشرط والاعتماد على الرؤية أو إكمال العدة.
وقد أمر الله عباده عند التنازع أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى كتابه الكريم، أو سنة نبيه ﷺ ، وأن يردوا ما اختلفوا فيه إلى حكمه وحكم رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) الآية، وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات
стр. 7764
الأهلة أو إكمال العدد، وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما، وحكمه ﷺ لا يختص بزمانه فقط، بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع.
والله سبحانه أرسله إلى الناس كافة، وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره. وهو العالم بغيب السماوات والأرض والعالم بما سيحدث بعد زمانه ﷺ من المراصد وغيرها، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود مخالفة لحساب الفلك.
وهو سبحانه لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، لا فيما سبق من الرمان، ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وخنس إبهامه في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار بأصابعه العشر، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين (١) » ، وفي لفظ آخر: «فأكملوا العدة (٢) » يرشد بذلك أمته ﵊ إلى أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين، وتارة يكون ثلاثين. وصح
стр. 7765
عنه ﷺ أنه قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) » ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب، ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة صنفها في هذه المسألة كما في المجلد ٢٥ من الفتاوى صفحة ١٣٢ الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، وهو ﵀ من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف.
ونقل الحافظ في الفتح ج٤ صـ١٢٧ عن أبي الوليد الباجي: إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب، وأن إجماعهم حجة على من بعدهم.
والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور. ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها، أو جعلها معيارا للرؤية لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة بأن الهلال قد ولد. فهذا كله باطل.
ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من
стр. 7766
أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها. وفي أماكن الرؤية للهلال أو عدم ذلك. ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به، هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله ﷺ بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة.
وأما غيرهم فليس إجماعهم حجة تعارض بها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، كما يعلم ذلك من كتب الأصول، وعلم مصطلح الحديث.
والرؤية لهلال رمضان هذا العام أعني عام ١٤٠٧ هـ ليلة الثلاثاء قد ثبتت لدى مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية بهيئته الدائمة، فهي رؤية شرعية يجب الاعتماد عليها لموافقتها للأدلة الشرعية، وبطلان ما يعارضها. وبموجبها يكون يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان للأحاديث السابقة ولقوله ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون (١) » أخرجه
стр. 7767
الترمذي وغيره بإسناد حسن.
ولو فرضنا أن المسلمين أخطئوا في إثبات الهلال دخولا أو خروجا وهم معتمدون في إثباته على ما صحت به السنة عن نبيهم ﷺ لم يكن عليهم في ذلك بأس، بل كانوا مأجورين ومشكورين من أجل اعتمادهم على ما شرعه الله لهم وصحت به الأخبار عن نبيهم ﷺ ، ولو تركوا ذلك من أجل قول الحاسبين مع قيام البينة الشرعية برؤية الهلال دخولا أو خروجا لكانوا آثمين وعلى خطر عظيم من عقوبة الله ، لمخالفتهم ما رسمه لهم نبيهم وإمامهم محمد بن عبد الله ﷺ التي حذر الله منها في قوله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)
وفي قوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)
وقوله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣)
وأرجو أن يكون فيما ذكرته مقنع لطالب الحق وكشف للشبهة التي ذكرها الدكتور علي عبندة وغيره ممن يعتمد على
стр. 7768
أقوال الحاسبين، ويعطل الرؤية الشرعية، والله سبحانه المسئول أن يوفق هؤلاء الكاتبين وجميع المسلمين لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد والتمسك بشرع الله المطهر، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن القول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على رسوله وخليله، نبينا محمد وآله وصحبه ومن عظم سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
ورئيس المجلس التأسيسي
لرابطة العالم الإسلامي
стр. 7769
٢٧ - الحسابون لا يعمل بقولهم
ولا ينبغي لهم أن يشوشوا على الناس
س: يبقى مسألة الحسابين في رؤية الهلال يا سماحة الشيخ؟ (١)
ج: الحسابون لا يعمل بقولهم، يقول ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا- وأشار بأصابعه العشر ثلاث مرات يعني ثلاثين - والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة يعني تسعا وعشرين (٢) » . ويقول: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٣) » .
أما الحسابون فلا يلتفت إليهم ولا يعول على
стр. 7770
حسابهم، ولا ينبغي لهم أن ينشروا حسابهم، وينبغي منعهم من نشر حساباتهم؛ لأنهم بذلك يشوشون على الناس، لا في مسألة رؤية الهلال ولا في مسألة الكسوفات؛ لما في إعلانهم من التشويش على الناس، ولأنه لا يجوز العمل بقولهم. وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إجماع أهل العلم على أنه لا يعتمد على قول أهل الحساب في دخول رمضان ولا في خروجه.
стр. 7771
٢٨ - الحساب لا يعول
عليه والشاهد الواحد كاف
في إثبات دخول شهر رمضان
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ س. أ. ل. وفقه الله لما فيه رضاه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد تلقيت برقيتكم المتضمنة بيان أنه قد ثبت لديكم أن هناك استحالة لرؤية هلال شهر شوال في ليلة الخميس في منطقة الخليج ... إلخ. وأخبركم بأنه قد دلت الأدلة الشرعية وإجماع سلف الأمة على أن الحساب لا يعول عليه، وإنما المعول على الرؤية أو إكمال العدة كما قال النبي ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) » : وقال ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم
стр. 7772
فأكملوا العدة ثلاثين يوما (١) » وفي لفظ: «فصوموا ثلاثين (٢) » ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد ثبتت رؤية الهلال ليلة الخميس بأكثر من شاهدين، وبذلك تعلمون أنه لا يعول على الحساب، والشاهدان كافيان دخولا وخروجا، والشاهد الواحد كاف في الدخول، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم وسائر إخواننا العلم النافع والعمل به والثبات على الحق إنه خير مسئول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7773
٢٩ - متى ثبتت رؤية الهلال
ثبوتا شرعيا وجب العمل بها
ولم يجز أن تعارض بكسوف ولا غيره
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الندوة في عددها الصادر في يوم ٢٣ \ ٨ \ ١٤٠٥ هـ نقلا عن الفلكي حبيب علوي الحسين من جزمه بأنه سيكون كسوف للشمس في ليلة الاثنين ٣٠\٨\١٤٠٥ هـ حسب توقيت أم القرى. وأنه لا تمكن رؤية الهلال تلك الليلة بسبب الكسوف، وأن أول رمضان سيكون يوم الثلاثاء ... إلخ.
ونظرا إلى أن الرسول ﷺ قد علق إثبات الأهلة بالرؤية أو بإكمال العدة، وحكمه ﷺ يعم زمانه وما بعده إلى يوم القيامة؛ لأن الله بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، كما
стр. 7774
قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وهو سبحانه يعلم ما يقع من الكسوف في كل زمان، ولم يخبر عباده بما يجب عليهم اعتباره وقت الكسوف من جهة إثبات الأهلة، مع أنه سبحانه أخبرهم على لسان رسوله محمد ﷺ بما يشرع لهم وقت الكسوف من صلاة وغيرها، ونظرا إلى أن قول الفلكيين: إن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر في ليالي استسرار القمر ليس عليه دليل يعتمد عليه، وتخالف من أجله الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد صرح جمع من أهل العلم بأن كسوف الشمس يمكن وقوعه في غير آخر الشهر، والله سبحانه على كل شيء قدير.
وكون العادة الغالبة وقوعه في آخر الشهر لا يمنع وقوعه في غيره، ونظرا إلى أن بعض الناس قد يرتاب في العمل بالسنة بسبب أقوال الفلكيين. وقد يحمله ذلك على تكذيب البينة العادلة برؤية الهلال؛ رأيت التنبيه على هذا الأمر إيضاحا للحق وكشفا للشبهة، ونصرا للشريعة المحمدية، ودفاعا عن حكم الشريعة الإسلامية في هذا الأمر العظيم الذي يتعلق بجميع المسلمين.
стр. 7775
فأقول: قد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة أو إكمال العدد، وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله ﷺ ، وحكمه ﷺ لا يختص بزمانه فقط، بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع، والله سبحانه الذي أرسله إلى الناس وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره، هو العالم بغيب السماوات والأرض، والعالم بما سيحدث بعد زمانه ﷺ من المراصد وغيرها، ويعلم سبحانه ما يقع من الكسوفات، ولم يثبت عن رسوله محمد ﷺ أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود كسوف، وهو لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، لا فيما سبق من الزمان ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، (١) » وأشار بأصابعه العشر يرشد بذلك أمته ﵊ إلى أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين، وتارة يكون ثلاثين. وصح عنه صلى الله