← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

وجوب تحقيق تقوى الله في امتثال أمره واجتناب نهيه (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى إخوانه في الله حجاج بيت الله الحرام وإلى كل من يطلع على هذه الرسالة من المسلمين في كل مكان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فيسرني أن ألتقي بكم على صفحات هذه المجلة (التوعية الإسلامية) في عامها التاسع، والتي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في موسم الحج من كل عام؛ لإرشاد حجاج بيت الله وضيوف الرحمن لأداء مناسك الحج والعمرة على ما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء، وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وأصول عقيدتهم التي كان عليها سلفنا الصالح ﵃ أجمعين -، والتنبيه على كثير من البدع التي تفشت بين المسلمين، وتناول بعض القضايا المعاصرة بالدراسة التي تظهر وجه الحق فيها حتى يكون المسلم على بينة من أمرها بمقدار ما يتاح لهذه المجلة من وقت وإمكانيات، والله ولي التوفيق.

стр. 8542

وبهذه المناسبة الكريمة فإني أرحب بإخواني حجاج بيت الله في حرم الله، وأذكر نفسي وأذكرهم ببعض الوصايا، والنصائح الواجبة في مثل هذا المقام، حتى يكون عملنا مقبولا، وسعينا مشكورا، وحجنا مبرورا، وذنبنا مغفورا بتوفيق من الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) وتتحقق تقوى الله في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه، وحذرا من عقابه، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسول ﷺ لأمته، كما قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) واعلموا - رحمني الله وإياكم- أن الإخلاص لله في العبادة واتباع الرسول ﷺ فيها، أصلان أساسيان في صحتها وقبولها، واستحقاق الثواب عليها - لا سيما الحج - فلنحرص على ذلك أشد الحرص، فقد قال الله تعالى:

стр. 8543

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ومن الإخلاص لله في العبادة، أن لا نشرك معه غيره، أو نصرف شيئا منها لسواه، وأن نطهرها من الرياء وحب السمعة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك وهو الذي يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ويقول لنبيه الكريم ﷺ : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٧) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٨) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٩) وقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١٠) وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال

стр. 8544

«من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به (١) » متفق عليه، يعني من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله سريرته للناس يوم القيامة وفضحه على رءوس الخلائق. أعاذنا الله وإياكم من خزي يوم الدين. ومن العبادة الدعاء - بل هو أظهر مظاهر العبودية والتضرع لله - فينبغي أن يكون لله وحده، فلا يدعى غيره ولا يستعان بأحد سواه، ولا يلجأ إلا إليه، ولا يستغاث إلا به، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٤) وقد جاء في وصية رسول الله ﷺ لابن عباس ﵄: «.... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن

стр. 8545

ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف (١) » رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وينبغي أن نتحرى في كل أعمالنا سنة رسولنا ﷺ ، فهو ﷺ المتبوع والمقتدى به، ونتجنب البدع في ديننا، فالخير في الاتباع والشر في الابتداع. فقد قال ﷺ لأصحابه ﵃: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٢) » رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣) » متفق عليه.

стр. 8546

وأوصيكم ونفسي بتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب والنفقة والصدقة، فإن ذلك يعين على الطاعة ويكون سببا في قبولها، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: وقال تعالى: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ (٣) » رواه الإمام أحمد. ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق. فاختاروا لحجكم وعمرتكم نفقة طيبة تعينكم على إجابة الدعاء وقبول الأعمال. وأوصيكم ونفسي بالمحافظة على الصلاة وأدائها جماعة ما استطعتم، فإنها عماد الدين وفرق ما بين المسلم والكافر وآخر ما يرفع من الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة،

стр. 8547

فمن ضيعها فهو لما سواها من الفرائض والواجبات أضيع، والله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١) ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٢) ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤) ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٥) ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٦) ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٧) ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (٨) ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٩) ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (١٠) ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (١١) والمحافظة كذلك على سائر الفرائض والواجبات من إيتاء الزكاة وصوم رمضان والإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الأيتام وحسن الجوار وغير ذلك من الواجبات التي يقوم عليها أمر الإسلام، فمن ضيعها أو تهاون بها أو قصر في أدائها فهو على خطر عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. وأوصيكم ونفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكمة والموعظة الحسنة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٢) ولقول الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١٣) » . رواه مسلم.

стр. 8548

فابذلوا النصح لإخوانكم في رفق ولين فما من أمة ضاع فيها هذا الواجب إلا عمها الله بعذاب، فقد قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (١) » رواه الترمذي وقال: حديث حسن، «وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (٢) » متفق عليه. وأوصيكم ونفسي بأن نغتنم فرصة وجودنا في حرم الله تعالى بالإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته والتقرب إليه سبحانه بشتى الطاعات والقربات، فإننا في بلد تضاعف فيه الحسنات وقد فرغنا أنفسنا لذلك، فلا نضيع أوقاتنا في اللغو واللهو والقيل والقال فإنها تكون حسرات علينا يوم القيامة، ولنتجنب الجدال والخصام مع الرفقة والأصحاب، ولا نؤذ

стр. 8549

إخواننا الحجاج بالمزاحمة عند المناسك وخاصة عند الطواف واستلام الحجر الأسود ورمي الجمرات، فالله تعالى نهانا عن مجرد الجدال وهو دون هذا الأذى بكثير، فقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٢) » متفق عليه. ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، ولا يكون عادلا إلا إذا حكم بما أنزل الله، والله تعالى قال لنبيه الكريم ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٣) كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا

стр. 8550

فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وأوصي العلماء - وهم أعلام الهدى- أن يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأن يجمعوا المسلمين على ذلك، وأن يخلصوا النصح لولاة الأمور ويؤثروا ما عند الله على ما عندهم فما عند الله خير وأبقى، ويبلغوا رسالة الله ولا يخشوا أحدا سواه. فإذا نصح العلماء واستجاب الأمراء استقامت الأمة على طاعة الله فأعزها الله ومكن لها في الأرض، وجعلها- بحق - خير أمة أخرجت للناس. وأوصي الأغنياء بأن يبذلوا من أموالهم ويعاونوا إخوانهم الفقراء، ويمدوا المجاهدين في كل مكان بما يعينهم على قتال عدوهم، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢) ويقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)

стр. 8551

وإن فاتكم شرف الجهاد بالنفس فلا يفوتكم شرف الجهاد بالمال، فقد قال ﷺ : «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (١) » متفق عليه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وأسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق ويؤلف قلوبهم على الهدى، ويوحد صفوفهم، وينصرهم على عدوهم، كما أسأله أن يصلح ولاة المسلمين ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم، ويهيئ لهم البطانة الصالحة التي تذكرهم بالحق وتعينهم عليه، إنه الموفق لذلك والقادر عليه، وأن يجعل حجنا مبرورا وسعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8552

وجوب تقوى الله في السر والعلن (١) . بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ودعا بدعوته إلى يوم الدين. من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حجاج بيت الله الحرام وإلى كل من يطلع على هذه الرسالة من إخوانه المسلمين في كل مكان، وفقهم الله لما فيه رضاه ومنحهم الفقه في الدين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: ففي مستهل صدور العدد الأول من مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها في موسم كل عام الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، وفي عامها الحادي عشر أتقدم إليكم بالتحية الطيبة، ومرحبا بكم على هذه الأرض المباركة أرض الحرمين الشريفين، سائلا المولى ﵎ أن يجعل حجنا وحجكم مبرورا وسعينا وسعيكم مشكورا وذنبنا وذنبكم مغفورا، وأن

стр. 8553

يوفقنا وإياكم إلى صالح الأعمال في سهولة ويسر وصحة وعافية وقبول. وبهذه المناسبة الكريمة فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، والإخلاص له في الأعمال والأقوال، والاقتداء برسولنا ﷺ في مناسك حجنا وفي كل ما نتقرب به إلى ربنا ، فإن تقوى الله ﵎ هي السبب العظيم في تحصيل سعادة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وقال : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥) وهي ثمرة الحج المبرور والعبادات الصحيحة، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٦) وهي خير ما يدخره

стр. 8554

المسلم لذريته من بعده، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (١) لذلك كانت التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) والإخلاص هو أصل قبول الأعمال، فلا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، فلم يشرك صاحبها فيها مع الله غيره، ولا يقصد بها رياء ولا سمعة ولا شهرة ولا محمدة ولا ثناء من أحد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقال تعالى لنبيه الكريم ﷺ وهو قدوة المخلصين: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧)

стр. 8555

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) ولكون الشرك يحبط الأعمال ويضيع ثوابها حذر الله منه عباده، كما في الآيات السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤) وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁، قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه (٦) » . رواه مسلم ﵀، والرياء

стр. 8556

هو الشرك الخفي الذي يبطل الأعمال ويفوت الثواب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) وعن جندب بن عبد الله بن سفيان ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به (٢) » متفق عليه. قال النووي ﵀ (سمع) بتشديد الميم ومعناه أظهر عمله للناس به (سمع الله به) أي فضحه يوم القيامة. ومعنى (من راءى راءى الله به) أي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم. (راءى الله به) أي أظهر سريرته على رءوس الخلائق. والاقتداء بالرسول ﷺ في مناسك حجنا وفي كل ما نتقرب به إلى ربنا هو الأصل الثاني الذي يترتب عليه قبول الأعمال، فقد أمرنا الله باتباعه وحذرنا من مخالفته، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤)

стр. 8557

وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) والرسول ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن بلغ الناس ما أنزل إليه من ربه أكمل البلاغ، وبعد أن بين للناس ما نزل إليهم أتم بيان، كما قال الله تعالى له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) وكما قال جل شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) وقد أنزل الله عليه مصداق ذلك، حيث قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥) فكل ما لم يكن في زمن رسول ﷺ دينا فليس اليوم بدين.

стр. 8558

وفي الحديث الصحيح، قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » رواه مسلم ﵀، وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » . متفق عليه. فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يتقيا الله ، وأن يخلصا في أعمالهما وأن يتقيدا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل أعمالهما وأقوالهما في الحج وفي غيره. فهذا أمير المؤمنين الخليفة الراشد «عمر بن الخطاب ﵁ يقول وهو يقبل الحجر الأسود: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك (٣) » . متفق عليه. فلنكن أيها الأخوة المسلمون على بينة من مناسك حجنا

стр. 8559

وأمور ديننا حتى نعمل ما يطلب منا عمله ونجتنب ما يطلب منا اجتنابه، فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وبذلك يقع حجنا بتوفيق الله- حجا مبرورا والحج المبرور جزاؤه الجنة. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢) » . متفق عليه. ومفتاح العلم السؤال، فإذا أشكل عليكم أمر فاسألوا أهل العلم عنه، فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وهم بحمد الله تعالى- اليوم كثير، وستجدون في مداخل المملكة وفي مكة والمدينة وفي منى وعرفات وفي عديد من الأماكن التي يوجد فيها الحجاج مراكز للتوعية الإسلامية بها نخبة من أهل العلم، يجيبونكم على أسئلتكم

стр. 8560

ويفتونكم في كل ما تحتاجون إليه مما يتعلق بالحج وبغيره من أمور الدين، فاسألوهم واحرصوا على سماع دروسهم وندواتهم، فإن فيها خيرا كثيرا إن شاء الله، والرسول ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق عليه. وأنتم أيها الإخوة، قد حضرتم من بلاد بعيدة وجهات متفرقة، تحملتم فيها مشقة السفر وأنفقتم الأموال الكثيرة تبتغون الأجر والثواب من الله تعالى، فحافظوا على أوقاتكم واشغلوها بالعبادة والتقرب إلى الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأكثروا من قراءة القرآن الكريم ومن الصلاة والطواف والذكر والدعاء والاستغفار والصدقة وغير ذلك من أنواع العبادات والقربات، وحافظوا على صلاة الجماعة في المساجد وهي بحمد الله متوفرة - فصلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد أضعافا كثيرة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٢) » . متفق

стр. 8561

عليه، والفذ: الواحد. ولأهمية صلاة الجماعة في المساجد وعظم فضلها فإن رسول الله لم يرخص في تركها للأعمى الذي لا يجد له قائدا يقود إلى المسجد، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال له: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب (١) » رواه مسلم ﵀. وقد توعد رسول الله ﷺ من يتخلف عن الجماعة - بغير عذر- أن يحرق عليهم بيوتهم بالنار، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم (٢) » متفق عليه.

стр. 8562

والرسول ﷺ لا يتوعد بهذا العقاب الشديد إلا على أمر لا يجوز التساهل به أو التفريط فيه. فحافظوا أيها الحجاج بارك الله فيكم على صلاة الجماعة ما استطعتم، وخاصة في الحرمين الشريفين، فإن الصلاة فيهما تضاعف أضعافا كثيرة عن غيرهما في سائر المساجد، فعن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا (١) » أخرجه أحمد ﵀. وهذا خير من ضياع الوقت وبذل الجهد في زيارة أماكن هنا وهناك بقصد تحصيل الأجر والثواب - لم تشرع زيارتها ولم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام ﵃ أجمعين، ولو كان ذلك خيرا لسبقونا إليه، وقد مر بنا «قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول عند تقبيله الحجر الأسود: لولا أني رأيت رسول الله - صلى

стр. 8563

الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك (١) » ، وصح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. فالخير في الاتباع والشر في الابتداع. وأوصيكم أيها الإخوة في الله بالحرص على التواصي بالحق، والصبر فيما بينكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى في هذا الموسم العظيم، الذي يجمع عددا كبيرا من المسلمين جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويؤدوا مناسكهم، رغبة في مغفرة الله سبحانه وطمعا في ثوابه والنفوس مهيئة لقبول الخير، وقد قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣) » والله تعالى يقول:

стр. 8564

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) «وعن جرير بن عبد الله ﵁، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (٢) » . متفق عليه. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٣) » متفق عليه. والمسلم يحب لنفسه أن يكون على خير في دينه ودنياه، فكذلك يجب أن يحب ذلك لإخوانه المسلمين، ولكن ينبغي أن يكون ذلك برفق ولين وحكمة وموعظة حسنة، كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) وعن عائشة - رضي

стр. 8565

الله عنها -، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (١) » . متفق عليه، وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢) » . رواه مسلم ﵀. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فعن أبي هريرة ﵁، قال: «بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (٣) » رواه البخاري ﵀، ثم أفهمه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا وإنما هي للصلاة وذكر الله (٤) » .

стр. 8566

وهكذا ينبغي أن يكون المسلم رفيقا بإخوانه رحيما بهم يغفر زلاتهم ويعفو عن إساءاتهم يرحم ضعيفهم ويوقر كبيرهم ولا يشق عليهم، بل يجادلهم بالتي هي أحسن، وخاصة في رحلة الحج المباركة التي خرج فيها الجميع يلبون ربهم ويحمدونه ويكبرونه، لا سيما في أوقات الشدة وأماكن الزحام في المطاف وفي المسعى، وعند الصعود إلى عرفات والنزول منها، وعند رمي الجمرات حتى يؤدي الجميع مناسك حجهم في سهولة ويسر، وحتى يكون بتوفيق الله حجا مبرورا، والرسول ﷺ يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » متفق عليه. وفي الحديث المتفق على صحته يقول رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه (٢) » . وإني أهيب بإخواني المسلمين من حجاج بيت الله الحرام، أن يتناسوا خلافاتهم، وأن يقبلوا على نسكهم بنفوس

стр. 8567

صافية وقلوب مخلصة وألسنة ذاكرة لله وحده، الذي دعاهم إلى حج بيته، ووفقهم لإجابة هذه الدعوة، فهتفوا قائلين: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) . وينبغي أن يكون هذا الذكر حقيقة تحكم تصرفاتهم وتضبط سلوكهم، فلا يتصرفون إلا بما يرضي الله، ولا يسلكون إلا سبيل الله، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) كما أهيب بولاة أمور المسلمين وعلمائهم، وأهل الرأي فيهم من الحجاج، أن ينتهزوا فرصة اجتماعهم في هذه الأماكن المقدسة مهد الإسلام ومهبط الوحي ومشرق الرسالة الخاتمة التي جمعت القلوب المتنافرة ووحدت القبائل المتناحرة، فجعلت من رعاة الغنم قادة للأمم، ومن الأمة الأمية خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، أهيب بهم أن يلتقوا ويتشاوروا فيما يجمع شمل الأمة الإسلامية ويوحد صفوفها ويستنقذ بلادها ومقدساتها من أيدي أعدائها ولا سيما المسجد الأقصى المبارك، ويشد أزر المجاهدين في سبيل ذلك ويوحد صفوفهم حتى لا تكون فتنة

стр. 8568

ويكون الدين كله لله. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (١) » متفق عليه. وعن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٢) » متفق عليه، وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (٣) » متفق عليه.

стр. 8569

ومن فاته نصرة إخوانه المجاهدين بنفسه ينبغي أن ينصرهم بقوله أو ماله فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٣) » رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهذا يبين أهمية الإعلام، بالنسبة لقضايا المسلمين. وعن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (٤) » متفق عليه. وإن لكم إخوانا قد أصابهم الضر ونزل بهم القحط وابتلوا بنقص في الأموال والأنفس والثمرات في أفريقيا

стр. 8570

وغيرها، وهم في أشد الحاجة إلى مواساتكم ومعونتكم فلا تبخلوا عنهم بشيء من أموالكم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (١) وهو القائل سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٣) وقال النبي ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٤) » . وفي الختام فإني أسأل الله أن يسدد خطانا وخطاكم، وأن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والرشاد، وأن يجمع شمل هذه الأمة المحمدية على الحق والهدى، وأن يوفق حكامهم وولاة أمورهم إلى أن يحكموا بينهم بما أنزل الله ويطبقوا فيهم شريعة الله، وهو القائل سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥) إنه ولي ذلك والقادر عليه، كما أسأله سبحانه أن يتقبل منا ومنكم، وأن يردكم إلى بلادكم سالمين غانمين

стр. 8571

موفقين إنه على كل شيء قدير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 8572

الحج فرصة لنشر دعوة الحق . بعد الحمد والثناء على الله ثم الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، إني أشكر الله على ما من به علينا وعلى حجاج بيت الله الحرام من أداء مناسك الحج في أمن وعافية وسلامة وهدوء، الحمد لله جل وعلا على ذلك ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومن جميع حجاج بيت الله الحرام، كما أسأله سبحانه أن يوفق حكومتنا لكل خير، وأن يجزيها عما فعلت من التسهيل لحجاج بيت الله الحرام لأداء مناسكهم أفضل الجزاء وأن يعينها على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، كما أسأله سبحانه أن يجزي أيضا العاملين في هذه الدولة من عسكريين ومدنيين أحسن الجزاء عما فعلوا من الخير، وأن يضاعف مثوبتهم على ما فعلوه من تيسير وتسهيل وإعانة لإخوانهم حجاج بيت الله الحرام، وأسأله أن يتقبل من الجميع عملهم وحجهم.

стр. 8573

ثم إني أشكر أخي صاحب الفضيلة معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ محمد بن عبد الله السبيل على كلمته القيمة وتوجيهاته السديدة المفيدة، فجزاه الله خيرا، وقد أحسن وأجاد في نصيحة إخوانه الدعاة ووصيتهم بما ينبغي أن يعتمدوه في نصحهم ودعوتهم إلى الله وعنايتهم بإخوانهم حجاج بيت الله الحرام وغيرهم. فإن الدعوة إلى الله شأنها عظيم وهي من أهم الفرائض وهي مهمة الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، والعلماء هم ورثة الأنبياء فالواجب عليهم العناية بالدعوة، وأن تكون بالأساليب التي يرجى منها حصول المطلوب والسلامة من النفور عن الحق، ويرجى منها الإفادة للمدعو وقبوله الحق، وعليهم أن يحذروا الأساليب التي يخشى منها بقاء المنكر أو وجود ما هو أنكر منه، فالداعي إلى الله يجب أن ينظر في أسلوب دعوته، وأن يتحرى الأساليب التي يرجى من ورائها حصول الخير والفائدة، والسلامة من ضد ذلك، فجزى الله أخانا صاحب الفضيلة الشيخ محمد عن كلمته خيرا، كما أشكره أيضا على جهوده العظيمة الإصلاحية في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأسأل الله أن يزيده والعاملين معه من التوفيق والهداية وأن يبارك في جهودهم وينفع بها عباده من حجاج بيت الله الحرام وزوار هذا المسجد العظيم للعمرة، وزواره للصلاة

стр. 8574

وزوار المسجد النبوي، نسأل الله أن يبارك في جهود القائمين على هذين المسجدين وأن يجعلهم هداة مهتدين، كما أشكره أيضا هو وإخوانه على ما يبذلوه من الدعوة إلى الله في المسجدين وتوجيه الناس إلى الخير، وإفتائهم فيما يحتاجون إليه فجزاهم الله جميعا خيرا. ثم أشكر الأمانة العامة للتوعية على جهودها في هذا السبيل، سبيل تسهيل أداء المناسك لحجاج بيت الله الحرام، أشكر الأمانة والعاملين فيها على جهودهم الطيبة في تسهيل أمر الحجيج وإعانتهم على أداء مناسكهم بما يسهل عليهم ذلك وبما يعينهم على فهم ما أوجب الله عليهم وعلى ترك ما حرم الله عليهم، ولا شك أن جهود الأمانة العامة لها ثمار عظيمة، ولها فوائد جمة، ونسأل الله أن يبارك في هذه الجهود وأن يجزي العاملين فيها جزاء حسنا وأن يثبتهم ويأجرهم على ما فعلوه ويزيدهم من فضله، فإن الله سبحانه هو الجواد الكريم وهو الذي يجازي العاملين بما يستحقونه، فنسأل الله أن يجزي العاملين في سبيله جزاء حسنا، وأن يثيبهم على ما قدموا، وأن يجعل لهم مثل ثواب إخوانهم الذين ساعدوهم في الخير، وسهلوا لهم طريق الخير، ثم أشكر إخواني الدعاة إلى الله ، وأدعو لهم بمزيد من التوفيق فقد بذلوا جهودا كبيرة، وأسأل الله أن يجزيهم عن جهودهم خيرا، وأن يضاعف

стр. 8575

مثوبتهم، ولا شك أن الواجب عليهم عظيم، ونسأل الله أن يتقبل منهم جهودهم وأن يعطيهم مثل أجور من هداه الله على أيديهم، قال الله في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فالدعوة إلى الله هي سبيل الأنبياء وأتباعهم على بصيرة، فنسأل الله أن يوفقنا وإخواننا الدعاة وسائر علماء المسلمين لما يرضيه وأن يجعلنا جميعا من الدعاة إليه على بصيرة وأن يعيننا على أداء الواجب إنه خير مسئول، ولا شك أن الدعاة إلى الله سبحانه في جهاد عظيم، وهم جديرون بأن يبذلوا وسعهم في هذا السبيل؛ لأن الله جل وعلا قد أتاح لهم في هذا الموسم أمما كثيرة من سائر أرجاء الدنيا في حاجة إلى الدعوة والتوجيه فيما يتعلق بالعقيدة ومناسك الحج وفيما يتعلق بأحكام الدين، فهم جديرون بأن يوجهوهم ويرشدوهم إلى ما يجب عليهم وإلى ما يحرم عليهم حتى يفعلوا ما شرع الله ويدعوا ما حرم الله، وأسأل الله أن يبارك عملهم، وأن ينفع به عباده المسلمين، وأن يجزيهم عن ذلك جزاء حسنا، وأن يجعلهم من الهداة المهتدين، ولا ريب أن الحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه والإرشاد، فالواجب أن تكون دعوتهم بالأساليب الحسنة التي يرجى منها

стр. 8576

قبول الحق وترك الباطل، قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فهذه الطريقة التي رسمها الله لعباده فيها الخير العظيم فيها توجيه الناس وإرشادهم بالعلم والحكمة، فإن الحكمة هي العلم، وذلك بوضع الأمور في مواضعها عن علم وبصيرة، ثم الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب ثم الجدال بالتي هي أحسن؛ لإزالة الشبه وإيضاح الحق، وبذلك يحصل المطلوب ويزول المرهوب، بخلاف الشدة والغلظة فإنه يترتب عليها شر عظيم وعواقب وخيمة، منها عدم قبول الحق، ومنها أنه قد يقع بذلك منكرات أخرى، قال الله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) وقال لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) فالواجب على الدعاة أن يسلكوا المسالك التي يرونها ناجحة مفيدة صالحة لإرشاد المدعوين وتوجيههم إلى الخير، ولا شك أن الحكمة في الدعوة والتبصر فيها من أهم المهمات، والدعوة إلى الله أحسن ما بذله المسلم في نفع غيره، قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٤)

стр. 8577

وموسم الحج من أحسن مواضعها وأوقاتها، فالحج فرصة للدعاة إلى الله لينشروا فيه دعوة الحق ويرشدوا فيه الخلق إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، ويحذروهم عما نهى الله عنه من سائر الأخلاق والأعمال، فهي نعمة من الله عظيمة على من دعا إلى الله ، ونعمة من الله عظيمة على المدعوين، فنسأل الله أن يجزي الداعين خيرا وأن يثبتهم عن دعوتهم، وأن يزيدهم علما إلى علمهم وخيرا إلى خيرهم، وأن يجعلهم هداة مهتدين وأن ينفع المدعوين بما سمعوا وبما شاهدوا وأن يرزقهم البصيرة والفقه في الدين، كما أسأله سبحانه أن يجزي ولاة أمرنا عما فعلوا وبذلوا من الخير في إعانة الدعاة على أداء واجبهم وفي إعانة الحجاج على أداء مناسكهم، نسأل الله أن يجزيهم على ذلك الجزاء الحسن وأن يضاعف مثوبتهم وأن يزيدهم من كل خير وأن يعينهم على إزالة كل شر. وإن واجب العلماء النصيحة لله ولعباده والنصيحة لولاة الأمور بالمكاتبة والمشافهة للأمير والرئيس، لكل ولي أمر من ملك أو رئيس جمهورية أو أمير أو رئيس عشيرة أو جماعة إلى غير ذلك، فكل من له رئاسة وكل من له شيء يستطيع أن

стр. 8578

يتصرف فيه، هو جدير بأن ينصح ويوجه، حتى يبذل جهوده في من تحت يديه، هذا واجب العلماء أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها وفي هذه الدولة، وفي هذه البقعة بصورة خاصة وفي بقاع الدنيا عامة، والواجب على العلماء أن يرشدوا الناس إلى توحيد الله وطاعته ويتعاونوا مع ولاة الأمور بالحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب والنصيحة الطيبة بالمشافهة والمكاتبة، واجتناب الألفاظ والوسائل التي قد تنفر من الحق وقد تضر الدعوة، يجب على العلماء أينما كانوا أن يكونوا بصيرين بأمر الدعوة، وأن يتحروا الأسباب والوسائل التي يرجى من ورائها حصول المطلوب، وأن يحذروا كل سبب وكل وسيلة يخشى من ورائها عدم حصول المطلوب، أو حصول ضده، هذا هو الواجب على الجميع. وفي مكة المكرمة كان نبينا ﵊ يدعو الناس بالكلام الطيب والأسلوب الحسن حسب الطاقة والإمكان، ويتابع البعد عن كل ما يضر الدعوة، وهكذا لما هاجر إلى المدينة فعل ذلك حتى شرع الله الجهاد وأعطاه قوة، فعند ذلك جاهد الناس وشرع في قتال الكفار إلى أن يستجيبوا للحق، وعلى الدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأن يجتهدوا في إيصال الدعوة إلى المدعوين بالطرق التي يرجى منها حصول المطلوب، وإذا قوي من له سلطان قام

стр. 8579

على تنفيذ الحق بالقوة بطريقة يحصل بها المطلوب ولا يحصل منها ضده، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحق بالطريقة التي يمكن بها تنفيذه بدون حصول ما هو شر ومنكر. والواجب على الدعاة إلى الله أن يبلغوا ولاة الأمور الحق بالوسائل الكتابية والشفهية حتى يحصل التعاون بين الجميع بين السلطان وبين الأمير وبين كبير القبيلة وبين كبير الأسرة، حتى يحصل التعاون بين الجميع بالأسلوب الحسن والدعوة المباركة، ولا شك أن الدعوة إلى الله يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الدعوة تدخل فيها الأمر والنهي عند الإطلاق، كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١) وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٢) تعم الدعاة وتعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعم كل من قام بالإصلاح والدعوة إلى الله ، في درس أو مجلس أو غير ذلك، وهكذا الأمر بالمعروف إذا أطلق دخلت فيه الدعوة، كما في قوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) فالواجب على كل إنسان أن

стр. 8580

يبذل وسعه في تنفيذ الحق حسب طاقته، فالسلطان عليه واجبه الأعظم حسب طاقته، والأمير في القرية أو البلد أو القبيلة عليه تنفيذ الحق حسب طاقته بالفعل والقول جميعا، وكبير الأسرة وصاحب البيت عليه تنفيذ الحق بالقول وبالعمل حسب طاقته ومع أولاده وأهله، وهكذا كل إنسان عليه أن يعمل حسب طاقته، كما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وكما قال ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » ، فمن كان يستطيع بيده مثل السلطان والأمير فيما حدد له، والهيئة فيما حدد لها، وصاحب البيت فيما يقدر عليه نفذ الأمر بيده، ومن كان بصفة أخرى نفذ بالكلام والتوجيه والإرشاد وبالتي هي أحسن حتى يحصل الحق وحتى يزول الباطل، وعليه أن يستمر ولا ييأس ويرجو ما عند الله من المثوبة فيصبر، كما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) هذه صفة الرابحين والمؤمنين السعداء، إيمان
следующие страницы →