٢٨ - الحساب لا يعول
عليه والشاهد الواحد كاف
في إثبات دخول شهر رمضان
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ س. أ. ل. وفقه الله لما فيه رضاه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد تلقيت برقيتكم المتضمنة بيان أنه قد ثبت لديكم أن هناك استحالة لرؤية هلال شهر شوال في ليلة الخميس في منطقة الخليج ... إلخ. وأخبركم بأنه قد دلت الأدلة الشرعية وإجماع سلف الأمة على أن الحساب لا يعول عليه، وإنما المعول على الرؤية أو إكمال العدة كما قال النبي ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) » : وقال ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم
стр. 7772
فأكملوا العدة ثلاثين يوما (١) » وفي لفظ: «فصوموا ثلاثين (٢) » ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد ثبتت رؤية الهلال ليلة الخميس بأكثر من شاهدين، وبذلك تعلمون أنه لا يعول على الحساب، والشاهدان كافيان دخولا وخروجا، والشاهد الواحد كاف في الدخول، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم وسائر إخواننا العلم النافع والعمل به والثبات على الحق إنه خير مسئول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7773
٢٩ - متى ثبتت رؤية الهلال
ثبوتا شرعيا وجب العمل بها
ولم يجز أن تعارض بكسوف ولا غيره
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الندوة في عددها الصادر في يوم ٢٣ \ ٨ \ ١٤٠٥ هـ نقلا عن الفلكي حبيب علوي الحسين من جزمه بأنه سيكون كسوف للشمس في ليلة الاثنين ٣٠\٨\١٤٠٥ هـ حسب توقيت أم القرى. وأنه لا تمكن رؤية الهلال تلك الليلة بسبب الكسوف، وأن أول رمضان سيكون يوم الثلاثاء ... إلخ.
ونظرا إلى أن الرسول ﷺ قد علق إثبات الأهلة بالرؤية أو بإكمال العدة، وحكمه ﷺ يعم زمانه وما بعده إلى يوم القيامة؛ لأن الله بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، كما
стр. 7774
قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وهو سبحانه يعلم ما يقع من الكسوف في كل زمان، ولم يخبر عباده بما يجب عليهم اعتباره وقت الكسوف من جهة إثبات الأهلة، مع أنه سبحانه أخبرهم على لسان رسوله محمد ﷺ بما يشرع لهم وقت الكسوف من صلاة وغيرها، ونظرا إلى أن قول الفلكيين: إن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر في ليالي استسرار القمر ليس عليه دليل يعتمد عليه، وتخالف من أجله الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد صرح جمع من أهل العلم بأن كسوف الشمس يمكن وقوعه في غير آخر الشهر، والله سبحانه على كل شيء قدير.
وكون العادة الغالبة وقوعه في آخر الشهر لا يمنع وقوعه في غيره، ونظرا إلى أن بعض الناس قد يرتاب في العمل بالسنة بسبب أقوال الفلكيين. وقد يحمله ذلك على تكذيب البينة العادلة برؤية الهلال؛ رأيت التنبيه على هذا الأمر إيضاحا للحق وكشفا للشبهة، ونصرا للشريعة المحمدية، ودفاعا عن حكم الشريعة الإسلامية في هذا الأمر العظيم الذي يتعلق بجميع المسلمين.
стр. 7775
فأقول: قد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة أو إكمال العدد، وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله ﷺ ، وحكمه ﷺ لا يختص بزمانه فقط، بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع، والله سبحانه الذي أرسله إلى الناس وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره، هو العالم بغيب السماوات والأرض، والعالم بما سيحدث بعد زمانه ﷺ من المراصد وغيرها، ويعلم سبحانه ما يقع من الكسوفات، ولم يثبت عن رسوله محمد ﷺ أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود كسوف، وهو لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، لا فيما سبق من الزمان ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، (١) » وأشار بأصابعه العشر يرشد بذلك أمته ﵊ إلى أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين، وتارة يكون ثلاثين. وصح عنه صلى الله
стр. 7776
عليه وسلم أنه قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) » ، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة صنفها في هذه المسألة كما في المجلد ٢٥ من الفتاوى ص ١٣٢: إجماع العلماء أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، وهو ﵀ من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف.
والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور، ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معيارا للرؤية، لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة، أو بأن الهلال قد ولد، فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته أو عدمه، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين، بل
стр. 7777
يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله ﷺ بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما الاحتجاج بالكسوف فمن أضعف الحجج؛ لأنه لا يوجد نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ يدل على أن الخسوف للقمر لا يقع إلا في ليالي الإبدار، وأن الكسوف للشمس لا يكون إلا أيام الاستسرار كما يقوله بعض العلماء، بل قد صرح جمع من أهل العلم بأنه يجوز أن يقع في كل وقت، وذكر غير واحد منهم أنه يمكن وقوعه في يوم عيد الفطر وعيد النحر، وهذان اليومان ليسا من أيام الإبدار ولا من أيام الاستسرار، فنقابل من قال: إنه لا يقع الخسوف إلا في ليالي الإبدار وأيام الاستسرار بقول من قال: إنه يمكن وقوعه في كل وقت، وليس قول أحدهما بأولى من الآخر، وتسلم لنا الأدلة الشرعية ليس لها معارض، وليس في شرع الله سبحانه ولا في قدرته فيما نعلم ما يمنع وقوع الكسوف في كل وقت؛ لأن الله له القدرة الكاملة على كل شيء، وله الحكمة البالغة في جميع ما يقدره ويشرعه لعباده، وقد أخبر نبيه ﷺ أن كسوف الشمس وخسوف القمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده،
стр. 7778
والعباد في أشد الحاجة إلى التخويف والإنذار من أسباب العذاب في كل وقت، وهذا المعنى نفسه من الأدلة الدالة على صحة قول من قال من العلماء بجواز وقوع الخسوف والكسوف في جميع الأوقات.
والرؤية لهلال شعبان ليلة السبت هذا العام ثبتت بشهادة عدلين وحكم بثبوتها المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية بهيئته الدائمة، فهي رؤية شرعية يجب الاعتماد عليها في الصوم والإفطار لموافقتها للأدلة الشرعية وبطلان ما يعارضها، وعليها يكون يوم الاثنين أول يوم من رمضان، إلا أن يرى الهلال ليلة الأحد للأحاديث السابقة، ولقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (١) » ، ولقوله ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون (٢) » خرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن، وأرجو أن يكون فيما ذكرته مقنع لطالب الحق وكشف للشبهة التي ذكرنا في صدر هذه الكلمة، والله سبحانه
стр. 7779
ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا وإمامنا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة
العالم الإسلامي بمكة المكرمة
стр. 7780
٣٠ - لا اعتبار في الشرع المطهر لانخفاض
المنازل وارتفاعها أو كبر الأهلة وصغرها (١)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد شاء الله سبحانه أن تثبت رؤية هلال شهر شوال هذا العام، أعني عام ١٣٨٩ هـ ليلة الثلاثين من رمضان بشهادة عدلين، فأمر ولي الأمر باعتمادها والإفطار بموجبها، فأفطر الناس في هذه البلاد بهذه الرؤية الشرعية، وشاء الله سبحانه أن تكون منازل الهلال في أول شوال ضعيفة، وانضاف إلى ذلك رؤية الناس للهلال مرتفعا في الشرق قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين، فأوجب ذلك شكا لبعض الناس، وربما فيما وقع من الإفطار، حتى سألني الكثير من الناس عن ذلك.
فلما رأيت الخوض بين الناس في هذا الموضوع أحببت أن أكتب كلمة في ذلك تتضمن بيان الأمر الشرعي في هذه المسألة؛ رجاء أن يزول اللبس عمن وقع في نفسه شيء من هذا الأمر.
فأقول: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 7781
قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين (١) » ، وفي لفظ آخر: «فأكملوا العدة ثلاثين (٢) » ، وصح عنه ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار ﵊ بيديه ثلاث مرات وخنس إبهامه في الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا. بأصابعه كلها (٣) » ، أراد بإشارته الأولى إلى أن الشهر يكون تسعا وعشرين، وأراد بإشارته الثانية إلى أن الشهر يكون ثلاثين. وقال ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة (٤) » ، وقال ﵊: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين (٥) » .
وأخرج أحمد والنسائي بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ﵄، عن جماعة من أصحاب الرسول ﷺ ، أن النبي ﵊ قال: «صوموا لرؤيته
стр. 7782
وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا (١) » .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تبين للأمة أنه لا اعتبار في الشرع المطهر للحساب، ولا لضعف منازل القمر، ولا لكبر الأهلة وضعفها، ولا لرؤية الهلال قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين، سواء كان منخفضا أو مرتفعا، وإنما الاعتبار شرعا بالرؤية الشرعية بعد المغرب أو إكمال العدة، ولو كان ضعف المنازل، أو صغر الأهلة، أو رؤية الهلال في المشرق قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين، مما يؤثر في الرؤية، لنبه عليه النبي ﷺ وبينه للناس؛ لأنه ﵊ هو أنصح الناس وأقدرهم على البيان، وقد أوجب الله عليه أن يبلغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم، وقد فعل ذلك ﵊ على خير وجه وأكمله.
ومعلوم عند العقلاء أن الأهلة تختلف اختلافا كثيرا بحسب قربها من الشمس وبعدها، وحسب صفاء الجو وكدره، وحسب اختلاف أبصار الناس في القوة والضعف، ولذلك أناط المصطفى ﷺ الحكم في هذا الأمر العظيم بالرؤية أو إكمال العدة ولم يجعل مناطا آخر، فعلم بذلك أن من علق الحكم في الرؤية بأمر ثالث، فقد شرع في الدين ما لم
стр. 7783
يأذن به الله، وقد قال في إنكار ذلك: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » .
وقد أيد النبي ﵊ هذا الأمر وأوضحه للأمة بنوع آخر من البيان، فقال ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون (٣) » ، أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن، ولكن أبا داود لم يذكر الصوم، وخرج الترمذي بإسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس (٤) » وخرج مسلم ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﵊ قال في الهلال: «إن الله مده للرؤية (٥) » ، وفي رواية أخرى: «إن الله قد أمده لرؤيته، فإن
стр. 7784
غمي عليكم فأكملوا العدة (١) » ، وترجم عليه الإمام النووي ﵀ بما نصه: باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثون.
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة: أتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس. قال الإمام النووي ﵀: أخرجه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ... انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالة كتبها في الأهلة نقلها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم في المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى ص ١٣٢ ما نصه: فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم، أو الحج، أو العدة، أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال، وبخبر الحساب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا.. إلى أن قال في ص ١٣٦: فالمقصود
стр. 7785
أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس. ولا يشرك الهلال في ذلك شيء ... إلى أن قال: فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال. انتهى المقصود.
وقد أطال ﵀ في هذه الرسالة وأطاب وأتى فيها بالعجب العجاب، ولولا خوف الإطالة لنقلت للقارئ منها كثيرا، ولكنها ميسرة بحمد الله لمن أراد الوقوف عليها. وقد علم مما ذكرناه من الأدلة وكلام بعض أهل العلم أن انخفاض المنازل وارتفاعها وكبر الأهلة وصغرها، ورؤية الهلال في المشرق قبل طلوع الشمس في اليوم التاسع والعشرين، واعتماد الحساب في دخول الشهور وخروجها، كل ذلك أمر لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه، بل هو خلاف الأدلة وخلاف الإجماع وهذا هو المطلوب. وأرجو أن يكون بذلك كفاية ومقتنع لطالب الحق، وكشف لما قد يلتبس على بعض الناس. والله المستعان وهو ولي التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا وإمامنا محمد وآله وصحبه.
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 7786
٣١ - لا اعتبار باكتمال جمادى الآخرة ورجب في نقصان شعبان
س: إذا كان شهر جمادى الآخرة ورجب كاملين وفي يوم تسعة وعشرين شعبان تعذرت الرؤية، فهل نأخذ بالغالب، وهو عدم اكتمال الشهر الثالث شعبان؟ (١)
ج: لا يجوز الصوم حتى يعلم أنه دخل الشهر، بإكمال شعبان ثلاثين، أو برؤية الهلال، ولا يلتفت إلى الغيم ولا مسألة كون الشهر قد يتم وقد ينقص في بعض الشهور؛ لأن العمدة على الرؤية أو إكمال العدة.
стр. 7787
٣٢ - لا مانع من توحيد التقاويم بالحساب
للاعتماد عليها في المسائل الإدارية لا في الصوم والفطر (١)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فقد رأست الدورة السادسة لندوة توحيد التقويم الهجري المنعقدة في مكة المكرمة من يوم الثلاثاء ١٠\١\١٤٠٦هـ حتى يوم الخميس ١٢\١\١٤٠٦هـ.
وقد أعد في هذه الجلسات بيانات توضح مطالع الشهور القمرية لعامي ١٤٠٧هـ و١٤٠٨ هـ وخمسة أشهر من عام ١٤٠٩هـ وفق الحساب الذي يستعمله الفلكيون، ولم أوقع على البيان والجداول خشية أن يظن من يطلع عليها أنني موافق على إثبات الصوم والفطر والأحكام الشرعية بالحساب.
وقد أفهمت اللجنة ذلك وأوضحت لها أن إثبات الأهلة والأحكام الشرعية إنما يكون بالرؤية أو إكمال العدد كما نص على ذلك نبينا محمد ﷺ في أحاديث صحيحة منها قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٢) » متفق عليه.
стр. 7788
ومنها قوله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (١) » رواه النسائي وأبو داود بإسناد صحيح. ومنها قوله ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين (٢) » متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
أما توحيد التقويم بالحساب فلا مانع أن يعتمد عليه في المسائل الإدارية ونحوها وللإيضاح والنصيحة وبراءة الذمة رأيت نشر هذا البيان وفق الله الجميع لما يحب ويرضى إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 7789
٣٣ - حكم صوم من أصبح
شهره واحدا وثلاثين يوما
س: سماحة الشيخ، ما حكم الشخص الذي صام أول الشهر بالمملكة ثم سافر إلى بلد تأخر عنا في دخول الشهر هل يصوم واحدا وثلاثين يوما؟ (١)
ج: يصوم معهم ويفطر معهم ولو زادت أيامه؛ للحديث السابق: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون (٢) » .
стр. 7790
س: أنا من شرق آسيا، عندنا الشهر الهجري يتأخر عن المملكة العربية السعودية بيوم، ونحن الطلاب سنسافر في شهر رمضان في هذه السنة، قال الرسول ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (١) » ، إلى آخر الحديث، وقد بدأنا الصوم في المملكة السعودية ثم نسافر إلى بلادنا في شهر رمضان وفي نهاية الشهر نكون قد صمنا واحدا وثلاثين يوما. وسؤالي هو: ما حكم صيامنا وكم يوما نصوم؟
стр. 7791
ج: إذا صمتم في السعودية أو غيرها ثم صمتم بقية الشهر في بلادكم، فأفطروا بإفطارهم ولو زاد ذلك على ثلاثين يوما؛ لقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون (١) » لكن إن لم تكملوا تسعة وعشرين يوما فعليكم إكمال ذلك؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسع وعشرين. والله ولي التوفيق.
стр. 7792
٣٤ - حكم صيام رمضان
ثمانية وعشرين يوما
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سماحة شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وفقه الله لما يحبه ويرضاه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد بلغني بالنشرة المرفقة تصريح سماحتكم لصحيفة الأخبار المتضمن إنكار صيام رمضان ٢٨ يوما ثم قضاء اليوم الأول من رمضان باعتبار وقوع خطأ في تحديده ... إلخ.
وأخبر سماحتكم أنني استغربت ما تضمنه هذا التصريح؛ لما أعلمه عن فضيلتكم من العلم والفضل وأن مثل هذا الحدث لا يخفى عليكم، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما، ومتى ثبت دخول شوال بالبينة الشرعية بعد صيام المسلمين ثمانية وعشرين يوما، فإنه يتعين أن يكونوا
стр. 7793
أفطروا اليوم الأول من رمضان فعليهم قضاؤه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الشهر ثمانية وعشرين يوما، وإنما الشهر تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء (٢٥) من فتاواه ص ١٥٤- ١٥٥ أن هذا حدث في زمن علي ﵁ صاموا ثمانية وعشرين يوما وأمرهم علي بصيام اليوم الذي نقصهم وإتمام الشهر تسعة وعشرين يوما.
فآمل التنويه على الصحيفة بالصواب، إذا كان قد صدر من فضيلتكم لها خلافه، ولا يخفى أن فضيلتكم محل الثقة والاعتبار، وسيأخذ بفتواكم من لا يحصيه إلا الله ويعتمدون عليها.
ولوجوب التناصح بيننا والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى رأيت الكتابة إلى فضيلتكم في ذلك. والله المسئول أن يوفقنا جميعا لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم. أثابكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7794
س: هل يجوز صيام ٢٨ يوما فقط من شهر رمضان ؟ (١)
ج: ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، عن رسول الله ﷺ أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما، ومتى ثبت دخول شهر شوال بالبينة الشرعية بعد صيام المسلمين ثمانية وعشرين يوما، فإنه يتعين أن يكونوا أفطروا اليوم الأول من رمضان، فعليهم قضاؤه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الشهر ثمانية وعشرين يوما، وإنما الشهر تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون.
стр. 7795
٣٥ - حكم من يصوم رمضان ثلاثين يوما دائما
س: ما حكم الله ورسوله في قوم يصومون رمضان ثلاثين يوما ولا ينقصونه أبدا؟ (١)
ج: هذا العمل خطأ، بل منكر مخالف لكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، ولعمل أصحابه من أهل البيت وغيرهم ﵃ أجمعين؛ لقول الله سبحانه:
стр. 7796
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٣) » ، وفي لفظ: «فصوموا ثلاثين (٤) » وفي لفظ آخر: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (٥) » ، فهذه الآيات والأحاديث تدل على أن الواجب هو الأخذ بالأهلة، فإن تم الشهر ثلاثين صام الناس ثلاثين، وإن نقص صام الناس تسعا وعشرين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول ﷺ دالة على أن الشهر يكون تسعا وعشرين، ويكون تارة ثلاثين، ولهذا أمر النبي ﷺ بترائي الهلال وإكمال العدة إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين من شهر شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان.
فلا يجوز لأحد أن يحكم رأيه ويقول: إن الشهر دائما يكون ثلاثين؛ لأن هذا القول مصادم ومخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، كما أنه
стр. 7797
مخالف لإجماع المسلمين؛ فإن العلماء قد أجمعوا قاطبة على أن الشهر يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين، والواقع شاهد بذلك يعلمه كل أحد له عناية بهذا الشأن، وقد قال الله سبحانه في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) قال العلماء من أهل التفسير وغيرهم: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته، وقد أوضحنا لك الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ وإجماع أهل العلم على أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين، وتارة يكون ثلاثين، فليس لأحد من الناس أن يخالف هذا الأصل الأصيل، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7798
س: ما الحكم في قوم يصومون رمضان ثلاثين يوما باستمرار؟ (١)
ج: قد دلت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ وإجماع أصحاب الرسول ﷺ والتابعين لهم بإحسان من العلماء على أن الشهر
стр. 7799
يكون ثلاثين، ويكون تسعا وعشرين، فمن صامه دائما ثلاثين من غير نظر في الأهلة فقد خالف السنة والإجماع، وابتدع في الدين بدعة لم يأذن بها الله، قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) الآية، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣) وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له (٦) » متفق عليه. وفي رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين (٧) » وفي لفظ آخر في
стр. 7800
الصحيحين: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين (١) » ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين (٢) » ، وفي لفظ آخر: «فأكملوا العدة ثلاثين (٣) » ، وفي لفظ آخر: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (٤) » .
وعن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (٥) » رواه أبو داود والنسائي، بإسناد صحيح.
وثبت عنه ﷺ في عدة أحاديث أنه قال: «إن الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فأكملوا العدة (٦) » وثبت عنه
стр. 7801
عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وأشار بأصابعه العشر وخنس إبهامه في الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا (١) » بأصابعه العشرة، ولم يخنس منها شيئا، يشير ﷺ إلى أنه يكون في بعض الأحيان ثلاثين، ويكون في بعضها تسعا وعشرين، وقد تلقى أهل العلم والإيمان من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان هذه الأحاديث الصحيحة بالقبول والتسليم، وعملوا بمقتضاها فكانوا يتراءون هلال شعبان ورمضان وشوال ويعملون بما تشهد به البينة من تمام الشهر أو نقصانه، فالواجب على جميع المسلمين أن يسيروا على هذا النهج القويم وأن يتركوا ما خالف ذلك من آراء الناس وما أحدثوه من البدع، وبذلك ينتظمون في سلك من وعدهم الله بالجنة والرضوان في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)
стр. 7802
من يجب عليه الصوم
والأعذار المبيحة للفطر
стр. 7803
صفحة فارغة
стр. 7804
٣٦ - يجب الصوم على كل مسلم مكلف
س: على من يجب صيام رمضان، وما فضل صيامه وصيام التطوع؟ .
ج: يجب صوم رمضان على كل مسلم مكلف من الرجال والنساء، ويستحب لمن بلغ سبعا فأكثر وأطاقه من الذكور والإناث، ويجب على أولياء أمورهم أمرهم بذلك إذا أطاقوه كما يأمرونهم بالصلاة. والأصل في هذا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) إلى أن قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) وقول النبي صلى
стр. 7805
الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (١) » . متفق على صحته. من حديث ابن عمر، ﵄، وقوله ﷺ لما سأله جبرائيل عن الإسلام قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (٢) » خرجه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وأخرج معناه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٣) » وثبت عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله : كل عمل ابن آدم له
стр. 7806
الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (١) » متفق على صحته. والأحاديث في فضل صوم رمضان وفي فضل الصوم مطلقا كثيرة معلومة. والله ولي التوفيق.
стр. 7807
٣٧ - تفسير قوله
: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير المكرم سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، وفقه الله وزاده من العلم والإيمان آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فأشير إلى سؤالكم الشفهي عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ورغبة سموكم في أن يكون الجواب خطيا. وأفيدكم أن علماء التفسير ﵏ ذكروا أن الله سبحانه لما شرع صيام شهر رمضان شرعه مخيرا بين الفطر والإطعام وبين الصوم، والصوم أفضل، فمن أفطر وهو قادر على الصيام فعليه إطعام مسكين، وإن أطعم أكثر فهو خير له، وليس عليه قضاء، وإن صام فهو أفضل؛
стр. 7808
لقوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) فأما المريض والمسافر فلهما أن يفطرا ويقضيا؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) ثم نسخ الله ذلك وأوجب الصيام على المكلف الصحيح المقيم، ورخص للمريض والمسافر في الإفطار، وعليه القضاء، وذلك بقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) وبقي الإطعام في حق الشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة العاجزة عن الصوم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن أنس بن مالك ﵁ وجماعة من الصحابة والسلف ﵃، وقد روى البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ معنى ما ذكرنا من النسخ للآية المذكورة، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٤) الآية،
стр. 7809
وروي ذلك عن معاذ بن جبل ﵁ وجماعة من السلف ﵏. ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة المريض الذي لا يرجى برؤه والمريضة التي لا يرجى برؤها فإنهما يطعمان عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة.
ويجوز إخراج الإطعام في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، أما الحامل والمرضع فيلزمهما الصيام، إلا أن يشق عليهما فإنه يشرع لهما الإفطار وعليهما القضاء كالمريض والمسافر، هذا هو الصحيح من قولي العلماء في حقهما، وقال جماعة من السلف: يطعمان ولا يقضيان كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة. والصحيح أنهما كالمريض والمسافر تفطران وتقضيان، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أنس بن مالك الكعبي ما يدل على أنهما كالمريض والمسافر.
وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من الهداة المهتدين إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7810
٣٨ - صيام رمضان يجب بالبلوغ والبلوغ له علامات
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ح. س. ح. سلمه الله (١)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ١١٨٠ وتاريخ ٢٣\٣\١٤٠٧ هـ الذي جاء فيه: لدي بنت تبلغ من العمر الآن ١٣ سنة وعندنا اعتقاد بأن البنت لا تصوم حتى تبلغ سن الخامسة عشرة، لكن أفاد بعض الناس أن الفتاة إذا جاءها الحيض وجب عليها الصوم، وبعد هذا الأمر سألناها وأفادت بأنه قد جاءها قبل ثلاث سنوات، أتى وعمرها عشر سنوات، ولذا نريد أن نعرف الحقيقة هل هي تصوم بنت الخامسة عشرة أم من ما جاءها الحيض؟ وإذا كانت تصوم إذا جاءها الحيض ماذا نفعل بالثلاث سنوات التي فاتت، هل تصومها؟ مع العلم أنا جهال بذلك وليس لدينا خبر من ذلك. أرجو التكرم بالإجابة مع الشكر.